يقول تعالى:
(لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114).
الازمة السودانية.
تعتبر حرب (13|ابريل| 2023م) واحدة من أخطر الأزمات التي شهدها تاريخ السودان الحديث، كونها هددت وبشكل كبير أمنه القومي ووحدة ترابه وتماسك كيانه السياسي، وذلك بسبب العجز الكبير على توجيه تناقضات المجتمع الداخلية من جهة ومدافعة التدخلات الإقليمية والدولية الكثيفة من الجهة الأخرى، وفي تحليل أولي للعوامل الرئيسية وراء انفجار الحروب المتكاثرة في السودان، فانه يظهر أنها حصيلة مجموعة عوامل متداخلة، تجمع ما بين العوامل الداخلية: الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلا عن العوامل الخارجية متمثلة في مشروعات تفكيك السودان المعلنة والمخفية.
إن المقاربة النظرية التي تنطلق منها، هي أن جذور المشكل العام في المجتمع السوداني، مُشكِل مركب، وليس مشكلاً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو نحوها كل على حده، بل هو أعقد من هذا بكثير، لتبدوا هكذا مشكلات عبارة تجليات وأعراض للمشكلة التي تكمن في «المغزى» و«المعنى» من وجود الإنسان السوداني، في الحياة وفي نظرته لنفسه وللعالم والأخرين، أي تكمن في طبيعة وضوح الرؤية لمعني الحياة لدي الأفراد.
أن المشكل يتعلق أساساً بالعامل الثقافي المعني بتوضيح «معنى الحياة» وأثره على الحياة الإنسانية، ولما كان معنى «الإيمان» هو «المعنى» الأساس الذي يقدمه فكرنا لحل هذا إشكال، بوصفه «المعنى» الثقافي الابتدائي في صياغة «الرؤى» و«المشاريع» و«النوايا» و«الدوافع» الحياتية الخيرة التي تقود «الإنسان» إلى «الرشد» و«الاستقامة» و«الفضيلة»، أي تقوده إلى تحقق صلاح فطرته، وفي ذات الوقت تنئ به عن «الهوى» و«الانحراف» و«الفساد» في الأرض، عندما يكون «معنى» الحياة الفردية أو الجماعية السودانية، متماهياً مع الحياة الطيبة التي هي الثمرة المرجوة لحياة «الإنسان».
أما العامل الاجتماعي فيجد جذوره الضاربة في التوزع الديمغرافي للسكان، وسوء إدارة التنوع الثقافي والاجتماعي بين القبائل والاثنيات والقوميات والعشائر واهل الاديان، وعدم استثمار رأس المال البشري الشاب وتغييب شبه كامل لدور المجتمع الاهلي والمجتمعات المحلية.
اما العامل السياسي، ونعنى به عامل (الصراع على السلطة)، وهو مرتبط بالنمط المركزي للحكم في السودان مع نقض أسس الدولة، وتخريب عمل المؤسسات العامة بالفساد والمركزية القابضة والنظام الأمني والعنف والعنف المضاد، وتعدد الجيوش، والتمرد المستمر على مؤسسة الدولة.
اما العامل الاقتصادي، ونعنى به عامل (الصراع على الثروة) وهو مرتبط بطبيعة النظام الاقتصادي ونظم الملكية وبمشاريع التنمية غير المدروسة وبهيمنة رؤوس الأموال الخاصة والاحتكار الكبرى للنشاطات التجارية والاقتصادية.
اما العمال الخارجي، ونعنى به (الاطماع والمؤامرات الدولية)، التي تعمل على مشروع تفكيك السودان، وهو يتمثل في التدخلات الأجنبية (الإقليمية والدولية) وتأثيرها على توجيه التناقضات الداخلية وتغزيتها لتحولها الى صراعات دائمة، مما اطال امتد الحروب في السودان، فاشتد عنفها وأصبح متفاقماً.
تعريف تمهيدي.
المصالحة الوطنية الشاملة هي تلك الجهود أو مجموعة الجهود المبذولة، التي يتم من خلالها رأب الصدع الذي سببته الحروب والنزاعات المتطاولة في السودان لتخرج بالبلاد من حالة الصراع والحرب إلى حالة السلام الدائم، فالمصالحة بهذا المعنى تعبير عن تفاعلات مجتمعية تتضمن الاعتراف المشترك بمعاناة الماضي وضرورة تغيير السلوك العدواني ونبذ خطابات الكراهية، والنهوض إلى بناء علاقات التسامح والدعوة الى العيش المشترك بين السودانيين على قاعدة الحق والعدل والمسؤولية والتراضي والحوار كمنهج دائم لحل المشكلات المستجدة.
