تفاقم الأوضاع الأمنية في نيجيريا:الأسباب والدوافع وتأثيرها على مستقبل الإستقرار في نيجيريا

اعداد
• الدكتور: محمد شريف رمضان
جامعة كاشيري الفدرالية ولاية غومبي، جمهورية نيجيريا الفدرالية

• الدكتور: موسى عمر موسى
جامعة اسطنبول، تركيا 

الملخص
القضية الأمنية في نيجيريا تكاد تصبح جزءا من حياة الشعب النيجيري وتحمل أوجه متعددة فمنها ذات الصبغة الدينية والسياسية والاقتصادية والقبلية وغيرها مما جعل كافة الأقاليم تواجه أزمات مختلفة حسب موقعها،  وأبرز هذه الأزمات الأمنية التي أرَّقت الدولة هي قضة بوكو حرام، فمنذ نحو عقد من الزمن برزت حركة بوكو حرام في الساحة النيجيرية تردع بالنار من تعتبرهم أعداء للإسلام أو مساندين للغرب أو الديمقراطية أو الدستور المعاصر، فراح ضحية هذا النزاع الالآف من البشر ولا زالت الحركة تردع من حين للآخر من سولت لهم أنفسهم بردعه، وكان كلما امتد الزمن امتد وتوسع معها نطاق ما تسميهم بالأعداء، بدءا بالجيش والشرطة وصولا الى المسيحيين وموظفي الحكومة في كافة قطاعاتها وأشكالها، حتى وصل الأمر بهم الى معاداة كل من لم يساند فكرهم الضيق من بشر دون تمييز بين امرأة ورجل أو شاب وكهل أو فقير وغني أو عالم وجاهل، او مسلم ومسيحي، بل تدمير البشر والحجر، وظهرت كذلك أنواع أخرى بشعة من المتمردين واللصوص والخاطفين في الشمال الشرقي من البلاد  وظهرت كذلك أصوات انفصالية في جنوب البلاد من قبيلة الايبوا وقبيلة اليوروبا في جنوب نيجيريا، فالمقالة تسلط الضوء على أسباب ودواعي هذه الصراعات وتأثيرها على مستقبل نيجيريا

المقدمة
شهدت جمهورية نيجيريا الفدرالية منذ الإستقلال وحتى وقتنا الحالي  تحديات أمنية عدة ساهمت في الإخلال بأمن البلاد والعباد، وهذه التحديات الأمنية تنوعت من فترة لأخرى بدءا بالحرب الأهلية في عام 1976م والذي طالب فيه بعض المنتمين لقبيلة الإيبو بالإنفصال عن الفدرالية وإنشاء دولة بيافرا،  وكذلك الانفصالين المطالبين بانشاء دولة اودودوا من قبيلة اليوروبا، وصولا إلى النزاعات القبلية والدينية والسياسية والتي كان أبرزها  حملتا حركة متمردي دلتا النيجر وجماعة أهل السنة للدعوة والجهاد المعروفة بحركة بوكو حرام، ونزاعات ما بعد الإنتخابات، ولقد قامت الحكومة باتخاذ الكثير من الوسائل والسبل في إيجاد حل لهذه القضايا إلا أنها نجحت في وقت ما وذلك بمنح العفو عن جميع أعضاء حركة دلتا النيجر، لكن ما زالت الدولة حكومة وشعبا يواجهان أصعب الحالات لعدم التوصل إلى حل لأزمة  جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد،وسبب ذلك الكثير من الخسائر في الأرواح والأموال، وعرقل عملية النمو والازدهار في البلاد.
فالمقالة تهدف الى تسليط الضوء على حركات العنف المختلفة التي مرت بها البلاد منذ استقلالها، وكيف اثرت على المسيرة التعليمية والتنمية الاقتصادية في البلاد، ولعل هذه الحركات تمخضت منها جوانب ايجابية تستقى منها، فالدراسة اعتمدت المنهج الوصفي والتاريخي في تحليل هذه الازمات التي ارقت البلاد وما يمكن استنتاجه لمواجهة هذا التحدي العظيم.

