المقدمة
اعتمدت إدارة ترامب نهجًا في السياسة الخارجية يقوم على إعطاء الأولوية للعلاقات الاقتصادية والأمنية مع الدول التي تتقاطع معها المصالح. وقد يحظى هذا التوجّه في بداياته بقبول لدى بعض القادة الأجانب الذين يرون أن بلدانهم قد تجني من التجارة مكاسب أكبر مما كانت تحققه من المساعدات، إلا أنّه بدأ بالفعل يصطدم بعقيدة الإدارة القائمة على مبدأ «أمريكا أولًا». ويظهر هذا التوتر بشكلٍ أوضح ما يكون في العلاقات الأميركية–الإفريقية.
وقد قوبل الدفع المبكر من إدارة ترامب نحو تبنّي استراتيجية دبلوماسية تجارية لإفريقيا، تُقدِّم التجارة على المساعدات، بترحيب من عدد كبير من القادة الأفارقة. فهؤلاء القادة طالما دعوا الولايات المتحدة إلى التعامل مع القارة الإفريقية بوصفها شريكًا تجاريًا، لا مجرد متلقٍ للمساعدات. وبطبيعة الحال، تمتلك الولايات المتحدة تاريخًا طويلًا من الدبلوماسية التجارية في إفريقيا.
وتسعى إدارة ترامب إلى تمييز مقاربتها، ولا سيما أمام قواعدها الداخلية، من خلال التركيز على فوائد التجارة، واستثمارات القطاع الخاص، والشراكات القابلة للتمويل بالنسبة للشركات الأميركية، إلى جانب محاولتها إقناع القادة الأفارقة بإمكانات النمو الاقتصادي. وفي هذا السياق، صرّح السفير المتقاعد حديثًا تروي فيتريل، وهو أرفع مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية معنيّ بالشأن الإفريقي وأسهم في صياغة سياسة الإدارة، أمام جمهور في أبيدجان بساحل العاج في مايو/أيار 2025، بأن استراتيجية الإدارة ستُنفَّذ بالشراكة الوثيقة مع الشركات الأميركية، والحكومات الإفريقية، وأصحاب المصلحة الآخرين، من أجل تهيئة الظروف الملائمة لتحقيق النمو الاقتصادي في القارة.
إن تنامي الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية لإفريقيا — بالنظر إلى إمكانات سكانها المتزايدين، وامتلاكها مخزونًا من المعادن الحيوية اللازمة لتلبية احتياجات الاقتصاد العالمي عالي التكنولوجيا — يوفّر مجالات واضحة تتقاطع فيها المصالح الأميركية مع الفرص المتاحة، ويمكن لاستراتيجية الدبلوماسية التجارية أن تسهم في تحقيق هذا التوافق. غير أنّ السياسة الخارجية لا تعمل في فراغ؛ فجميع السياسات الخارجية هي في جوهرها امتداد للسياسة الداخلية، وفي ظل هذه الإدارة تؤثر الأولويات الداخلية، مثل دعم الشركات الأميركية، بقوة في صياغة أجندة السياسة الخارجية. ويؤدي ذلك إلى تحديات في تصور وتنفيذ استراتيجية دبلوماسية تجارية موجهة لإفريقيا. وربما يتجلى هذا التوتر على نحوٍ أكثر وضوحًا في مجالين رئيسيين، هما: الحمائية التجارية وإصلاح سياسات الهجرة.
كيف أثّرت سياسات ترامب على إفريقيا؟ وكيف تستجيب القارة؟
الحمائية التجارية
إن الأمر التنفيذي رقم 14257 الصادر عن إدارة ترامب في 2 أبريل/نيسان 2025، والمعروف باسم «يوم التحرير»، والذي اقترح فرض تعريفات جمركية كبيرة بهدف معالجة العجز التجاري وتعزيز الاستقلال الاقتصادي للولايات المتحدة، يقوّض أجندة الإدارة نفسها القائمة على تفضيل التجارة على المساعدات في إفريقيا. فقد فرض الأمر (الذي عُدّل لاحقًا أكثر من مرة) في بدايته تعريفات أساسية بنسبة 10 في المئة على 29 دولة إفريقية، ووضع تعريفات أعلى على 20 دولة إفريقية أخرى، وصلت إلى 50 في المئة على ليسوتو — وهي ثاني أعلى نسبة بعد الصين.
