Site icon أفروبوليسي

هل تغير نظام أسمرا أم تغير العالم؟ قراءة في التحول الأمريكي نحو القرن الإفريقي

هل تغير نظام أسمرا أم تغير العالم؟

هل تغير نظام أسمرا أم تغير العالم؟

مقدمة

في الفترة الأخيرة وبشكل مفاجئ، برزت أنباء عن تحرك أمريكي غير مسبوق نحو نظام أسمرا، حيث أفادت تقارير بأن إدارة ترامب تستكشف تطبيع العلاقات مع إريتريا، بما يشمل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ عقود. هذا التطور يطرح سؤالاً محورياً: هل تغير نظام “إسياس أفورقي” بالفعل، أم أن العالم من حوله هو الذي تغير، مما دفع واشنطن إلى إعادة حساباتها تجاه نظام كانت تصفه سابقاً بـ”محور الشر” في القرن الإفريقي؟

لفهم هذا التحول، لا بد من وضعه في سياق استراتيجي أوسع: فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى إريتريا بمعزل عن باقي المنطقة، بل كجزء من لوحة جيوسياسية معقدة تشمل البحر الأحمر، مضيق باب المندب، والتنافس الدولي المتصاعد على النفوذ هناك.

واشنطن واسمرا: دبلوماسية الغرف المغلقة

في لحظة إقليمية تتسارع فيها التحولات وتتشابك فيها مسارح الصراع من الخليج إلى القرن الإفريقي، تعود الولايات المتحدة إلى فتح قنوات تواصل مع نظام أسمرا بعد سنوات من القطيعة والتوتر. غير أن هذا التحرك لم يعد مجرد قراءة تحليلية أو تقدير سياسي، بل بات يستند إلى مؤشرات عملية كشفت عنها تقارير دولية حديثة، أبرزها ما نشرته Wall Street Journal في أواخر أبريل 2026 والتي تحدثت عن مساعٍ أمريكية لإعادة ضبط العلاقات مع نظام أسمرا، تتضمن بحث تخفيف أو رفع بعض العقوبات، إلى جانب محادثات مباشرة—بعضها غير معلن—بين مسؤولين أمريكيين والقيادة الإرترية، بوساطة إقليمية تقودها مصر.

هذا المسار أكدته أيضاً تحليلات Foreign Policy بتاريخ 23 أبريل 2026 التي أشارت إلى وجود مفاوضات غير معلنة تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، وترتبط بمحاولة أمريكية لإعادة التموضع في القرن الإفريقي ضمن سياق تنافس دولي متصاعد يشمل الصين وروسيا، إلى جانب أدوار متزايدة لقوى إقليمية خليجية.

أهمية هذه التقارير لا تقتصر على تأكيد وجود حراك دبلوماسي فحسب، وإنما تمتد إلى كشف تحول أعمق في منطق المقاربة الأمريكية تجاه المنطقة، حيث تتجه السياسة من نمط الاحتواء والعزلة إلى نمط الانخراط الانتقائي القائم على إدارة المصالح وفق مقتضيات الجغرافيا السياسية.

في هذا السياق، يبرز نظام أفورقي في أسمرا كفاعل لم يُظهر عبر العقود الماضية أي مؤشرات على إعادة تشكيل بنيته السياسية الداخلية أو تعديل منطق اشتغاله السلطوي، ومع ذلك يجد نفسه اليوم في موقع جذب متجدد للقوى الكبرى. هذا الموقع لا ينتج عن تحول داخلي في بنية النظام، وإنما يرتبط بثبات موقعه الجغرافي الأمني ضمن معادلة إقليمية حساسة تتحكم في أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية، وهو البحر الأحمر، بما يمنحه قيمة وظيفية تتجاوز طبيعته السياسية الداخلية.

في هذا السياق لا يمكن فصل هذا الانفتاح عن بيئة إقليمية أوسع تتداخل فيها عدة مستويات من الصراع والتنافس: من التوترات في سواحل اليمن، إلى هشاشة الأوضاع في السودان، وتعقيدات المشهد في إثيوبيا، وصولاً إلى تصاعد أدوار “أبوظبي “و “تل أبيب” في هندسة النفوذ البحري، وتأثير التوترات الأوسع المرتبطة بـإيران وممرات الطاقة في مضيق هرمز.

هنا تحديداً، يتجاوز التحول الأمريكي بعده الثنائي، ليصبح جزءاً من إعادة تشكيل الفضاء الاستراتيجي الممتد بين الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، حيث لم تعد الجغرافيا مجرد إطار ثابت، بل أداة ديناميكية لإعادة توزيع النفوذ.

هذا الواقع يطرح سؤالاً مركزياً: هل تتجه واشنطن نحو شراكة براغماتية مع نظام يُصنَّف ضمن أكثر الأنظمة انغلاقاً أم أنها بصدد إعادة هندسة توازنات إقليمية تفرضها ضرورات الأمن البحري والتنافس الدولي؟ بمعنى آخر، هل نحن أمام انفتاح تكتيكي محدود تحكمه الوظيفة الجيوسياسية لنظام أسمرا، أم بداية إعادة دمج تدريجي ضمن نظام دولي يعيد ترتيب أولوياته؟

اللافت أن هذا التقارب—إن تأكد—لا يعكس تحولاً في نظام أسمرا بقدر ما يعكس تحولاً في بيئة القرار داخل الولايات المتحدة نفسها، التي لم تعد تتحرك وفق منطق واحد، بل عبر توازنات بين مؤسسات أمنية واستراتيجية وسياسية متباينة. فواشنطن التي اعتمدت طويلاً على تمركزها في جيبوتي، تدرك اليوم أن الاعتماد الأحادي لم يعد كافياً في ظل تشبع هذا الفضاء بالتنافس الدولي، ما يدفعها إلى البحث عن نقاط ارتكاز بديلة داخل أنظمة صعبة الاختراق.

مع ذلك فإن أي قراءة واقعية لهذا المسار لا يمكن أن تتجاهل التناقض البنيوي الذي يحكمه: تقارب محتمل بين قوة كبرى ترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ونظام يقوم على مركزية السلطة والضبط الأمني. غير أن هذا التناقض لم يعد عائقاً بقدر ما أصبح قابلاً للإدارة ضمن معادلات براغماتية تُقدِّم الأمن والاستقرار على التحول السياسي.