والمعنى ان المصالحة الوطنية الشاملة المنشودة في السودان، هي جهود مستمرة تبدأ بالتوافق الوطني والانتقال السياسي الانتقالي وتنتهي بصنع دستور دائم يحقق السلام ويشرح علاقات جهاز الدولة بالمجتمع، وكذا علاقات المجتمع البينية، يشارك في تحققها السودانيون كافة، كما يشاركون في بلورة مخرجاتها في الحفاظ على السلم الاهلي والسلام السياسي على كافة المستويات، وتتحمل معها كافة الأطراف مسؤوليتها اعترافاً لجميع المتضررين بحقوقهم كاملة وتحملا لمسؤولية جبر الضرر الواقع على عموم المتضررين واجتهادا دؤوباً في رأب الصدع.
الدواعي والمبررات.
لإدراكنا العميق بأنه بالرغم مرارة اثار الحروب الكريهة في السودان، فان هناك حاجة ملّحة لراب الصدع ووقف التفتت داخل النسيج السوداني، ولدواعي أن فرص العيش المشترك بين السودانيين تكمن فقط وفقط في صنع مصالحة وطنية شاملة عمادها القبول بالآخرين، كجسر ومعبر نحو العيش المشترك والسلم الأهلي والازدهار والعمران والتنمية، وتفويت الفرصة على الأعداء الذين يتربصون ببلادنا الدوائر عليهم دائرة السوء.
ان المصالحة الوطنية الشاملة ضرورية حيوية لأن بلادنا عانت ولا تزال تعاني من خلافات عميقة وصراعات داخلية متطاولة، بين مختلف الأطياف: بين الدولة والمجتمع، وبين المجتمع والمجتمع، فيتوجب البحث عن حالة مصالحة عامة بين المجتمع ونظام الحكم بالبحث عن نظام الحكم الملائم والميثاق السياسي الذي يلائم احوال السودان، وبالبحث عما يخلق التجانس والعيش المشترك بين أطياف المجتمع، فالمصالحة الوطنية الشاملة بهذا المعنى تعبر عن مشروع سياسي ملح، وهي مقدمة ونتيجة في آن واحد لتسوية تاريخية (سودانية – سودانية) شاملة تجاوب على ابعاد المشكل السوداني وعقده المتفاقمة، تنشأ على قاعدتها علاقات ومواثيق سياسية واجتماعية قائمة على الحق والعدل والتراضي والوفاق والحوار والقبول بين الأطياف السياسية والمجتمعية بهدف طي صفحة الماضي وتحقيق السلم الأهلي والعيش المشترك بين أطياف المجتمع السوداني كافة، وان عدم تحقيقها قد يؤدي الى تفكك السودان في حدوده الحالية وانعدامه.
منطلقات المصالحة الشاملة.
المصالحة الوطنية الشاملة مسالة متداخلة ومتشعبة، وذلك لتداخل معنى المصالحة والتماسك الاجتماعي مع مسببات الازمة كافة، فالمصالحة الاجتماعية والوطنية ورأب الصدع الاجتماعي، مثلا، لا يتحقق إلا بمعالجة أسباب الصراع السياسي والاجتماعي والاقتصادي ومنع التدخلات الخارجية، وبالمضي قدما في حل سلمي شامل يشمل السودانيين كافة، ويمثلهم وينتهي بهم الى إعادة اصلاح أحوال البلاد والعودة بها إلى مسار النهضة والعمران والتنمية والتطور.
وعليه فإن المصالحة والتماسك الاجتماعي بهذا المعنى يأتيان كمقدمة وكنتيجة لعمل متكامل ينتهي الى تأسيس دستور السودان الدائم، وبذلك فهي جهود تبني على اعلاء روح التسامح والثقة والمسؤولية بين كافة الاطراف وانفتاح الأفق بينها وذلك بإيلاء المشتركات الحضارية العليا ما يكفي من الاهتمام بوصفها الممسكات الكبرى التي يمكن أن تنجز المصالحة الشاملة تدريجيا وبخارطة زمنية مناسبة، بعيدا عن ضيق الرؤى الايديلوجية والحزبية والسياسية والجهوية والقبلية، فطرح المصالحة الشاملة على أنها من اللوازم والبرامج الحزبية او الجهوية -التي لا يمكن إنكارها- امر يزيد المشكل السواني تعقيدا، ويخلق نوعا من العصبيات البغيضة التي تزيد بدورها من التعصب الأيديولوجي والسياسي والجهوي والقبلي، مما يمنع من تحقيق الوفاق العام، فالتعصب هو الداء الذي ألحق ويلحق أفدح الأذى بوحدة التاريخ والمصير في بلادنا السودان.