وقد أعلنت ليسوتو، وهي من أصغر الاقتصادات الإفريقية وتعتمد بدرجة كبيرة على صادرات المنسوجات إلى الولايات المتحدة، حالة كارثة في قطاع النسيج لديها قبل أن يعلن ترامب تعليقًا مؤقتًا لمدة 90 يومًا. وبعد أن عدّلت الإدارة معدلات التعريفات المتبادلة في 31 يوليو/تموز، انخفضت الرسوم الجديدة المفروضة على واردات ليسوتو إلى 15 في المئة، ما وفّر قدرًا من الانفراج. ومع ذلك، لا يزال نحو 12 ألف وظيفة في قطاع النسيج في ليسوتو معلّقًا على المحك، فيما بدأت البلاد تسعى لاستقطاب مشترين من أسواق أخرى لمنتجاتها.
كما فرض ترامب تعريفات بنسبة 30 في المئة على سلع مختارة من جنوب إفريقيا، وهدّد بزيادة إضافية قدرها 10 في المئة في التعريفات على الدول المنضوية ضمن تكتل «بريكس» الذي يضم كبرى الاقتصادات الناشئة. وتؤثر هذه الحزم من التعريفات على اثنتين من أكبر اقتصادات إفريقيا، وهما نيجيريا وجنوب إفريقيا، إلى جانب العديد من الدول الأصغر.
ومن المتوقع أن تؤثر التعريفة البالغة 30 في المئة على جنوب إفريقيا بشكل كبير في سوق العمل، ولا سيما في صناعة قطع غيار السيارات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات المعفاة من الرسوم إلى الولايات المتحدة. أما نيجيريا، التي تبلغ نسبة التعريفة المفروضة عليها حاليًا 15 في المئة، فقد تواجه زيادة إضافية قدرها 10 في المئة، نظرًا لانضمامها مؤخرًا إلى مجموعة بريكس في يناير/كانون الثاني 2025 كدولة شريكة، وذلك قبيل تولّي ترامب منصبه وهو ينظر إلى سياسات بريكس بوصفها «مناهضة لأميركا».
وعلى الرغم من أن إدارة ترامب عدّلت في نهاية المطاف بعض تعريفاتها الجمركية المفروضة على إفريقيا، فإن هذه الرسوم تسببت في حالة من عدم اليقين والهلع لدى العديد من الدول الإفريقية التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على التجارة مع الولايات المتحدة. فقد هزّت هذه التعريفات الاقتصادات الإفريقية، وأثارت شكوكًا جدّية حول نوايا استراتيجية الدبلوماسية التجارية الأميركية، حيث تساءل بعضهم عمّا إذا كانت هذه الاستراتيجية تقتصر على تأمين المعادن من القارة فحسب، بدل أن تكون شراكة متبادلة المنفعة.
وأظهرت إدارة ترامب تفضيلًا واضحًا لنهج يقوم على المعاملات في سياستها الخارجية تجاه القارة؛ فعلى سبيل المثال، عرضت جمهورية الكونغو الديمقراطية في وقت سابق من هذا العام منح حقوق حصرية لاستغلال المعادن لشركات أميركية مقابل الحصول على دعم أمني من الولايات المتحدة ضد جماعة «إم 23» المتمردة، وهي قوة شبه عسكرية مدعومة من رواندا المجاورة. وقد أثّر هذا الطلب في التوصّل لاحقًا إلى اتفاق سلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، بوساطة أميركية، يُفترض أنه يمنح حقوقًا في بعض المعادن الحيوية لمستثمرين أجانب، من بينهم مستثمرون من الولايات المتحدة. ويُقال إن إعلان مبادئ السلام الذي وقّعه وزيرا خارجية الكونغو الديمقراطية ورواندا في يونيو/حزيران 2025 يهدف إلى توفير حوافز اقتصادية لجميع الأطراف المعنية، من خلال ما وصفه المستشار الأول لوزارة الخارجية الأميركية لشؤون إفريقيا، مسعد بولس، بأنه «إطار للتكامل الاقتصادي الإقليمي».
