تقرير المعلومات

إفريقيا في مواجهة الاستعمار الجديد (التداعي الجديد نحو إفريقيا)

محمد صالح عمر
       مدير آفروبولسي


في نهاية القرن التاسع عشر ذاع مصطلح التدافع نحو إفريقيا، خاصة قُبيل وبُعيد مؤتمر برلين 1885م تعبيراً عن السباق الأوروبي على إفريقيا وتقسيمها بين الدول العظمى آنذاك، وهي الفترة التي عُرفت بين المؤرخين بفترة الإمبريالية الجديدة، كما عرَفه البعض بغزو إفريقيا، أو تقسيم إفريقيا، استعمار إفريقيا، ويعتبر مؤتمر برلين هو الذي وضع الأساس لبدء التدافع وتم فيه الاتفاق على النظم التي ستحكم القوى  الباحثة عن المستعمرات في إفريقيا.
ومنذ مطلع القرن الواحد والعشرين تشهد إفريقيا موجة جديدة من الاستعمار وتداعيا آخر نحوها، مع اختلاف الزمان والفاعلين، والوسائل لتظل الأهداف هي ذات الأهداف التي دفعت الأمم الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر للتداعي نحو إفريقيا، فكيف ستتعامل إفريقيا وشعوبها مع الموجة الجديدة وما هي الوسائل التي يتبعها التدافع الجديد.
هذه الورقة تسلط الضوء على الموجة الجديدة للتدافع الاستعماري الجديد لإفريقيا بالتركيز على الجانب العسكري والهيمنة الاستخبارية:

لماذا التدافع نحو إفريقيا:
جاء التدافع الأول نحو إفريقيا بدواع ودوافع عديدة أبرزها العوامل الاقتصادية حيث الكساد الطويل الذي ضرب الاقتصاد بين عامي 1873م و 1896م مما جعل اغلب الدول تعاني التداعي الاقتصادي والعجوزات الكبيرة في الميزان التجاري، إضافة إلى تزايد الطلب على بعض المعادن والموارد التي لم تكن متوفرة في الغرب مع تطور الصناعات في أوروبا: مثل النحاس والذهب والقصدير والشاي(1).
أما العامل الآخر والذي لا يقل أهمية عن العامل الاقتصادي وهو المزايا الإستراتيجية لبعض الدول وموقعها الجغرافي، فضلا عن بعض الممرات التي تتحكم في التجارة العالمية. 

مقررات مؤتمر برلين وغزو إفريقيا:
اتفقت الدول الأروربية في مؤتمر برلين على:
ــ تنظيم الاستعمار حتى لا تتقاتل الدول الأوروبية فيما بينها
ــ تنظيم التجارة وفتح الأسواق
ــ إضفاء الشرعية على الاستعمار
ــ عدم فرض أي دولة سيطرتها على المناطق الساحلية في إفريقيا دون أن تعلن ذلك إلى الدول الأخرى التي وقعت على هذا الاتفاق(2).
وغيرها من القرارات التي شكلت خارطة طريق مهدت للدول الإفريقية السبل الكفيلة لبسط هيمنتها عليها دون اصطدام بمثيلتها من الدول التي حضرت المؤتمر وخرجت كل دولة تحمل نصيبها من مساحة إفريقيا، ليس من الناحية الجغرافية فحسب بطبيعة الحال ولكن من حيث إنسانها ومواردها ومصادر قوتها وأهمية موقعها في الخريطة الجيوسياسية على مستوى القارة.
ومما يدلل على أن التدافع نحو إفريقيا من اجل التهامها ونهب مقدراتها هو أن إفريقيا وحتى نهايات سبعينيات القرن التاسع عشر لم تكن محتلة إلا بمقدار 10% من مساحة القارة وبعد تنفيذ مقررات برلين وبحلول 1914م كان 90% من الدول الإفريقية تحت الاحتلال الأوروبي باستثناء إثيوبيا وليبيريا(3) عبر مراحل ثلاث مهدت لهذا الغزو:
1/ مرحلة احتلال السواحل وبناء المراكز التجارية والتحصينات العسكرية
2/ إرسال بعثات ومستكشفين لوضع الخرائط والتي اكتملت في نهايات الستينيات من القرن التاسع عشر
3/ الاحتلال المباشر بعد الاتفاق على مناطق نفوذ لكل دولة. 