من هنا ينطلق هذا المقال ليفحص هذه اللحظة المفصلية من زاويتين متكاملتين:

أولاً بين الجغرافيا والسلطة: كيف يحوّل الموقع نظام أسمرا إلى أصل استراتيجي يتجاوز طبيعة النظام؟

وثانياً بين البراغماتية والتناقض: هل يمثل الانفتاح الأمريكي إعادة تموضع محسوبة، أم انخراطاً محفوفاً بقيود بنيوية يصعب تجاوزها؟

وعبر تتبع بنية النظام الإرتري داخلياً، وسلوكه الخارجي، ودوافع واشنطن، وسياقاته الإقليمية والدولية، يحاول المقال الإجابة عن سؤال محوري:

هل تعود الولايات المتحدة إلى نظام أسمرا لأن النظام قد تغيّر… أم لأن العالم من حوله تغيّر؟

تآكل سياسة العزل: واشنطن وإعادة تعريف الأولويات في القرن الإفريقي

إن الانفتاح الأمريكي المحتمل على نظام أسمرا يمثل حالة نموذجية لتفكك الخطاب المعياري أمام إكراهات الجغرافيا السياسية، لكن فهم هذا التحول لا يكتمل إذا قُرئ كقرار متماسك صادر عن “واشنطن” باعتبارها فاعلاً واحداً. في الواقع، ما يبدو تحولاً في السياسة هو في جوهره نتيجة توازن داخلي معقد بين مؤسسات أمريكية تتباين أولوياتها وأدواتها. فداخل وزارة الدفاع الأمريكية، تدفع المقاربة الأمنية—خصوصاً عبر القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)—باتجاه توسيع هامش الانخراط في البحر الأحمر، انطلاقاً من اعتبارات عملياتية تتعلق بتأمين الممرات البحرية، وتقليل الاعتماد على تمركز واحد في جيبوتي، ومواجهة التمدد المتزايد لكل من الصين وروسيا.

في المقابل تتحرك وزارة الخارجية الأمريكية ضمن قيود مختلفة، حيث يظل ملف العقوبات وحقوق الإنسان حاضراً في صياغة الموقف، ما يجعلها أكثر تحفظاً تجاه أي انخراط غير مشروط مع نظام مغلق. وبين هذين المسارين، يلعب مجلس الأمن القومي الأمريكي دور الموازن الذي يعيد ترجمة هذا التباين إلى سياسة عملية، فيما يحتفظ الكونغرس الأمريكي بقدرة تعطيل أو تقييد أي تحول جذري عبر أدواته التشريعية والرقابية.

ضمن هذا الإطار لا يبدو التحول الراهن تعبيراً عن مراجعة نقدية متماسكة للسياسات السابقة بقدر ما هو نتيجة ضغط متزايد من المؤسسة الأمنية لإعادة تعريف الأولويات، مقابل مقاومة نسبية من المؤسسات السياسية والدبلوماسية التي تسعى إلى ضبط هذا الانخراط. وهو ما يفسر أن المسار الجاري يتجه نحو “انخراط محدود” بدلاً من تحول استراتيجي كامل.

هذه الديناميكية تكشف في الوقت ذاته عن إقرار ضمني بفشل أدوات الضغط التقليدي من العقوبات والعزل—في تعديل سلوك نظام أسمرا، مقابل نجاح النظام في امتصاص الضغوط وإعادة توظيفها لتعزيز تماسكه الداخلي عبر سردية “الدولة المحاصرة”. وبذلك، تحولت العقوبات من أداة ضغط إلى آلية تعيد إنتاج بنية النظام وتمنحه مبرراً دائماً لتأجيل أي انفتاح سياسي.

في المقابل لا يمكن فصل هذا التحول المؤسسي عن البيئة الاستراتيجية الأوسع. فالتصاعد المتسارع لدور الصين وروسيا في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، إلى جانب هشاشة الممرات البحرية المرتبطة بتوترات اليمن، فرض على صانع القرار الأمريكي—بغض النظر عن انتمائه الحزبي—إعادة ترتيب الأولويات من “تغيير السلوك السياسي” إلى “إدارة المخاطر الاستراتيجية”. هذا التحول يعكس اتجاهاً أعمق في السياسة الأمريكية خلال العقد الأخير، حيث تتقدم اعتبارات التنافس الجيوسياسي على المقاربات المعيارية، وهو اتجاه مرشح للاستمرار سواء في ظل إدارات ديمقراطية أو جمهورية طالما بقيت البيئة الدولية على حالها. بمعنى آخر، لم تعد إرتريا تُقرأ كحالة حقوقية، بل كعقدة جيوسياسية داخل شبكة أمن إقليمي معقدة.

غير أن هذا الانخراط، حتى في صيغته المحدودة، لا يخلو من تناقضات بنيوية. فمن جهة، قد يمنح نظام أسمرا شرعية دولية غير مشروطة تعزز من استمراريته دون تغيير؛ ومن جهة أخرى، يضعف مصداقية الخطاب الأمريكي في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة في بيئة إفريقية باتت أكثر حساسية تجاه ازدواجية المعايير. كما أن هذا المسار يصطدم بطبيعة النظام الإرتري نفسه، الذي لا يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق التحالفات الثابتة، بل بمنطق إدارة الهوامش والمناورة بين القوى. فنظام أسمرا لا يتحرك من موقع التبعية، بل من منطق تعظيم الاستقلال الاستراتيجي عبر تنويع الشركاء، ما يعني أن أي انفتاح على واشنطن لن يكون انتقالاً من محور إلى آخر، بل إعادة تموضع تكتيكية ضمن سياسة خارجية قائمة على التوازن.

في ضوء ذلك، يصبح من الضروري الانتقال من تحليل دوافع الخارج إلى تفكيك الداخل: فإذا كانت الولايات المتحدة تعيد تعريف مصالحها تحت ضغط التنافس الدولي وإكراهات الجغرافيا، فإن السؤال الأكثر تعقيداً يتعلق بكيفية قراءة النظام الإرتري لهذا الانفتاح، وحدود قابليته البنيوية للتفاعل معه خارج الإطار الوظيفي الضيق. ومن هنا، يكتسب الانتقال إلى تحليل بنية النظام السياسي الإرتري داخلياً ضرورته المنهجية، باعتباره المحدد الحاسم لمآلات هذا التقارب، لا مجرد متغير ثانوي في معادلة العلاقات الدولية.

