تقدير الموقف

إثيوبيا على حافة الحرب الأهلية

محمد عمر صالح
مدير  آفروبولسي


مقدمة


أخذت الحماسة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد بالانتصارات الخاطفة في الشهور الثلاثة الأولى من الحرب التي تفجرت في إقليم التقراي في الرابع من نوفمبر 2020، مع تحريض متطرف من حليفه افورقي رئيس إرتريا، يقودهما الانتقام والتشفي من التقراي ومضى سريعا في ظل التعتيم الإعلامي وقطع الإقليم عن خدمات الاتصالات والانترنيت، يضرب بقوة بثلاث جيوش دخلت إقليم التقراي من كل الاتجاهات ( الجيش الفيدرالي، مليشيات الأمهرا و الجيش الإرتري)، والهدف المشترك هو القضاء على جبهة تحرير التقراي وإخضاع الإقليم للحكومة المركزية  بعد نصر سريع لم يكن حاسما ولا نهائيا في واقع الأمر.

عودة التقراي المفاجئة

وبعد مرور أربعة أشهر وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بجبهة تحرير التقراي بفضل التفوق الجوي للجيش الفيدرالي والدعم الخارجي ودور الجيش الإرتري المفصلي في الحرب والذي أفقد الجبهة تماسكها وجزءا كبيرا من عناصر قوتها، حيث تمت تصفية عدد غير قليل من قيادات الصف الأول في الجبهة واعتقال مؤسسها وعددا كبيرا من عناصرها، إلا انها بدأت بإعادة ترتيب صفوفها وبناء استراتيجية المواجهة العكسية ابتداءً من تحشيد شعب التقراي بتوظيف كثير من الأحداث التي جرت في الإقليم والجرائم التي ارتكبتها القوات الإثيوبية والإرترية في عدد من المناطق، واستغلال الأوضاع الانسانية التي نجمت عن المواجهات العسكرية في الاقليم والتعاطف الدولي الذي وَصَفَ ما جرى في الإقليم بأنه يقترب من التطهير العرقي.

هزيمة الجيش الفيدرالي وانبعاث قوات دفاع التقراي.

بعد مرور ستة أشهر من تفجر الحرب بين الطرفين وعلى الرغم من حضور الجيش الإرتري الطاغي في التقراي إلا أن الكفة بدأت في الرجحان لصالح قوات دفاع التقراي على حساب الجيش الفيدرالي ومليشيات الأمهرا (فانو)وحليفهم الإرتري، ومع تصعيد  العمليات ضد الجيش الإثيوبي وتحقيق التقراي انتصارات كبيرة في عدد من المناطق مع الضغوط التي مارسها المجتمع الدولي، على أبي احمد وحلفاءه، والمطالبة بسحب الجيش الإرتري إلى خارج الحدود، بدت المبادرات في كفة التقراي، إلى أن دخلوا عاصمة الإقليم (مقلي) وأجبروا الجيش الفيدرالي على الانسحاب وهو الخطأ الذي ربما سيدفع أبي مقابله ثمنا باهظا، في مقبل الأيام. كل هذا منح التقراي فرصة لاستعادة السيطرة على معظم الإقليم ما عدا المناطق الحدودية مع السودان، كما منحتهم فرصة ذهبية لإعداد خطة الهجوم المضاد بالتوغل في إقليم الأمهرا والتوجه شرقا إلى إقليم العفر ومحاولة قطع الخط الرئيسي الرابط بين إثيوبيا وجيبوتي، وتوسيع مساحة المناورات وتشتيت الخصم والحد من قدرته على استعادة التوازن.

