تقرير المعلومات

الانتخابات التشريعية في السنغال 2022 النتائج والمؤشرات

محمد صالح عمر | المدير العام للمركز الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات


تعتبر السنغال استثناء في غرب إفريقيا وربما على مستوى القارة من حيث الاستقرار السياسي وديمومة العملية الديمقراطية وسلاستها، والمحافظة على التعددية الديمقراطية دون حدوث انقلابات عسكرية على الأقل منذ 1976 وهو ما لم تشهده القارة الإفريقية في غالب أقاليمها.

ماراثون انتخابات 2022
في يوم الأحد 31 يوليو خرج الناخبون السنغاليون لانتخابات تشريعية تتميز بأهمية قصوى بالنسبة للمعارضة التي بذلت جهودا كبيرة للتقليل من نفوذ الحزب الحاكم قبل الانتخابات الرئاسية في 2024، وسط مخاوف من سعي الرئيس ماكي سال لولاية ثالثة.
يحق لنحو 7 ملايين ناخب انتخاب 165 نائبا في الجمعية الوطنية وسط أجواء متوترة سياسيا في السنغال، بسبب محاولات الحكومة لإسكات المعارضين كما حدث مع عدد من المعارضين الرئيسيين مما جعل حالة الاستياء والإحباط تسود أوسط المعارضة.

احتجاجات ما قبل التصويت
اندلعت احتجاجات عنيفة قبل التصويت عندما ألغى المجلس الدستوري حق الترشح لعدد من ابرز منافسي الرئيس من قائمة تحرير الشعب بسبب ما دعته الحكومة أسباب فنية قتل على إثرها عدد من الأشخاص، وكان أبرز الذين منعوا من الترشح المرشح الرئاسي السابق عثمان سونكو رئيس حزب باستيف وعمدة العاصمة داكار السابق خليفة سال والرئيس السابق عبدالله واد، وبارتميلي دياس من ائتلاف يووي أسكان وي ، ما أثار حالة من الاستياء وسط مؤيدي الأحزاب المعارضة، كما أدخلت الحكومة بعض المعارضين السجون بغرض إبعادهم من التصويت والخوف من خلق حالة من الزخم السياسي لصالح المعارضة.

عدوى تراجع الديمقراطية تصيب السنغال
كانت احد أسباب التوترات والشحن الزائد لأجواء الانتخابات هو إحساس السنغاليين بشكل عام والنخب المعارضة على وجه الخصوص بان الرئيس ما كي سال بدا في خط كسر حد الدورتين كما ينص الدستور وقد أكمل دورتين كاملتين،  فاز في الانتخابات الأولى 2012 والثانية 2019 وينوي الترشح لولاية ثالثة، فضلا عن حالة الإقصاء المتعمدة باستخدام أدوات الدولة والقانون، ما خلق رأيا عاما ضده وحزبه الحاكم.

سياق العملية الانتخابية ورهان المعارضة
تشرف على الانتخابات اللجنة الوطنية للانتخابات بنشر 22 ألف مراقب على مستوى البلاد كما تقوم محكمة الاستئناف بتعيين ممثلين لها في جميع أنحاء البلاد، إضافة إلى المراقبين من الاتحاد الإفريقي والمؤسسات المدنية والرسمية الدولية. تتم العملية الانتخابية وفق نظام معقد يجمع بين التمثيل النسبي والقوائم الوطنية حيث يتم انتخاب 53 نائب عن طريق التمثيل النسبي و 97 نائبا تنتخبهم المقاطعات و 15 نائبا ينتخبهم سنغاليو الخارج.
دخلت المعارضة بهدف التقليل من نفوذ الحزب الحاكم قبل حلول الانتخابات الرئاسية في 2024 وقطع الطريق على أي محاولة للرئيس من الترشح لولاية ثالثة. كما دخل الحزب الحاكم بهدف المحافظة على الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية، وبالتالي إمكانية تمرير قوانين معينة للاستعداد لكل الاحتمالات.

اللوائح المتنافسة على مقاعد البرلمان
طالما عرفت السنغال بكثرة أحزابها لوجود حالة الاستقرار السياسي وحرية التعبير والالتزام بالقوانين، فقد تنافست في انتخابات 2022 ثماني لوائح انتخابية أبرزها تحالف بينو بوك ياكار (المتحدون من أجل الأمل) وهو التحالف الذي يرأسه ما كي سال وتحالفات سياسية أخرى وأحزاب منفردة، تعتبر داكار وتييس وجوربل حلبات صراع حقيقية، لما تتمتعان به من وزن انتخابي وعدد النواب، حيث ينتخب عن ولاية داكار لوحدها 18 نائبا، وتأتي تييس ثانية بعشرة نواب وجوربل بتسعة ، وكانت ابرز التحالفات المتنافسة على النحو التالي:

- تحالف المتحدون من أجل الأمل وهو التحالف الذي يقوده الرئيس ما كي سال والذي يملك في البرلمان الأغلبية المطلقة (125 مقعد من أصل 165)
- تحالف والو السنغال (ومعناها في اللغة الو لوفية أنقذوا السنغال) وتحرير الشعب حيث شكلا تحالفا معارضا ويقوده الرئيس السابق عبد الله واد
- تحالف تحرير الشعب وهو التحالف الذي يتزعم المعارضة ويقوده المعارض الشاب والمرشح الرئاسي السابق عثمان سونكو والذي مٌنع من خوض الانتخابات لأسباب ادعت الحكومة بأنها فنية.
جرت الانتخابات في أجواء هادئة دون أي حوادث كبيرة على الرغم من أنها وُصفت بضعف المشاركة التي قدرت بـ 47%

نتائج الانتخابات والسباق الإعلامي
تسابقت الائتلافات المتنافسة في الإعلان عن فوزها في الانتخابات قبل أن تعلن اللجنة الوطنية المشرفة على العملية النتائج النهائية ، حيث اعلن خليفة سال احد قادة المعارضة قائلا: ما لا يمكن إنكاره هو أننا فزنا في هذه الانتخابات وأضاف انتصرنا ولا نقبل أن يُسرق انتصارنا. وقال زعيم المعارضة عثمان سونكو في مؤتمر صحفي: ما كي سال يريد مصادرة فوزنا لكننا لن نقلبه، أطلب من الشعب السنغالي أن يدافع عن أصواته بكل الوسائل، كما زعم الائتلاف الحاكم الذي يتزعمه الرئيس سال بفوزه في الانتخابات مع الاعتراف بتحقيق المعارضة بعض المكاسب في الانتخابات التشريعية.

التحالف الحاكم يخسر الأغلبية المطلقة
أعلنت مفوضية الانتخابات في السنغال الخميس 4 أغسطس 2022 ، أن الائتلاف الرئاسي الحاكم في البلاد خسر أغلبيته البرلمانية في الانتخابات التشريعية التي أجريت يوم 31 يوليو/ تموز بحصوله على 82 مقعدا من 165 مقعدا بعد أمن كان يتمتع بالغبية المطلقة بـ 125 مقعد . وتمثل هذه الانتخابات ضربة موجعة للرئيس ماكي سال الذي تتهمه المعارضة برفض الالتزام بعدم تجاوز القيود على الفترات الرئاسية ويبدي نيته في الترشح لرئاسيات 2024 كما أنها هي المرة الأولى التي يفقد فيها الحزب الحاكم الأغلبية المطلقة منذ استقلال البلاد في 1960:

            - قائمة المتحدون في الأمل      82 مقعد الائتلاف الحاكم

            - قائمة والو السنغال              56 مقعد وهو ائتلاف معارض

            - قائمة تحرير الشعب             24 مقعد وهو ائتلاف معارض

            - ثلاث ائتلافات فازت بـ          03 مقاعد

ماذا تعني هذه النتائج؟؟
بدأت مؤشرات تراجع الائتلاف الحاكم منذ الانتخابات المحلية التي جرت في يناير من هذا العام والتي كانت ذات دلالات واضحة حيث فازت المعارضة في المدن الكبيرة منها العاصمة داكار وزيغنكور وتييس وهو ما يدل على الشعور بعدم الرضي عن الرئيس ما كي سال وتوجهاته في الفترة الأخيرة وبالتالي نستطيع تفسير ما جرى على النحو التالي:
1. نجحت المعارضة السنغالية في كسب معركة الاستفتاء على احتمال ترشح سال لولاية ثالثة ووضعت حدا لذلك
2. تظهر نتائج الانتخابات بأنها تقدم فرصة لإعادة ضبط إيقاع العملية السياسية وتداول السلطة السلمي في السنغال
3. سيكون الائتلاف الحاكم مجبرا للتعايش مع المعارضة ولن يتمكن من تمرير التشريعات كما كان يفعل على عهد الأغلبية المطلقة
4. ستكون الائتلافات التي فازت بثلاث مقاعد بمثابة صانعي الملوك ذلك للترجيح الذي ستحدثة إذا ما مالت لأحد المعسكرين
5. حققت المعارضة فوزا كبيرا في بعض المدن الرئيسية كما حدث في الانتخابات المحلية في بداية العام الحالي وفي أربع دوائر من دوائر العاصمة الخمس وهو مؤشر مهم لصعود المعارضة وتراجع التحالف الحاكم، وهو ما سيكون له دور في الانتخابات الرئاسية القادمة في 2024 وفي العملية السياسية في السنغال برمتها.

خاتمة
على الرغم من مطالبة المعارضة بتعليق نتائج الانتخابات حتى الانتهاء من النظر في شكاواها بعد تسجيل حالات مخالفات وعمليات تزوير، إلا أن الخارطة واضحة ولن تغير الشكاوى كثيرا، والأمر الأكثر وضوحا هو أن البوصلة السياسية بدأت تتغير في السنغال ببروز توازن في البرلمان وهي المؤسسة التي تشرع القوانين التي تسير البلاد وربما في اتجاه التجديد الذي من شانه أن يطور من منسوب الديمقراطية فيها ويرسخ التداول السلمي للسلطة وبالتالي تجاوز الظروف التي تعيشها الدول بجوارها من العنف والاحتراب الأهلي والانقلابات التي تُعرف بدايتها ولكن لا أحد يعرف لها نهاية.