حصن أسياس أفورقي: لماذا يقاوم نظام أسمرا “عدوى” الانفتاح السياسي؟

إذا كان تفكيك البنية الداخلية لنظام أسمرا يفسر قدرته على البقاء، فإن سلوكه الخارجي لا يمكن قراءته باعتباره “براعة استراتيجية” بالمعنى الإيجابي المتداول، بل يمكن قراءته كاستراتيجية دفاعية صلبة تُخفي في جوهرها عجزاً بنيوياً عن بناء تحالفات مستقرة أو تحويل الموقع الجغرافي إلى نفوذ مستدام. فنظام أسمرا لا يتحرك وفق منطق التحالفات، ولا حتى وفق توازن قوى كلاسيكي، بل يتحرك ضمن نمط يمكن توصيفه بـ“الاستقلال السلبي”: تقليص الالتزامات إلى الحد الأدنى، وتعظيم هامش المناورة إلى أقصاه، دون امتلاك القدرة على تحويل هذا الهامش إلى مشروع إقليمي متماسك.

في هذا السياق تبدو علاقات نظام أسمرا مع روسيا والصين أقل عمقاً مما يُروَّج له. فالتقارب مع موسكو يقوم أساساً على تقاطع ظرفي في رفض الضغوط الغربية، وليس على رؤية استراتيجية مشتركة أو التزام متبادل طويل المدى. هو تقاطع سلبي أكثر منه شراكة إيجابية. أما العلاقة مع بكين، فرغم طابعها الاقتصادي، تظل محدودة التأثير، لأن نظام أسمرا نفسه يفرض قيوداً على الانخراط الاقتصادي الخارجي خوفاً من أي اختراق قد يُترجم إلى نفوذ سياسي. النتيجة أن كلا المسارين—الروسي والصيني—يبقيان دون مستوى “التحالف”، لا فقط بسبب حسابات القوى الكبرى، بل أيضاً بسبب طبيعة النظام ذاته الذي يرى في أي تعمق للعلاقة تهديداً محتملاً لاستقلاله.

هنا تحديداً تسقط فكرة أن نظام أسمرا يمارس “سياسة توازن”. التوازن يفترض توزيعاً محسوباً للالتزامات بين أطراف متعددة، بينما ما يمارسه النظام هو “تفادي الالتزام”. النظام لا يوازن بين القوى، بل يرفض الانخراط الكامل مع أي منها، ويستخدم الجميع كأدوات ظرفية دون بناء علاقة يمكن أن تُترجم إلى نفوذ طويل المدى. هذا النمط قد يمنح النظام مرونة تكتيكية، لكنه في الوقت نفسه يحرمه من أي عمق استراتيجي حقيقي.

في ضوء ذلك، فإن الانفتاح المحتمل على واشنطن لا يمثل تحولاً نوعياً، بل امتداداً لهذا النمط. نظام أسمرا لا يقترب من الولايات المتحدة لأنه يريد إعادة تموضع استراتيجي، بل لأنه يسعى إلى توسيع هامشه في لحظة تشهد ضغطاً دولياً وإقليمياً متزايداً.غير أن هذا الانفتاح محكوم بسقف واضح لا يتجاوز الوظيفة. فالنظام الإرتري لا يرى في العلاقة مع واشنطن فرصة لإعادة تعريف موقعه، بل يراها وسيلة لتخفيف العزلة دون تغيير قواعد اللعبة الداخلية أو الخارجية.

هذا السقف تحدده ثلاث محددات صارمة تشكل جوهر العقيدة الإرترية:

أولاً. رفض أي ربط بين الانخراط الخارجي والإصلاح الداخلي، لأن ذلك يُنظر إليه كمدخل لتفكيك بنية السلطة.

ثانياً. رفض أي وجود عسكري أجنبي دائم أو ترتيبات أمنية مُلزمة، حتى لو كانت توفر مكاسب قصيرة المدى.

ثالثا. الإبقاء على تعددية القنوات الدولية دون تحويل أي منها إلى علاقة حاكمة.

بيدا أن هذه “الخطوط الحمراء” ليست فقط تعبيراً عن حرص على السيادة، بل أيضاً انعكاس لحدود القدرة. فالنظام الذي يرفض الالتزام لا يستطيع في الوقت ذاته أن يطالب بشراكة كاملة. وبذلك، فإن أقصى ما يمكن أن تصل إليه العلاقة مع واشنطن هو تعاون أمني محدود أو ترتيبات لوجستية ظرفية، دون أي تحول إلى تحالف أو حتى شراكة مستقرة.

المشكلة الأعمق أن هذا النموذج من السياسة الخارجية رغم فعاليته في إدارة البقاء، يعيد إنتاج حالة من العزلة المقنّعة. فالإفراط في المناورة، دون بناء علاقات مؤسسية، يجعل نظام أسمرا رهينة لتحولات البيئة الدولية، لا فاعلاً قادراً على التأثير فيها. كما أن رفض الانخراط الاقتصادي العميق يحرمه من تحويل موقعه الجغرافي إلى قوة مادية، لتبقى أهميته محصورة في بعده الوظيفي—كموقع، لا كنظام فاعل.

في المحصلة لا تعكس السياسة الخارجية لنظام أسمرا قوة بقدر ما تعكس استراتيجية تجنب. هي ليست سياسة صعود، بل سياسة بقاء محسّنة. صحيح أنها تمنح النظام قدرة على تفادي الضغوط والانزلاق في محاور صلبة، لكنها في المقابل تضع سقفاً منخفضاً لأي تحول استراتيجي حقيقي.

ومن هنا، فإن أي انفتاح أمريكي لن يغيّر هذا الواقع، بل سيتكيف معه: علاقة محدودة، وظيفية، وقابلة للانكماش بقدر قابليتها للتوسع—لأن الطرف الإرتري نفسه لا يسعى، وربما لا يستطيع، أن يتجاوز هذا الإطار. ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال إلى المحور التالي، لفهم كيف يُدير نظام أسمرا علاقاته الدولية، وكيف يوظف موقعه وتناقضات الإقليم لتعظيم هامشه الاستراتيجي—وهو ما يشكل الإطار الأوسع الذي يتحرك داخله أي انفتاح محتمل على واشنطن.