منهج المصالحة الشاملة وآلياتها.
فما هو معنى الإصلاح والمصالحة ؟، وما هي أبعاده الاصولية ومساراته العملية المختلفة؟
وردت كلمة الإصلاح في رسالة الهداية الدينية في سياقات متعددة، منها قوله تعالى على لسان نبي الله شعيب مخاطِباً قومَه في قوله تعالى: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ{هود/88}، ويقول: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ {البقرة/220}، ويقول: إنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِـحِينَ{الأعراف/196}، ويقول: إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْـمُفْسِدِينَ {يونس/81}. وهي سياقات تدل على أن الإصلاح معني بإعادة إصلاح فطرة الإنسان كما هو معني بإبقاء صلاح الكون، يقول تعالى: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ {الأعراف/56}.
والملاحظ أن معني الإصلاح في الهداية الدينية معني شامل، يمتد فيشمل أخص العلاقة الإنسانية كالعلاقة بين الزوجين بوصفها علاقة إيجابية، لتكون علاقة قوامها السكن، والمعروف، والمودة والإحسان والتشاور، بوصفها سمات هذه العلاقة المرجوة. أما إذا انقلبت العلاقة إلى شقاق، فالأمر بحاجة إلى إصلاح في أسرع وقت، لكي تعود إلى سابق صفائها، يقول تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا {النساء/35}، كما أنه أي معنى الإصلاح يتعمم ليشمل عموم المواثيق والوفاء بها والتعارف والتعاون والألفة، بوصفها أصول قيام المجتمع الصالح، أما إذا اشتجر الخلاف وكان الصراع والقتـال بين طوائف في المجتمع، فعلي الجميع إن يبادروا إلى الإصلاح لإعادة الحالـة التعاقدية الأولى، وإلا قاتلوا الطرف الباغي حفاظاً على أصول المجتمع حتى لا تنقض، يقول تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {الحجرات/9-10}.
وبذلك يرتبط مشروع المصالحة الوطنية في معناه النهائي في مساره العام والمرتبط ارتباطا ً وثيقا ً بالجهود السياسية السلمية وتوقف أعمال العنف والحوار السياسي والعدالة الجزائية، باعتبار ان مفهوم المصالحة الوطنية مفهوم وثيق الصلة بمفهوم السلم الأهلي، وإصلاح ذات البين، والعدالة الجزائية، والمصالحات الاهلية، لان المصالحة الوطنية تشكل أحد أهم أهداف منظومة قيم الحق والعدالة وغايتهما النهائية، الا انها لا تعنى بالضرورة الجهود المبذولة من جانب الحكومة لأجل “طي صفحة الماضي” أو “للعفو والنسيان”، بل المصالحة والإصلاح الحقيقي معنى شامل لمجموعة مرتبطة ببعضها من المبادئ: وهي:
أولاً: عدم الإفلات من العقاب: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34).
ثانياً: جبر الضرر: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)، وقال عليه السلام لا ضر ولا ضرار، والضرر يزال.
ثالثاً: المحاسبة: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)، وقال عليه السلام: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
رابعاً: العدالة الجزائية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179).
خامساً: الاعتراف: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65).
سادساً: الصفح: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)، ويقول: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) .
سابعاً: العفو: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199).
ومن البديهي ان هذه المجهودات ستلجأ إلى القيام بتسويات وسطية تحقق من خلالها كافة الأطراف بعض أهدافها وتعترف للأطراف الأخرى ببعض أهدافها، مقابل الخروج الجماعي الآمن من دائرة العنف والعنف المضاد وتقليص المخاطر الوجودية المهددة لبقاء الجميع وبقاء السودان.
الفاعلون والمدعوون:
الدولة بمختلف مؤسساتها: (العسكرية| الأمنية| الخدمة المدنية| القضاء | النيابة … الخ).
