إعداد: م . م . رياض جليل جمعة
ماجستير في العلوم السياسية ـــ دراسات دولية
مقدمة:
جمهورية رواندا هي دولة تقع في شرق افريقيا وهي دولة غير ساحلية تقع في الوادي المتصدع الكبير، أي الأخدود الأفريقي العظيم، حيث تجتمع أو تلتقي منطقة البحيرات الكبرى الأفريقية وشرق أفريقيا، وتعد واحدة من أصغر البلدان في البر الرئيسي الأفريقي وعاصمتها هي كيغالي، تقع رواندا على بعد درجات قليلة جنوب خط الأستواء وتحدها اوغندا وتنزانيا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ، إذ تعد رواندا دولة مرتفعة للغاية مما يمنحها لقب “الارض ذات الألف تل” ، إذ تسود جغرافيتها الجبال في الغرب والسافانا في الشرق مع العديد من البحيرات في جميع البلاد ، ومناخها مناخ معتدل إلى شبه مناخ أستوائي مع موسمين ممطرين واثنين جافين ويبلغ عدد سكانها أكثر من (12.6) مليون نسمة وهو البلد الأكثر كثافة سكانية في أفريقيا وحوالي 90% من السكان يعملون في زراعة الكفاف، إذ يشكل الشباب نسبة كبيرة في رواندا وغالبيتهم من الريف والرواند يون ينحدرون من مجموعة ثقافية ولغوية واحدة وهي مجموعة بانيا رواندا ويوجد داخل هذه المجموعة ثلاث مجموعات فرعية ، وهي الهوتو والتوتسي والتوا واللغة الرسمية في رواندا هي كينيا رواندا ، التي يتحدث بها معظم السكان مع أستخدام اللغات الفرنسية والإنكليزية كلغات رسمية إضافية وشكل الحكم فيها هو نظام رئاسي، رئيسها هو بول كاغاما من الجبهة الوطنية الرواندية (أر بي أف) والذي خدم بلاده بشكل مستمر منذ عام 2000 م ، ومن الجدير بالذكر تعرضت رواندا في 7 أبريل عام 1994 م إلى إبادة جماعية وأعمال عنف وأسعة النطاق أستمرت حتى منتصف يوليو عام 1994م ، إذ قام القادة المتطرفين في جماعة الهوتو التي تمثل الأغلبية من شن هجوم ضد الأقلية من قبيلة التوتسي وخلال فترة (100) يوم قتل ما يقارب عن (800,000) شخص ، وانتهت الإبادة في 15 تموز 1994 م ، عندما نجحت الجبهة الوطنية الرواندية ، وهي قوة ذات قيادة من التوتسي من طرد المتطرفين وحكومتهم المؤقتة المؤيدة للإبادة الجماعية إلى خارج البلاد.
أولاً / رواندا من الجوانب السياسية والثقافية والأقتصادية والسياحية والبيئية والتكنولوجية
1ــ الجانب السياسي:
النظام السياسي في رواندا نظام رئاسي وبرلماني موحد، وتم إقرار الدستور عن طريق الاستفتاء والرئيس يتم انتخابه عن طريق الشعب لولاية مدتها سبع سنوات، والرئيس هو الذي يعني بالسياسة العامة ويقودها ويقوم بسن القوانين التي يعتمدها البرلمان ويتمتع بالسلطة التنظيمية، ويقوم بتعين أعضاء الحكومة، وكذلك يبين ويحدد صلاحياتهم وينهي عملهم وهذا النظام تم بناءه وهيكلة مؤسساته في إطار الدستور وسيادة القانون، بما أعطى أو سمح باحترام حقوق الإنسان والمساواة بين جميع الأعراق والأديان، وكانت لتجربة الإبادة الجماعية دور كبير في بناء هذا النظام، وتم إنشاء وكالات مستقلة في مكافحة الفساد وتتعامل بصرامة مع الفساد وعلى أثرها أستقال العديد من المسؤولين ، وتركزت إستراتيجية الدولة على ضمان الأمن والأستقرار السياسي، من خلال إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، بالتعاون مع الأمم المتحدة لمحاكمة كل من تسببوا في الإبادة والمجازر الجماعية، وقد بنيت إجراءات السياسة على ثلاثة أهداف شملت : تعزيز الحكم الرشيد ، والحد من الفقر، وكذلك تعزيز توفير خدمات تتصف بالكفاءة والفعالية، والمساءلة من أجل بناء حوكمة تتمحور حول المواطن([1]).