وبينما يُنظر إلى اتفاق السلام الذي سهّلت الولايات المتحدة التوصل إليه بين الكونغو الديمقراطية ورواندا باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح، فإن الحكم النهائي لا يزال معلّقًا بشأن ما إذا كان هذا المسار قادرًا على استعادة السلام في المنطقة.
يبدو أن السعي لتأمين المعادن الحيوية يشكّل محورًا أساسيًا في اهتمامات هذه الإدارة، وقد لعب دورًا مهمًا أيضًا في مبادرات ترامب المبكرة تجاه أوكرانيا. ومع أن اتفاق السلام الذي سهّلت الولايات المتحدة التوصل إليه بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا يُنظر إليه على أنه خطوة في الاتجاه الصحيح، فإن الحكم النهائي لا يزال غير محسوم بشأن قدرة هذا المسار على استعادة السلام في المنطقة.
ويُلاحظ في هذا السياق غياب رؤساء الدول المتحاربة عن مراسم التوقيع في يونيو/حزيران، والتي شملت ظهورًا في المكتب البيضاوي مع وزيري الخارجية؛ كما أن إحدى الجماعات المتمردة الرئيسية لم تشارك في تلك المحادثات؛ ولا تزال هناك عقبات كبيرة تعترض التنفيذ. وفي غياب بيئة مُمكِّنة تتسم بالاستقرار والأمن، سيكون من الصعب على الشركات الأميركية العمل في المنطقة.
كما وضعت التعريفات الجمركية علامة استفهام حول مستقبل اتفاقية “قانون النمو والفرص في إفريقيا” (AGOA)، التي منحت الدول الإفريقية وصولًا معفيًا من الرسوم الجمركية إلى الأسواق الأميركية على مدى 25 عامًا. وقد انتهت صلاحية الاتفاقية في سبتمبر/أيلول 2025، ولا توجد، حتى وقت كتابة هذه السطور، مؤشرات واضحة بشأن ما إذا كانت ستُجدَّد وكيف سيتم ذلك، وهي خطوة يتعيّن أن يتخذها الكونغرس. وقد أشار كثيرون داخل إدارة ترامب إلى أهمية الاتفاقية، كما قال ترامب نفسه، عندما سُئل عن «أغوا» خلال قمة يوليو/تموز 2025 التي عقدها مع خمسة رؤساء أفارقة — من الغابون، وغينيا بيساو، وليبيريا، وموريتانيا، والسنغال — إنه «سينظر» في تمديد الاتفاق التجاري. إلا أن العديد من القادة الأفارقة يشككون في فرص تجديد «أغوا»، نظرًا لنظام الإعفاء الجمركي الذي يتيحه لبعض السلع.
وفي المقابل، تُعدّ الصين بالفعل أكبر شريك تجاري لإفريقيا، إذ تمنح ما يقرب من كامل القارة وصولًا معفيًا من الرسوم الجمركية إلى أسواقها؛ ففي يونيو/حزيران 2025، ألغت الصين الرسوم الجمركية عن 53 دولة إفريقية. ومن شأن ذلك أن يوسّع الفجوة القائمة بالفعل بين أرقام التجارة الصينية والأميركية مع إفريقيا؛ إذ ارتفعت تجارة السلع بين إفريقيا والصين بنسبة 6.1 في المئة في عام 2024 لتصل إلى 295 مليار دولار، مقارنة بـ72 مليار دولار فقط من تجارة السلع مع الولايات المتحدة.
واستجابةً لهذه البيئة غير اليقينية، ولمواجهة تعريفات ترامب، تضاعف الدول الإفريقية جهودها للاستفادة من مبادرتها الرائدة للتجارة الحرة، وهي منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وقد بدأت هذه المبادرة، التي انطلق العمل التجاري في إطارها عام 2021، بهدف دمج 1.4 مليار نسمة في أكثر من 50 دولة ضمن سوق واحدة، إلا أن تنفيذها كان بطيئًا. فعلى الرغم من أن 49 دولة صادقت على الاتفاق، فإن أقل من نصفها يشارك فعليًا في التجارة ضمن مظلته — مع تسجيل بعض التقدم في الوقت نفسه. وفي الأثناء، تعمل الدول الإفريقية على توسيع علاقاتها التجارية مع الصين، والاتحاد الأوروبي، ودول الخليج الفارسي.