جيوبوليتيك البحر الأحمر: كيف أعادت الجغرافيا صياغة شرعية نظام أسمرا؟

إذا كانت براغماتية نظام أسمرا في إدارة علاقاته الخارجية تفسر كيفية توظيفه لموقعه، فإن فهم سبب تحوّله إلى نقطة جذب متجددة في الاستراتيجية الدولية يقتضي الانتقال إلى مستوى أعمق: مستوى الجغرافيا بوصفها محدداً للسياسة. تقع إرتريا على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث يشكل البحر الأحمر حلقة وصل حيوية بين التجارة الآسيوية والأوروبية عبر قناة السويس. هذا الموقع يضع نظام أسمرا عملياً على تماس مباشر مع معادلة أمنية معقدة تمتد من مضيق باب المندب إلى السواحل المقابلة في اليمن، وصولاً إلى العمق الاستراتيجي في السعودية. في هذا السياق، لا تُقاس أهمية نظام أسمرا بقدراته الذاتية بقدر ما تُقاس بوظيفتها في ضمان أو تهديد استقرار هذا الشريان الحيوي.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة فإن التحولات الأخيرة في بيئة البحر الأحمر—من تصاعد التهديدات غير التقليدية إلى تزايد حضور قوى دولية منافسة—فرضت إعادة تقييم شاملة لانتشارها ونقاط ارتكازها. الاعتماد التقليدي على جيبوتي، رغم أهميته، لم يعد كافياً في ظل تشبع هذا الفضاء بالقواعد العسكرية والتنافس الدولي. ومن هنا، تبرز إرتريا كخيار استراتيجي محتمل يتيح تنويع الحضور وتقليل المخاطر التشغيلية. لكن الأهمية الجيوستراتيجية لنظام أسمرا لا تنفصل عن سياق أوسع من التنافس الدولي. فالتوسع الاقتصادي والعسكري للصين، ومحاولات روسيا تعزيز حضورها في الممرات البحرية، يجعلان من البحر الأحمر ساحة تنافس مفتوح. في هذا الإطار، تتحول إرتريا إلى ما يشبه “نقطة ارتكاز محتملة” يمكن أن تؤثر—سلباً أو إيجاباً—في ميزان هذا التنافس.

إقليمياً تتقاطع هذه الحسابات مع تحولات عميقة في القرن الإفريقي، خصوصاً في إثيوبيا التي تسعى لإعادة تعريف وضعها الجغرافي عبر الوصول إلى منافذ بحرية، ومع حالة السيولة الأمنية في السودان. هذه التفاعلات تجعل من نظام أسمرا جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للإقليم، وليس مجرد نظام معزول يبحث عن فك العزلة. غير أن اختزال أهمية نظام أسمرا في موقعه فقط قد يقود إلى قراءة ناقصة. فالجغرافيا، رغم مركزيتها، لا تعمل في فراغ؛ بل تتفاعل مع طبيعة النظام السياسي وقدرته على توظيف هذا الموقع. وهنا تحديداً تتجلى المفارقة: كلما زادت أهمية الجغرافيا، زادت قدرة النظام على مقاومة الضغوط الخارجية، لأنه يدرك أن قيمته الاستراتيجية تمنحه هامشاً أكبر للمناورة.

بناءً على ذلك يمكن القول إن الانفتاح الأمريكي المحتمل ليس نتيجة لتغير في نظام أسمرا بقدر ما هو انعكاس لتحول في إدراك واشنطن لقيمة هذا الموقع. أي أن الجغرافيا أعادت تعريف الأولويات، ودفعت نحو التعامل مع نظام أسمرا باعتباره ضرورة استراتيجية لا يمكن تجاهلها. غير أن هذا الإدراك يقود بدوره إلى سؤال أكثر تعقيداً: إذا كانت الجغرافيا تفرض هذا الانخراط، فما الذي تسعى إليه واشنطن تحديداً من هذا التقارب؟ هل الهدف هو مجرد تأمين الممرات البحرية، أم إعادة تشكيل التوازنات في الإقليم، أم احتواء نفوذ قوى أخرى؟ هذا ما يفتح الباب أمام المحور التالي، حيث ننتقل من قيمة نظام أسمرا في الحسابات الدولية إلى تفكيك الدوافع الحقيقية للانفتاح الأمريكي، وما إذا كان هذا التحرك يعكس استراتيجية طويلة المدى أم استجابة ظرفية لضغوط الواقع.

صراع الممرات: إدارة الفراغ الإستراتيجي

إذا كانت الجغرافيا قد أعادت إدخال نظام أسمرا إلى دائرة الاهتمام الدولي، فإن السؤال الحاسم لا يتعلق بقيمته الاستراتيجية بقدر ما يتعلق بكيفية توظيف هذه القيمة في الحسابات الأمريكية. فالولايات المتحدة لا تتحرك في هذا السياق بدافع أحادي، بل ضمن حزمة دوافع متداخلة تعكس تحولات أعمق في إدراكها للقرن الإفريقي والبحر الأحمر. أول هذه الدوافع يتمثل في إعادة التموضع الاستراتيجي. فواشنطن، التي اعتمدت لسنوات على تمركز شبه حصري في جيبوتي، باتت تدرك أن بيئة التنافس الحالية تتطلب توزيعاً أكثر مرونة لنقاط النفوذ. هذا لا يعني استبدال جيبوتي، بل تقليل الاعتماد عليها عبر فتح خيارات بديلة—ونظام أسمرا، بحكم موقعه، يقدم فرصة نادرة في هذا السياق.

الدافع الثاني يرتبط بإدارة التنافس الدولي. فالتوسع المتزايد لكل من الصين وروسيا في الفضاء البحري الإفريقي يفرض على واشنطن تبني مقاربة أكثر استباقية. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بمنع خصومها من ترسيخ وجودهم، بل أيضاً بإعادة تثبيت حضورها في مناطق تعتبرها تقليدياً ضمن نطاق نفوذها. وبالتالي، فإن الانفتاح على نظام أسمرا يمكن قراءته كجزء من استراتيجية احتواء ناعمة، تقوم على الانخراط بدلاً من المواجهة المباشرة. أما الدافع الثالث، فهو إدارة الأزمات الإقليمية المركبة. فالتوترات في إثيوبيا، والحرب المستمرة في السودان، والتحديات الأمنية المرتبطة بسواحل اليمن، كلها عوامل تجعل من البحر الأحمر فضاءً عالي المخاطر. في هذا السياق، تحتاج واشنطن إلى شركاء—أو على الأقل قنوات تواصل—قادرة على توفير معلومات، تسهيلات، أو حتى حياد إيجابي يساهم في احتواء هذه الأزمات.