صدمة أبي والبحث عن مخرج

أفاق أبي أحمد بعد خمسة أشهر من بدء عملية "إنفاذ القانون" وهو الاسم الذي أطلقه على العمليات العسكرية في التقراي على حقائق صادمة وهي أنه يفتقد إلى جيش متماسك ومدرب لديه عقيدة قتالية تؤهله لخوض معركة معقدة تتقاطع فيها الأجندات والانتماءات وتتداخل الولاءات وتتضارب فيها المصالح، وبالمقابل قوات التقراي المدربة والخبيرة بالحروب، موحدة على مواجهة الخصوم، تعمل بنسق واحد تحركها القناعة بأنها مستهدفة في ذاتها ولإفنائها وتغييبها من على المسرح السياسي ولفترة طويلة. 
بالرغم من الفقد الكبير في الصف القيادي قتلا واعتقالا إلا ان التقراي تمكنوا من استعادة زمام المبادرة ببعث الروح القومية وأمجاد البطولات التاريخية فكان "أولولا ابا نقا " هو الشعار الذي خاضت به قوات التقراي المعركة الفاصلة التي استعادت فيها السيطرة على كامل الإقليم وهو القائد الذي هزم الإيطاليين في معركة عدوا الشهيرة، ما أفقد ابي توازنه وبدأ بالبحث عن حلفاء جدد فعقد الاتفاقيات العسكرية مع روسيا والصين وتركيا لتدارك موقفه العسكري المهزوم.إضافة إلى القيام بحملة تجنيد واسعة جند خلالها مئات الآلاف من الشباب خاصة من إقليم الأمهرا.


راهن المشهد الإثيوبي

يجد المتابع صعوبة في توصيف الواقع الإثيوبي لعدم ثباته وسرعة التحولات فيه، ففي 4 نوفمبر 2020 شن الجيش الفيدرالي حربا على جبهة التحرير التقراي مستعينا بالجيش الإرتري ومليشيات الأمهرا، وفي ابريل بدأت كفة التقراي في التفوق وفي يونيو قهرت قوات التقراي الجيش الفيدرالي والجيوش المتحالفة معها، مما أجبرها على الانسحاب تحت مبرر الاستجابة للحالة الإنسانية وحلول فصل الخريف، وفي اغسطس توغلت قوات التقراي إلى عمق إقليم الأمهرا واحتلت مناطق عديدة ووضعت مدينة ديسي الاستراتيجية هدفا الى ان تمكنت من دخولها في نهاية اكتوبر والتقت مع حليفتها قوات تحرير الأرومو جنوب مدينة كمبولتشا وهدف الطرفين الزحف نحو العاصمة أديس ابابا.

جبهة الحكومة الإثيوبية 

أعلن ابي احمد عن حملة تجنيد طوعية في أغسطس 2021 وحشد مئات الآلاف وانخرطوا في التدريب والتسليح والاستعداد للمواجهات الحاسمة مع التقراي، ولكن لم يحالف هذه الجموع أي نجاح ولم تصمد أمام المقاتلين من جبهة التقراي بل وقع المئات منهم في الاسر

خسر الجيش الفيدرالي مدنا عديدة  في إقليم الأمهرا تحت ضربات مقاتلي التقراي واصرارهم وعلى الرغم من حشد مليشيات " فانو" التابعة للإقليم إلا أنها تقهقرت ما فتح شهية التقراي إلى التقدم.

حشد ابي الدعم العسكري من روسيا والصين وإيران ولكن في غياب الجيش الذي يحقق به الانتصارات، فقد غنم التقراي أسلحة حديثة من الجيش الفيدرالي كان له اثر في التصدي لمختلف الأسلحة التي استخدمها القوات الإثيوبية.

بعد تشكيل الحكومة ونيل الشرعية الدستورية استخدم ابي احمد تكتيكا خاطئا باستخدام الطيران في مواجهة جيش لا يستخدم آليات وقصف مصالح مدنية، إضافة إلى استهداف العاصمة مقلي ليدفع شعب التقراي مرة اخرى للإلتحام مع قيادة جبهة تحرير التقراي.

