تقرير تحليلي

الأجندة الصومالية في أجندة الرئيس: وحدة في الداخل ومصالحة مع الخارج

محمد صالح عمر
       مدير آفروبولسي


شكلت الحالة الصومالية إحدى أبرز القضايا تعقيدا على مستوى القارة الإفريقية منذ وقت مبكر، لحساسية وأهمية موقعها الرابط بين القارة الإفريقية ومنطقة جنوب غرب آسيا وقربه من الخليج العربي  والمضايق  والخلجان الاستراتيجية جنوب البحر الأحمر، بساحل يصل إلى ثلاث آلاف كلم طولي، ما جعل القوى الاستعمارية تتدافع نحوه وتقسمه الى مستعمرات حيث أصبح الصومال مقسما بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، قبل ان تضم إثيوبيا وكينيا إقليمين ليحمل الصوماليون ليس هويات مختلفة ولكن أيضا نزوعا شديدا وميلا قويا إلى الاستقلالية والزعامة ما أثر على تشكيل الواقع المعقد بسبب التجاذبات المتعددة الاتجاهات والأهداف والنوايا.

الانتقال الأول: بداية التاريخ
في 2011 عُقد الاجتماع التشاوري الأول تحت رعاية الأمم المتحدة حول إنهاء المرحلة الانتقالية بحضور أصحاب المصلحة السياسيين في الصومال لرسم خارطة طريق لإنهاء السلطة الانتقالية أطلق عليه الاجتماع التشاوري الأول، ووضع نهاية المرحلة الانتقالية التي اتفق على أهم ثلاث معايير لنجاحها وتجاوزها وهي: 

 الاتفاق على دستور جديد
 اختيار برلمان جديد
 انتخاب رئيس جديد
وكان أهم القضايا التي تم الاتفاق عليها هي تبنى هيكل فيديرالي لتجاوز مسالة نزوع الأقاليم نحو الاستقلال الكامل كما حدث في أرض الصومال.
في سبتمبر 2012 تم تشكيل حكومة كاملة في الصومال ولأول مرة منذ أربعة عقود من الفراغ الدستوري وشهد الصومال لأول مرة أداء اليمين الدستورية وتولى الرئيس الحالي حسن شيخ محمود رئاسة الصومال، ليخطوا الصومال الخطوة الأولى في العودة إلى بناء الدولة من جديد.
في فترته الأولى حقق حسن شيخ عددا من الانجازات المهمة ويأتي في مقدمتها اعتراف المجتمع الدولي بالصومال كدولة بعد أن كان غارقا في الفوضى لما يزيد على ثلث قرن من الزمان، كما عمل على تصفير المشكلات مع جوار الصومال وبذل جهدا معتبرا في المصالحات الداخلية عبر معالجة القوانين التي تحفظت عليها بعض القبائل وفك الحظر على استيراد الأسلحة إضافة إلى تجديد الدماء في السلطة التنفيذية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإحياء التعليم الرسمي إلى غيره من الانجازات التي تحسب له.


توجهات الرئيس فرماجو في الحكم وآثارها
تحالف الرئيس السابق محمد عبدالله فرماجو مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي احمد والرئيس الإرتري إسياس أفورقي الذين يتبنيان مركزية الحكم وحاول التراجع عن الحكم الفيدرالي مما أدخله في خلافات عميقة مع حكام الأقاليم كادت أن تعصف بكل ما تحقق من تقدم في إعادة بناء الدولة والمصالحات الداخلية التي أساسها التوافق والتراضي، كان هذا مدخلا أساسيا لعدد من المشكلات التي تفاقمت لا حقا لتشكل تحديات يصعب معالجتها في دولة كالصومال:
 خلافات المركز والأقاليم ويعتبر القنبلة الموقوتة التي يمكن ان تبعثر الجغرافيا الصومالية.
 تمدد حركة الشباب في الصومال وغيرها من المنظمات المتشددة 
 التجاذبات الاقليمية التي تعقد مشروع بناء الدولة وتخلق حالة اصطفافات سلبية داخليا.
 حالة عدم الاستقرار في دولاب الحكومة ( الخلاف بين الرئيس ورئيس الوزراء).
 انعدام ثقة المجتمع الدولي بالحكومة لعدم استكمال بناء الأحزاب السياسية تمهيدا للانتقال إلى نظام صوت واحد لشخص واحد.
 محاولة تمديد فترة حكمه تحت ذرائع مختلفة ما أثار عددا من المشكلات التي تجاوزها الصوماليون منذ الفترة الانتقالية.
إلى غيرها من المشكلات التي كان يمكن تجنبها بقليل من الحكمة ولكن يمكن وصف هذه المرحلة بمرحلة التجاذبات الاقليمية البالغة وهو ما سيضع الرئيس حسن شيخ امام تحديات ليست سهلة.