في المقابل لا ينبغي إغفال أن نظام أسمرا نفسه يقرأ هذه الدوافع بعين براغماتية. فهو يدرك أن الاهتمام الأمريكي ليس موجهاً نحو تغيير النظام، بل نحو توظيف موقعه. وهذا الإدراك يمنحه هامشاً للتفاوض من موقع قوة نسبية، حيث يمكنه القبول بانفتاح محدود دون تقديم تنازلات داخلية جوهرية. بناءً على ذلك، يمكن القول إن الانفتاح الأمريكي المحتمل يقوم على معادلة دقيقة: واشنطن تبحث عن النفوذ والاستقرار، ونظام أسمرا يبحث عن فك العزلة دون تغيير قواعد اللعبة الداخلية. غير أن هذه المعادلة، رغم توازنها الظاهري، تخفي توتراً بنيوياً عميقاً. فالتقاء المصالح لا يلغي تضارب القيم، والانخراط البراغماتي لا يضمن استدامة العلاقة. ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال إلى المحور التالي، حيث تتكشف أبعاد صراع القيم والمصالح. حيث نختبر هذا التوتر بشكل مباشر: كيف يمكن لواشنطن أن توفق بين براغماتيتها الاستراتيجية وخطابها القيمي؟ وهل نحن أمام تعايش مؤقت مع التناقض أم إعادة تعريف أوسع لأولويات السياسة الخارجية الأمريكية؟

صراع القيم والمصالح: إدارة التناقض في السياسة الأمريكية تجاه نظام أسمرا

يصل هذا المسار التحليلي إلى نقطة توتره القصوى عند تقاطع البراغماتية مع القيم؛ حيث تكشف محاولة الولايات المتحدة الانفتاح على نظام أسمرا عن مفارقة بنيوية يصعب تجاوزها: كيف يمكن لقوة تُعرّف نفسها—خطابياً على الأقل—كحاملة لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، أن تنخرط مع نظام يقوم على نقيض هذه القيم دون أن تقوض أساس شرعيتها الدولية؟ في هذا السياق، لا يبدو التناقض طارئاً أو استثنائياً، بل هو جزء متكرر من السلوك الدولي للقوى الكبرى. غير أن الحالة الإرترية تضاعف من حدّته، لأن نظام أسمرا لا يقدم حتى الحد الأدنى من “الإشارات الإصلاحية” التي غالباً ما تُستخدم لتبرير الانخراط التدريجي. وبذلك، تجد واشنطن نفسها أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما الإبقاء على سياسة العزلة بما تحمله من كلفة استراتيجية، أو الانخراط البراغماتي بما يحمله من كلفة قيمية.

المقاربة المرجحة هنا لا تقوم على حل هذا التناقض بل على إدارته وتأجيله. أي أن العلاقة—إن تطورت—ستُبنى على نوع من “التعايش الوظيفي” الذي يُقدّم المصالح الأمنية على الاعتبارات القيمية، مع الإبقاء على خطاب حقوقي منخفض الحدة لا يعيق مسار التقارب. هذه الصيغة ليست جديدة، لكنها في السياق الإفريقي الحالي تواجه تحديات متزايدة. في المقابل، يدرك نظام أسمرا هذه التعقيدات، ويستفيد منها عبر تبني مقاربة تقوم على فصل المسارات: قبول التعاون الأمني أو الاستراتيجي، مع رفض أي ربط له بإصلاحات داخلية. هذه الاستراتيجية تمنح النظام القدرة على تعظيم المكاسب من الانفتاح، مع تقليل كلفته السياسية الداخلية إلى الحد الأدنى.

بناءً على ذلك يمكن القول إن العلاقة المحتملة لا تقوم على إزالة التناقض، بل على تجميده ضمن حدود قابلة للإدارة. غير أن هذا التجميد يظل مؤقتاً، لأنه يعتمد على استمرار الظروف التي فرضته: التوترات الإقليمية، التنافس الدولي، وأولوية الأمن البحري. فإذا تغيرت هذه المعطيات، قد يعود التناقض إلى الواجهة بشكل أكثر حدة. وهنا تحديداً يفرض السؤال نفسه: ما هي مآلات هذا المسار؟ هل يمكن لهذا التعايش الهش أن يتطور إلى شراكة مستقرة، أم أنه سيبقى رهيناً بظروف مرحلية سرعان ما تتغير؟ هذا ما يقودنا إلى المحور التالي، حيث ننتقل من تحليل البنية والتناقض إلى استشراف المستقبل، عبر تفكيك السيناريوهات المحتملة لمسار العلاقة بين واشنطن ونظام أسمرا، وحدود كل منها في ضوء المعطيات الحالية.

تشابك المحاور الإقليمية: نظام أسمرا بين اختراقات النفوذ وحدود الأدوار المتآكلة

لا يمكن فهم موقع نظام أسمرا في معادلة البحر الأحمر دون تفكيك أدوار الفاعلين الإقليميين الذين يتعاملون معه ليس كشريك متكافئ، بل كأداة ضمن هندسة نفوذ أوسع. فالإقليم لم يعد ساحة تفاعل تقليدي بين دول، بل فضاء مفتوح لإعادة توزيع القوة عبر أدوات غير مباشرة: قواعد، موانئ، شبكات لوجستية، وتمويل نزاعات. في هذا السياق، تبرز أدوار الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل بوصفها الأكثر نشاطاً، وإن اختلفت أدواتها ومنطلقاتها.

الدور الإماراتي، تحديداً، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد انخراط اقتصادي أو أمني، بل كمشروع لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر عبر السيطرة على العقد اللوجستية الحيوية. من عدن إلى بربرة، ومن الموانئ السودانية إلى محاولات التمدد في القرن الإفريقي، تتحرك أبوظبي وفق منطق “شبكة الموانئ” التي تمنحها نفوذاً يتجاوز حجمها الجغرافي. غير أن هذا المشروع لا يعمل في فراغ، بل يرتبط—بشكل مباشر أو غير مباشر—بتغذية بيئات النزاع، كما يظهر في الحالة السودانية، حيث تحولت أدوات النفوذ المالي والعسكري إلى عامل إطالة أمد الصراع، بما يخدم إعادة تشكيل موازين القوة على الأرض. في هذا الإطار، يصبح نظام أسمرا جزءاً من معادلة أكبر، يُراد له أن يكون نقطة ارتكاز إضافية ضمن شبكة النفوذ، لا شريكاً مستقلاً في صياغة هذه الشبكة.

