تقدير الموقف

التدخل الإريتري في الأزمة الإثيوبية.. هل تردعه العقوبات الأميركية؟

محمد عمر صالح
     مدير  آفروبولسي


 

يمكن القول إن العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على إريتريا غير ذات أثر على نظام أفورقي ولا على تدخلاته في إثيوبيا، لأنه استطاع امتصاص العقوبات الدولية السابقة الأشد، ولأن أطرافا دولية لا تلتزم بتنفيذ العقوبات تقدّم له التسهيلات.

تشارَك الثوارُ الإريتريون مع رفاقهم في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، سنوات النضال لنحو 20 سنة، ودخلوا صراعا بعد سنوات قليلة من تحرير إريتريا وإسقاط نظام الدرق في إثيوبيا، وأصبحوا حكاما أيضا 20 سنة أخرى، في حلقة من تدوير الصراعات التي لا تنتهي.

وقد بدأت حلقة جديدة من الصراع قد تفتت خارطة المنطقة إلى الأبد، أو تُنهي الصراعات بتسويات تاريخية، مع ملاحظة غاية في الأهمية، وهي: حدة الصراعات ودمويتها.

ألحق التيغراي هزيمة قاسية بإريتريا عام 2000، وتمكنوا من حصارها لاحقا بعد رفضهم تنفيذ قرار محكمة العدل الدولية ترسيم الحدود بين البلدين، وفُرضت عقوبات كان لها الأثر الشديد على الشعب والحياة العامة، مما جعل إريتريا تنال لقب الدولة المنبوذة لغيابها عن المؤسسات الإقليمية والدولية بفعل العقوبات. وما لبثت بعد عودتها إلى المجتمع الدولي، أن انخرطت في حرب ضد حلفائها السابقين الذين صاروا ألد أعدائها.

هذا التقرير يجيب عن الأسئلة المتداولة لفهم طبيعة التدخل الإريتري في الصراع الإثيوبي، وهل يمكن للعقوبات الأميركية الحد منه؟

دبابة تابعة لقوات تيغراي حيث يشتد الصراع مع القوات الحكومية برئاسة آبي أحمد (الفرنسية-أرشيف)
 

ما مصلحة إريتريا في التدخل بالأزمة الإثيوبية؟

نفت الحكومتان الإثيوبية والإريترية -ولشهور عدة من اندلاع الحرب في تيغراي- تدخل إريتريا في الحرب إلى جانب الحكومة الفدرالية التي يقودها آبي أحمد. ولكن بعد تفاقم الأوضاع في تيغراي جراء الحرب الطاحنة، اعترف الرئيس الإريتري أسايس أفورقي بالتدخل في النزاع. فما أسباب هذا التدخل؟

أولا: الانتقام من "جبهة تحرير تيغراي" التي ألحقت أضرارا هائلة بإريتريا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا في حرب 1998 و2000، ثم إضعافها بالحصار، لما يمكن أن تسببه لإريتريا مستقبلا، خاصة أن التيغراي يعتقدون أن الرئيس الإريتري قد خانهم.

ثانيا: القضاء على فصائل المعارضة الإريترية التي كانت توجد في تيغراي، خاصة الأجنحة المسلحة والمتحالفة مع الجبهة هناك، ويصل عددها قبل سقوط حكم تيغراي إلى 8.

ثالثا: تشتيت الوجود الإريتري في إقليم تيغراي، وإضعافه لكونه البؤرة التي تُجند منها المعارضة وتتقوى عسكريا، إضافة إلى وجود عناصر من ضباط المخابرات الإريترية الهاربين والمطلوبين للنظام.

رابعا: إذكاء الصراعات القديمة المتجددة في بلد يذخر بالمظالم والتهميش وتفيض فيه المشكلات، تمهيدا لإعادة ترتيب المنطقة الأفريقية بشكل يسهل عليه السيطرة والقيادة فيها، حيث يرى الرئيس الإريتري أنه الأحق بها.
 

ما طبيعة التدخل الإريتري في الأزمة؟

رغم أن الغموض كان وما زال  يلف ما جرى بين أفورقي وآبي أحمد ابتداء من اتفاق السلام الذي كسر جمود 20 سنة، والاتفاقيات التي وقعت بين الطرفين لاحقا، فإن ما كشفته التقارير والأحداث لاحقا كان فوق التصوّر، ومن ذلك:

- تفيد تقارير عديدة بأن إريتريا درّبت قوات إثيوبية تابعة للحكومة في قاعدة ساوا العسكرية في فترة التخطيط للحرب التي شنها الجيش الإثيوبي الفدرالي على تيغراي. وفتحت إريتريا موانئها ومطاراتها لإدخال الأسلحة لصالح حليفها آبي أحمد استعدادا للحرب.

- سمحت إريتريا -وفق تقارير متابعة للتطورات في القرن الأفريقي- بعبور القوات الفدرالية عبر جسر جوي إلى أراضيها للالتفاف خلف خطوط تيغراي، وتتمركز في عدة مناطق على طول الحدود المتاخمة للإقليم، وعلى 3 محاور، وهو ما أكده وزير دفاع أفورقي السابق المعارض له الآن مسفون حقوس، في مقال له.