خلفية عن الأزمات منذ استقلال البلاد
تعتبر دولة نيجيريا من الدول المحظوظة في إفريقيا لاشتمالها على اثنيات وعرقيات متعددة تتعدى المائتين ولها نشاطاتها الثقافية والاقتصادية والتي ساهمت في رفع مستوى اقتصاد البلاد بشكل كبير وواسع، ففي شمال البلاد مثلا هنالك أراض زراعية خصبة ورعي المواشي فتصل المحاصيل الزراعية  والمواشي الى كافة ربوع البلاد. أما قطاع الزراعة الذي يُعد مصدرا لموارد البلاد الغذائية فإنه لم يتمكن من اللحاق بمعدلات النمو السريعة في عدد السكان مما اضطر البلاد إلى استيراد المواد الغذائية بعد أن كانت من أهم الدول المصدرة لها 3 فإن نيجيريا لديها القدرة على أن تصبح القوة المحركة للنمو الاقتصادي في المنطقة 4 تخسر نيجيريا حاليا ما يقراب 600 ألف برميل من الخام يوميا نتيجة السرقات وهذا ما يعادل أكثر من ثلاثة تريليون نيرة نيجيرية. 5

الحرب الأهلية
كانت الانطلاقة بعد الإستقلال موفقة، لأن الجيل الأول الذي ناضل وأنجز مرحلة الاستقلال كانت عزيمته عالية للنهوض بالبلاد وبناء دولة قوية لها اقتصاد قوي، لكن سرعان ما بدت على الساحة أصوات قبلية مهدت لخلافات ونزاعات أنتجت انقلابات عسكرية راح ضحيتها أبرز المناضلين والقادة من الشمال منهم تَفَاوَا بَلِيوَا وأحمدو بلُّلوا ومرتضى محمد وكذلك لقي بعض الجنوبيين حتفهم أمثال إِيرُونْسِي فتمخضت من هذه الأزمة حرب أهلية من قبل قادة انفصاليين يقودهم الجنرال أوجوكوا من قبيلة الإيبوا، هذه الحرب الأهلية أودت بحياة أكثر من مليوني شخص، وكان لها تاثير سلبي كبير مما أرجع اقتصاد البلاد الى الوراء.
وبعد المصالحة الوطنية عام 1979 وإخماد نار الحرب الأهلية التي دامت مدة أربع سنوات والانقلابات العسكرية المتتالية عادت البلاد من جديد لبناء دولة ديموقراطية ذات مؤسسات قوية في الأمن والاقتصاد والتربية والتعليم، وتوفير فرص العمل والعدالة الاجتماعية وحرية المعتقدات الدينية لجميع المواطنيين، إلا أن المفاهيم الدينية وبعض المتشددين أوقعوا البلاد في أزمات متعددة وفي مناطق مختلفة نأخذها كما يلي.

الصراعات الدينية
ففي شمال نيجيريا وغيرها من مناطق البلاد  ظهرت أطياف متعددة تمارس طقوسها الدينية بحرية كاملة وبشكل لا تتدخل فيه الحكومة ولم تكن الحكومة تراقب بشكل جدي نشاطات بعض المتطرفين منها ما يلي:

أولا: حركة مَيْ تَسِينِي
ظهرت قضية مَيْ تَا سِينِي (MAI TATSINE)   وهي جماعة أسسها المدعو مروة ما بين عام 1972 و1984م وأسند الى الجماعة هذا الإسم لكثرة ورود كلمة اللعنة على لسان مؤسسها فاشتهرت الجماعة باسم صاحب اللعنة، وهي تسعى إلى إنشاء حكم إسلامي وتطهير البلاد من التدنيس والفساد ويعتبر نفسه كذلك محررا، ولقد مارست هذه الجماعة عنفا ضد الشعب وخصوصا الجماعات الإسلامية الأخرى كالصوفية. وحينما نشأت هذه الجماعة كانت الدولة تواجه شحا في الدخل وارتفاع البطالة والفساد الإداري والانحطاط الأخلاقي، وتشير الدلائل إلى أن معظم أتباع هذا الرجل من الفقراء، ويذكر أيضا أن لديه أكثر من اثني عشر ألف من الأتباع واستقروا في منطقة خارج مدينة كانوا. كان قد تم القبض عليه والحكم عليه بالنفي الى بلده الكاميرون لكنه سرعان ما عاد وتم القبض عليه مجددا، لكنه اصبحت له قوة يواجه بها الجيش، أسند أمر تدريب أتباعه الى سعيد رابع فدربهم على الرمح والنبل والسيف والبنادق الرشاشة وشكلوا قوة لقتل كل من يقف أمام حركتهم من المسلمين وغيرهم، كانت له آراء تعارض بعض التعاليم الاسلامية وادعى أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس خاتم الانبياء حيث أعلن نفسه كنبي وصدقه أتباعه على ذلك، وبعد مواجهات عنيفة مع الجيش الحكومي استطاعت الحكومة ردع الحركة وقتل قائدها.6
فالعنف الديني ضد البشرية من قبل المتطرفين لا شك أنه نتيجة الجهل المنتشر بين أعضاء هذه الجماعات وكذلك الفقر وغياب العقيدة الصحيحة بالإضافة الى حب الرياسة والتاثيرات الاجنبية 7 وتلتها ايضا قضية عضوية نيجيريا في منظمة الدول الاسلامية التي سجلها الرئيس السابق إبراهيم بابنغدا عام 1986  8 وكانت هنالك علاقة دبلوماسية بينها وبين الفاتيكان مما حد من النزاع بين الطرفين لكن وقعت مناوشات في مختلف البلاد، فمقتل الشماليين القاطنين في الجنوب يجد ردودا سريعة في الشمال بقتل السكان الجنوبيين القاطنين في الشمال واتلاف ممتلكاتهم وإحراق منازلهم.

ثانيا: حركة بوكو حرام 