2ــ الجانب الاقتصادي:
ساعدت الزراعة في رواندا بشكل كبير في التنمية الإقتصادية ، إذ أنها تعتمد عليها بشكل كبير وكانت مشاركة الدولة بتوجيه من البنك الدولي والأمم المتحدة التي تدعم وتساعد الدول التي تتبنى توجه تكنوقراطي، هدفه تنمية المشاريع الصغيرة وتنشيط دور القطاع الخاص فاقتصاد رواندا يقوم على الزراعة، إذ يعتمد على تقنية تكيف المحاصيل وتشجيع الشركات الجديدة، من خلال اتباع سياسات تعمل على جذب الاستثمارات الخاصة عن طريق إـنشاء مناطق اقتصادية خاصة، كما تعد رواندا من أهم مصدري البن لدول أوروبا والولايات المتحدة الامريكية، وكذلك تصدير الشاي للشرق الاوسط وباكستان، كما تقوم بتصدير المعادن من الذهب والقصدير والتيتانيوم ، وتعد السياحة من أكبر مصادر العملات الأجنبية في البلاد([2]).
3ــ الجانب الثقافي والتعليمي:
تشير إحصاءات البنك الدولي، أنَّ رواندا تنفق من ميزانيتها الوطنية أموال ضخمة، إذ وصل الإنفاق على التعليم 17% ، ومنذ عام 2012 أسست رواندا وشركاؤها خطة منظمة من أجل إتاحة الفرص للالتحاق بمؤسسات التعليم في كل البلاد، والآن تعد رواندا من أفضل الدول في نطاق التعليم في أفريقيا في جنوب الصحراء الكبرى، إذ أنها أستطاعت من تحقيق أهدافها الأنمائية من أجل الحصول على التعليم الأساسي الشامل، إذ سجلت معدل الألتحاق الكلي بالمدارس حوالي 97%، و(1.2) مليون من التلاميذ المسجلين في المرحلة الأبتدائية وتعد هذه من الأنجازات المثيرة في الوصول إلى التعليم الأبتدائي، أما من ناحية الثقافة فمعظم سكان دولة رواندا يتكلمون اللغة كينيا رواندا، بالإضافة إلى وجود اللغات الفرنسية والإنكليزية كلغات مساعدة([3]).
4ــ الجانب السياحي:
وفق ما ذكره البنك الدولي في إحصاءاته، شهدت رواندا في السنوات الأخيرة تزايد كبير في معدل السياحة، إذ وصل عدد السواح في عام 2010 حوالي (620000) سائح وفدوا إلى رواندا، وهو ما يمثل أضعاف العدد المسجل خمسة الآف ومئة سائح في عام 2000 و تعد السياحة في رواندا، مصدر للعملات الأجنبية ولم تتوقف إنجازات رواندا عن السياحة فقط بل عملت على جذب أنتباه المشاهير، من رجال الأعمال والممثلين والمغنين فقد أعلن رجل الأعمال الصيني “جاك ما“ زيارته لرواندا، وجاء في حديثه عن دعم الشباب والبحث عن فرص أستثمارية ممكنة، أما من ناحية الفعاليات والمؤتمرات ، فقد أستقبلت كيغالي العاصمة أنواع متعددة من المؤتمرات والفعاليات العديدة، كالندوات وورش العمل وهذا كله ساعد في تعزيز مجال التنمية والتطور وتبادل المعرفة(([4].
5ـــ البيئة:
ساهمت رواندا كأول دولة نامية، بخارطة طريق لخفض الانبعاثات بما يتماشى مع اتفاقية باريس في مايو لعام 2020، وتخطط أن يكون أنبعاث الكاربون صفر بحلول 2050، إذ تزرع رواندا ملايين الأشجار، كجزء من خطة التعافي الوطني من الإبادة أو القتل الجماعي الذي حدث في عام 1994م، وأدت إلى قتل (800) الف شخص، وجاء في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي عن طريق تطبيق زوم، أخبرت رواندا أنَّ زراعة الغابات أمراً هام جداً، لتحسين حالة المناخ ولجودة الهواء والمياه والتطور الاقتصادي، وبحلول عام 2019 حققت من هدفها بتغطية 30% من أراضيها بالغابات، ووأصلت زرع حوالي (25) مليون شجرة العام الماضي ووصل العدد إلى (43) مليون شجرة في الفترة من 2021 إلى2022([5]).