المجتمع بمختلف تكويناته: (قبائل، عشائر، طرق صوفية، أحزاب، مفكرون، مثقفون، تجار، منظمات مدنية … الخ).
اهداف المصالحة التاريخية الشاملة.
ان المصالحة الوطنية الشاملة تعد أحد الأهداف الكبرى التي يصبو إليها المجتمع السوداني في الحاضر، من جهة وحدة البلاد وبناء الامة السودانية الموجدة وتجديد علاقات العيش المشترك بين السودانيين، لارتباطها بحاضره ومستقبله ولارتباطها بإصلاح العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الخاص بالمجتمع والدولة، والتي تتفرع عنها الأهداف الإصلاحية الفرعية التالية.
- تهيئة البلاد للانتقال السياسي والتداول السلمي للسلطة.
- اصلاح الوحدة الاجتماعية والنسيج والسلام الاجتماعي.
- اصلاح المواثيق السياسية الجامعة وإصلاح الحياة السياسية.
- اعداد مسودة الدستور الدائم (تعرض على الجمعية التأسيسية المنتخبة لاحقا).
- بلورة نظام اقتصادي يضمن الكفاءة الإنتاجية والعدالة الاجتماعية.
محاور العمل ولجانه.
ان إحلال المصالحة لا يمكن أن يتم ببرنامج واحد محدد فحسب، بل يتم من خلال جهود إصلاحية متشعبة ومركبة، عندما يتم العمل على نفي المسببات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يمكن ان تؤدي الى العودة إلى الحرب، وذلك من خلال عقد (مؤتمر المصالحة الوطنية الشاملة) كمنبر (للحوار السوداني السوداني الداخلي)، والذي يهدف الى إصلاح علاقات الدولة بالمجتمع وعلاقات المجتمع بالمجتمع وراعية السلام الدائم، مما يساهم في الحد من احوال الغضب والاحتقان ونقص العدالة ويعمل على تقريب وجهات النظر وإعادة بناء الثقة بين السودانيين من خلال مخرجات (المؤتمر) في: الاصلاح المؤسسي لجهاز الدولة، وجملة موجهات واستراتيجيات التنمية ومنهج الحوار المستمر، وبلورة نظام الحكم الارشد، وبناء الاقتصاد الأعدل والتعايش الأهلي الاسلم، والعلاقات الخارجية الأقوم ونحو ذلك، وحتى تكلل هذه الخطوة الأولى بالنجاح نقترح عمل (لجان المؤتمر) في المحاور التالية.
- المقررية العامة.
- محور الاتصال والتهيئة.
- محور الإعلام والاتصال.
- محور الثقافة ونظم التنشئة الاجتماعية
- محور نظم الحكم والميثاق السياسي.
- محمور الامن القومي والعلاقات الخارجية
- محور الاقتصاد والعدل الاجتماعي.
- محمور المجتمع وقواه الاجتماعية.
- محور التشريعات القانونية والجزائية.
- محور المصالحات الاهلية والمحلية.
الخاتمة: من المؤكد إن جهود مشروعات وبرامج المصالحة الوطنية الشاملة واستعادة التماسك الاجتماعي في السودان ما بعد الحرب ستكون جهود مركبة ومعقدة وطويلة الاجل على الصعد الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية على حد سواء، اذ لا توجد مقاربة واحدة نموذجية لإجراء المصالحة المجتمعية واستعادة التماسك بين مختلف مكونات المجتمع السوداني، بل هي نماذج جهود ومشاريع وبرامج مركبة ومستمرة تبدأ لحظة الاتفاق على حل سلمي شامل وتنتهي لاحقا بانتفاء أسباب العودة إلى الحرب.
وعلى الرغم من التركيز الكبير على دور الدولة الجوهري في وضع الأسس المؤسساتية لعملية المصالحة (الإصلاح الدستوري)، الا أن المصالحة عملية ممتدة في الزمان ولا تنتهي بانتهاء التوقيع على وثائق الحل السياسي السلمي بل تمتد لسنين وعقود وتنتقل عبر التراكيب الثقافية والبني الاجتماعية من جيل إلى آخر، وعليه فإنه وبالرغم من اختلاف أوزان الأدوار في المرحلة الأولى للعبور من حالة الحرب إلى أحوال السلام، الا أن الوزن الأكبر سيكون دائما ً لدور السودانيين في الحاضر في تحديد المسار الراشد للأجيال القادمة. وبالله التوفيق