هذه حركة إسلامية أسسها محمد يوسف مارست العنف ضد الشعب النيجيري والتي لم تشهد نيجيريا مثله، وتسمي الحركة نفسها بجماعة أهل السنة للدعوة والجهاد، أنشات الحركة على أسس دينيية وهي تناهض الحكومة وتدعوا إلى إقامة دولة إسلامية في غرب إفريقيا منتمية إلى الدولة الإسلامية في بلاد الشام والعراق، وقد أثرت بوكو حرام على الأمن القومي النيجيري وانتشرت سريعا في شمال نيجيريا 9  وتذكر بعض الروايات أن مالم أبوبكر لَوَلْ هو الذي أسسها منذ عام 1995 وتسمى حينها أهل السنة والهجرة، ثم سميت طالبان نيجيريا وإلى جماعة اليوسفية ومن ثم بوكو حرام. 10 كانت الحركة في بداية أمرها تواجه الشرطة والجيش ثم انتقلت للمواجهة مع السياسيين وبعد مقتل مؤسسها محمد يوسف صبت جام غضبها على المسيحيين ثم الى كافة الشعب النيجريي دون استثناء وأصبحت اعنف جماعة دينية في إفريقيا مما جعل نيجيرياعام 2017 تحتل الرقم الثالث في الإرهاب العالمي بعد العراق وأفغانستان 11
ساهمت حركة بوكو حرام في تدمير الكثير من القطاعات حيث دمرت الكثير من المدارس والأسواق والمساجد والكنائس والمكاتب الحكومية وهجرت الكثير من القرى التي أصبحت تحت سيطرتها لفترات طويلة، فالكثير من الرعاة الذين سيطرت الجماعة على قراهم أصبحوا يعطون اموالا او أبقارا كفدية مقابل إبقائهم على قيد الحياة الى أن سرقوا كل ما عندهم من الأبقار فقرروا للنجاة بأنفسهم 12 وهذه الخسائر تقدر بملايين الدولارات بالإضافة إلى إزهاق الاف من أرواح الأبرياء التي ليس لها في هذه الحرب ناقة ولا جمل، وفتحت الحكومة العشرات من معسكرات اللاجئين في نيجيريا وفي دول الجوار مثل النيجر والتشاد والكاميرون.
وكادت قضية بوكو حرام أن تشعل نار الحرب بين المسلمين لولا أن أكثر ضحايا هذه الجماعة هم من المسلمين حيث هدمت المساجد ووقعت انفجارات عدة في كثير من مدن نيجيريا وأشهر تلك الهجمات هو خطف 276 طالبة من مدرسة شيبوك في أبريل عام 2014 ومقتل أكثر من ألفي شخص في مدينة باغا في ولاية برنو في يناير 2015.
وكلا الجماعتين تتشابهان في نشر الخوف وزعزعة الأمن والاستقرار وتتفقان كذلك على معاداتهما للمدارس الغربية والعلوم الحديثة ونظام الديموقراطية الجاري في البلاد، ومع حصولهم على أتباع ومؤيدين فإن أغلب المسلمين في نيجيريا لا يتفقون مع فكر العنف والتطرف والخروج على السلطة المنتخبة ورفض كل ما جاء من الغرب. 13