إصلاح سياسات الهجرة
تُقوِّض سياسات الهجرة التي تعتمدها إدارة ترامب كذلك استراتيجيتها في الدبلوماسية التجارية وسرديتها بشأن الشراكة الاقتصادية مع إفريقيا. فقد فرضت واشنطن قيودًا واسعة على التأشيرات والسفر بذريعة أن تشديدها يحمي الأمن القومي الأميركي. غير أن هذه الإجراءات تُلحِق أضرارًا كبيرة بالعديد من الدول الإفريقية، من بين آثار أخرى، عبر عرقلة السفر اللازم للتجارة والاستثمار، وتشتيت انتباه القادة الأفارقة الذين يضطرون إلى التعامل مع التداعيات الاجتماعية-السياسية، وتسميم الأجواء بين القادة الأميركيين والأفارقة.
وبدلًا من التركيز على القضايا الاقتصادية، تضمّنت قمة يوليو/تموز التي عقدتها الإدارة مع خمسة قادة أفارقة ضغطًا على الدول الإفريقية لقبول رعايا من دول ثالثة جرى ترحيلهم من الولايات المتحدة، وهو ما لا يهيّئ مناخ الاحترام المتبادل اللازم لبناء علاقات اقتصادية قوية. وإضافة إلى ذلك، فرضت الولايات المتحدة حظرًا كاملًا أو جزئيًا على التأشيرات على ما لا يقل عن 19 دولة، عشرٌ منها في إفريقيا. ويأتي كل ذلك فوق سياسة ترامب الجديدة المثيرة للانقسام، والقاضية بقبول البيض من جنوب إفريقيا من ذوي الأصول الأفريكانية الذين يدّعون الاضطهاد بسبب التمييز والعنف بوصفهم لاجئين.
وقد أدان عدد من المسؤولين الأفارقة الإجراءات العقابية التي اتخذتها إدارة ترامب واعتبروها غير مقبولة وغير مجدية. فعلى سبيل المثال، قالت نيجيريا إنها، رغم حرصها على تعزيز العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، ترى أن قيود السفر تشكّل عائقًا كبيرًا. ورفض وزير الخارجية النيجيري يوسف توغار علنًا ضغوط إدارة ترامب على بلاده لقبول طالبي لجوء من دول ثالثة، قائلًا إن لدى نيجيريا «ما يكفي من مشكلاتنا الخاصة»، ولن ترضخ للإكراه الأميركي لقبول مُرحَّلين لا تربطهم أي صلة بنيجيريا.
كما تفرض سياسات الهجرة الجديدة لإدارة ترامب قيودًا شديدة على تأشيرات الطلاب، ما يؤثر بشكل كبير في الشباب الأفارقة؛ حتى إن الذين يدرسون بالفعل في الولايات المتحدة يُنصَحون بعدم مغادرتها خشية عدم تمكنهم من العودة. ويُعدّ هذا مثالًا آخر على إضرار إدارة ترامب، مجازيًا، بسياساتها في التجارة الخارجية والاستثمار من حيث التمويل، في وقتٍ يشهد فيه العالم تحوّل الطفرة الشبابية في إفريقيا إلى قوة اقتصادية كبرى. فقد أفاد المنتدى الاقتصادي العالمي بأنه «بحلول عام 2035، سيكون عدد الشباب الأفارقة الداخلين إلى سوق العمل سنويًا أكبر من مجموع الداخلين في بقية أنحاء العالم مجتمعة». وفي المقابل، تمتلك الصين بالفعل أفضلية عددية كبيرة على الولايات المتحدة في استقطاب أفضل هؤلاء وألمعهم إلى نظامها التعليمي.
الآثار المترتبة والتوصيات للولايات المتحدة
يتعيّن على الولايات المتحدة، بحق، إعطاء الأولوية لمصالحها الوطنية الداخلية. غير أن مصالح السياسة الخارجية باتت متشابكة على نحو لا ينفصم مع الأولويات الداخلية في عالم اليوم المترابط عالميًا، حتى بالنسبة للولايات المتحدة ذات القوة الاقتصادية الكبيرة. وسيكون من قِصَر النظر، على أقل تقدير، إعاقة علاقات اقتصادية خارجية قد تكون مفيدة، بل ومربحة، بإجراءات غير منتجة قد تقوّض أهداف التجارة والنمو الاقتصادي. وتخاطر إدارة ترامب بالوقوع أكثر في هذا الفخ عبر إخفاقها في تحقيق توازن بين هذه المصالح على نحو يخدم الأميركيين ولا يضرّهم — فضلًا عن الأفارقة في هذه الحالة. إن الدبلوماسية التجارية التي تروّج لها الإدارة على نطاق واسع باتت على المحك.
