ملخص
تتناول هذه الدراسة إشكالية القرار السيادي الصومالي في مواجهة شبكات النفوذ الإقليمي، مع تركيز خاص على تداعيات القطيعة بين الصومال، ودولة الإمارات العربية المتحدة في أعقاب التطورات المرتبطة بملف الاعتراف الإسرائيلي المزعوم بما يُعرف بـ«صوماليلاند». وتسعى الدراسة إلى تحليل تفاعل العوامل الخارجية مع البنية السياسية الداخلية، وبيان حدود تأثير النفوذ الإقليمي في سياق دولة، تعاني من هشاشة مؤسسية، واختلالات بنيوية في منظومة الحكم.
تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الخلل لا يكمن في الانخراط الخارجي بحدّ ذاته، بل في ضعف المؤسسات الوطنية، وتعدد مراكز صنع القرار، وغياب التنسيق الفعّال بين الحكومة الفيدرالية والولايات؛ الأمر الذي أتاح لشبكات نفوذ خارجية التغلغل في ملفات سيادية حساسة، خاصة في مجالات الأمن، والاقتصاد، والسياسة الخارجية. كما تبرز الدراسة الدور، الذي لعبه الغموض الدستوري، وعدم استكمال العملية الدستورية في تعميق الأزمة، لا سيما في ما يتعلق بإلزامية التشاور الفيدرالي في القضايا السيادية، مثل: الاتفاقيات الدولية، وترتيبات الأمن القومي.
وتتمحور مشكلة الدراسة حول فرضية أن اتساع الفجوة بين المركز والأطراف، كلما تفاقم ضعف التنسيق والثقة- وفّر ذلك التفاقم بيئة مواتية للتدخل الخارجي، وأفرغ المواقف السيادية من مضمونها، وحوّل الخلافات الخارجية إلى عوامل انقسام داخلي، تهدد وحدة الدولة واستقرارها. وتخلص الدراسة إلى أن وحدة الصف الوطني تمثل الشرط الحاسم لصون السيادة الصومالية، وأن إصلاح العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، واستكمال بناء المرجعية الدستورية، وترسيخ مباديء الحكم الرشيد والمساءلة- تُعد مطلوبات أساسية لتحويل التنافس الإقليمي من مصدر تهديد للسيادة، إلى فرصة تنموية متوازنة. وأنه في غياب هذه الشروط، ستظل السيادة إطارًا نظريًا هشًا، وستبقى الدولة عرضة لضغوط خارجية تستثمر في الانقسام الداخلي.
مقدمة
تُشكِّل السيادة الوطنية الركيزة الجوهرية لقيام الدولة الحديثة، ومصدر شرعيتها الداخلية والخارجية، لا سيما في الدول الهشّة، أو الخارجة من نزاعات ممتدة مثل الصومال، حيث تتقاطع إشكاليات بناء الدولة مع تحديات الأمن القومي، والاعتماد الخارجي. وفي هذا السياق، لم تعد التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن الصومالي- محصورة في الدعم السياسي أو الإنساني، بل تطورت إلى أنماط أكثر تعقيدًا من النفوذ البنيوي، تستند إلى أدوات اقتصادية ولوجستية وأمنية، أبرزها عقود الموانيء، وإدارة سلاسل الإمداد، والتحكم في نقاط العبور البحرية الحيوية.
في السياق ذاته، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال العقد الأخير لاعبًا محوريًا في هذا النموذج، عبر استثمارات واسعة قادتها شركة موانيء دبي العالمية (DP World)، التي تجاوزت بعدها الاقتصادي، لتتحول إلى رافعة نفوذ جيوسياسي، وأمني في القرن الإفريقي، والبحر الأحمر. غير أن هذا النفوذ، الذي تحرك طويلًا في بيئة إقليمية مضطربة، وضعف مؤسسي داخلي- بدأ يواجه كلفة سياسية وشعبية متصاعدة، خاصة في ظل تصاعد الوعي السيادي داخل بعض الدول المعنية، وتنامي الشكوك حول انعكاس هذه الشراكات على استقلال القرار الوطني.
وفي هذا الإطار، يمثّل قرار الحكومة الفيدرالية الصومالية إلغاء اتفاقياتها مع أبو ظبي- محطة مفصلية في مسار إعادة تعريف العلاقة بين الصومال، وشبكات النفوذ الإقليمية، لا سيما بعد التطورات المرتبطة بملف «صوماليلاند»، وتداعيات الاعتراف الإسرائيلي المزعوم بها، وما أثاره ذلك الاعتراف المزعوم من مخاوف عميقة، تتصل بوحدة الأراضي الصومالية، وباختراق منظومة الأمن القومي عبر مسارات غير مباشرة. إذ يكشف هذا الملف بوضوح عن التداخل الحادّ بين السياسة الخارجية، والاقتصاد السياسي للموانيء، وترتيبات الأمن الإقليمي، في بيئة تتسم بتنافس محموم بين قوى إقليمية ودولية.