الأزمات السياسية
عدم الإستقرار الإداري والذي كانت نتيجة الانقلابات العسكرية التي مرت بها البلاد منذ الستينيات من القرن الماضي لا زالت تظهر في بعض الأحيان مع تغير نظام الحكم من يد العسكر  الى المدنيين فإن السياسيين الذين يترشحون لمناصب إدارية مختلفة تحت أحزاب متعددة أصبحوا يختلقون حركات لزعزعة الحكومات المنتخبة، فكانت الدولة تتأهب لوقوع أزمات بعد الاتنخابات العامة، فالانتخابات يتخللها الفساد وبيع الأصوات وتغيير النتائج مما أنشا شرخا كبيرا بين مختلف الأحزاب. وهنا نشير الى أن الحكم العسكري الذي تكرر في البلاد ساهم في تقوية الإدارة المركزية وقدم الكثير من التغيير والتنمية الوطنية أكثر مما قدمته الإدارات المدنية ما قبل 1999 خصوصا في مجال إنشاء مزيد من الولايات وإنشاء الجامعات والحكومات المحلية.14

الأزمات الإقتصادية
أعطى الدستور النيجيري الحكومة الفدرالية السيطرة والتحكم على موارد البلاد وتوزيع دخلها بينها وبين الولايات والحكومات المحلية على حسب النسبة السكانية للمناطق  والاحتياجات وتقديم الخدمات لها في كافة القطاعات، ولكن الفساد حال دون تقديم خدمات حقيقية للشعب، فالفساد الإداري أصبح أكبر معضلة واجهتها البلاد، فازداد الأثرياء  ثراء والفقراء فقرا وأصبح السياسيون يمتلكون أموالا طائلة، وبدلا من أن يتقلص عدد الفقراء والمحتاجين أصبحت الأرقام ترتفع، والدخل الفردي يتراجع، وأصبح التضخم الاقتصادي في ازدياد.
ففي العشرين من نوفمبر لعام 1999 خطفت ميليشيات في جنوب البلاد اثنتي عشر شرطيا وقاموا بقتلهم لإبداء غضبهم تجاه الحكومة الفدرالية ومطالبتها بإعطائهم الحق في السيطرة على موارد النفط وبقية الموارد الطبيعية في دلتا النيجر، وعلى أثرها قام الرئيس السابق أُوبَاسَنْجُوا بإرسال جيش الى منطقة أُودِيْ وإبادة جميع سكانها ردا على قتل الشرطة وهي رسالة قوية لرفض الحكومة طلبهم. 15
هذا الرد السريع والحاسم من قبل الحكومة لم يردع المتمردين ولم يحد كذلك من نشاطات المتمردين وقيام ميليشات أخرى مناهضة هاجمت المنشئات النفطية وخطوط نقل الخام والمصافي في تلك المنطقة الى أن تم إعطاء الولايات المصدرة للنفط نسبة مئوية من الواردات وإنشاء وزارة خاصة بتلك المنطقة والاهتمام بالبيئة وما تمخض من تلويث لها ولأراضيها والأنهار نتيجة أعمال استخراج النفط.
ومن الأزمات كذلك أزمة زَاكِي بِيَامْ في ولاية بِينْوِي بين قبيلتي التِّيفِي والجُوكُونْ في ولاية تَرَابَا حيث أوقع الطرفين قتلى وجرحى وتكبدوا خسائر مادية كثيرة، فقامت الحكومة بإرسال جيش لإخماد نار الحرب بينهما فتم خطف تسعة عشر من الجيش وقتلهم زاعمين أنهم يميلون الى القبيلة المناوئة لهم وهذا أغضب الحكومة المركزية فتم إزاحة رئيس أركان الجيش وهو من القبيلة التي  من قبل وزير الدفاع وهو من قبيلة الجوكون وتم بعدها مقتل أكثر من مائتي شخص في هذه الأزمة. 16

الجهل والفقر والأمية
ولما كان اهتمام الحكومة ضئيلا في رفع مستوى دخل الفرد الاقتصادي ازدادت الأمية والجهل وكان أكبر اهتمام الشعب هو الحصول على لقمة العيش ومواجهة تحديات الحياة، ولم تكن الحكومة ترغب في رفع أعباء تكلفة التعليم عن الشعب بل تركوا الشعب يسبح في بحر الجهل والأمية والتي أنتجت الفقر، من هنا أصبحت الحكومات تسيطر على أفكار الشعب وميولاتهم واستخدموهم لمصالحهم، وكان الكثير من أصحاب النفوذ استحدموا هؤلاء الشباب في العنف السياسي أو الديني أو القبلي.

الحركات الإنفصالية
حركة بِيَافْرَا هي حركة انفصالية من قبيلة الِإيْبُو حينما شعروا أنهم مهمشون من قبل قبيلة اليوروبا وقبيلة الهوسا وهي أكبر قبائل نيجيريا، تعالت أصواتهم إلى الانفصال ونشبت الحرب الأهلية بين عام  1967 والى عام 1970 وقاد تلك الحرب الجنرال أُوجُوكُوا الى أن تغلبت عليه الحكومة الفدرالية وفر بعدها إلى خارج البلاد ثم استدعي الى المصالحة، ومنذ عام 2015 بدأت الأصوات تتعالى من جديد للانفصال وإنشاء دولة بِيَافْرَا وذلك بقيادة نَامْدِي كانُو الذي يعيش في بريطانيا، وفي عام 2014صرج بأنهم اذا لم يعطوا حق الإنفصال فستكون الصومال بمثابة جنة مقارنة بنيجيريا وهذا وعد منه للرئاسة النيجيرية 17