- انخرط الجيش الإريتري في الحرب على التيغراي بالمشاركة المباشرة، وهو ما أثبتته التقارير الموثقة ولم ينكرها الحلفاء (آبي وأفورقي)، بل ارتكب تجاوزات كبيرة ليس في حق التيغراي وحدهم، ولكن أيضا في حق اللاجئين الإريتريين بمخيمات اللجوء في تيغراي.

وبسبب تعتيم الحكومة الإثيوبية بقطع كل أنواع الاتصالات، لا أحد يعرف حجم ما ارتكبته القوات الإريترية في حقهم لغياب المنظمات الراعية لهم، ولكن المؤكد أن منظمات الأمم المتحدة قالت إنها لم تجد أثرا للمخيمات.

هذا غير ما وفرته أجهزة الأمن والاستخبارات الإريترية من إسناد معلوماتي، وخبراء ومستشارين عسكريين وفنيين، وهو ما جعل المحللين يعتبرون أن حرب تيغراي هي حرب أسياس أفورقي وليست حرب آبي أحمد فقط.


جنود إريتريون فوق دبابة في بلدة بادمة التي كانت مسرحا للصراع بين إثيوبيا وإريتريا حتى عام 1998 (رويترز)
 

ما تأثير التدخل الإريتري على الصراع الحالي؟

لعب التدخل الإريتري دورا مفصليا في تحول مسار المواجهات ومستواها، ولا يزال يشكل أحد عوامل بقاء واستمرار حكومة آبي أحمد وحلفائه الداخليين. وربما سيمتد ذلك إلى وقت ليس بالقصير، ومن مؤشرات ذلك:

- فاقم التدخل الإريتري من الخلافات الداخلية في إثيوبيا بمساندة طرف على حساب آخر، وخلق حالة من الاصطفافات التي سيكون لها دور مدمر في إثيوبيا إذا استمر الحال على ما هو عليه.

- عمّق الخلافات بين إقليمي التيغراي والأمهرة بالقتال إلى جانب الأخيرين، والتدخل المباشر والمشاركة الفعلية في الحرب، خصوصا أن الإقليمين متجاورين وبينهما خلافات على كل شيء.

- خلط الأوراق الداخلية الإثيوبية بشكل يمهد للتدخلات الخارجية، مما يعقد الصراع ويعيق إمكانية الوصول إلى حل مرضٍ لأطرافه، لوجود أجندة خارجية تُعرقل العملية السياسية.

 

هل تؤثر العقوبات الأميركية في كبح التدخل الإريتري؟

خرجت إريتريا من دائرة العزلة في 2018، بعد نحو عقد من العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي عليها منذ 2009، وظلت تتجدد سنويا مع تشديدها أحيانا. وفي مايو/أيار 2021، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على جهاز الأمن الوطني الإريتري، وأدرجه على القوائم السوداء بسبب انتهاكاته لحقوق الإنسان.

وفي 12 من الشهر الجاري، فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على الحزب الحاكم في إريتريا (الجبهة الشعبية للعدالة والتنمية)، وشركتي البحر الأحمر وحدري التابعتين للحزب، واللتين يعتمد عليهما الحزب في التعاملات التجارية والأمنية، إلى جانب قيادييْن بارزيْن هما: حقوس قبري هويت المستشار الاقتصادي للرئيس الإريتري، ورئيس جهاز الأمن والمخابرات أبراها كاسا.

وفي تقييم سريع لهذه العقوبات، يمكن القول إنها غير ذات أثر على النظام ولا على تدخلاته في إثيوبيا، لأنه استطاع امتصاص العقوبات الدولية السابقة التي كانت أشد وأشمل، بأقل الخسائر، وخرج منها منتصرا بحسب تصريحاته في 2018.

وبالمقارنة سنجد أن أفورقي -في الظرف الحالي- تتهيأ له ظروف أفضل من سابقاتها، مما يجعله لا يعبأ كثيرا بأية عقوبات، ويقلل من قيمتها.

كما أنه يتعامل مع أطراف دولية لا تلتزم بتنفيذ العقوبات، فقد ظلت الصين وكوريا الشمالية وروسيا -بدرجة أقل- وإيران، تقدم له التسهيلات كلما مرّ بأزمة أو واجه صعوبات في مختلف المجالات. فضلا عن الوضع الإقليمي الراهن الذي يمر بحالة من السيولة يعطيه حماية، ويستطيع الرئيس الإريتري بخبرته أن يوظفه لصالحه.

آبي أحمد (يسار) في استقبال أسياس أفورقي عند وصول الأخير لمطار أسمرا (الفرنسية)
 

إلى أين تتجه الأوضاع؟

انسحب الجيش الإريتري من تيغراي بعد ضغوط دولية، وعاد بعد هزيمة حليفه آبي أحمد على أيدي غرمائه التيغراي، ولا تبدو في الأفق مؤشرات حلول للأزمة. بينما لا تزال التدخلات الأميركية خجولة وجهود الاتحاد الأفريقي ضعيفة، والموقف في إثيوبيا عبارة عن حشود تعقبها حشود تتجهز لحرب تُعرف بدايتها ولكن لا تُعرف نهايتها، فهل ينجح أفورقي في كبح التيغراي أم تكون حرب الإقليم نهايته بفعل تدخله السافر هناك؟



المصدر : الجزيرة