وارتكازا على هذا الأساس، تبدو الساحة الصومالية، ومعها القرن الإفريقي– فضاءً مفتوحًا لمعادلات اصطفاف متقابلة، من جهة محور يضم صوماليلاند وإثيوبيا وكينيا والإمارات وإسرائيل، ومن جهة ثانية محور داعم لوحدة الصومال، تقوده السعودية وقطر وتركيا ومصر والسودان وإريتريا وجيبوتي. وهو ما يحوّل الموانيء وخطوط الملاحة، والمناطق اللوجستية إلى ساحات اختبار حقيقية لمستقبل النموذج الإماراتي، القائم على عقود الامتياز طويلة الأمد، ولمدى قدرته على الصمود أمام تحولات الوعي السيادي، وإعادة ترتيب موازين القوة في البحر الأحمر، وشرق إفريقيا.
انطلاقًا من ذلك، تطرح هذه الورقة تساؤلًا مركزيًا، حول ما إذا كانت شبكة النفوذ الإماراتية في الإقليم تشهد حالة تراجع بنيويّ، أم أنها بصدد إعادة تشكّل، وتكيّف وفق قواعد جديدة، تفرضها التحولات الجيوسياسية، وتنامي حساسية القرار السيادي الصومالي المستقل، في مواجهة شبكة نفوذ إقليمية؟
شبكة النفوذ الإقليمي وحدود الوجود الإماراتي في الصومال
شهد الحضور الإماراتي في الصومال تحوّلًا تدريجيًا من شراكة اقتصادية، وأمنية معلنة إلى نمط نفوذ متداخل، اتسم بتدخلات سياسية وأمنية، جرت خارج الأطر المؤسسية الرسمية. وقد ساهم في ذلك تواطؤ واضح من الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بحكم علاقته الشخصية مع دوائر إماراتية، وربما بسبب مصالح فردية استغلتها أبو ظبي لصالح أجنداتها، كما ألمح هو نفسه في خطابه، الذي تناول فيه ملابسات قطع العلاقات مع الإمارات.
غير أن الخطاب ذاته كشف عن ضعف غير مبرر في التعاطي مع مسألة سيادة الدولة، وعن تهاون في الدفاع عن وحدة القرار الوطني، ما أضعف الموقف الصومالي أمام الرأي العام المحلي والدولي.
لقد بدأت العلاقة بين الجانبين (الصومالي والإماراتي) تحت عنوان دعم الاستقرار، وإعادة الإعمار، لكن العلاقة بينهما ما لبثت أن تحولت إلى تدخل مباشر في ملفات سيادية حساسة، جرى التعامل معها عبر قنوات غير رسمية؛ الأمر الذي أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتكريس نفوذ شبكات ظل تعمل بمعزل عن الرقابة الدستورية، وبعيدًا عن أية مساءلة وطنية.
وتجلّى هذا التحول في جملة من الممارسات، لعلّ أبرزها: ترتيب وتنسيق زيارات غير رسمية لوفود إسرائيلية إلى الصومال، عبر قنوات لوجستية وأمنية خارج الإطار الحكومي؛ والتداخل في ملفات المراقبة الأمنية والاستخبارية، دون إشراك المؤسسات الفيدرالية أو التنسيق مع الولايات؛ فضلًا عن استخدام المجال الجوي، والمطارات الصومالية في تحركات أشخاص مطلوبين، أو مثيرين للجدل إقليميًا، كما حدث في واقعة تهريب عيدروس الزُّبيدي من اليمن إلى أبوظبي. وقد كشفت هذه الوقائع عن وجود هيكل نفوذ موازٍ، يعمل خارج مؤسسات الدولة، ويتمتع بحماية غير معلنة، وينفّذ ترتيبات تتعارض صراحة مع مبادئ السيادة الوطنية، ووحدة القرار الأمني.
أزمة «صوماليلاند» والاختلال في إدارة القرار الخارجي
مثّل ملف «صوماليلاند» نقطة الانكشاف الأخطر لهذا النمط من النفوذ، لا سيما عقب تداول معلومات عن مسارات اعتراف خارجي غير مباشر، لعبت فيها قنوات إسرائيلية– بوساطة إماراتية– دورًا محوريًا. وقد أظهرت طريقة تعاطي الحكومة الفيدرالية مع هذه التطورات جملة من الإشكالات البنيوية، تمثلت في غياب موقف دبلوماسي موحّد، وتردّد في الخطاب الرسمي، إضافة إلى وجود تواصل غير معلن مع أطراف خارج الإطار المؤسسي، دون إعلان موقف وطني صريح، يعبّر عن إجماع الدولة بكل مستوياتها.