نهاية الاستعمار في إفريقيا:
تتفاوت فترات الهيمنة الاستعمارية على إفريقيا وإذا استثنينا بعض الدول الإفريقية مثل الجزائر والمغرب فإن الاستعمار ظل جاثما على الشعوب الإفريقية منذ منتصف الثمانينيات من القرن التاسع عشر وحتى بداية الستينيات من القرن العشرين، لتنال الدول الإفريقية استقلالها بعد نضالات شاقة واستنزاف لثرواتها لتبني أمجادا لدول الاستعمار على حسابها: حاضرها ومستقبل أجيالها.
وبعد 60 عاما من الاستقلال في إفريقيا ، ما تزال شعوبها تعاني ذيول وآثار الحركة الاستعمارية والهيمنة الغربية فما تزال إفريقيا تعاني ويلات الحروب الأهلية والنزاعات البينية واختلالات جوهرية في الحكم والإدارة وهشاشة البنى الأساسية للمجتمع ، فلا هي خرجت من الحكم التقليدي والسيطرة الإثنية إلى عصر الدولة الحديثة ، ولا بقيت كما كانت قبل الاستعمار تعالج قضاياها بالموروثات التي ورثتها من البيئة المحلية ، وأصبح قابليتها للتدخلات الخارجية كبيرة وفرص العبث بمستقبلها موفورة ، ليعود المستعمرون بطرائق شتى ووسائل مختلقة وذرائع متخيلة وتدخل إفريقيا في دوامة استنزافات جديدة تُذهب حتى شكل الدولة الهش الذي ورثته من الاستعمار ليعود هو لتشكيها مرة أخرى كما يشاء ووفق ما تحقق له المصالح التي يسعى إليها كرة أخرى.
أغرقت المنظومة الغربية إفريقيا بالديون فتدنت الحياة في كافة المجالات وبعد كل هذه السنوات من الاستقلال نجد أن إنسان إفريقيا اليوم لا يتجاوز متوسط دخله السنوي 829 دولار للفرد، وهو ما يعتبر اقل من دخل الفرد الإفريقي في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين في معظم البلدان الإفريقية. ولا يتمتع 62% من الأفارقة بعد 60 سنة من الاستقلال بإمكانية الوصول إلى المرافق الصحية الجيدة ويعيش ثلثا مصابي مرض الإيدز في العالم ــ في القارة الإفريقية ــ في قارة مليئة بالموارد وغنية بمصادر الطاقة ولكنها ما تزال تعيش تحت خط الفقر(4)

مبررات ودوافع جديدة
تقدم النخب الغربية للتداعي الجديد مبررات ودوافع أشبه بتلك التي قامت بها الكنيسة في مطلع القرن العشرين عندما شكلت مقدمة لتهيئة القارة للاستعمار، وبعد كل الذي تسببت فيه جراء استغلال القارة ونهب موردها وتعمد اهمال البناء الإداري المتقدم كالذي كان يدير دولها، تصف القارة الإفريقية بسوء الإدارة وانعدام الديمقراطية وينظرون إليها في الوقت الراهن على أنها فرصة لبناء الاقتصاد العالمي مرة أخرى على حساب الشعوب الإفريقية المغلوب على أمرها، وهو ما ستغير في الأولويات بحيث تخدم الاهداف الغربية وليست الإفريقية، فيما أطلق عليه (الاستبداد التمويلي العالمي) وواقع الحال يقول ان إفريقيا اليوم أفقر مما كانت عليه قبل 60 عاما أي قبل الاستقلال( الثروة التي أوجدتها العمالة الإفريقية، ومن الموارد الإفريقية استولت عليها الدول الغربية وفرضت قيود  على القدرة الإفريقية لتحقيق أقصى استفادة من قدراتها الاقتصادية).
تعثرت كل محاولات التنمية الوطنية في إفريقيا لمنع الدول المتقدمة من السماح للدول الإفريقية من تطوير قدراتها عبر عدد من الاجراءات المعيقة وحتى لا تتمكن من تأسيس الاستقلال الاقتصادي(5).

