تقرير المعلومات

التعدد العرقي والتنوع الثقافي في تشاد

التعدد العرقي والتنوع الثقافي في تشاد 

 آدم يوسف 

 تشاد دولة حبيسة ، تقع في مساحة شاسعة من الاراضي تبلغ 1284000كم2. و تمتد بطول 1700 كم من الشمال للجنوب ، و1000كم من الشرق للغرب ، بعيدا عن السواحل البحرية. تقع فلكياً بين دائرتي العرض 8 ْ و 32.5 ْ شمالا على إمتداد مسافة طولها 1760 كلم من الجنوب إلى الشمال ، وبين خطي الطول 14 و24 شرقا على امتداد مسافة طولها 1200 كلم وجغرافيا تقع في وسط إفريقيا إلى الشمال قليلاً ،  ويحيط بها ست دول : من الشرق :   السودان ، والشمال : ليبيا ، ومن جهة الغرب : النيجر ونيجيريا ، والكاميرون من ناحية الجنوب الغربي ، وإفريقيا الوسطي : من ناحية الجنوب .

وتعدُّ تشاد أكبر الدول المغلقة في إفريقيا ، وثالث اكبر دولة قارية في العالم بعد جمهورية كازاخستان ومنغوليا ، وتحتل المرتبة العشرين بين دول العالم اجمع من حيث الترتيب المساحي. وقد أخذت تشاد اسمها من بحيرة تشاد أكبر البحيرات العذبة في وسط إفريقيا ، وتقع البحيرة على حدود أربعة دول هي : النيجر ، نيجيريا ، والكمرون وتشاد . ويغذي هذه البحيرة  نهرا شاري ولوقون ، وقد عرفت هذه البحيرة تاريخياً ببحيرة كوار.

وأول اجتهاد لرسم اسم تشاد انطلاقا من الرسم الفرنسي هو ( تشاد) ، وهو الرسم الشائع وتواجه مشكلة رسم التاء في بداية الاسم ، لأن وجودها تركيب TCH  للضرورة الصوتية ، وهي حرف ساكن في هذا التركيب ، ويعرف أنه في اللغة العربية ، يمنع البدء بالساكن ، وفي الفرنسية أيضا لاينطق به ، هذا بالإضافة إلي حقيقة أن السكان المحليين في تشاد ، مثل الفرنسيين تماما ، لا ينطقون هذه التاء التي تكتب في بداية الرسم الشائع ، ويستنكرون سماعها حينما ينطقها من يعتمد على الرسم المتداول ، ولكن وجودها في اللغات الغربية يقتضي نطقها وهذا ما يخالف  النطق الفرنسي والعربي والنطق المحلي على السواء. الرأي الثاني : إن رسم الاسم ( إتشاد) وهو رسم شائع في الخرائط وبعض المطبوعات في شمال إفريقيا ( ليبيا ) وذلك حلا لمشكلة الابتداء بالساكن في قضية التاء في الرسم الشائع السابق . الرأي الثالث : يرسم الاسم " التشاد " وهو صيغة قريبة من النطق التشادي الذي لايستطيع الإبتداء بالتاء الساكنة في الرسم الشائع ، فادخل الألف واللام ، وهذا يعني من الناحية الصوتية ، تجاوز مشكلة تحريك التاء ، وكذلك مشكلة الإبتداء بساكن. والأرجح أن لفظ (التشاد) ربما يعود لأداة التعريف التي يطلقها الفرنسيون في نطقها le tchad. وأن الأسم كان يطلق على البحيرة قبل الاستعمار ومن ثم صار اسم الدولة ، وان اسماء الممالك في المنطقة كانت تختلف (مملكة كانم ،وسلطنة وداي ، وباقرمي). الرأي الرابع : يرسم اسم " شاد" هكذا بدون تاء وهو تحريف لكلمة " شط" العربية حيث أورد البروفيسور البيلي هذا الرسم بقوله : بحيرة شاد والكلمة تحريف لكلمة شط العربية .

وقد ورد في المراجع العلمية أن بحيرة تشاد أخذت تسميتها من اسم نوع من الأسماك يعرف بــــ( تشاد Chad) غني بالعناصر الغذائية يكثر وجوده في البحيرة ، ولذلك نجد اسم تشاد يكتب في بعض المصادر والمراجع شاد CHAD بدون تاء البداية انسجاما مع هذا الأصل في التسمية هذا بالإضافة إلي وجود حرف التاء في الفرنسية وهي للضرورة الصوتية فقط ، تكتب Tchad  ولا تنطق اثناء القراءة وتسقط كتابة التاء تماما في اللغة الإنجليزية Chad.