6ــ الجانب التكنولوجي:
أطلقت رواندا في شباط من العام 2019، أول قمر صناعي لها في الفضاء، وذلك من اجل ربط المدارس النائية في رواندا على نطاق كبير بشبكة الإنترنت، وتوفير فرص كبيرة للتنمية للجيل الجديد، ومن المتوقع أن يتبع هذه الخطوة أطلاق قمر صناعي ثاني لأبحاث الفضاء والمساعدة في توفير وجمع البيانات، حول موارد المياه والزراعة والكوارث البيئية الطبيعية والأرصاد الجوية، وتعمل راوندا اليوم على أن تصبح واحدة من أهم وأفضل المحاور التكنولوجية في المنطقة ، بأسناد من نظام الحكومة الكترونية المثير للأعجاب، إذ تقوم بإنجاز غالبية المعاملات المالية المتعلقة بالحكومة، وغيرها من المهام بشكل إلكتروني كامل، وهذا يعود إلى التطور والأنجاز الذي حققته في مجال التعليم([6]).
ثانياً / الرؤية المستقبلية لعام 2050
تهدف الخطة أو الرؤية المستقبلية لدولة راوندا إلى تحقيق عدة أهداف في عام 2050، وهي على النحو الآتي:([7]).
- حددت رؤية رواندا 2020 ورؤية رواندا 2050، الأهداف الإنمائية طويلة الأمد للبلاد وتهدف هاتان الرؤيتان إلى نقل اقتصاد البلاد من اقتصاد منخفض يعتمد على الزراعة إلى بلد ينعم بوضعية البلد مرتفع الدخل، مع وجود اقتصاد توجهه الخدمات، ويعتمد على المعرفة وتجمع الإستراتيجية الوطنية، للتحول الإلتزامات الدولية المنبثقة عن أهداف التنمية المستدامة وجدول أعمال الاتحاد الافريقي المعروف بأجندة 2063، مكونة إيجاد الوظائف ورؤية المجموعة الأقتصادية لشرق أفريقيا لعام 2050 الإستراتيجية واتفاقيات مؤتمر الأطراف التي تم الوصول إليها في مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي.
- أما بخصوص المناخ فالإستراتيجية الوطنية، بشأن تغير المناخ والتنمية لرواندا لعام 2050 فهي تخطط وترى انخفاض انبعاثات غاز الكاربون، ستكون صفر بحلول عام2050 من خلال التشجير المستمر للغابات، وتهدف من خلال إستراتيجيتها إلى تحقيق الفئة الثانية من أمن الطاقة وتدعم تنمية صناعية وخدمات خضراء، وإدارة مستدامة للأراضي والمياه وتنمية حضرية وتنوع بيولوجي وخدمات ايكولوجية.
3ـ. وفيما يتعلق بالسياسة الوطنية للتغذية والأغذية، فهي من خلال إدارتها المستدامة للأراضي والمياه وإدخال المعرفة في الزراعة، تؤكد على الإلتزام القوي في حل مشاكل الأغذية وسوء التغذية وتجنب التشوهات بين الأطفال الذين اعمارهم لا تزيد عن عامين، وكذلك أتباع نهج مشترك بين الشباب والنساء من أجل حل مشكلة التمايز.
- أما بخصوص الإستراتيجيات القطاعية الأخرى ذات صلة، فهي تتضمن السياسة الوطنية لمحاصيل البستنة، وخطة التنفيذ الإستراتيجي، والخطة الرئيسة بالثروة الحيوانية من خلال التركيز على الحيوانات الصغيرة، وإستراتيجية إنتاج الألبان وتنمية سلاسل القيمة، فهي سياسة صنع في راوندا، وسياسية إعادة نشاط الأسواق المحلية ([8]).
- في عام 2019 أطلقت رواندا أول قمر صناعي لها في الفضاء، من أجل ربط المدارس النائية بشبكة الإنترنت، وهي تتوقع في رؤية 2050 أطلاق قمر عدة أقمار من أجل دراسة تغيرات المناخ والأبحاث، والمساعدة في جمع البيانات حول موارد المياه والزراعة والإرصاد الجوية ([9]).