التدافع الجديد نحو إفريقيا:
تشهد إفريقيا في الفترة الأخيرة موجة جديدة من التدافع نحوها بعد مرور نحو قرن وثلث قرن على مؤتمر برلين واللبرالية الجديدة وأصبحت في مركز الاهتمام العالمي مرة أخرى من القوى العظمى في العالم فما الذي تحمله الموجة الجديدة؟ وهل تختلف الدوافع والأسباب بين الموجتين؟ وما الذي يميز هذي عن تلك القديمة؟ وما هو الواقع في إفريقيا؟ وما هي الوقائع على الأرض؟ وهل تختلف الدول المتصارعة الآن من تلك التي كانت في السابق؟ نسبط بعض الشيء بحثا عن أهداف التدافع الجديد وكشف مخاطره على القارة السمراء وحجم التدخلات المصاحبة وكيف ستواجه إفريقيا هذه الهجمة الجديدة؟

مقدمات التدافع الجديد:
تتشابه الظروف والأسباب والدوافع إلى حد التطابق بين الموجتين مع اختلافات طفيفة أملتها ظروف العصر ومقتضياته:
اقتصاديات الدول المتقدمة في هذه الفترة شبه جامدة والكساد الطويل الذي عانت من الإقتصادات في تلك الفترة
توفر الموارد الطبيعية في إفريقيا وهو ضمن أسباب الغزو الاستعماري القديم
الرغبة في الهيمنة على المواقع الإستراتيجية والمضايق المهمة وقد كان أحد أسباب التدافع القديم
اجتمعت في برلين 14 دولة للاتفاق على تقاسم إفريقيا ولكن اليوم تتقاسم إفريقيا أطراف أكثر من تلك لم تعقد مؤتمرا ولكنها تستخدم العصا الغليظة باستخدام القوة أو إغراءات القروض والمنح والتبادل التجاري بفتح  أسواق إفريقيا ـ دون أن تكون هناك مطالبة بالمعاملة بالمثل ــ وفي سياقات الشراكة الاقتصادية وقوانين النمو والفرص التي دائما ما تلوي أذرع الدول الإفريقية تحت فقر الخبرات ورؤوس الأموال وبؤس القيادات وانعدام البنى التحتية.
التدافع الجديد أطرافه كثيرة ومتعددة ولكن هناك طرفين أساسيين هما الولايات المتحدة الأمريكية والصين ويليهما روسيا وفرنسا والعدد يتزايد باستمرار والكل يبحث عن موطئ قدم له لكي يظفر بجزء من موارد إفريقيا وثرواتها تحت دواع وذرائع ليس من بينها مصلحة القارة الإفريقية إلا في باب الدعايات الإعلامية ، في الوقت الذي تعاني فيه إفريقيا نفس الأمراض التي زرعها المستعمر وتركها منذ ما يزيد على ستين سنة.

التكالب الجديد والتنافس الإستراتيجي على إفريقيا:
لا يتجادل اثنان على حقيقة التدافع الجديد على إفريقيا ولكن هذه المرة على رافعة النمو الاقتصادي في إفريقيا ومحفزاتها في الحصول على أكبر قدر من مواردها ومجالات الطاقة المختلفة (6)، والسؤال الذي يُطرَحُ هنا هل تدرك الدول الإفريقية حجم الهجمة الجديدة؟ وما يمكن أن تشكله من مخاطر خلخلة الأمن ونهب الثروات وإدخالها في أتون صراعات المتسابقين عليها مرة أخرى؟ خاصة وان التكالب الجديد يحمل صراع أقطاب متصارعة ليس بينها تفاهمات ولا خارطة بل المنافسة والعصا الغليظة والعمل السري أكثر من التدافع القديم. 

ملامح التدافع الجديد على إفريقيا:
بالرغم من تشابه الدواعي والأسباب التي أدت إلى التدافع والتنافس والتكالب على إفريقيا سابقا ولا حقا إلا أن الموجة الجديدة للقوى الدولية والإقليمية الجديدة تحمل جرأة أكثر وطمعاً أكثر في نهب ما تبقى من ثروات إفريقيا وإعاقة أي محاولة للخروج من الأوضاع البائسة التي تعيشها الشعوب الإفريقية من قبل الاستقلال وما بعده إلى مصاف الدول المتقدمة اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا:

1/ الهندسة الخارجية:
أبرز ما يميز القوى الإقليمية والدولة في موجة التدافع الجديد أنها تفرض نفوذها على القارة الإفريقية وتصيغ العلاقات الإقليمية والدولية للقارة دون الالتفات إلى إرادة الأفارقة رغبة في إخضاعها لتحقيق مصالح الدول المتنافسة على المسرح الإفريقي المستباح.