ومع تنامي الأهمية الجيوسياسية لإفريقيا، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تحدد بوضوح لماذا تريد — ولماذا يجب — أن تنخرط مع الدول الإفريقية.
ومع تنامي الأهمية الجيوسياسية لإفريقيا، يتعيّن على الولايات المتحدة أن تحدد بوضوح لماذا تريد — ولماذا يجب — أن تنخرط مع الدول الإفريقية، ولا يمكن أن يكون الهدف مجرد إزاحة الصين بالمزيد من الشيء نفسه. فذلك لن يثير اهتمام القادة الأفارقة ولا مواطني القارة. ولماذا الانتقال من «شريك» مرابٍ إلى آخر؟
وعوضًا عن ذلك، ستحقق إدارة ترامب نجاحًا اقتصاديًا أكبر إذا ما فهمت على نحو كامل كيف يمكنها أن تميّز نفسها في نظر الشركاء المحتملين. فكما ذُكر، تتفوق الصين بالفعل على الولايات المتحدة في حجم التجارة مع الدول الإفريقية، كما تزيد استثماراتها في أدوات «القوة الناعمة» التي استخدمتها الولايات المتحدة لسنوات، مثل التعليم. وفي الوقت نفسه، تُفرغ إدارة ترامب العديد من أدوات القوة الناعمة التي منحت البلاد ميزة تنافسية في إفريقيا من مضمونها، ليس فقط عبر تقييد الهجرة والتبادل التعليمي، بل أيضًا من خلال تفكيك مؤسسات كبرى مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، التي شكّلت مصدرًا لروابط اقتصادية واسعة بين الولايات المتحدة وإفريقيا. ومن بين مبادرات أخرى، أدى تقليص «يو إس إيد» إلى إلغاء مشروع «باور أفريكا» الذي أُطلق عام 2013، وكان يهدف إلى مساعدة القارة على اللحاق بمستويات إنتاج الطاقة — وهو عنصر حاسم لأي تنمية اقتصادية. كما طالت الإلغاءات برنامج «بروسبَر أفريكا»، وهي مبادرة واعدة أُنشئت في عهد إدارة ترامب الأولى وساعدت على إنشاء مكتب التجارة الأميركي-الإفريقي المدعوم حكوميًا والخاص بطبيعته لتعزيز التعاون التجاري. كذلك علّقت إدارة ترامب عمل الوكالة الأميركية للتجارة والتنمية، التي كانت تسهم في تقليل المخاطر في الاستثمارات المبكرة وكان يمكن أن تؤدي دورًا محوريًا في ضمان نجاح استراتيجية الدبلوماسية التجارية. وعلى الرغم من احتفاظ الإدارة بمكتب إفريقيا ضمن إعادة تنظيم وزارة الخارجية مؤخرًا، فإنها درست تقليص التمثيل الدبلوماسي في القارة على نحو كبير.
وتواجه بعض أفضل الوكالات الحكومية أداءً، مثل مؤسسة تحدي الألفية (MCC)، ضغوطًا شديدة لخفض الميزانيات. ومع ذلك، تبدو المؤسسة في طور التعافي مع الإعلان مؤخرًا عن منحة بقيمة 300 مليون دولار لكهربة ساحل العاج. وتُعدّ مثل هذه الاستثمارات ضرورية لتوفير البنية التحتية اللازمة لنجاح التجارة والاستثمار، ولضمان ألا تكون الوفود الرفيعة المستوى التي ترسلها المؤسسة إلى القارة مجرد زيارات رمزية. وقد أشارت الإدارة إلى أنها تعتزم الاعتماد بدرجة أكبر على مؤسسات مالية مثل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية، التي تواجه بدورها إعادة تفويض هذا العام وتوفّر التمويل والمساعدة لمشروعات التنمية، وكذلك بنك التصدير والاستيراد الأميركي (EXIM) الذي يقدّم الائتمان لدعم التجارة الأميركية. فعلى سبيل المثال، أعلن بنك «إكسيم» في أغسطس/آب عن ضمان بقيمة 66 مليون دولار لمُصدِّر صغير مقره واشنطن العاصمة لمعدات مخصّصة لمركز بيانات وطني جديد في ساحل العاج. غير أن الإعلان نفسه يوضح أن دافعًا رئيسيًا هو «إزاحة المنافسة» الصينية. ومع ذلك، قد يكون المشروع واعدًا إذا رافقه وجود الكوادر المناسبة على الأرض — فالأشخاص هم السياسة في نهاية المطاف.