أما إسرائيل، فتتحرك ضمن منطق مختلف ظاهرياً، لكنه يتقاطع وظيفياً مع نفس الهدف: تأمين العمق الاستراتيجي في البحر الأحمر ومراقبة التهديدات المرتبطة بـ إيران. الحضور الإسرائيلي—سواء عبر قنوات استخباراتية أو ترتيبات غير معلنة—يستند إلى عقيدة أمنية تقوم على نقل خطوط الدفاع إلى خارج الحدود، واستخدام نقاط الارتكاز في القرن الإفريقي كجزء من منظومة إنذار مبكر. غير أن هذا الانخراط، رغم طابعه الأمني، يسهم في تعقيد المشهد الإقليمي، لأنه يربط نظام أسمرا ضمنياً بمحاور صراع أوسع، دون أن يمنحه بالضرورة قدرة على التأثير في مسار هذه الصراعات.

في المقابل، يبدو الدور المصري أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً من حيث النتائج. فمصر تتحرك في القرن الإفريقي انطلاقاً من اعتبارات أمن قومي مباشرة، أبرزها ملف مياه النيل والتوازن مع إثيوبيا، إضافة إلى إدراك متزايد لأهمية البحر الأحمر كامتداد حيوي لأمنها الاستراتيجي. هذا يدفع القاهرة إلى بناء علاقات مع نظام أسمرا، وتقديم نفسها كوسيط إقليمي قادر على إعادة تشكيل التوازنات. غير أن هذا الطموح يصطدم بحدود بنيوية عميقة، أبرزها الانفصال المتزايد بين السياسة الخارجية والقاعدة الاقتصادية المنتجة.

فالقوة الإقليمية لا تُبنى فقط عبر الحضور السياسي أو الأمني، بل تحتاج إلى رافعة اقتصادية قادرة على تمويل هذا الحضور واستدامته. وهنا تحديداً تظهر إشكالية الحالة المصرية: سياسة خارجية نشطة تتوسع جغرافياً، مقابل اقتصاد يواجه ضغوطاً هيكلية تحدّ من قدرته على دعم هذا التوسع. هذا التناقض يضعف القدرة على تحويل النفوذ السياسي إلى نفوذ فعلي، ويجعل كثيراً من التحركات أقرب إلى “إدارة حضور” منها إلى بناء نفوذ مستدام. بمعنى آخر، تتحرك القاهرة في فضاء إقليمي يتطلب أدوات اقتصادية ومالية كثيفة، بينما تعتمد هي أساساً على أدوات سياسية وأمنية، ما يخلق فجوة بين الطموح والقدرة.

هذا لا يعني غياب التأثير المصري، بل يعني أن هذا التأثير يظل مشروطاً ومحدوداً بقدرة الاقتصاد على دعمه. وفي بيئة تنافسية تتحرك فيها قوى تمتلك فوائض مالية كبيرة، مثل الإمارات العربية المتحدة، تصبح القدرة على فرض النفوذ مرتبطة بالتمويل بقدر ارتباطها بالجغرافيا أو التاريخ. ومن هنا فإن الدور المصري، رغم أهميته، يظل عرضة للتآكل إذا لم يُدعَّم بقاعدة اقتصادية أكثر صلابة.

في المحصلة تكشف هذه التفاعلات أن نظام أسمرا لا يتحرك في فراغ، بل يتحرك داخل شبكة متداخلة من المشاريع الإقليمية المتنافسة، حيث تسعى كل قوة إلى توظيف موقعه ضمن حساباتها الخاصة. غير أن ما يميز الحالة الإرترية هو قدرتها على التعامل مع هذه الاختراقات دون الانخراط الكامل في أي منها. فهي تستفيد من التنافس بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل ومصر، دون أن تتحول إلى أداة خالصة لأي طرف. لكن هذا التوازن، كما في سياستها الدولية الأوسع، يبقى توازناً هشاً: يمنحها هامش مناورة، لكنه لا يؤسس لنفوذ مستقر.

وبذلك فإن قراءة الدور الإقليمي لنظام أسمرا لا تكشف فقط عن صراع نفوذ، بل عن أزمة أعمق في بنية الفعل الإقليمي نفسه: قوى تمتلك المال دون عمق سياسي، وأخرى تمتلك الطموح دون قاعدة اقتصادية، وثالثة تتحرك أمنياً دون مشروع إقليمي متكامل. وفي قلب هذا التداخل، يواصل نظام أسمرا لعب دور “المستفيد الحذر”، الذي يراكم المكاسب التكتيكية، دون أن ينخرط في لعبة قد تقيده على المدى الطويل.

متلازمة القذافي والبشير: مخاطر الشراكات الوظيفية

إحالة التقارب الأمريكي المحتمل مع نظام أسمرا إلى تجارب سابقة ليست مجرد تزيين تاريخي للنص، بل ضرورة تحليلية لفهم نمط سلوكي يتكرر في السياسة الخارجية الأمريكية عندما تتقدم اعتبارات الأمن على حساب اعتبارات القيم. غير أن المقارنة مع حالتي السودان في عهد البشير وليبيا في عهد القذافي تكشف أن واشنطن لا تدخل في “تحالفات” مع هذه الأنظمة بقدر ما تدخل في ترتيبات وظيفية مؤقتة تُدار بمنطق الحاجة لا بمنطق الشراكة.

في الحالة السودانية، لم يكن الانفتاح الأمريكي في المراحل الأخيرة من حكم عمر البشير نتيجة تحول في طبيعة النظام، بل نتيجة حسابات مرتبطة بمكافحة الإرهاب وإدارة ملفات إقليمية أكثر إلحاحاً. تم رفع العقوبات جزئياً، وإعادة فتح قنوات اتصال، بل وجرى الحديث عن إعادة إدماج تدريجي، لكن دون أن يقترن ذلك بتغيير بنيوي في النظام السياسي. ما حدث فعلياً هو إعادة تعريف مؤقتة للعدو لا إعادة تعريف للشريك. وبمجرد تغيّر البيئة الداخلية في السودان وسقوط النظام، انهار هذا “الانفتاح الوظيفي” دون أن يترك وراءه بنية علاقة مستقرة، ما يكشف هشاشة هذا النمط من التفاعل.

أما في الحالة الليبية، فإن المسار كان أكثر وضوحاً في طابعه البراغماتي. فالتقارب مع نظام معمر القذافي في العقد الأخير من حكمه لم يكن نتيجة قبول أمريكي بالنظام، بل نتيجة صفقة أمنية تتعلق بملف الإرهاب وبرامج التسلح. تم تطبيع العلاقات، ورفع العقوبات، وإعادة دمج ليبيا تدريجياً في النظام الدولي، لكن دون أن يتحول ذلك إلى شراكة استراتيجية عميقة. وعندما تغير ميزان القوى داخلياً عام 2011، انهارت هذه العلاقة بسرعة، وكأنها لم تكن قائمة على أسس مؤسسية أصلاً.