المتمردون واللصوص 
ومن الأزمات التي واجهتها دولة نيجيريا كذلك قضية الرعاة والمزارعين فهي قضية ليست حديثة لكن لم تتخذ الحكومة قرارا صارما لإيجاد حل لهذه المعضلة التي تحدث كل سنة في مناطق محتلفة من البلاد، بل تركت حلها بيد المتنازعين فقتل الكثير من كلا الجانبين، وتفاقمت هذه القضية في الآونة الأخيرة حيث ظهرت جماعة متمردة تحمل السلاح وأكثرهم من قبيلة الفولاني الرعاة الذين يزعمون أنهم ظلموا وفقدوا العدالة وأن مواشيهم سرقت وذهبت في مهب الريح وأنهم لا يجدون ما يعيلون به أسرهم فحملوا السلاح، وهذه هي أحدث النزاعات التي تواجهها البلاد الان، وأكثر المناطق المتضررة هي الشمال الغربي من نيجيريا، وهذه الجماعة تختطف المسافرين  في الطرقات وفي القرى والمدن ثم تطالب بدفع غرامات مالية مقابل الإفراج عن المخطوفين، ومن خلال هذه الأعمال تضرر الكثير من الناس وفقدوا ممتلكاتهم وتضررت أسواق الكثيرين جراء هذه الغرامات الصعبة، بجانب القتلى الذين راحوا ضحية هذه الاعمال.
تضررت ولايات الشمال الغربي من نيجيريا وهجر الكثير من القرويين والمزارعين، ووضعت غرامات مادية على الافراد والجماعات، وقتل الكثير من الناس، إلا أن هذه الجماعات لا تحمل سمة دينية بل يبدوا أن هدفها هو الحصول على الأموال ونهب ثروات الناس، ولم تنجوا الحكومة كذلك من دفع غرامات مقابل الافراج عن طلاب المدارس الذين اختطفوا من ولايات مختلفة.

الأزمات الأمنية وتأثيرها في المستقبل 
لا يخفى على أحد مدى التأثير السلبي الذي خلفته هذه الأزمات الدينية والسياسية والقبلية على مستقبل نيجيريا، فإن عدم الاستقرار لا يترك مجالا للنمو في كافة القطاعات، فالتربية والتعليم هو أكبر متضرري هذه الأزمات حيث تواجه الدولة الأمية وازدياد نسبة الأمية بين الشعب النيجيري خصوصا في شمال نيجيريا حيث نسبة الأمية عالية جدا وهذه الأزمات فاقمت الأوضاع على مر السنين.
وأما قضية بوكو حرام فأسمى أهدافها معادات العلوم الغربية وسعت لتحريمها، فقتلت الأساتذة والطلاب، وأحرقت المدارس، وأجبرت الشعب على إخلائها، فسيبقى أثر هذه الحرب جليا لفترة طويلة، فالكثير من القرى المهجرة ستبقى أثرا بعد عين، ويبدوا أنه لا يمكن العودة الى تلك القرى وإعمارها من جديد، وهذا يشير إلى قضية الأمن الغذائي الذي تواجهه إفريقيا بصورة عامة ونيجيريا ليست بمنأى عن هذه القضية، فمقتل المزارعين من قبل بوكو حرام قلص من الأعمال الزراعية في ولايات الشمال الشرقي.
ولا يمكن أن ننسى هذا الشرخ الديني الذي خلفته هذه القضية، حيث ازدادت وتيرة النزاع المذهبي بين أهل السنة وبقية المذاهب والجماعات الدينية، وقد يبقى هذا الأثر السلبي طويلا بين أبناء المسلمين والنصارى الذين عانوا كثيرا، ومع أن أكثر هذه الأزمات مرتعها شمال نيجيريا فإن تعليم الإناث تضرر أكثر، فنسبة الإناث في السلك التعليمي أقل بكثير من نسبة الذكور، فخطف مائتين وستة وسبعون  بنتا من ثانوية شيبوك من برنو في أبريل عام 2014  18رسالة قوية ضد تعليم الإناث، وهذا يزيد من نسبة الأمية والجهل بين الإناث في نيجيريا وقد يشكل عقبة في بناء مستقبل زاهر للبلاد.
ولقد تضررت كذلك البنية التحية للبلاد طوال عقد من الزمن مما أجبر الحكومة على زيادة ميزانية الجيش لمواجهة هذه الجماعة المتمردة مما أجبر الكثير من الشركات الخارجية إغلاقها او انتقالها الى دول أخرى في المنطقة، وهذا يدل على أن بقية القطاعات الحيوية التي تساند البلاد للوصول الى التنمية أصبح ضئيلا للغاية.