بداية نشأة تشاد المعاصرة بدأ غزو تشاد في العام 1897م  عندما وقّع اميل جنتيل  معاهدة الحماية مع جاورانج الثاني ، سلطان الباقرمي في فبراير 1900 م ، تلاقت هنا المستعمرات الفرنسية الثلاثة (جولان-مانييه ،جنتيل ، وفور لامي) حول بحيرة تشاد. وبقيادة (فور لامي) في 22 ابريل 1900م واجه بقواته  رابح فضل الله الذي قتل مع ( لامي) سوياً في معركة كوسري ، وتم بذلك تأسيس مدينة ( فور لامي ) التي اصبحت انجمينا.

لقد  كان  غزو جنوب تشاد سهلاً نسبياً  كما واجهت القوات الفرنسية في الشمال معارضة قوية ، وفي الشرق جماعة سلطان الوداي دود مرة الذي بقي في السلطة حتى عام 1906م. كانت تشاد اقليماً عسكرياً  ،ثم جزء من مستعمرات أوبانغي –شاري عند نشوء افريقيا الأستوائية الفرنسية ،فأصبحت مستعمرة بالكامل في عام 1920م،1922م،1923م . إن السلطة الإستعمارية نظمت اداراتها على مرتكزات أساسية منها :  الحفاظ على السلطنات ، وانشاء قيادات جديدة ذات تقسيمات فرعية ، كما انشأت أول  بنية تحتية (طرق، مدن) باللجوء بشكل موسّع للعمل القسري في جنوب البلاد ، انتشرت زراعة القطن الإجبارية منذ العام 1928م ، وادخلت عملة وضريبة  خلال الحربين العالميتين ، وتم التجنيد لهذه الضغوطات الإدارية.

و في اغسطس من العام 1940م انضم فليكس ايبوي حاكم تشاد في ذلك الوقت الى فرنسا الحرة مما ادى الى حشد ما تبقى من افريقيا الاستوائية الفرنسية. ومن الأراضي التشادية ،حاربت القوات الفرنسية الحرة القوات الايطالية في ليبيا. وفي بداية العام 1944م في مؤتمر برازفيل وعد الجنرال ديغول بدعم المستعمرات الافريقية  لتتمكن من الإدارة الذاتية . وفي العام 1956م اعاد القانون المسمى بقانون ديفار سلطة ادارة الاعمال الاقليمية الى مجلس حكومة منتخبة بالاقتراع العام من العام 1958م-الى 1959م .

وقد شهدت مستعمرة تشاد أربع حكومات . وفي 11 اغسطس عام 1960 م نالت تشاد استقلالها. البعد اللغوي والثقافي إن الحدود الجغرافية بين الدول الافريقية حتى وإن شكلت فاصلاً وخلقت دولاً جديدة في عصرنا الحاضر إلا أنها لم تستطع فصل ثقافات تمازجت وشعوب تجاورت مع بعضها البعض آلاف السنين ، فالبيئة في افريقيا متشابهة ، وهناك خصائص أساسية مشتركة ، في الدين – والعرق – واللغة . وإن التلاقح العربي والافريقي في تشاد يؤرخ له منذ العام 666م ، في القرن السابع الميلادي من خلال مملكة كانم ، واخذت تتبلور في اطار المكون المحلي والاسلامي ، و (العربي والافريقي) ، وراحت اللغة العربية تنتشر في المنطقة باعتبارها لغة الدين الاسلامي حتى اصبحت لغة التواصل المشترك بين سكان البلاد، وإن الدستور التشادي يقرّ في المادة (9) أن اللغة الفرنسية والعربية لغتان رسميتان في الدولة في التعليم والإدارة وفي المعاملات الرسمية والدولية، واللغات المحلية القومية تستخدم في الاعلام والنشرات الاخبارية المحلية ، والتواصل بين متكلميها ، ففي شمال تشاد تنتشر لغة الدزقرا كلغة تواصل أكثر من اللغة العربية والفرنسية وفي منطقة غرب تشاد تنتشر لغة الكانمبو (الكانوري) كلغة تواصل أكثر من الفرنسية والعربية ، وفي اقليم مايوكيبي في الجنوب نجد لغة السارا تنتشر أكثر من العربية والفرنسية كلغة تواصل (هذه كأمثلة) وفي المجمل فإن اللغة العربية التشادية العامية هي لغة التواصل الأكثر انتشارا بين سكان تشاد أما الفرنسية فهي لغة النخبة والصفوة في الوظيفة والدواوين الحكومية .