إلغاء الاتفاقيات مع الإمارات: قرار سيادي أم اختبار للوحدة الوطنية؟
جاء قرار الحكومة الصومالية بإلغاء جميع الاتفاقيات الموقّعة مع دولة الإمارات – بما في ذلك اتفاقيات الموانيء والتعاون الأمني والدفاعي– بوصفه نقطة تحوّل حادة في علاقة مقديشو بأبو ظبي، وفي نموذج النفوذ الإماراتي في القرن الإفريقي عمومًا. فقد شمل الإلغاء عقودًا مرتبطة بموانيء استراتيجية في بربرة وبوصاصو وكيسمايو، إلى جانب ترتيبات أمنية وعسكرية حسّاسة، بما يعني أن الصومال لم يتجه نحو إعادة تفاوض تقنيّ، بل اختار مسار القطيعة الشاملة.
ومن الناحية السياسية، عزّزت التحقيقات الصومالية بشأن تهريب عيدروس الزُّبيدي عبر الأراضي الصومالية هذا التوجه، إذ اعتُبر استخدام المجال الجوي والمطارات الوطنية، دون علم وتنسيق السلطات المختصة- انتهاكًا صارخًا للسيادة، وتدخّلًا مباشرًا في الشؤون الداخلية. وبناءً عليه، برّرت الحكومة قرار الإلغاء بأن الممارسات المرتبطة بهذه الاتفاقيات= تمسّ السيادة والوحدة الوطنية، والاستقلال السياسي، وهو توصيف يتجاوز الخلافات التجارية، ليحمل اتهامًا ضمنيًا بمحاولة بناء نفوذ موازٍ داخل بنية الدولة.
وتظل الأهمية الاستراتيجية لهذا القرار غير مقتصرة على مضمونه، بل تمتد إلى كيفية إدارته داخليًا. فقرار بهذا الحجم، وإن كان سياديًا في جوهره، لا يكتسب شرعيته الكاملة، ولا قابليته للاستدامة إلا عبر التشاور المنهجي مع الولايات الفيدرالية، وإشراكها في تقييم المخاطر والعوائد، وتوحيد الخطاب الوطني في مواجهة التداعيات الإقليمية والدولية.
إلزامية التشاور الفيدرالي وتوحيد الصف الوطني: شرط لصون السيادة الصومالية
يحمل القرار الصومالي بإلغاء الاتفاقيات مع الإمارات دلالتين أساسيتين: تأكيد احتكار الحكومة الفيدرالية لسلطة التعاقد الخارجي في الأصول الاستراتيجية، ورفع سقف الموقف السيادي من تحسين شروط الشراكة إلى إعادة تعريف حدود النفوذ الخارجي المقبول. غير أن تحويل هذا الموقف إلى نموذج مستدام لحماية السيادة- يظل مشروطًا بإصلاح آلية صنع القرار الخارجي، عبر تشاور مؤسسي فعّال مع الولايات الفيدرالية، بوصفه أداة لبناء إجماع وطني، وتقليص فرص الاختراق الخارجي.
لقد كشفت ردود فعل ولايات مثل بونتلاند وجوبالاند عن خلل بنيوي في إدارة العلاقة بين المركز والأطراف، حيث تُدار القضايا السيادية، وفي مقدمتها السياسة الخارجية، بصورة مركزية ضيقة، تفتقر إلى التنسيق الوطني الشامل. ولم يكن الخلاف في جوهره حول الإمارات، بقدر ما كان صراعًا على حدود الصلاحيات، ومن يمتلك القرار السيادي داخل النظام الفيدرالي.
كما أظهر السجال أن الدستور الصومالي المؤقت، بدل من أن يكون مرجعية جامعة، بات نصًا مفتوحًا لتأويلات متعارضة، زاد من حدّتها اعتماد بعض الولايات على دساتير محلية موازية؛ ما أسهم في إرباك مفهوم السيادة، ووحدة القرار. ويعكس هذا الواقع تعثر العملية الدستورية، وعدم استكمال الدستور الدائم، الأمر الذي أبقى الدولة رهينة نصوص انتقالية غامضة، وتوازنات سياسية مؤقتة.
وعليه، فإن صون السيادة الصومالية لا يتحقق بقرارات مركزية حادة فحسب، بل يتطلب توحيد المرجعية الدستورية، وترسيخ التشاور الفيدرالي، وبناء صف وطني متماسك، يمنع تحوّل الفيدرالية من إطار لتقاسم السلطة إلى بوابة لتفكك الدولة.