المقارنة بين الحالتين تكشف نمطاً أمريكياً متكرراً: الانخراط مع أنظمة مغلقة عندما تفرض الضرورة الأمنية ذلك، دون الاستثمار في تحويل هذه العلاقات إلى ترتيبات مستدامة. أي أن واشنطن لا “تُعيد تأهيل” الأنظمة بقدر ما “تستخدمها مؤقتاً”، ثم تعيد ضبط المسار عند تغير البيئة الاستراتيجية. هذا النمط يعكس أولويتين متداخلتين: تقليل المخاطر الفورية، وتأجيل الكلفة القيمية، دون حسم التناقض بينهما.

عند إسقاط هذا النمط على الحالة الإرترية، تتضح إشكالية أعمق. فنظام أسمرا ليس استثناءً، بل امتداد لهذا المنطق، لكنه يمثل نسخة أكثر صلابة وأقل قابلية للاختراق. فبينما أظهرت كل من السودان وليبيا درجات ولو كانت محدودة من المرونة السياسية أو الانفتاح المؤسسي، فإن نظام أسمرا لم يُنتج حتى الحد الأدنى من “إشارات التكيف” التي تسمح بتحويل الانخراط إلى مسار تدريجي. وهذا ما يجعل أي تقارب محتمل أكثر هشاشة منذ بدايته.

لكن الفارق الأهم لا يكمن فقط في طبيعة الأنظمة، بل في تطور السياق الدولي نفسه. ففي حالات السودان وليبيا، كانت الولايات المتحدة تتحرك في بيئة أحادية القطبية نسبياً، ما سمح لها بإدارة التحالفات الوظيفية دون منافسة استراتيجية حادة. أما في الحالة الإريترية، فإن الانخراط يتم في بيئة متعددة الأقطاب، حيث تتحرك الصين وروسيا كلاعبين نشطين في نفس المجال الجيوسياسي، ما يجعل أي علاقة أمريكية أقل قدرة على الاحتكار وأكثر عرضة للتنافس.

من هنا يتضح أن ما يبدو “براغماتية مرنة” في السياسة الأمريكية هو في الواقع إدارة متكررة للتناقض بين الحاجة الاستراتيجية وغياب القدرة على بناء استقرار طويل المدى. أي أن واشنطن لا تعيد تشكيل الأنظمة بقدر ما تعيد استخدامها ضمن فترات زمنية محددة، ثم تتركها لمصيرها عندما تتغير الأولويات.

على ضوء ذلك لا تقدم الحالة الإرترية انحرافاً عن هذا النمط، بل اختباراً أكثر حدة له. فإذا كانت التحالفات الوظيفية السابقة قد انهارت عند أول تغيير في البيئة السياسية، فإن السؤال في الحالة الإريترية أكثر تعقيداً: هل يمكن حتى بناء هذا “الحد الأدنى من الوظيفة” في ظل نظام مغلق لا يقدم أي قابلية للتكيّف؟

بالتالي لا يعود التاريخ مجرد مقارنة، بل يصبح أداة لكشف حدود النموذج الأمريكي نفسه: نموذج ينجح في إدارة الأزمات، لكنه يفشل في تحويل الضرورة إلى استقرار.

سيناريوهات العلاقة: تذبذب استراتيجي ومستقبل غير محسوم

ينتهي هذا المسار التحليلي عند لحظة لا تُقرأ بوصفها حسمًا بقدر ما تُفهم كانفتاح على احتمالات متعددة، حيث لا يمكن الجزم بمالات العلاقة بين الولايات المتحدة ونظام أسمرا خارج منطق السيناريوهات المتداخلة. فطبيعة التفاعل بين الطرفين—المحكومة بتشابك الجغرافيا مع البراغماتية السياسية—تجعل المستقبل أقرب إلى “مسارات مفتوحة” منه إلى اتجاه واحد واضح.

 في السيناريو الأول، وهو الأكثر تماسكاً من منظور استراتيجي، يمكن تصور تقارب تدريجي محسوب يقوم على تخفيف محدود للعقوبات مقابل فتح قنوات تعاون في ملفات أمن البحر الأحمر. هذا السيناريو يفترض أن واشنطن ستنجح في بلورة صيغة “انخراط دون اندماج”، أي التعامل مع نظام أسمرا كفاعل وظيفي في معادلة الأمن الإقليمي دون إدخاله في منظومة تحالفات كاملة. في هذا الإطار، يصبح نظام أسمرا شريكاً ظرفياً في إدارة التهديدات البحرية والتوازنات الإقليمية، لا حليفاً استراتيجياً بالمعنى التقليدي.

غير أن هذا السيناريو يصطدم مباشرة بحدود داخلية صلبة، تتعلق بطبيعة النظام السياسي بقيادة أسياس أفورقي، الذي لا يقوم على قابلية مؤسساتية تسمح بتراكم الثقة أو تطوير الشراكات تدريجياً. أي أن أي تقارب—حتى لو بدأ وظيفياً—سيظل مهدداً بغياب آليات استدامة سياسية داخلية، ما يجعل استمراره رهيناً بإرادة سياسية فردية أكثر منه ببنية مؤسساتية مستقرة.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على انفتاح تكتيكي محدود ومؤقت، وهو الأقرب إلى منطق التحركات الأمريكية الراهنة. في هذا النموذج، لا يُنظر إلى العلاقة بوصفها مساراً تطورياً، بل كأداة لإدارة الأزمات. أي أن واشنطن قد تستخدم الانخراط مع نظام أسمرا لتخفيف ضغط ظرفي في ملفات مثل البحر الأحمر أو التوترات في إثيوبيا والسودان، دون أن يتطور ذلك إلى إطار استراتيجي مستقر. هذا السيناريو يعكس منطق “الاستخدام المؤقت للفرص الجيوسياسية” أكثر من كونه إعادة صياغة للعلاقة الثنائية.

لكن خطورة هذا المسار أنه يُنتج علاقة غير متوازنة بطبيعتها: واشنطن ترى فيه أداة مرنة قابلة للتعديل، بينما يرى فيه نظام أسمرا فرصة لإعادة التموضع وكسر العزلة. هذا التباين في التوقعات قد يؤدي إلى اختلاف في تفسير نفس العلاقة، وهو ما يجعلها عرضة للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو أمني.