2/ صراع على مصادر الطاقة:
إضافة إلى الاهتمام بالموارد الأخرى إلا أن السيطرة على مصادر النفط والغاز يمثل أهم معالم وملامح التكالب الجديد على إفريقيا، فالصين تبحث عن مصادر موثوقة ومضمونة فلا تجد ذلك إلا في إفريقيا ــ تقول الفايننشال تايمز يتوقع أن يأتي 90% من واردات النفط الأمريكية في ال 40 سنة القادمة من الدول النامية وهو تحول يبرر هذه الهجمة حسب رواية الصحيفة، كما شرعت الصين في التنقيب عن البترول في عدد من الدول الإفريقية في غرب إفريقيا والسودان وإثيوبيا والصومال(7).

3/ عسكرة التدافع تحت عناوين مختلفة:
 وبدافع حماية المصالح الاقتصادية والنفوذ وحماية حلفائها من الحكام الأفارقة الذين ينفذون السياسات المفروضة عليهم ، مقابل استمرارهم في الحكم ولو كان على حساب مصالح شعوب القارة الإفريقية ــ فقد كان التواجد  والتدخلات العسكرية ابرز ما يميز التسابق الحديث على إفريقيا ، وقد اُختُلقت لذلك مبررات ضاغطة تسوق التدخلات العسكرية ، وأحيانا بتأسيس ودعم الخلافات الداخلية ومن ثم تتدخل لفض النزاع وتعمل على توسيعه وتعميقه بما يمكنها من شرعنة التدخل المباشر وتقنينه ــ دعمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أوبا سانجو عام 1999م و 2003م على الرغم من التلاعب الذي حدث في الانتخابات والعنف الذي صاحبها من أجل كبح جماح الشباب المتطلع في الدلتا ، وضمان استمرار شركات النفط في استخراج النفط دون عوائق(8).
مولت الولايات المتحدة أمراء الحرب في الصومال من أجل مطاردة ما تعتبرهم أهداف لها وهي الجماعات الإسلامية المسلحة في الصومال ــ يقول أحد المسئولين في المخابرات الأمريكية رفض ذكر اسمه لحساسية الأمر: لقد كنا ضد الغزو الإثيوبي للصومال ضد المحاكم ــ يقول تضمّنَ الهجوم الأمريكي الذي أطاح بحكومة المحاكم الإسلامية تمويل أمراء الحرب الذين كانوا يحصلون على 150 ألف دولار شهريا(9). وقد أسفر هذا الهجوم عن قتل ما يزيد على 600 صومالي وشرد أكثر من 13 ألف شخص من موطنه، وستركز هذه الورقة على التواجد العسكري الفاضح من المعروف والمجهول من القوات، الرسمية وغير الرسمية، وأطراف الصراع وشركائهم المحليين من إفريقيا، ووسائل التدخل والاستراتيجيات المتبعة في ذلك.

الغزو العسكري الجديد لإفريقيا
التواجد العسكري الأمريكي: 
إستراتيجية التطويق
تعتمد الإستراتيجية الأمريكية تطويق المنطقة التي تعتبر العمق الأكبر للتمدد الإسلامي في إفريقيا جنوب الصحراء، عبر خلق نقطتين ساخنتين في أقصى شرق إفريقيا وغربها، شرقا حيث التقاء الشرق الأوسط وإفريقيا، وغربا حيث التقاء أروربا وإفريقيا، وما تمثله هاتين النقطتين من أهمية استراتيجية في البعد الجيو استراتيجي.

التواجد العسكري الأمريكي في إفريقيا:
ينتشر حوالي 200 ألف جندي أمريكي في 77 دولة حول العالم يتمركزون في 800 قاعدة عسكرية حول العالم تتفاوت في أحجامها ونوعها بتكلفة تتراوح بين 160 إلى 200مليار دولار في السنة وعلى النقيض من ذلك فإن بريطانيا وفرنسا وروسيا مجتمعة تملك 30 قاعدة(10).