الصومال بعد عقد من الفترة الانتقالية
لم يتحقق للصوماليين ما كانوا يحلمون به وهو الانتقال إلى تأسيس أحزاب عابرة للقبائل والعشائر وبناء اقتصاد قوي يوظف قدرات الصومال الكبيرة وعلاقات إقليمية ودولية طبيعية ودولة تحتكم إلى دستور يتفق عليه الصوماليين وعودة الأعداد الكبيرة من الصوماليين المهاجرين إلى بلادهم والإسهام في البناء والإعمار
 ما تزال الهشاشة هي العنوان الأكبر لوصف الحالة الصومالية الراهنة إذ ما تزال عناصر الثقة في أدنى مستوياتها بين المكونات المختلفة.
• حالة الانتقال هي السمة الأبرز على الرغم من التخطيط في ولاية الرئيس الحالي السابقة للانتقال إلى الأحزاب السياسية واعتماد نظام انتخابي جديد يتجاوز معادلة 4.5. 
• هشاشة الأوضاع الأمنية في البلاد فبعد انحسار الحركات المتشددة توسع نفوذها في فترة فرماجو وصارت تحديا حقيقيا.
 تعدد المليشيات العاملة في البلاد وتسييسها ما يعد تعميقا لحالة الانقسام ومعيقا لحل المشكلات المتوارثة.
 النفوذ الإقليمي المتعدد الأقطاب والمشاريع والذي يعمل على خلق الولاءات المحلية وفقا لما تقتضيه مصاله وليس ما تقتضيه مصلحة الصومال والصوماليين.
 ضعف مؤسسات الدولة وتمدد حالة الاستقطابات والصراعات الداخلية إليها وتوظيفها لصالح طرف على حساب طرف. 

ما ذا تحمل أجندة الرئيس في شعار المصالحة في الداخل والخارج
بقي الرئيس حسن شيخ محمود في الصومال يراقب الوضع عن كثب ويقيم الأوضاع ما يتيح له تحديد أولوياته واستراتيجيات التوجهات الأساسية وتكتيكات معالجة الأسبقيات الداخلية والخارجية، وعند استقراء شعار فترته الحالية يمكن قراءته على النحو التالي:
 إعادة بناء الثقة  وتعزيز نهج المصالحة الوطنية وتدارك أخطاء الفترة السابقة واستئناف مشروع بناء الصومال الذي مزقته الحروب العبثية لعقود طويلة، وهو النهج الذي ميزه من خلال علاقاته الإيجابية مع الجميع ما يتيح له فرص القبول وبالتالي المساهمة في البناء بدلا من استمرار حالة التراشق والتخندق والرفض لأي رأي يطرح من أطراف الخلاف.
 إنهاء حالة الاستقطاب الإقليمي على مستوى الفاعلين الذين يؤثرون على الوضع في الصومال وإصلاح ما أفسدته فترة حكم الرئيس فرماجو في منطقة القرن الإفريقي. 
 خلق حالة من التوازن في العلاقات الخارجية للصومال من خلال الحياد في التعامل مع الأطراف المتناقضة من زاوية النظر والتركيز على المصالح الصومالية وهو أمر بحاجة إلى درجة عالية من الذكاء والدهاء والمناورة.
 إعادة العلاقات مع المجتمع الدولي والمانحين، وهم رعاة الانتقال وداعميه ما يمنح الصومال فرصة لتعزيز الانتقال وصولا إلى الاستقرار ومن ثم عودته الكاملة عضوا فاعلا في المجتمع الدولي كما كان.
هي أجندة لا شك أنها ستسهم في وضع الصومال على الطريق الصحيح وتعيد له هيبته ومكانته وبالتالي تعيد ثقة الصوماليين في أمل ان يكون لهم وطن وشخصية واحترام، كما انها أجندة يتداخل فيها الاستقطاب بشكل كبير على المستويات المختلفة، مع بيئة مهيأة وقابلة، وهو ما يستدعي جملة من التدابير كبيرة ومستوى متقدم من الوعي والتكتيك والمصانعة، وقدرة على احتمال التعامل مع الأوضاع المتقلبة، ونعتقد أن قرب الرئيس من مفاصل الحكومة سابقا والتجربة ذاتها كفيلة بخلق سياسات متوازنة تعين على انجاز مشروع تأسيس وإعادة الاعتبار للدولة الصومالية على المديين المتوسط والبعيد.