التعدد العرقي والاثني

عرفت تشاد بتعدد الأعراق  والثقافات منذ القدم ، فقد كانت بحيرة تشاد  ملتقى القبائل والمجموعات الاثنية المتعددة . والعرق نقصد به مجموعة من البشر لها قواسم مشتركة تربطها بانتماء لمجموعة ما ، وتتميز بهوية ولغة وثقافة واحدة  من حيث الملبس والماكل وطبيعة الحياة والنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. نجد في تشاد العديد من الاعراق تعود اصولهم الى الزنج والبربر والعرب ، وقد أصبحت اضافة للمكون الثقافي المحلي في اللغة والأدب وفي نظم التشريع والاعراف والمعاملات والغناء والأدب ...الخ إن مجموع القبائل في تشاد  يفوق المائة قبيلة ، فهناك قبائل التبو والقرعان(الانكازا والنورما والقيدا والكمجا ...الخ)  والزغاوة في شمال البلاد منطقة (بوركو –انيدي-تبستي) ، وهؤلاء شعوب رعوية.

وفي منطقة الغرب في اقليم كانم حيث قامت مملكة كانم التاريخية نجد قبيلة الكانمبو ، والقرعان :(الكريدا والكنوما)،وعلى تخوم بحيرة تشاد البدوما ، وفي الشرق قبائل العرب والمبا والداجو والمساليت ، وفي الوسط منطقة الساحل القبائل العربية في البطحا والبلالة على تخوم بحيرة فتري والكوكا والمدقو ، وفي الوسط قبائل الحجراي الكينغا والدنقليات وجنخور ، وفي الجنوب حيث سافنا الغنية قبائل  الباقرمي ، والسارا ، والفلاته – هذا كمثال ، فالقبائل عديدة في تشاد ومتداخلة مع بعضها البعض بشكل كبير . وأن الكثافة العالية في هذه النسبة من تعداد السكان تتمركز في الجنوب ثم الوسط . وإن مجموعة القبائل كثيرة من مختلف الأجناس والأعراق ذات الأصول الزنجية و العربية و البربرية.

وتختلف العادات والتقاليد بين القبائل ، فشمال تشاد يختلف اختلافاً جذرياً عن الجنوب، كذلك الوسط ، وان كان هناك تقارب بين الوسط والشمال كمجموعة قبائل مسلمة، ويعتبر نظام الدولة  ما زال نظاماً يعتمد القانون والاعراف ، من المعاملات ، والتشريع ، وفض النزاعات ، وتقسيم السلطة . ويمكن أن نشير هنا إلى أن العاصمة أنجمينا أهم مركز في تشاد ليس من حيث أنها عاصمة البلاد بل إنها تعدت ذلك لأنها غدت حلقة لكل القبائل ورابطاً للأمة ورمزا للشعور القومي . البعد الديني تصنف الديانات  في تشاد كما في العديد من الدول الافريقية ، الى ديانات سماوية ومعتقدات موروثة ، فنجد: الاسلام والمسيحية ، ومن ناحية أخرى مجموعة من الممارسات التي ترتكز على عبادات روحية مثل (مارجاي)   في منطقة قيرا ، أو طقوس التلقين مثل (يوندو)   في جنوب البلاد عند قبائل السارا . وهي تعظيم الاسلاف  والايمان بالآلهة و بالقوى الخفية ،  بالجن القاطنين في الاماكن المختلفة : الاشجار ، والجبال ، والكهوف إلا أن المعتقدات الأرواحية حالياً في حالة انحسار بفعل انتشار الاسلام والمسيحية لفترات طويلة جداً ، فقد ارتبطت المسيحية بالاستعمار الغربي فاستقرت بعثات المسيحية الأولى في تشاد في ثلاثينيات القرن الماضي ، حيث كان الاسلام موجوداً قبل ذلك ، في بداية القرن الثاني عشر .