6. انطلاقا من رؤية 2050 التي تعد خريطة طريق، ينطلق من خلالها الشعب ويتجلى ذلك في الابتكارات الصناعية، مثل التنقل الإلكتروني والطائرات بدون طيار والسياحة والتعليم وكذلك أكدت تيدي موجابو المديرة التنفيذية للصندوق الأخضر لرواندا، أنَّ بلادها تعطي اهتمام كبير لإدارة البيئة وتغير المناخ، وذلك قبل كل شيء من خلال إستراتيجية مخصصة، إذ تبنت رواندا في عام 2011 إستراتيجية النمو الأخضر، وتعمل لمواجهة التغيرات المناخية ضمن خطة تستمر حتى عام 2050 ، وكذلك أشارت إلى مشروع كيغالي الخضراء الذي يهدف إلى إعطاء الشكل الحضري المستدام للعاصمة، وجعلها من أجمل مناطق العالم للأستثمار والسياحة وتصبح كمدن الولايات المتحدة الأمريكية([10]).
7ــ الانفجار السكاني: تتوقع رواندا أن مآبين عامي 2012 و2050، سيتضاعف عدد السكان من (10) ملايين ونصف المليون إلى (22) مليوناً، ولمواجهة هذا الانفجار السكاني قررت رواندا تحويل البلاد من خلال رؤية 2050، الهادفة الى إجراء تغييرات في القطاع الزراعي وعصرنة العاصمة كيغالي، لتحويلها إلى قطب دولي في جميع المجالات ([11]).
الخاتمة:
حققت راوندا طفرة نوعية في مجال التنمية على جميع المستويات والمجالات، السياسية والأقتصادية والثقافية والتكنولوجية والسياحية، ويأتي ذلك من خلال إعادة هيكلة نظامها السياسي والرؤية العميقة التي انتهجتها، فبعد أنَّ كانت تعاني من إبادة وصراعات داخلية، اليوم نجدها في مصافي المدن المتقدمة، من حيث التطور والسياحة والأقتصاد والتبادل الثقافي، فهي تهدف من خلال إستراتيجيتها إلى تحقيق الفئة الثانية من أمن الطاقة وتدعم تنمية صناعية وخدمات خضراء، وإدارة مستدامة للأراضي والمياه وتنمية حضرية وتنوع بيولوجي وخدمات ايكولوجية، وخفض أنبعاثات الكاربون في الجو إلى نسبة 0% بحلول عام 2050، وتجسد هذه الرؤية لرواندا نموذج البلدان الصغيرة التي حققت نهضة كبيرة وسريعة للبلاد في وقت قصير، وتوظيف قدراتها الكامنة في نقل البلاد إلى محطات متقدمة من التطور والإنتاج.
[1] ــ سباش ليندة، “التجربة الرواندية في حوكمة التنمية بين الانجازات الاقتصادية والسياسية” , مجلة الحقوق والعلوم الانسانية , العدد 1 ( الجزائر : 27/ 4/2022 ) , ص395.
[2] _ سباش ليندة ، مصدر سبق ذكره ، ص398.
[3] ــ محمد زكريا , “جمهورية رواندا بين ماض محرق ومستقبل مشرق” , مجلة الدراسات الافريقية و حوض النيل , العدد 3 ( برلين : 2018 ) , ص206.
[4] ـــ محمد زكريا ، مصدر سبق ذكره ، ص208.
[5] ــ احمد ليثي , “لماذا تعيد رواندا زراعة الغابات التي دمرتها الابادة الجماعية” , شبكة رؤية الإخبارية ( القاهرة ) , 11 / 5 / 2022 ، في : https://2u.pw/KIxitt ، تاريخ الإطلاع 29 / 3 / 2026.
[6] ـــ طارق نصيف , “رواندا من الحرب الاهلية الى التنمية الشاملة” , المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة (دمشق) , 6/ 5 / 2020 ، في : https://2u.pw/nNgR49hl ، تاريخ الإطلاع 29 / 3 / 2026.
[7] ـ الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، برنامج الفرص الإستراتيجية القطرية 2019ــ 2024 (روما: 2019) , ص3.
[8] ــ الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، مصدر سبق ذكره، ص4.
[9] ــ طارق نصيف ، مصدر سبق ذكره ، في : https://2u.pw/nNgR49hl ، تاريخ الإطلاع 29 / 3 / 2026.
[10] ــ طه حسيب , ” رواندا فرص الاستثمار الاخضر” , مركز الآتحاد للإخبار ( الامارات ) , 9 / 10/ 2021 ، في : https://2u.pw/GQPFWr ، تاريخ الإطلاع 29 / 3 / 2026.
[11] ــ سيمون فولفارت , باستيان رونوي وأخرون , ” رواندا في مواجهة التضخم السكاني ” , فرانس 24 ( باريس) , 6/5/ 2022 ، في : https://2u.pw/LmuBH1 ، تاريخ الإطلاع 29 / 3 / 2026.