أجندة الرئيس والأولويات الصومالية الملحة
يتضح للمراقب لسياق التطورات الصومالية بين الصعود والهبوط والتقدم والتراجع والدفع والتردي جملة من المعطيات التي تعكس الواقع في بلد عانى فشلا في الدولة وغيابا تاما لأجهزتها وبالتالي فراغ عريض في كل شيء ليصبح البديل البديهي الفوضى والفاعلين الغير رسميين وتوالد المنظمات والنظم البديلة لتشكل الثابت الوحيد وليخضع الجميع لقوانينها رغم أنوفهم.
 القبيلة في الصومال فوق كل شيء، فوق الدولة والأحزاب السياسية أو أي أيديولوجيا وهو الاعتبار الذي يحكم سياق التطورات في الصومال في نصف القرن الأخير.
 ترتفع نسبة الأمية في الصومال بسبب تطاول حالة عدم الاستقرار وطبيعة غالبية المجتمع الريفي البدوي الذي يمثل 80%  والذي لا يميل إلى التعليم الرسمي، ولم تتح لهم الفرص بسبب عدم الاستقرار.
 غياب هيبة الدولة وأجهزتها لفترة تقترب من 40 سنة وما تزال تلقي بظلال كثيفة على الوضع في البلاد، لانعدام الضوابط والقانون.
 الهجرة والاغتراب: حيث تقدر بعض المصادر بأن عدد الصوماليين في الشتات يتجاوز مليوني (2مليون) شخص بينما ترى بعض التقارير أن الأرقام تتجاوز ذلك بكثير.
 التدخلات الخارجية في الشأن الصومالي تتزاحم على أرضه وبعضها يصفي حساباته على أرضها وبعضها يتنافس على المستوى الدولي ما يزيد تعقيد الأمر أكثر.
 هشاشة الوضع الاقتصادي وهروب رؤوس الأموال والاستثمارات إلى خارج الصومال وانتشار الفقر والبطالة، وسيطرة القطاع الخاص واعتماد البلاد على المانحين,

كيف يجب أن يرتب الرئيس أجندته
ربما يكون الرئيس حسن شيخ حالة في تاريخ الصومال ذلك لأن الصوماليين لم ينتحبوا رئيسا مرتين وهو ما يضيف عبئا آخر في مصفوفة التوقعات، ونعتقد أنه والفريق الذي حوله يدركون هذا جيدا، وكما أنه يعزز ثقة الصوماليين في قيادته وحنكته في الخروج الآمن بهم من نفق التوهان المزمن الذي دخله الصومال منذ 1991، يُتوقع أن يضيف رصيدا جديدا إلى ما بداه في دورته الأولى ويستفيد منها بمعالجة أخطاءه السابقة وسلة الأخطاء التي ورثها من عهد الرئيس السابق محمد عبدالله فرماجو.

