تقرير المعلومات

الانتخابات الكينية 2022: تحولات الخريطة السياسية على وقع التحديات الداخلية والعوامل الخارجية

محمد صالح عمر | المدير العام للمركز الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات
 


تأتي انتخابات 2022 في كينيا في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وبعد محاولات لم تصب نجاحا في تعديل الدستور وما عرف بمبادرة بناء الجسور، وما اعتبره الرئيس السابق كينياتا مشروعا لبناء وحدة وطنية قوية تتجاوز الأعراق والجغرافيا، وهو ما يعتبره خصومه بأنه رغبة في ترسيخ حكم الأسر التي احتكرت السلطة منذ الاستقلال.
ذهب الناخبون البالغ عددهم 22,120,458 ناخبا في كينيا لانتخاب 250 عضوا برلمانيا، و47 محافظ، 47و عضو في مجلس الشيوخ، و47 نائبة، و1450 عضوا في مجالس المقاطعات عبر 46,229 مركز اقتراع.

عناوين الانتخابات في كينيا 2022
يتفق المحللون على أن قضايا كثيرة كانت تشغل الساحة السياسية الكينية الراهنة ولكن تصدرتها ثلاثة أسئلة مهمة كانت مسيطرة على موسم الانتخابات وهي:
1- من سيكون خليفة الرئيس أوهورو كينياتا في القصر الرئاسي؟
2- هل ستتمتع اللجنة الوطنية للانتخابات والحدود بالمصداقية والقدرات الكافية والمطلوبة لإدارة العملية الانتخابية؟
3- كيف سيؤثر الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد على إقبال وسلوك الناخبين في التصويت؟

أرقام وشواهد عنف الانتخابات
تذخر كينيا بسجل أحداث عنف دامية كلما حانت لحظات الاستحقاق الانتخابي، وتفيد التقارير المتخصصة بتسجيل 1060 حدث له علاقة مباشر بالاضطرابات السياسية على الأقل منذ بداية 2022، وهو رقم قياسي بكل المعايير، كما أن بعضها أدى إلى قتل المئات وتشريد مئات الآلاف من منازلهم مع ظهور للجماعات المسلحة الخارجة عن القانون والعصابات المتفلتة، والمحظورة قانونا، مثل: عصابات تاكيد في منطقة ناكورو، وعصابة ميتشاراكا في نهر تانا، وجماعة بوقي ماوي في كيتالي، ومجلس مومباسا الجمهوري المحظور، ويُتهم بعض البرلمانيين بتحريكها في فترة الانتخابات لإثارة الفوضى وعدم الاستقرار.

الأحزاب والتحالفات الرئيسة المتنافسة
تنشط في كينيا عشرات الأحزاب السياسية بسبب الاستقرار السياسي وحالة التداول السلمي للسلطة بالرغم مما يعتريها من عيوب واضحة، ولكن يميز الحالة الكينية تحولات مستمرة وتخلق لتحالفات مصلحية مع كل انتخابات، وتتشكل تحالفات كبيرة من عدد من الأحزاب. يتصدر انتخابات 2022 في كينيا تحالفين رئيسين، هما:
 تحالف أزيميوا لا أموجا Azimio La Amoja، وهو تحالف يضم أكثر من 26 حزبا برئاسة السياسي المخضرم  والمرشح الرئاسي رايلا أودينقا ومدعوم من الرئيس الكيني المنتهية ولايته أوهورو كينياتا.
• تحالف كينيا كوانزا، ويعني في اللغة السواحلية كينيا أولا، ويتكون من عدد من الأحزاب أيضا ويتزعمه السيد وليم روتو المنافس الرئيسي لمرشح الحكومة.
 وهناك تحالف ثالث حديث التأسيس قد لا يسعفه الوقت والاستعداد والقدرات من المنافسة وهو تحالف  أوكا، يترأسه السيد كالونزو موسيوكا والذي تعرض لحالة من الضعف بسبب انسحاب عدد من الزعماء والتحقوا بتحالف كينيا كوانزا.


