إصداراتتقدير موقف

اعتقال المعارض عثمان سونكو يُشْعِل فتيل الاحتجاجات في السنغال

إعداد: فريق المركز

في نهاية الأسبوع المنصرم، حاصرت سيارات الأمن والحواجز منزل زعيم المعارضةالسنغالي، عثمان سونكو، يوم الأربعاء المنصرم، ومنعت السلطات التجمعات عشية المحاكمة التي قد تحدد أهليته لخوض الانتخابات الرئاسية العام المقبل من عدمها. لكن أنصار سونكو اعتبروا هذه الخطوة مجرد وسيلة لقمع الرجل وإيداعه السجن بتهم ملفقة، ونتج عن ذلك تجمع الشباب المتحموسون حول المكان وطوقوا الشرطة الأمر الذي أدى إلى اصطدام مع قوات الشغب والجماهير المتواجدة في المكان. وفي نهاية المطاف، تمكن قوات الأمن القبض على سونكو، ولكن أجل موعد محاكمته إلى نهاية الشهر الجاري بدلا من اليوم المعلن عنه في نهاية الأسبوع المنصرم.

من عثمان سونكو؟
عثمان سونكو سياسي سنغالي شاب رئيس حزب باستيف، شغل منصب كبير مفتشي الضرائب في السنغال، ومدافع عن إصلاح نظام الضرائب السنغالي. كان أصغر مرشح (مواليد 12 أكتوبر 1974م)[1]يخوض الانتخابات الرئاسية لعام 2019م عندما تحدى الرئيس الحالي، ماكي سال، وحصل على الترتيب الثالث.
حصل سونكو على الشهادة الثانوية في عام 1993، وفي عام 1999 على درجة الماجستير في العلوم القانونية، وتخصص في القانون العام، من جامعة جاستون بيرجر في سانت لويس، السنغال. وبعد حصوله على درجة الماجستير، التحق بالمدرسة الوطنية للإدارة والقضاء (ENAM)، ومن ثم التحق بالخدمة العامة فقضى 15 عاما فيها كأخصائي ضرائب.[2]
لم يكن سونكو مثقفا وسياسيا فحسب؛ بل كان مؤلفا أيضا، وله ثلاث مؤلفات، من بينها كتاب “النفط والغاز في السنغال” Pétrole et gaz au Sénégal، الذي نُشر عام 2017،[3]الذي يروي فضائح قضية بترو تيم. ثم في العام التالي(2018)ألف كتابا ثانٍ بعنوان “الحلول”. وتجدر الإشارة إلى أن عثمان سونكو يحظى بقبول شعبي كبير لا سيما في أوساط الشباب والفئات المهمشة، ومقرب أيضا إلى التيارات الإسلامية بمختلف مكوناتها، وذلك بفضل تدينه والتزامه (النسبي)، والذي فاق به أقرانه السياسيين.

سونكو والمعترك السياسي
عثمان سونكو، رئيس حزب “باستيف” (الوطنيون)، (PASTEF) Les Patriotes الذي أنشأه في عام 2014، ورفع شعار الأخلاق والعمل والأخوة. وفي عام 2016، عندما كان مفتش ضرائب، فجأة تحول إلى مُبلّغ عن المخالفات، وكشف عن ممارسات الفساد، مثل الملاذات الضريبية الخارجية للنخبة السنغالية، كقضية مصنع معالجة الرمال المعدنية، وكانت تكلفته 50 مليون دولار، واستخدام شركة SNC Lavalin-Mauritius Ltd، وهي شركة كندية، قذيفة لتجنب دفع ضرائب تقدر بنحو 8.9 مليون دولار في ظل تكنم الحكومة عن ذلك. وعلى خلفية هذه القضايا والملفات التي حركهافُصل عن منصبه.[4]
وبناء على ذلك، انخرط سونكو في العمل السياسي بشكل تام، فترشح لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2019 كمرشح للعدالة الضريبية. وفي تلك الانتخابات أعيد انتخاب الرئيس ماكي سال، الذي فاز نسبة 58٪ من الأصوات، بينما حصد سونكو نسبة 16% من أصوات الناخبين، وبهذا جاء في المركز الثالث.[5]ولكن، خلال فترة التحضير للانتخابات، وقبل يوم الانتخابات مباشرة، استُهدف سونكو مرارا وتكرارا بتشويهات مجهولة باستخدام وثائق مزورة وادعاءات كاذبة تهدف إلى تشويه سمعته.
وفي سبتمبر 2021، أطلق عثمان سونكو ائتلافا جديدا أسماه “Yewwi Askan wi” والذي يعني بلغت الولوف “حرروا الشعب” بهدف التغلب على المجالس البلدية والمقاطعات التي يسيطر عليها جميعا تقريبا التحالف الرئاسي منذ انتخابات 2014.[6]