بالرغم من الفرصة التاريخية التي أُتيحت للأمهرا  في ظل حكم ابي احمد للعودة للحكم، مع رفض الأرومو والتقراي لتوجهات أبي ـأحمد وبالرغم من انهم يمثلون جزءا من الدولة العميقة إلا انهم فشلوا في ذلك ولم يتمكنوا حتى عن الدفاع عن إقليمهم، وفشلت مليشيات فانوا فشلا ذريعا في مواجهة التقراي.
 


جبهة الجيش الإرتري

في ابريل 2021 انسحب الجيش الإرتري تحت ضغوط المجتمع الدولي وأمريكا على وجه التحديد من إقليم التقرايولكن هزيمة حليفه ابي اضطرته للعودة مرة أخرى، فالقوات الارترية تتواجد في الوقت الراهن في غرب التقراي خشية وصول التقراي الى حدود السودان كما انها تتواجد في إقليم العفار حماية للخط الحيوي الناقل بين أديس ابابا وجيبوتي الذي تعبر عبره 97% من صادرات وواردات إثيوبيا ومؤخرا تتواجد في قندر وبحر دار بعد تهديد جماعات موالية للتقراي المنطقة، كما تفيد بعض المصادر ان أديس ابابا في الفترات الأخيرة تعيش تحت حماية الأمن الإرتري.

جبهة التقراي

انتشت قوات دفاع التقراي بعد هزيمة الجيش الفيدرالي في إقليم التقراي وانسحابه منه، وبعد محاولات السيطرة على مناطق غرب التقراي وقطع طريق أديس ـ جيبوتي،  بدأت بالتوغل في إقليم الأمهرا واستولت على مناطق شاسعة ومناطق مهمة كان أخرها مدينة ديسي الاستراتيجية التي يتحكم موقعها في الطريق الواصل إلى العاصمة أديس أبابا.
نجحت جبهة تحرير التقراي في توحيد شعب التقراي على الاصطفاف خلف هدف استراتيجي واحد وهو اسقاط ابي أحمد والاقتصاص منه لما ارتكبته قواته بالتحالف مع افورقي، ما عمق لديهم مفهوم حتمية التخلص من أبي وتحقيق طموح دولتهم حتى لو كان ذلك من خلال السيطرة على السلطة المركزية في أديس أبابا، وقياسا على عوامل القوة المتوفرة للتقراي والجيش الفيدرالي المدعوم بالمليشيات فقد أصابت قوات التقراي نجاحات استراتيجية وانتصارات مهمة شكلت مفاتيح مهمة للوصول إلى ما تخطط له على المستوى الاستراتيجي والتكتيكي.
ومن أجل ضمان تحقق استراتيجيتها تحالفت قوات التقراي مع قوات تحرير الأرورمو حيث تجمع الطرفين عدد من المشتركات والمصالح وأولها الاتفاق على الفيدرالية الاثنية، ورفض هيمنة الأمهرا والحكم المركزي الذي يتبناه ابي احمد، والتهميش الذي عانوه إبان الحكم الامبراطوري الذي حكم إثيوبيا طويلا، ونسقت الجبهتان عملياتها العسكرية التي استهدفت مناطق النزاع مع الأمهرا، وسيكون الزحف نحو العاصمة أديس أحمد أهم المشتركات الآنية للجبهتين.


المواقف الدولية

الاتحاد الإفريقي

عين الاتحاد الإفريقي مبعوثا خاصا للتوسط في ملف التقراي ولكن لم يجد تجوبا من الحكومة الإثيوبية التي أبدت رفضا قاطعا باعتبار أنها تقوم بمعالجة شأن داخلي لا يستحق الوساطات في ظل عجز الاتحاد الإفريقي في تفعيل آليات التدخل في النزاعات الداخلية للدول الإفريقية، ولذلك ربما يفاجأ الاتحاد مثله مثل بقية الدول على موقف يستدعي إصدار بيانات لتحديد موقفه من نهاية عهد وبداية آخر.