خاتمة
تكشف تجربة الصومال مع دولة الإمارات، وما ارتبط بها من تداعيات ملف «صوماليلاند»- عن خللٍ بنيوي في إدارة العلاقة بين السيادة الوطنية، والنفوذ الخارجي. وقد أظهرت هذه التجربة بوضوح أن القرارات السيادية لا تُصان بالقطيعة الرمزية، أو المعالجات الظرفية التكتيكية، بل ببناء مؤسسات قوية، ورؤية وطنية موحّدة، وسياسة خارجية شفافة، تُدار وفق أولويات الدولة، وليس وفق توازنات المصالح الظرفية.
كما أنه في البيئة الإقليمية، التي تتسم بتصاعد التنافس على الموانيء، والممرات الاستراتيجية- فإن هشاشة الداخل الصومالي، تمثل الخطر الحقيقي على السيادة. فالأزمة ليست في الشركاء الخارجيين بقدر ما هي في ضعف التنظيم الداخلي، وتعدد مراكز القرار، وغياب آليات فعّالة للمساءلة وصنع السياسات.
إضافة إلى ذلك فإن شبكة النفوذ الإماراتية في إفريقيا، تمرّ بمرحلة إعادة تشكّل تحت ضغط تنامي الحس السيادي الإفريقي، واتساع دور الرأي العام، واحتدام المنافسة الإقليمية والدولية. غير أن استمرار أنماط الشراكة غير المتوازنة، والصفقات ضعيفة الشرعية الشعبية- يهدد بتحويل هذه الضغوط إلى تصدعات أعمق، ليس على مستوى النفوذ الخارجي فحسب، بل على استقرار الدول المضيفة ذاتها.
وبالنسبة للصومال، فإن أخطر التحديات لا يكمن في النفوذ الخارجي بحد ذاته، بل في الانقسام الداخلي، الذي يفرغ أي موقف سيادي من مضمونه. فالدولة المنقسمة تفقد قدرتها على التفاوض، وتتحول إلى ساحة مفتوحة لتجاذبات إقليمية، لا تراعي مصالحها.
وتأسيسا على ذلك، فإن توحيد الصف الوطني، وترسيخ التشاور الفيدرالي، وإعادة بناء الثقة بين الحكومة المركزية والولايات- تمثل شروطًا أساسية لصون السيادة، ومنع انزلاق الدولة نحو مزيد من الانكشاف والفشل. فغياب إصلاح داخلي جاد، يجعل السيادة مجرّد خطاب هش، ويترك الدولة عرضة لضغوط إقليمية ودولية، لا ترحم الكيانات المنقسمة.
وكيفما كان الأمر فإنه في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ الصومال- تبرز وحدة الصف الوطني بوصفها شرط النجاة الأول، لا كشعار للاستهلاك السياسي، بل كضرورة وجودية. فالدولة التي أُنهكت بالانقسامات، واستُنزفت بتنازع الولاءات، وتغليب المصالح الضيقة- لم تعد تحتمل مزيدًا من الإخفاق في إدارة شؤونها السيادية؛ الأمر الذي يستدعي اصطفافًا وطنيًا جامعًا، تشارك فيه القوى السياسية، والنخب الفكرية، والمجتمع المدني، على قاعدة تقديم المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الفئوية والآنية.
وفي هذا السياق، تتحمّل الحكومة الفيدرالية مسؤولية خاصة عن الإخفاقات المتراكمة في إدارة الدولة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. فبدلا عن ترسيخ التوافق الوطني، وتعزيز الثقة بين المركز والأقاليم- اتسعت فجوة الشك، وتراجعت فاعلية المؤسسات، وتعثر الأداء في مواجهة تحديات تمسّ جوهر السيادة والأمن القومي. إن مساءلة السلطة في هذا المقام لا تمثل تصفية حساب سياسي، بل تشكّل مدخلًا ضروريًا لتصحيح المسار، وترسيخ مباديء الحكم الرشيد، واحترام الدستور، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة.
إن الطريق إلى استعادة الدولة الصومالية سيادتها واحترامها ومكانتها الإقليمية والدولية- يبدأ من اعتراف صريح بأوجه القصور، يتبعه إصلاح مؤسسيّ حقيقيّ، وحوار وطني شامل، والتزام عملي بوحدة الصومال أرضًا وشعبًا وقرارًا. بغير ذلك، ستظل الأزمات تتكرر، وسيبقى الوطن يدفع كلفة الانقسام، وهي كلفة تجاوزت حدود الاحتمال الوطنيّ.