ما القضايا والملفات القضائية التي تلاحق سونكو؟

إلى جانب ملفات الفساد التي حركها عثمان سونكو أثناء توليه منصب كبير مفتشي الضرائب وبعدها، اهتم أيضا بملف الاقتصاد والنظام المالي. فطالب دولته السنغال، التي لا تزال تستخدم عملة الفرنك سيفا (إلى جانب سبع دول فرنكوفونية أخرى في غرب إفريقيا) باستبدال الفرنك بعملة محلية، واقترح خروجا تدريجيا وحكيما ومسؤولا من النظام النقدي للفرنك سيفا الذي يجعل اقتصادات البلاد رهينة للهيمنة الفرنسية.هذه المطالبات أزعجت حكومة ماكي سال كما أزعجت السلطات الفرنسية  أيضا كونها تشرف على العملة المحلية لدول غرب إفريقيا ووسطها.
وفي مارس 2021، اتهمت عاملة في صالون للتدليك سونكو باغتصابها وتهديها بالقتل؛ لكنه نفى هذه المزاعم جملة وتفصيلا، معتبرا إياها محاولة من الرئيس “لتدميره سياسيا” قبل الرئاسيات المقبلة في 2024، الأمر الذي نفته الحكومة السنغالية.
هذا الحدث تسبب في ظهور احتجاجات من قبل أنصار سونكو ضد الحكومة، وعلى إثر ذلك، قُبض على سونكو بالقرب من جامعة الشيخ أنتا ديوب في تاريخ 3 مارس 2021، ووجهت إليه تهمة الإخلال بالنظام العام وهو في طريقه إلى المحكمة للدفاع عن نفسه ضد تهم الاغتصاب ، التي يقول هو ومؤيدوه إنها ذات دوافع سياسية.[7]
في نهاية المطاف، لم يستطع القضاء إدانته بشكل رسمي، ولم يبت في القضية تماما، ومازالت معلقة حتى يوم الناس هذا، ووُضِع سونكو تحت المراقبة القضائية. وفي مايو 2021، رفض القضاء السنغالي الإذن لعثمان سونكو بمغادرة البلاد للسفر إلى الخارج أثناء وجوده تحت المراقبة القضائية منذ توجيه الاتهام إليه بارتكاب جريمة الاغتصاب في مارس 2021.[8]
وفي إحدى مؤتمراته الصحفية من هذا العام، صرح سونكو بأن وزير السياحة وعضو حزب التحالف من أجل الجمهورية (APR)، “مام مباي نيانغ”[9]بأنه اختلس ما يساوي 29 مليار فرنك سيفا من مشروع “بروداك” الزراعي. وادعى سونكو أنه يحمل في حوزته ملفا تفصيليا عن هذا الموضوع؛ لكن الوزير نفي ذلك تماما، وأكد على أن المستندات التي يتحدث عنها سونكو ليست مستندات رسمية يعتمد عليها، وفي حالة ثبوت ذلك أنه مستعد لتقديم نفسه للعدالة. ومن ثم رفع الوزير شكوى ضد سونكو، متهما إياه بالتشهير به دون بينة أو دليل مادي.
وبناء على دعوى الوزير، دعت المحكمةُ السيدَ عثمان سونكو للتحقيق معه، وحدّدّتِ الموعد يوم الخميس 16 مارس 2023 للمثول أمام المحكمة، وفي يوم الأربعاء مساءً فوجئ سونكو بقوات الشرطة وقوات مكافحة الشغب تحاصر منزله دون معرفة السبب، الأمر الذي أغضب مناصريه وخاصة الشباب، وخرجو بدورهم محتشدين ومتظاهرين في الموقع ذاته. وأظهرت لقطات بُثّتْ على الهواء مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أن طوقا من رجال الشرطة يرتدون ملابس مكافحة الشغب أغلقت الطريق المؤدي إلى منزل سونكو في العاصمة داكار.