المتنافسون على الرئاسة
تنافس على منصب الرئاسة في كينيا أربعة مرشحين، ولكن تشتد المنافسة بين مرشحي التحالفين الرئيسيين مرشح أزيميو لا أموجا ومرشح كينيا كوانزا:

1- رايلا أومولو أودينقا ــ تحالف أزيميو لا أموجا
 العمر 77
 الملقب بـ "بابا"
 نجل نائب الرئيس السابق
تدرب كمهندس فيما كان يعرف آنذاك بألمانيا الشرقية
 رئيس الوزراء من 2008 إلى 2013 في حكومة الوحدة التي تشكلت بعد أعمال العنف التي أعقبت الانتخابات
تشكيل تحالف مع العدو السياسي السابق الرئيس أوهورو كينياتا
• مرشح رئاسي فاشل أربع مرات
اعتقل مرتين (1982-1988 و1989-1991) كسجين سياسي.
 دافع عن الديمقراطية التعددية الحزبية في عصر الحزب الواحد.
 ينظر إليه على أنه مناضل هائل قادر على اجتذاب حشود كبيرة


برنامجه الانتخابية
 تحقيق نمو اقتصادي مزدوج الرقم من خلال الاستثمار في قطاع الأعمال الصغيرة والتصنيع.
 توفير رعاية صحية جيدة وبأسعار معقولة للجميع.
 صرف 50 دولارًا (42 جنيهًا إسترلينيًا) شهريًا لمليوني أسرة معوزة

2- وليم ساموي روتو ــ تحالف كينيا كوانزا
• العمر: 55
 عمل تاجرا في الشارع عندما كان مراهقا.
• حاصل على درجة الدكتوراه في علم البيئة النباتية من جامعة نيروبي.
• شغل منصب نائب الرئيس منذ 2013 لكنه اختلف مع الرئيس أوهورو كينياتا.
• أحد أكبر مزارعي الذرة في كينيا.

• وجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية تهمة العنف الذي أعقب الانتخابات - أسقطت التهم فيما بعد
• يصور نفسه على أنه بطل المضطهدين.
• يمتلك قطع أرض ضخمة ولكن مصدر ثروته محل تكهنات.
• تم الإشادة به كوزير فعال للزراعة من 2008-2010.
• يُنظر إليه كخطيب قوي ومستشار إعلامي قوي


برنامجه الانتخابي
• منح جميع الكينيين غطاء تأمين صحي مدعوم وإعفاءً من الرسوم للأسر الفقيرة.
• تخصيص 420 مليون دولار سنويًا لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.


3- جورج واجا كويا ــ حزب الجذور
•  العمر 63
• حاصل على درجة الماجستير في قانون التنمية الدولي من جامعة وارويك بالمملكة المتحدة.
• يقول إنه حاصل على 17 درجة جامعية
• عمل بمخابرات الشرطة قبل فراره من البلاد عام 1990 هربا من التعذيب
• تعيين حكومة متوازنة بين الجنسين


4- ديفيد موور ويهيجا ـــ حزب أجانوا
• العمر 65
• مارس القانون لأكثر من ثلاثة عقود
• أيضا قس معتمد
• ترشح سابقًا لعضوية البرلمان، وعضو مجلس الشيوخ، وحاكم المقاطعة - خسر في كل المرات
• أسس حزب اجانو عام 2006
• يقول إنه يجلب "نسمة من الهواء النقي" إلى قمة السياسة
• أعرب لأول مرة عن اهتمامه بالترشح للرئاسة في عام 2013


الحملات الانتخابية
تتفق التقارير على أن كل من المتسابقين الأوائل أنفقوا أمولا طائلة على الحملات الانتخابية التي استمرت 4 أشهر حيث طافوا البلاد بقوافلهم باستئجار مروحيات فاخرة من أجل كسب الناخبين ما اعتبره بعض الخبراء الكينيين استعراض للقوة في غير محله في خضم الفقر المتزايد كأنه سخرية من عامة الشعب الذي يعاني ظروفا قاسية في الجوانب الاقتصادية