الخاتمة
لقد مرت نيجيريا بأزمات مختلفة منذ أكثر من ستة عقود لكنها بقيت صامدة تواجه كافة الصراعات والتيارات الدينية المتطرفة، وهذه الأزمات قد تفوق قدرة الدولة اذا تعددت وتناثرت في الأقاليم المتعددة، فلا بد للحكومة أن تكون صارمة في حربها ضد الإرهاب وأن يكون القضاء صارما كذلك لاصدار الحكم على الإرهابيين والمتمردين، وعليها كذلك حل القضايا التي لها سمات سياسية بطرق سياسية حتى لا تقع الدولة في حروب دائمة، وعلى الأفراد والجماعات كذلك مساندة الدولة وعدم تركها تخوض هذه المعارك وحيدة فمستقبل البلاد يقع على عاتق الجميع، ومع هذه الصراعات فإن لنيجيريا مسقبلا مشرقا وستخمد نار الفتن التي أبطأت من مسيرة النمو فيها، فالشعب النيجيري شعب صامد وجبار لا يعرف الاستسلام ولا الخنوع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع

(1) موقع http:/www.eeni.org  بتاريخ 10 أكتوبر 2011م
(2) موقع     www.islamonline.net  بتاريخ 18 أكتوبر 2011م
(3) المصدر السابق http:/www.eeni.org  
(4) Kingsley Omoyibo, Insecurity mantra: The paradox of Nigerian growth and development. European scientist journal, Vol.` 8 No 15 P 139
(5) Kosy Cletus Aghaulor, Growth input influence on the Nigerian Economy, UJAH Journal 2020 vol 21 No 3 P 155
(6) Fola Toyin, Violence in Nigeria: The crisis of Religious politics and Secular ideologies, University of Rochester 1998 USA p 138-149 
(7) Atanda, J.A. Nigeria since Independence: The First 25 Years, Vol. 10. Ibadan: Heinemann Educational Books Ltd 2009 P 35
(8) Babayo Sule, Strategies of Combating Insurgency in North-Eastern Nigeria: A Non-Traditional Approach, Journal of Administrative Science Vol.16, Issue 2, 2019, pp. 1
(9) Babayo Sule, Strategies of Combating Insurgency in North-Eastern Nigeria: A Non-Traditional Approach, Journal of Administrative Science Vol.16, Issue 2, 2019, pp. 4
(10) Fredric Noel Kamta, Insecurity, resource scarcity and migration to camps of internally displaced persons in Northeast Nigeria, MDDPI Sustainability journal 2020 P 9
(11) Zenn, J. Boko Haram Dangerous Expansion into Northwest Nigeria. Combating Terrorism Centre at West Point (CTC Sentinel), 5(10), 1-6.
(12) Babayo Sule,  Islamic Militants and Insurgency in Northeastern Nigeria: A comparison of the ideology and methodology of Maitatsine and Boko haram ,  e-Academia Journal  Universiti Teknologi MARA  Volume 7 Issue 2 2018, P 86 
(13) Segun Joshua, Building Security through insecurity: The Nigerian Military and counter violence campaigns in the fourth republic, SAGE Journal 2021 Vol. 47 (1) P 192-193 
(14) المرجع السابق Segun joshuaص 188
(15) المرجع السابق Segun joshuaص 190
(16) Babayo Sule, “Overview of the Boko Haram’s Sources of Finance, Weapons and Logistics”. African Journal on Terrorism.  2020 Vol 9(2), P 11
(17) Babayo Sule, “Overview of the Boko Haram’s Sources of Finance, Weapons and Logistics”. African Journal on Terrorism.  2020 Vol 9(2), P 11

 

Exit mobile version