بم يختلف ملف التشهير عن ملف الاغتصاب وماذا سيترتب عليه؟
إن تهمة التشهير التي وُجّهت إلى سونكو تختلف عن القضايا السابقة في عدة أوجه. أولها أن طرف القضية وزير حالي في حكومة ماكي سال وعضو نشط في حزبه أيضا، فالقضية اتخذت منحا شخصيا بين سونكو وشخصية الوزير أكثر من كونها مواجهة بين زعيم معارضة وسلطة حاكمة. ثانيها، على الرغم من أن المستندات التي بحوذتْ سونكو قد لا تكون مستندات نهائية أو ليست صادرة من جهة رسمية، حسب بعض المطلعين على القضية الذين يرون بأن معلومات سونكو قد لا تكون موثقة بما فيه الكفاية، إلا أنها تمثل تهديدا ورعبا ليس لوزير السياحة فحسب، وإنما لبقية الشخصيات البارزة في حكومة ماكي سال أيضا. ثالثها وأخيرا، أن القضاء لم يستمع إلى طرفي النزاع بعد، ولم تفتتح الجلسات الرسمية أيضا، وبالتالي الشغب الذي حصل خلال هذه الأيام أيضا قد يكون ملف إدانة آخر يتحمله الزعيم المعارض سونكو، خاصة أن حزبه دعى الشباب إلى النزول إلى الشوارع والمطالبة بالحريات وحقوق التعبير وغيرها.
وحسب صحيفة داكار نيوز، أجّلت المحكمة محاكمة عثمان سونكو إلى 30 من هذا الشهر الجاري في جلسة خاصة؛ ولكن الاحتجاجات الشعبية مازالت مستمرة على مستوى العاصمة دكار وفي بعض المدن السنغالية الأخرى، مصحوبة باستهداف بعض المنشآت الفرنسية والممتلكات العامة للاستنكار عن مضايقات الدولة لزعيم المعارضة.

هل انحصر الصراع بين الرئيس ماكي صال وعثمان سونكو دون غيرهما؟
في هذا الصدد، يقول الأكاديمي السنغاليّ المتخصص في القانون المقارن، عبد الرحمن كان:”عند قراءة المشهد السياسي السنغالي الحالي، لا يلزم حصر الصراع بين رئيس الجمهورية ماكي صال وعثمان سونكو؛ فهناك أحزاب سياسية معارضة أخرى، بعضها تحالف مع حزب سونكو في ملفات سياسية كبيرة، وأحزاب أخرى -بأقل درجة -تحاول إعمال الاستقلال الذاتيّ مع محاولة في تغيير الطرح بأسلوب مغاير؛ إلّا أن صخب صلاحية الولاية الثالثة غطّى على تلك المحاولات، وتحَوّلَ بذلك صورة المشهد السياسي إلى ثنائية المسار.[10]
ولا يُسْتبعد تصعيد رجل سياسي جديد من الحزب الرئاسي كبديل لماكي صال أو من يضمن ولاءه التام للحزب والكتلة الحاكمة في حالة رأى الحزب من مصلحته عدم ترشح ماكي سال من أجل إدحاض حجة سونكو بتشبث ماكي سال بالولاية الثالثة، ومن هنا قد تحدث إرباكات في جموعة سونكو ومناصريه؛ بل والأحزاب المتحالفة معه. قد يكون احتمال تصعيد شخصية جديدة لحزب ماكي سال ضئيلا لكنه يظل قائما ومسوغاته قوية”.[11]