وإذا كان الاسلام قد تميز بالأكثرية فإن الغالبية من المسلمين في تشاد من الصوفية (الطريقة التيجانية)، ونلاحظ منذ تسعينيات القرن الماضي ظهور( الوهابية) التيار السلفي. فالإسلام يبدو واضحاً وجلياً في منطقة الوسط التي تشمل الشرق و الغرب والشمال، وجزءاً  من الجنوب ، وظهوره في الشمال أقل مما هو في الغرب والشرق . وهناك ديانات أخرى في الجنوب ، وكذلك في الوسط ، و النسبة المئوية للمسلمين والنصارى والوثنيين قابلة للزيادة والنقصان بناء على الظروف والمعطيات المحيطة بالتعليم والمعيشة والاستقرار. نشأة مدينة انجمينا العاصمة وأثرها في المكون الثقافي تأسست انجمينا (فورت لامي) سابقاً في العام 1900م من قبل اميل جنتيل بعد انتصار القوات الفرنسية على قوات رابح  في كُسري ، وحصل المركز الجديد على اسم (فورت لامي)  احياءً لذكرى القائد لامي الذي توفى اثناء المعركة . وتعد انجمينا بوتقة الأمة التشادية والقطب الجذاب ، والرئيسي في البلاد. وترتكز انجمينا على 14% من سكان المدن، وحوالي 10% من سكان البلاد. وذلك يعود لأسباب منها : فضل مداخل النفط فإنها تستفيد منذ عام 2008م من جهود  كبيرة في التجهيز والتخطيط. وإن التحرر السياسي شجّع الاستقرار المكثف لسكان الريف ، ففي عام 1960م  كانت المدينة تضم 60000 نسمة ، وفي عام 1973م تغير اسم (فور لامي) الى انجمينا " وتعني باللغة العربية "استرحنا " وكانت تضم 18000 نسمة وهه دلالة على عمق التواجد العربي في المنطقة.

ونتيجة للزيادة الطبيعة والهجرة التي تفاقمت  بسبب فصول الجفاف   والنزاعات زادعدد السكان في المدنبسرعة فقد ارتفع  من 22400 نسمة  في عام 1975م الى 53000 نسمة في  1993م، وبلغ العدد993000 نسمة في عام 2009م. بمعدل نمو متوسط قدره 6% سنوياً ، وتجاوز عدد السكان الحاليين  (2014م) المليون نسمة. ان التوسع والازدياد  في انجمينا دلالة على النمو السكاني السريع ، وكانت أول المباني فيها هي المباني العسكرية والادارية وتقع على منحدرات  ضفاف شاري. ثم نمت المدينة باتجاه  الغرب (منطقة فرشا)، الى الشمال الشرقي، والشرق ، باحتلال الاراضي الجافة أولاً ثم الأراضي الرطبة أو السهول الفيضية حتى منتصف  السبعينيات ، وكان الاحتلال يخضع لسيطرة السلطة العمومية ، وبدءاً من العام 1984م (نهاية الحرب الأهلية) بدأت المدينة تتوسع بشكل عفوي  على طول التقسيمات  الرسمية تحت ضغط الاحتياجات غير الملبّاة للأراضي التي سيتم بناؤها لسكان انجمينا ، والسلطات العمومية تجاهد  لمواكبة سرعة النمو السكاني واتساع المكان للسكن .

إن هذه التوسعات في المنطقة الحضرية  التي اخذت تستوعب  قمم القرى المجاورة للمدينة استجابت لتقدم الحضر من (570 هكتار) في عام 1950م الى (7000 هكتار) في عام 1999م ، وقد  بلغ مساحتها أكثر من (20000م هكتار). لقد كان التعدد العرقي من مختلف القبائل والاثنيات بعقائدها وعاداتها وتقاليدها وقيمها ومبادئها خلال السنوات الطويلة من السكن والاستوطان والاستقرار والبقاء ، وممارسة التبادل التجاري ، والأعمال المتعددة ، والتواصل المباشر من خلال المبادلات المشتركة لطبيعة المعيشة والحياة أفضى الى تاثير متبادل ومشترك في جميع مجالات الحياة ، وأصبح كل ذلك إضافة للمكون المحلي الثقافي يتشكل ويتطور ويتبلور في مشروع وطني قومي أدى الى بناء مرتكزات للتعايش السلمي الاجتماعي والثقافي في البلاد.