سياق العملية الانتخابية
فتحت مراكز الاقتراع في صباح يوم الثلاثاء 9 أغسطس، منذ السادسة صباحا وأغلقت في الخامسة مساء وقد شابت بعض المراكز تأخير بعض اللوجستيات ما تسبب في الازدحام، وقد مرت عملية الاقتراع بهدوء كبير ساعد على ذلك عدد من العوامل، منها:
- نشر ما يزيد على 150,000 من القوات النظامية من مختلف القطاعات الشرطية والخدمة الوطنية والغابات ومصلحة السجون.
تحسين اللجنة الوطنية للانتخابات من شفافيتها في هذه الانتخابات، ودعت الكينيين بإجراء عمليات الفرز بأنفسهم من خلال توزيع 46,000 استمارة في جميع أنحاء البلاد
- تم نشر قوات مكافحة الشغب في مراكز الفرز الوطني بعد حدوث مشاجرات من قبل أعضاء الأحزاب بشأن إجراءات التحقق.

ومن أجل الفوز بالسباق الرئاسي في الجولة الأولى، يحتاج المرشح إلى:
• أكثر من نصف جميع الأصوات المدلى بها في جميع أنحاء البلاد
• ما لا يقل عن 25٪ من الأصوات المدلى بها في 24 مقاطعة على الأقل من مجموع 47 مقاطعة

بعد فرز الأصوات، يقوم المسؤولون بعد ذلك بالتقاط صورة للفرز النهائي وإرسال الصورة إلى كل من الدوائر الانتخابية ومراكز الفرز الوطنية.
لضمان الشفافية، تم حث وسائل الإعلام والأحزاب السياسية وجماعات المجتمع المدني على إجراء إحصاءاتهم الخاصة باستخدام النتائج النهائية المعلنة في أكثر من 40 ألف مركز اقتراع.
لكن اللجنة الانتخابية هي الوحيدة التي يمكنها إعلان الفائز في الانتخابات الرئاسية بعد التحقق من النماذج المادية والرقمية المرسلة إلى مركز الفرز الوطني بعد سبعة أيام من انتهاء الاقتراع.

مفاجآت السباق
اتضح من سياق عمليات فرز الأصوات أن مرشح كينيا كوانزا يتقدم بنفس المستوى من الأصوات مقابل مرشح تحالف أزيميو لا أموجا وهو ما يعني الكثير في السياسة الكينية، وكانت أولى المفاجآت هي فوز مرشح كينيا كوانزا بمقعد عمدة العاصمة نيروبي وهو المؤشر الذي أعطى إشارات واضحة للمعادلة الجديدة في كينيا، وهي النسب التي فاز بها التحالف ليس على مستوى المنافسة على الرئاسة ولكن حتى على مستوى الانتخابات الأخرى في مستوى البرلمان.

نتائج انتخابات البرلمان
• تحالف كينيا كوانزا 147 مقعد
• تحالف أزيميو لا أموجا 146 مقعد
• المستقلين         18 مقعد
• آخرين 31


مجلس الشيوخ
• كينيا كوانزا    33 مقعد
• أيميو لا اموجا  32 مقعد
• مستقلين مقعدين اثنين


نتائج الانتخابات الرئاسية
على الرغم من الاختلاف الواضح على نتيجة الانتخابات الرئاسية بسبب الفارق الضئيل بين المتنافسين الرئيسيين رايلا وروتو، إلا أن النتائج التي أعلنها رئيس اللجنة الانتخابية كانت على النحو التالي:
• المرشح وليم روتو   50,49% (7,176,141 صوت)
• المرشح رايلا أودينق     48,85% (6,942,930 صوت)
• المرشح جورج واجاكويا   0,4% (61,969 صوت)
• المرشح ديفيد مور       0,2% (31,987 صوت)

كانت نسبة المشاركة 65% في هذه الانتخابات، وهو مؤشر يعبر عن ضجر الكينيين من تكرار الحكام والاحباطات التي تسببت فيها الظروف الاقتصادية السيئة.