الأولوية الأولى: المصالحة المجتمعية وبناء الثقة
إن الحلول السياسية التي تلجأ إليها النخب دون دراسة الواقع دراسة متعمقة لا تصيب نجاحات دائما، فالأزمات التي تعانيها إفريقيا في أصلها ازمات مجتمعات مزقها الاستعمار وقسمتها صراعات الموارد وطموحات النخب وامراض التخلف والفقر، والصومال يعتبر مثالا حيا لكل المشكلات المتصلة بالصراعات الإثنية وما يتفرع عنها وما يضاف إليها، ونعتقد أن هذه الأولوية تعتبر مفتاحا لغالب المشكلات التي يعانيها الصومال وهي كذلك من المدركات البديهية لكن يقفز عليها البعض من أجل المكاسب الآنية المحلية أو التي لها صلة ببعض الفاعلين الخارجيين، ومنح هذه الأولوية ما تستحق من جهد ووقت ومال يسهل ما يزيد على 70% من المشكلات الأخرى

الأولوية الثانية: استكمال الدستور 
إن إعادة ولاية الدولة على مواطنيها وفق ما يقتضيه الدستور أمر ضروري وحتمي وإذا تمكن الصوماليون من عقد المصالحات وتصفير سجل الحروب الأهلية فإن الخطوة التالية هو الاستمرار في ترسيخ ما تم الاتفاق عليه سابقا من هياكل الحكم الكفيلة بمشاركة الجميع، وهو ما سيعين على بناء الأجهزة التي تضع القوانين موضع التنفيذ، وتعيد للدولة هيبتها واعتبارها بوصفها من يمثل الأمة الصومالية في المحافل المختلفة، وحينها فقط سيختفي الحديث عن المليشيات الخاصة والمنظمات المتطرفة ونزعات الانفصال لدي بعض اليائسين من عودة الدولة، وجيوش التدخلات الخارجية التي تأتي تحت مسميات مختلفة مثل يونيتام يونوصوم وأميصوم وقاصوم واخيرا أتميس.

الأولوية الثالثة: الشتات الصومالي
يشكل الشتات الصومالي نسبة مهمة من حيث الكم والكيف أما من حيث الكم فهو يزيد على المليونين على اقل التقديرات، ومن حيث الكيف والقدرات فيعتبر متقدما سواء على مستوى المهاجرين بحثا عن الأمان الاجتماعي أو الذين خرجوا بحثا عن ملاذات آمنة لأموالهم وكلا الصنفين ناشط في تطوير الذات، وليس أدلّ على ذلك من وصول الصوماليين إلى مواقع متقدمة في الدول الكبرى كالولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وغيرها، أو الناشطين في المجالات الاقتصادية في إفريقيا ولديهم إسهامات كبيرة في عدد من البلدان، نعتقد أنه من الأهمية بمكان وضعهم في صدارة الأولويات ومما لا شك فيه أن مساهمتهم في إعادة الصومال إلى وضعه الطبيعي سيكون كبيرا وسيقلل من فجوة اللجوء إلى المانحين الذين يؤثرون على القرارات واستقلاليتها والتوجهات واصالتها، إضافة إلى نقل الخبرات والمهارات والمعارف المتقدمة التي يمكن ان تحقق قفزات تختصر للصوماليين طول معاناتهم الممتدة,
قد تبرز هنا أو هناك أجندات تفصيلية مستعجلة تتقدم بعض الشيء على ما ذهبنا إليه مثل معالجة آثار الجفاف الحالية ولكن نعتقد أن الأجندة الثلاث تحمل حلولا لكل التفاصيل التي تشكل مصفوفة التحديات التي تواجه الصومال منذ اختفاء الدولة الرسمية من على خارطة الدول بوظائفها المعروفة.

خاتمة
إن توفر الإرادة الصومالية الخالصة شرط لازم للوصول إلى حلول للمشكلات المتراكمة وهو ما تسعفه الخبرة بالمعاناة المتطاولة، ولعل ما يبعث على التفاؤل هو قناعة الصوماليين بأن الحوار والتفاهمات هما سبيل تحقيق ذلك، بالرغم من المحيط الساخن من حوله، والمطلوب ان يبادر الجميع بالمساهمة الفاعلة، وإن القيادة الواعية هي من توظف قدرات الجميع وتضع كل شيء في مكانه وأوانه، فهل سيتحقق للرئيس حسن شيخ محمود ما يتطلع إليه من خلال شعاره  سلام في الداخل والخارج.