خلاصة
على الرغم من أن الرئيس السنغالي ماكي سال لم يصرح بعد بترشححه لولاية ثالثة في الانتخابات القادمة، إلا أنه لم يُبْدِ نوايا واضحة بعدم ترشحه أو محاولة تغيير الدستور لفعل ذلك. وهذا ما جعل المعارضة السياسية في قلق وخوف وترقب، وأخذت في تحريك ملف الولاية الثالثة وتأليب الرأي العام عليه. ومن هذا المنطلق، بدأت الأحزاب السياسية المعارضة تلتف حول عثمان سونكو ودعمه في قضاياه المختلفة ضد حكومة ماكي سال، ومواجهة القضاء الذي يشكون في نزاهته.
وفي هذا اختلف الناس حول حقيقة قضايا سونكو وذهبوا ثلاث مذاهب. البعض يرى بأنها قضايا شخصية تخصه في شخصه، وهو الذي يجني على نفسه التهم ويلقي بها موارد التهلكة؛ ولكنه يحاول زج الشباب والفئات المهمشة فيها حتى يكسب زخما وشعبيا، ويكسب قاعدة شعبية يستند عليها. بينما يرى البعض الآخر أنها محاولات من نظام ماكي سال لمنعه من الترشح في الانتخابات القادمة لخوفه من شعبيته الكاسحة، ومن خلف سال فرنسا وعملائها المحليون. وهناك طائفة أخرى ترى بأن عثمان سونكو محق لكنه تنقصه الحنكة السياسية والخبرة القيادية؛ حيث يستعجل في كثير من الأحيان بالتصريحات التي ليس ملزم بها، وأحيانا يقفِز قفز عشواء على بعض القضايا والأمور الحساسة، الأمر الذي جعله ضحية الملاحقات القضائية، والمضايقات الحقوقية، والمناكفات السياسية في نادي المخضرمين.
على أية حال، ما زال الوقت مبكرا للحكم على مواقف زعيم المعارضة سونكو والحزب الحاكم واستشراف مسار العملية السياسية في السنغال، وأن القضاء لابُدّ وأن يأخذ مجراه الصحيح، وبعد البت في القضية بشكل نهائي من قبل المحكمة قد تكون مساحة التحليل والاستشراف أوسع وأدق.

المصادر


[1]Ousmane Sonko | Who's Who Profile | Africa Confidential". www.africa-confidential.com
[2] "From Implant Files to West Africa Leaks, 2018's most-shared stories": 
[3]Seck, Amadou Tom (Dec 1, 2017). "Pétrole et gaz au Sénégal. Chroniqued'une spoliation". Le Monde diplomatique.https://www.monde-diplomatique.fr/2017/12/SECK/58196
[4]"المرشحون الخمسة لخوض الانتخابات الرئاسية السنغالية"، صوت أمريكا:
[5]"الرئيس السنغالي يعلن رسميا الفائز في الانتخابات"، رويترز: 
[6]"في السنغال ، إطلاق تحالف حول الخصم الرئيسي عثمان سونكو".: لوموند: https://bit.ly/40eI3jN
[7]"السنغال تحتج على اعتقال زعيم المعارضة عثمان سونكو"، بي بي سي: https://www.bbc.com/news/world-africa-56298756
[8]ماتيو ميليكامب: منع عثمان سونكو من الذهاب إلى لومي لمناقشة مستقبل فرنك CFA "، جون أفريك: 
[9]مام مباي كان نيانغ، سياسي سنغالي وعضو في حزب التحالف من أجل الجمهورية Alliance pour la république (APR)، حزب الرئيس ماكي سال،حاليا يشغل منصب وزير السياحة والترفيه. هو نجل مباي نيانغ ، رجل دين وسياسي، زعيم حركة الإصلاح من أجل التنمية الاجتماعية (Mrds). Alliance for the Republic (Senegal) - Wikipedia
[10]عبد الرحمن كان، تداعيات الولاية الثالثة لماكي سال على الانتخابات السنغالية الرئاسية لعام 2024م، أفريكا تريندزhttps://afrikatrends.com/
[11]عبد الرحمن كان، تداعيات الولاية الثالثة لماكي سال على الانتخابات السنغالية الرئاسية لعام 2024م، أفريكا تريندز ()

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي): مؤسسة مستقلة متخصصة بإعداد الدراسات، والأبحاث المتعلقة بالشأن السياسي، والاستراتيجي، والاجتماعي، الأفريقي لتزويد المسؤولين وصناع القرار وقطاعات التنمية بالمعرفة اللازمة لمساعدتهم في اتخاذ القرارات المتوازنة المتعلقة بقضايا القارة الأفريقية من خلال تزويدهم بالمعطيات والتقارير المهنية الواقعية الدقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بدء محادثة
💬 هل تحتاج إلى مساعدة؟
مرحبا 👋
هل يمكننا مساعدتك؟