أسباب تقدم وفوز روتو
تضافرت أسباب عديدة دفعت بمرشح كينيا كوانزا إلى القصر الرئاسي؛ ولكن يمكن إجمالها في التالي:
1- تميز الحملات الانتخابية هذه المرة بالتركيز على القضايا وليس على الانقسامات العرقية كما كان يحدث في التجارب السابقة.
2- ركز وليم روتو على كسب الشباب خاصة في ظل ارتفاع معدل البطالة في أوساط الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين 18 و34 عاما، وتبلغ نسبتهم 40% ولا يجدون وظائف تستوعبهم.
3- نجح روتو في تسويق نفسه باعتباره ممثل الطبقات الفقيرة وما اصطلح عليه بالأمة المحتالة مقابل الأسر الحاكمة، كما ركز على الجوانب الاقتصادية التي تعاني منها الأغلبية.
4- الأوضاع الاقتصادية التي خلفتها آثار وباء كورونا فضلا عن آثار الحرب الروسية الأوكرانية التي تسببت بتأثير كبير على واردات الحبوب.
5- انقسام الكيكويو في جبل كينيا والذي يعتبر بمثابة مخزن التصويت بين أودينقا وروتو بسبب انحياز الرئيس السابق كينياتا للمرشح رائلا أودينقا فذهبت نسبة معتبرة لوليم روتو معارضين توجه ابنهم ويرون انه كان لا يجب ان يكون جزء من المعركة.

تداعيات إعلان فوز روتو
• تحفظ 4 أعضاء من اللجنة الوطنية للانتخبات على النتيجة النهائية وهو أكثر من نصف أعضاء اللجنة ما تسبب في ارباك الموقف.
• رفض المخضرم رائلا أودينقا نتائج الانتخبات في إعلان متلفز قائلا نرفض نتائج الانتخابات الرئاسية بالكامل ودون تحفظ ومن وجهة نظرنا لا يوجد فائز معلن قانونيا وصحيحا ولا رئيس منتخب ويعتبر أودينقا الأرقام التي قدمها رئيس اللجنة الانتخابية وافولا تشيبوكاتي باطلة وقال إنه سيواصل جميع الخيارات الدستورية والقانونية المتاحة لنا
• أصدرت عدد من اللجان التي راقبت الانتخابات وتضم مجموعات دينية ومدنية بيانا حيث قامت بتحليل النتائج المنشورة وخلصت إلى انها دقيقة بشكل عام ولفتت في البيان بأن الننتائج التي شاهدتها المجموعة كانت متسقة مع تلك التي قدمتها اللجنة الانتخابية.


معركة الطعون ومخاوف الفوضى
اعلنت اللجنة الانتخابية رسميا فوز روتو ورفض أودينقا النتيجة، وأكد بذهابه للطعن في النتيجة خاصة وأن الفارق ضئيل جدا بين المتنافسين، كما أن لأودينقا تجارب في ذلك، فقد طعن في انتخابات 2017 مما أدى إلى إلغاء نتائجها، فهل يتكرر المشهد؟

خاتمة
في ظل الشعور بالقلق حيال ما يمكن ان تتطور باتجاهه الأحداث بعد رفض اودينقا لنتائج الانتخابات، ينتظر الكينيون ما إذا كان أودينقا سيذهب مرة أخرى إلى المحكمة للاعتراض على نتائج الانتخابات؛ لأنها بالنسبة له المرة الخامسة والأخيرة التي يترشح فيها للرئاسة، ولا يصيب نجاحا وهو البالغ من العمر 77 سنة، أم تستقر الأمور لروتو وبانتقال السلطة من الأسر التي توارثت الحكم من الاستقلال إلى غمار الشعب وطبقاته الفقيرة؟

قد لا تكون الإجابات على تلك الأسئلة متوفرة لدينا الآن؛ لكن المستقبل القريب كفيل بتقديم إجابات واضحة لتلك الأسئلة ويكشف اتجاه ومسار العملية السياسية في كينيا!!