الويات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي
عينت الولايات المتحدة مبعوثا للقرن الإفريقي وهو السفير المخضرم جيفري فيلتمان ولكن لم تسعفه كل الجهود والمحاولات من إقناع أطراف النزاع للجلوس على مائدة الحوار والتفاوض، لبحث الخلاف وطرح الحلول الممكنة، والسبب في ذلك  اتهام الحكومة الإثيوبية للولايات المتحدة الأمريكية بالانحياز إلى التقراي باعد بين مواقف الطرفين مع تدخلات إرترية في توجيه مسار الأحداث والتحكم فيها، وأفادت تقارير عديدة أن رئيس الوزراء الإثيوبي رفض مقابلة المبعوث عددا من المرات، كما رفض مقابلة رئيسة الوكالة الأمريكية الدولية للتنمية(US AID)، وتطورت الاتهامات الإثيوبية لتطال عدد من المنظمات الإغاثية والتي أوقفت أعمالها كما طردت 7 من موظفي الأمم المتحدة في إثيوبيا والذين يعملون في عدد من المجالات التي لها صلة بالجوانب الإنسانية، وبالتالي لم تعد الولايات المتحدة طرفا محايدا بالنسبة لإثيوبيا للتوسط في النزاع، وعمق الخلاف فرض الولايات المتحدة عقوبات على من تعتقد بانهم متورطين في حرب التقراي (مسئولين من الحكومة الإثيوبية  وقيادات من التقراي، يتسق موقف الاتحاد الأروربي مع موقف الولايات المتحدة ويعتبر مكملا له وعلى ذات خطوات الولايات المتحدة أوقف الاتحاد الأوروبي بعض المساعدات باستثناء تلك التي لها علاقة بالجوانب الإنسانية.

خاتـــــــــــــــمة

نكتب هذا التقدير وقد أعلن رئيس الوزراء عن نداء  لسكان العاصمة أديس أن يحملوا أسلحتهم ويدافعوا عن المدينة وهو ما قد يقود البلاد  على حرب شاملة  وعواقب وخيمة  إذا ما استجاب سكان العاصمة ذات الثلاث ملايين ونصف المليون للنداء، وكل المؤشرات تدل على ان أطراف النزاع تجاوزت إمكانية التفاوض والحوار إلى مستوى المعارك الحاسمة، وبعد فشل الحملة التي شنتها الحكومة منذ أغسطس أعلنت فينداء الاستعداد الأخير عن توجيه كل القدرات للمجهود الحربي مع إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال وتعطيل الحياة العامة، وفي ذات الوقت تخطط قوات  تحرير التقراي وقوات تحرير الأرومو للمعركة الأخيرة بدخول العاصمة، فالتاريخ الإثيوبي يقول بأن الإيطاليين عندما احتلوا العاصمة أديس أبابا كان مدخلهم مدينة ديسي، والتقراي أنفسهم عندما دحروا منقستو هايلي ماريام كان مدخلهم مدينة ديسي في 1990.
مر عام على اجتياح الجيش الإثيوبي للتقراي، وتحل ذكراه في 4 نوفمبر 2021 فهل يستعيد التقراي زمام المبادرة من جديد وصياغة خارطة جديدة لإثيوبيا مع شركاء أقل وأضعف من التحالف القديم، أم تحدث المعجزات ويستعيد ابي أحمد وحلفاءه موقع المبادرة في وقت دعت فيه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة رعاياها أن يستعدوا للمغادرة وهو مؤشر مهم للغاية، في توقعات ومآلات الأوضاع في إثيوبيا، أم تشهد إثيوبيا حربا أهلية تشعل حروبا أوسع في منطقة القرن الإفريقي وتزيد أزماتها وتفتح المنطقة للتدخلات الخارجية وتعرضها للتفكك والانهيار، أم تنزع الوساطات فتيل الحرب وتوقف الانهيار، عبر تسويات توافق عليها الأطراف، كل هذا وذاك تجيب عليه تطورات الأيام القليلة القادمة.