أفريكوم:
هي اختصار للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا ويطلق عليها (أفريكوم) وهي واحدة من إحدى عشر قيادة مقاتلة تابعة لوزارة دفاع الولايات المتحدة الأمريكية تأسست بين عامي 2006م ــ 2007م ودخلت حيز العمل والبداية عام 2008م، ومهمة قاعدة افر يكوم هي قيادة العمليات العسكرية الأمريكية في إفريقيا وتدير علاقاتها مع 53 دولة في إفريقيا كل إفريقيا ما عدا مصر التي تتبع القيادة المركزية في الولايات المتحدة مباشرة وتبلغ ميزانيتها 276مليون دولار عام 2012م(11) وتتكون من:
ــ الجيش الأمريكي لإفريقيا
ــ القوات البحرية الأمريكية لإفريقيا
ــ القوات الجوية
ــ قوات مشات البحرية
ــ قيادة العمليات الخاصة
ــ قوات العمل المشترك ــ للقرن الإفريقي.
كانت الولايات المتحدة لا تعترف إلى وقت قريب إلا بقاعدة أفريكوم ولكن في السنوات الأخيرة كشفت تحقيقات أن التواجد العسكري الأمريكي يغطي كل القارة الإفريقية، ولوحظ أن عددا كبيرا من الساسة الأمريكان في الكونغرس لا يعرفون الكثير من هذه المغامرات، وتشارك القوات الأمريكية بل في الواقع هي التي تقوم بعمليات تفوق 3500 عملية عسكرية وتمرين سنويا في إفريقيا، بمتوسط 10 عمليات في اليوم بزيادة 1900% مما كانت عليه قبل 10 أعوام(12). تنتشر القوات الأمريكية في 51 دولة من أصل 54 دولة في إفريقيا ووفقا للصحفي الاستقصائي نيك تورس فإن القواعد العسكرية الأمريكية (بما في ذلك مواقع العمليات المتقدمة ومواقع الأمن التعاوني ومواقع الطوارئ هي حوالي 50 موقع على الأقل وأكد على ذلك السيد روبن ماك رئيس أفر يكوم بقوله: مسئوليتنا ديناميكية تتألف من تحديات إيجابية وسلبية ويقول إننا في 54 دولة إفريقية بها موارد طبيعية واسعة وجغرافيا تساوي ثلاث أضعاف الولايات المتحدة وهي معقدة ويضيف انه ليس لدينا قوات في ثلاث دول فقط في إفريقيا وهي غينيا وغينيا بيساو وإرتريا ، وبكلمات أخرى فإن الولايات المتحدة الأمريكية تحتل إفريقيا بجيوشها وتقوم بعمليات هائلة ضد من تعتقد أنهم يشكلون خطرا على مصالحها.
وقد نفى المسئولون الأمريكيون مرارا في السابق أن يكون من بين أهداف القيادة العسكرية لإفريقيا إقامةُ قواعد عسكرية في الدول الإفريقية، عدا تلك الموجودة في جيبوتي، لِصَرْفِ المخاوف والتوجسات لدى الأفارقة. ليتضح بعدها أن إفريقيا تحولت إلى ساحة حرب للقوات الأمريكية، نستطيع القول أن الولايات المتحدة موجودة في كل الدول الإفريقية.

التواجد العسكري الفرنسي:
1/ تشاد: تتواجد فرنسا في تشاد منذ وقت طويل وظلت هي المتحكم في البلاد، ولها جيش مقيم وتطورت مؤخرا إلى قوات تقاتل في تشاد وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر.
2/ كوت ديفوار(ساحل العاج) هناك قاعدة قيد التوسيع في أبيد جان 
3/ جيبوتي ،  لفرنسا وجود عسكري منذ استقلال جيبوتي عام 1977م
4/ الغابون: وهي قاعدة رئيسية وهي التي تدخلت فرنسا عبرها في أحداث إفريقيا الوسطى