وبالمثل، لا تزال لدى الإدارة فرصة لتصحيح أو موازنة قراراتها المتعلقة بقيود السفر والتعريفات الجمركية، وكذلك تخفيضاتها الواسعة في المساعدات الخارجية والدبلوماسية، بطرق تدعم أجندة الرئيس للدبلوماسية التجارية مع إفريقيا بدلًا من إضعاف النفوذ الأميركي عالميًا. وينبغي أن تهدف إعادة تنظيم وزارة الخارجية، التي أعلنها وزير الخارجية ماركو روبيو في مايو/أيار 2025، إلى ضمان وجود كوادر مؤهلة وذات خبرة بالقارة في مواقع صنع القرار ضمن أي مكاتب أو برامج تتعلق بإفريقيا. وتحتاج الوزارة إلى مهارات وخبرات متقدمة للتعامل بنجاح مع علاقات معقدة، ليس فقط مع الشركاء في الخارج، بل أيضًا مع وكالات حكومية أميركية أخرى يمكن أن تكون مفيدة إذا كان الرئيس جادًا حقًا في أجندة تُعلي التجارة على المساعدات. وينبغي لأي مداولات موازنة مع الكونغرس للسنة المالية 2026 أن تضمن تمويلًا كافيًا للحفاظ على تشغيل السفارات وتزويدها بالكوادر، وتمكين وزارة الخارجية من دفع هذه الأولويات قدمًا. كما ينبغي أن يكون تجديد «أغوا» أولوية أخرى — فهو ليس أداة مثالية، لكنه يتيح إمكانية الابتكار وخلق مزيد من الوظائف والفرص لكلٍّ من الولايات المتحدة وإفريقيا.
وفي سعيهما إلى الدبلوماسية التجارية، على ترامب وأعضاء حكومته أن يطرحوا — وأن يجيبوا — عن سؤال بصدق: ما الذي يجعل الولايات المتحدة مختلفة عن الصين؟ فتصورات المواطنين في كل مكان تتشكّل من تجاربهم المعيشة، ولا تزال تصورات الأفارقة تجاه الصين إيجابية نسبيًا رغم بعض التراجع الأخير في التمويل الصيني للقارة. وتُظهر أحدث استطلاعات «أفروباروميتر» في 30 دولة إفريقية أن 60 في المئة من الأفارقة ينظرون بإيجابية إلى النفوذ الاقتصادي والسياسي للصين، مقابل 53 في المئة يقولون الشيء نفسه عن الولايات المتحدة. وقبل خمس سنوات، كان القوتان العالميتان متقاربتين جدًا، بنسبة 59 في المئة للصين و58 في المئة للولايات المتحدة.
وفي حقبةٍ تتنافس فيها دول كبرى أخرى على كسب ودّ إفريقيا، بما في ذلك حلفاء للولايات المتحدة مثل اليابان، عبر عروض مناطق تجارة حرة وسياسات هجرة لتعزيز التبادل الثقافي، يتعيّن على الولايات المتحدة أن توضّح ما الذي يجعلها مختلفة، وأفضل. وعندها فقط يمكن للدبلوماسية التجارية التي تتبنّاها إدارة ترامب أن تجني الفوائد التي تدّعيها، للولايات المتحدة كما لإفريقيا.
الكاتب: أوجي أونوبوغو (Oge Onubogu)، مديرة وزميلة أولى – برنامج إفريقيا
مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)
الناشر: مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية – واشنطن