 أما السيناريو الثالث، وهو سيناريو التراجع أو الانكفاء، فيبقى احتمالاً قائماً إذا ما تغيرت أولويات السياسة الأمريكية أو تصاعدت المعارضة الداخلية لأي انخراط مع نظام غير إصلاحي. في هذه الحالة، قد تعود العلاقة إلى نمطها التقليدي القائم على العزلة والعقوبات، خاصة إذا لم تحقق واشنطن مكاسب ملموسة من الانفتاح الأولي، أو إذا تصاعدت كلفة التعامل مع نظام يرفض تقديم تنازلات سياسية.

غير أن ما يجعل هذه السيناريوهات متداخلة وليس متعارضة هو أن العامل الحاسم ليس أحد الطرفين منفرداً، بل بيئة النظام الإقليمي والدولي الأوسع. فاستمرار التوتر في البحر الأحمر، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، واستمرار هشاشة دول الجوار، كلها عناصر تُبقي الباب مفتوحاً أمام إعادة إنتاج نفس الدوافع التي أطلقت هذا الانفتاح من الأساس. بناءً على ذلك، لا يمكن النظر إلى مستقبل العلاقة بوصفه مساراً خطياً نحو التقارب أو القطيعة، بل كحالة تذبذب استراتيجي مستمر تُعيد فيها المصالح إعادة تشكيل نفسها وفق المتغيرات الإقليمية. وهذا ما يجعل نظام أسمرا ليس “ملفاً ثنائياً” بقدر ما هو عقدة في شبكة أوسع من التوازنات الدولية.

من هنا، تكتمل الصورة التحليلية: نحن أمام علاقة لا تُحسم بقدر ما تُدار، ولا تُبنى على توافق قيمي بقدر ما تُعاد صياغتها وفق منطق الضرورة. وهو ما يمهّد للانتقال إلى الخاتمة، حيث يتم تجميع هذه الخيوط في قراءة كلية تحدد ما إذا كان هذا الانفتاح يمثل تحولاً استراتيجياً حقيقياً، أم مجرد إعادة توزيع مؤقتة لأوزان النفوذ في فضاء شديد السيولة.

الاختبار الصعب: هل يتغير العالم أم تتغير أسمرا؟

في نهاية المطاف تضعنا هذه القراءة أمام حقيقة تتجاوز مجرد الحراك الدبلوماسي العابر؛ فالعلاقة بين واشنطن وأسمرا اليوم ليست تحولاً استراتيجياً مكتملاً، بل هي “توازن اضطرار” يحكمه تقاطع المصالح لا توافق القيم. والمفارقة هنا تكمن في أن كل طرف يدخل هذا الاختبار بمنطق مغاير؛ فواشنطن تلهث وراء ضبط أمن البحر الأحمر في ظل تنافس دولي محموم، بينما تفتح أسمرا أبوابها مواربةً لتعظيم استقلالها وكسر عزلتها، دون أن تتخلى عن بنية نظامها “الصلبة” بقيادة أسياس أفورقي.

هذا التقاطع الوظيفي يكشف عن تحول أعمق في مفهوم القوة؛ فأسمرا برهنت على أن الجغرافيا السياسية قد تتفوق على حجم الاقتصاد في حسابات الكبار، بينما أثبتت واشنطن أن منطق “إدارة المخاطر” بات يتقدم لديها على “التبشير بالقيم”. فهو تقاطع لا ينتج اندماجاً، بل توازناً قلقاً يتمدد وينكمش وفقاً لدرجة حرارة الصراع في الممرات البحرية وتصاعد النفوذ الروسي والصيني.

إن الإجابة على سؤال “من الذي تغير؟” تبدو الآن أكثر وضوحاً؛ فالواقع يشي بأن نظام أسمرا لم يتغير، بل العالم—بأولوياته وتوازناته ومخاوفه—هو الذي تغير من حوله. لقد أصبحت الجغرافيا هي “صك البقاء” الذي يمنح النظام حصانة ضد العزل، ويحول واشنطن من وضعية “المحاسب الحقوقي” إلى “الشريك البراغماتي” المكره.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي يتركه هذا الاختبار الصعب ليس عن نجاح الانفتاح من عدمه، بل عن مستقبل نظام دولي بات يُبنى على “إدارة التناقضات” لا حلها، وعلى “توازنات الضرورة” المؤقتة بدلاً من الترتيبات المستقرة. وبذلك تظل إرتريا نموذجاً حياً لحالة يتجمد فيها النظام داخلياً، بينما يتحرك العالم الخارجي مضطراً ليعيد اكتشافها كعقدة جيوسياسية لا يمكن فكها أو تجاهلها.

المراجع:

[1] Red Sea Strategy and Strategic Realignment. African Security Analysis. (2026, February 28). https://www.africansecurityanalysis.com/reports/red-sea-strategy-and-strategic-reali[2] Eritrea and Red Sea Security: An Assessment Based on Observable … Red Sea Beacon. (2026, January 16). https://redseabeacon.com/eritrea-and-red-sea-security-an-assessment-based-on-observable-behavior/[3] Eritrean president calls UAE ‘main destabilizing force in Sudan’. Al Mayadeen English. (2026, January 14). https://english.almayadeen.net/news/politics/eritrean-president-calls-uae–main-stabilizing-force-in-su[4] As Ethiopia Doubles Down on the Nile, Egypt Deepens Its Eritrea … Horn Review. (2026, April 22). https://hornreview.org/2026/04/22/as-ethiopia-doubles-down-on-the-nile-egypt-deepens-its-eritrea-alignment/[5] Understanding the UAE’s Engagement in Sudan’s Conflict. Eritrea Focus. (2025, October 13). https://eritrea-focus.org/strategic-alignment-and-regional-stakes-understanding-the-uaes-engagement-in-sudans-conflict/[6] How the UAE kept the Sudan war raging | African Arguments. (2024, February 21). https://africanarguments.org/2024/02/how-the-uae-kept-the-sudan-war-raging/[7] Civilian Cooperation in the Red Sea Region: Opportunities for Israel. INSS. https://www.inss.org.il/wp-content/uploads/2025/12/Civilian-Cooperation-in-the-Red-Sea-Region.pdf[8] Eritrea is uniquely situated to help Israel, in Africa and beyond. JNS.org. https://www.jns.org/opinion/habtom-ghebrezghiabher/eritrea-is-uniquely-situated-to-help-israel-in-africa-and-beyond
Exit mobile version