التواجد الصيني في إفريقيا:
دخلت الصين سباق التنافس على إفريقيا بشكل ناعم ولذا تقول الإحصائيات إن التجارة بين الصين وإفريقيا بلغت 220 مليار دولار عام 2014م وبذا تفوقت على أمريكا وتطمح، لكن يبدوا أن الصين وهي تراقب الحضور العسكري للدول المتنافسة قررت أن تخوض المضمار وتسعى في بناء القواعد العسكرية(13)
ــ ندمت الصين على فقدانها لاستثماراتها في ليبيا لعدم وجود قوات عسكرية تحميها ولذا ذهب عدد من المحللين في أن الصين بدأت في التواجد العسكري الدائم حماية لمصالحها ومراقبة لمنافسيها وبما تصحيحا لأخطائها.

القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي:
ــ بنت الصين أول قاعدة عسكرية في الخارج في ميناء أوبوك في خليج تاجوراء وهي أكبر القواعد العسكرية المتواجدة في جيبوتي بها 15 ألف جندي 
ــ أضحت الصين أكبر البائعين للسلاح والتكنولوجيا لإفريقيا جنوب الصحراء ولديها علاقات عسكرية مع أكثر من 45 دولة إفريقية.

ألمانيا:
تتواجد ألمانيا في دولة النيجر وهي بوابتها في إفريقيا ومساهمتها في قوات الأمم المتحدة في إفريقيا.

الهند:
1/ مدغشقر: وهو أول مركز أنشأته الهند وهدفه التصنت لرصد تحركات السفن في المحيط الهندي ورصد الاتصالات البحرية.
2/ سيشل: وهي أول قاعدة بحرية هندية في المحيط الهندي الهدف الظاهر هو مكافحة القرصنة بينما يُعتقَدُ أن الهدف الحقيقي والخفي هو مراقبة الصين

اليابان:
لها قاعدة في جيبوتي قريبا من قاعدة ليمونيه الأمريكية ويعتقد الهدف منها مواجهة التأثير الصيني وجاءت بدفع من الويات المتحدة الأمريكية.

المملكة المتحدة:
كينيا: لديها وحدة عسكرية مهمتها تقديم مساعدات في مجال التدريب وهي دائمة وليست طارئه وتقع في منطقة نانيوكي 200 كلم شمال نيروبي(14)

الظهور الروسي العسكري في إفريقيا:
تشير عدد من الدراسات والتقارير أن روسيا في عهد بوتين بدأت التسابق مثل غيرها من الدول الكبرى بعد العقوبات التي فُرضت عليها بعد احتلالها لشبه جزيرة القرم، ومنذ 2014م نشطت روسيا إلى درجة أزعجت إدارة ترامب من مزاحمة روسيا على إفريقيا وبقوة، حيث يقول بيتر يبومنت في صحيفة الجارديان البريطانية ، كان أحدث اتفاقيات الروس مع دولة ارتريا لبناء قاعدة لوجستية تسهل لها الوصول إلى البحر الأحمر.
تتكئ روسيا على رصيد جيد من تاريخ داعم للثورات التحررية في إفريقيا وبعد زيارات عدد من المسئولين الروس لعدد غير قليل من الدول الإفريقية دعت روسيا لقمة روسية إفريقية دعت لها 50 دولة إفريقية ، في سوتشي وتركز روسيا على الدول التي ليست لها علاقات جيدة مع الغرب مثل زمبابوي وجمهورية إفريقيا الوسطى وارتريا على سبيل المثال ، وتقدمت لحجز مساحة لها في جيبوتي لبناء قاعدة لها ولكن يبدوا أن الفيتو الأمريكي كان بالمرصاد ، رُفض طلبها ، كما أن روسيا لاتقدم المواد الاستهلاكية بل تبيع السلاح أو تخفف من بعض الديون مقابل صفقات السلاح او حقوق الاستكشاف والتنقيب ، ومن المشاريع الروسية الكبيرة المقترحة هو مشروع ربط ميناء دوالا في الكاميرون بميناء بور تسودان في السودان بطول 3700 كلم ولكنه لم يرى النور حتى الآن(15).
 



صفقات روسيا العسكرية وبيع السلاح:
وقعت روسيا منذ 2014م حوالي 19 صفقة تعاون عسكري مع حكومات في إفريقيا جنوب الصحراء (اتفاقات لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد) وتسعى إلى تحقيق عدد من المصالح وعلى رأسها بيع السلاح وكسب حلفاء من حكام إفريقيا والعمل على تهيئة جيل من القادة والعملاء إضافة إلى سحب التأييد الإفريقي من الغرب بوجه عام(16).

كيف تتعامل إفريقيا مع الهجمة الجديدة:
كل الدول التي تتسابق على إفريقيا تحمل أجندة في ظاهرها مليئة بالجوانب الجاذبة والإنسانية جدا ولو توقفنا عند عناوينها سنجدها على النحو التالي:
"المساعدة في تعزيز الاستقرار والأمن في القارة الإفريقية، من خلال الحكم الرشيد، وحكم القانون، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، ومحاربة الإرهاب المزعوم: (تقول ماري كارلي نائب قائد الأفريكوم: إن بلادها عازمة على إنشاء مكاتب خاصة داخل سفاراتها بأكثر من 50 دولة إفريقية، يكون هدفها:
تقويةَ الوجود الأمريكي، ورعاية مصالحها، وتدعيم جهودها في محاربة الإرهاب، ودعم الديمقراطية بالقارة السمراء. إلى الحفاظ على استقرار الدول الإفريقية والمساعدة على حل مشاكله"، مواجهة الإرهاب باتت مسئوليةً ضرورية).
بعبارات أخرى قيادة البلدان الإفريقية وحكوماتها مباشرة عبر التواجد الامني والعمل الاستخباري والعسكري المباشر.

على المستوى الدبلوماسي:
وتأكيدا على التسابق العالمي على إفريقيا فقد تم افتتاح 320 سفارة جديدة في إفريقيا في الفترة القصيرة 2010م و2016م (17)

الاستجابة بين الحكام والشعوب:
أغلب الشعوب الإفريقية مغيبة عن معرفة ما يدور خلف كواليس الساسة والحكام ولكنها قطعا لن توافق على استعمارها مرة أخرى بالرغم من معاناتها وأوضاعها المعيشية الصعبة في المقابل نجد أغلب الحكام الأفارقة يوافقون على هذه الانتهاكات والإحتلالات الجديدة ما دام يضمن لهم البقاء في السلطة ويوفر لهم نصيبا وافرا من موارد القارة الغنية بكل شيء إلا القادة الوطنيون 

ماذا تحقق حتى الآن؟:
ما تؤكده التقارير والدراسات المعنية بالتكالب الجديد على إفريقيا هو أن التنافس على أشده بين دول كثيرة على المستوى الإقليمي والدوالي تتنافس على إفريقيا وموادها ومستقبلها، ولكن على مستوى إفريقيا فإن الأوضاع تنحدر بشكل مريع ومما لا شك فيه فإن النمو النسبي الذي شهدته القارة الإفريقية ستبتلعه الجيوش الجرارة التي تجوب أنحاء القارة قطرا قطرا وبتقييم سريع للأهداف التي جاءت من أجلها سنجد أنه:
زاد عدد الحركات المتطرفة التي تواجه هذه الجيوش من 5 حركات عام 2010م إلى 25 جماعة إسلامية وحركة مسلحة تعمل في إفريقيا حتى 2020 
قامت هذه الجماعات بعدد 3471 عملية في عام 2019م فقط وهو مؤشر على ان التدخلات لم تقلل من الجماعات ولا عملياتها بل تزيدها وهي بلا شك من الأهداف الخفية للغزاة الجدد في إفريقيا(18).
كلما زاد بناء القواعد في الدول الإفريقية زاد التطرف والعنف 
إحداث مزيد من الاختراق في الجيوش الإفريقية وتثبيت الدول المتنافسة نفوذها على الجيوش الإفريقية بالذات تلك الجيوش التي تتنازل عن قيادة عملياتها العسكرية لأفر يكوم. 
كلما زادت معاناة الشعوب الإفريقية سواء بالتدخلات الخارجية كما يحدث الآن في مساحات شاسعة من إفريقيا شرقا وغربا أو بعجز الحكام عن القيام بواجباتهم تجاه شعوبهم كلما كانت بيئة صالحة لنشوء الجماعات التي ليست بالضرورة متطرفة ولكن جماعات تدافع عن كرامة بلاد تنتهكها الجيوش العالمية.
يعتقد كثير من الأفارقة أن إقامة القواعد العسكرية هو عمال جذب للحركات المتشددة
تفيد التقارير الصادرة من عدد من المؤسسات أن إفريقيا تفقد سنويا ما مقدراه 192 مليار دولار عبارة عن التهرب الضريبي والأرباح العائدة للشركات الأجنبية وهو رقم كبير قياسا على الأوضاع البائسة التي تعيشها الشعوب الإفريقية بمعدل 3 مليار لكل دولة إفريقية سنويا لدرجة تندّر بعض الأفارقة ليقولوا إذا كان الأمر كذلك إذاً من يساعد من؟ (19).

خاتمة:
يقول الصحفي ليندمان إن الأمر فيما يخص التداعي على إفريقيا أكبر من مجرد النفط ، إنها حروب الموارد والمعادن ويقول إن القيادة الأمريكية الإفريقية مهمتها نهب الثروات الإفريقية، والسؤال الموضوعي هنا هو هل تدرك القارة الإفريقية  ممثلة في قادتها مخاطر التدافع هذه المرة؟ وهل تعي القيادة الإفريقية الأهداف الخفية للدول التي تتنافس على القارة السمراء ؟ وما هي استحقاقات التفريط في السيادة والموارد التي لم تستفد منها الأجيال السابقة والحالية؟
يقول جون قازمينتان مؤلف كتاب (غير مستغل): أناس يعيشون في فوضى العصر الحجري في أكواخ طينية وفي مستنقعات بلا طرق ولا كهرباء ولا مياه جارية بالمقابل هناك الآلاف من الأميال من خطوط الأنابيب ومرافق عصرية للغاية، وملايين الدولارات وأحث التقنيات والمواطن لم يستفد منها شيئا يتحول كل ذلك نوع من التمرد المتشدد واعتقد أن هذا يجب ألا يفاجئ أحدا.
إذا كانت أمريكا تريد بناء الأمن في إفريقيا، وفرنسا تريد بناء الديمقراطية، والصين تريد بناء وتأسيس البنى التحتية لإفريقيا، وروسيا تريد بيع السلاح لإفريقيا ماذا تريد إفريقيا من إفريقيا ، ما هو هدف إفريقيا، ما هو جدول أعمال إفريقيا في سياق التدافعات وسباق التنافس الدولي والإقليمي عليها؟

 

المراجع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) www.ar.wikipedia.com   الكساد الكبير ، تمت زيارة الموقع في 25 يونيو 2020م. (2) The scrambling and partition of Africa , Noel Nova , www.academia.edu (3) What was the scramble for Africa? , Maureen Shisia , 27.02.2018 , www.worldatlas.com (4) The new scramble for Africa, Lee Wengraf, International Social Review, www.isreview.org (5) Legacies of colonialism in Africa, Lee Wengraf, www.isreview.org   (6) Sting , the new scramble for Africa , 14.08.2014 , www.africaontheblog.org (7) The new scramble for Africa , Lee Wengraf , winter 2015 , www.isreveiw.org (8) Lee Wengraf ,   نفس المرجع السابق (9) David Morgan , US funding Somali warlords – intelligence expert says , 05 June 2006 www.releifweb.int (10) David Vine , US military bases around the world , July 2015 , www.politico.com (11) United states Africa command , www.en.wikipedia,org   تمت زيارة الموقع في 28 يونيو 2020. (12) Strategic culture foundation ,   نفس المرجع السابق (13) العلاقات الاقتصادية بين إفريقيا والصين ، www.ar.wikipedia.org   تمت زيارة الموقع في 28 يونيو 2020م (14) A rough guide to foreign military bases in Africa , Obi Aynadik , 15.12.2017 , www.thehumanitarian.org (15) Luke Harding , Russian effort to exerts influence in Africa , 11.06.2019 , www.theguuardian.com   (16) World news , Aaron Ross , 17.10.2018 , www.rueters.com (17) The new scramble for Africa , leaders , 07.03.2019 , www.economist.com (18) Africa US military bases-Africom ,Nick Turse , 27.02.2020 , www.theintercept.com (19) Africa loses Annually in profit repatriation , Kevin Mwanza , 24.07.2014 , www.moguldom.com