تقرير تحليلي

المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) وأزمة مالي: فصل جديد يبدأ بالعقوبات الصارمة

محمد زكريا
باحث اقتصادي، مهتم بالشؤون الإفريقية الاقتصادية والاجتماعية

 

في العاشر من يناير الجاري، عقد رؤساء دول وحكومات دول غرب إفريقيا تحت مظلة الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا (UEMOA) والمنظمة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إكواس) قمتين مزدوجتين في أكرا، عاصمة غانا، انتهت بفرض عقوبات قاسية ضدّ مالي بحجة مخالفة الأخيرة للأعراف والبروتوكولات الخاصة بالمجموعتين، أبرزها مماطلة العسكر في عودة الحكم المدني.

ما هي العقوبات المفروضة على مالي؟

اشتملت العقوبات على بنود عدة، منها: تعليق المعاملات المالية غير الضرورية مع مالي، وتجميد الأصول المالية للدولة في البنوك التجارية التابعة لـ"إيكواس" والمصرف المركزي لدول غرب أفريقيا، وإغلاق حدود الدول الأعضاء في المنظمة مع جمهورية مالي، وتعليق جميع المعاملات مع مالي ما عدا المعاملات الحيوية كالمستلزمات الطبية والسلع الضرورية، واستدعاء سفراء الدول الأعضاء في "إيكواس" من باماكو عاصمة مالي، وتجهيز القوّات العسكرية الاحتياطية التابعة لـ "إيكواس" وجعلها متأهبة للتدخل عسكريا حسب ما تقتضيه الحاجة. 

وفَوْر انتهاء القمتين، عمّم الاتحاد الاقتصادي والنقدي لدول غرب إفريقيا على جميع المؤسسات المالية الواقعة تحت مظلته بضرورة تعليق عضوية مالي فورا، مما يعني منع دولة مالي من الوصول إلى الأسواق المالية الإقليمية. 

في واقع الأمر، ليست هذه هي المرة الأولى التي تفرض فيها مجموعة غرب إفريقيا عقوبات على مالي؛ ولكنها تعتبر أكثر قساوة من تلك العقوبات التي فرضتها سابقا على جمهورية مالي بعد الانقلاب الأول في أغسطس 2020م، ثم تلاه انقلاب ثانٍ في مايو 2021م والذي أصبح بموجبه العقيد هاشم غويتا رئيسا للسلطة الانتقالية (المجلس العسكري). 

رد السلطة الانتقالية في باماكو 

لم تكن السلطات المالية (المجلس العسكري) متفاجئة كثيرا بهذه القرارات؛ إذْ كانت تتوقع أشياء قريبة من هذا؛ ولكن ليست بهذا المستوى من القساوة. وما يبين ذلك، البيان الذي ألقاه العقيد عبد الله مايغا -المتحدث باسم الحكومة- على التلفزيون الوطني، وقال أن الحكومة متأسفة لما تراه من تحول لمنظمات إقليمية إلى أداة في أيدي قوى خارج المنطقة، لها مخططات مسبّقة للأحداث. واعتبر المجلس العسكري العقوبات غير مشروعة واستنكرها بشدة، وندد بالطابع غير الإنساني لهذه الإجراءات التي سيكون لها أثر سلبي على السكان الذين كانوا يعانون أساسا جراء الأزمتين الأمنية والصحية. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، وأعلن المجلس العسكري عن غلق حدود بلاده البرية والجوية مع دول الإيكواس، ولكنه في الوقت نفسه يدعو إلى حوار مع مجموعة الإيكواس لإيجاد حلول لهذه الأزمة.

أسباب تطور الوضع السياسي في مالي وتأزمه

أصبح الرئيس المالي إبراهيم أبوبكر كيتا (إبيكا)، البالغ من العمر 75 عاما، رمزًا لعجز الدولة في مواجهة الأزمات المتعددة، مثل حركات الانفصال والتمرد، وتصاعد العنف الجهادي والطائفي الذي أضعف البلاد لسنوات عديدة، الأمر الذي أجّجَ استياء السكان منه طوال سنوات حكمه للبلاد بسبب عدم الاستقرار الأمني في وسط وشمال مالي، فضلا عن الركود الاقتصادي والفساد الإداري المستشري في البلاد، ناهيك عن المشاكل المرتبطة بمسألة التعليم والصحة.

كان إبيكا على رأس السلطة منذ عام 2013م حتى أطاحت به مجموعة عسكرية في أغسطس عام 2020م وهو ما بات يعرف بالانقلاب الأول، ثم عقبه انقلاب ثان في مايو 2021م. قدّم الجنود الذين قادوا الانقلاب أنفسهم -على لسان العقيد إسماعيل واغي نائب رئيس أركان القوات الجوية أثناء خطاب ألقاه في تلفزيون مالي الوطني- على أنهم قوى وطنية تسمى "اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب". قاد هذا الانقلاب مجموعة من الضباط العسكريين الذين تلقوا تدريبات مختلفة في دول كبرى متشاكسه فيما بينها ومتصارعة (فرنسا، أمريكا، روسيا، والصين)، ثم أسسوا مجلسا عسكريا لقيادة البلاد. 

حسب إذاعة فرنسا الدولية، كان من بين الانقلابيين ضباط كبار آخرون في القوات الجوية، وقوات الدرك والشرطة. ولكن أبرزهم خمسة ضباط يعتبرون العقل المدبر للانقلاب، موزعين على مناصب حساسة، وهي:

1. رئيس البلاد: هو العقيد هاشم غويتا (Assimi Goita)، مواليد 1983م، عقيدا في كتيبة القوات الخاصة المستقلة، وهي وحدة القوات الخاصة في القوات المسلحة المالية، تلقى تدريبًا من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، ولديه خبرة واسعة في العمل مع القوات الخاصة الأمريكية.

2. وزير الدفاع: هو العقيد ساديو كامارا (Sadio Camara)، مواليد 1979م في "كاتي" التي تبعد عن باماكو بنحو 15 كيلومترا، وهي المدينة التي توجد بها أكبر وأشهر ثكنة عسكرية تابعة للجيش المالي، ومنها انطلقت أغلب الانقلابات العسكرية الناجحة. كان عقيدا في الجيش، عاد حديثا من روسيا؛ حيث كان يتلقى تدريبه العسكر.

3. المجلس الانتقالي: يرأسه العقيد مالك دياو (Malick Diaw)، مواليد1979، رئيس الفرقة العسكرية الثالثة، ونائب قائد القاعدة العسكرية في "كاتي"، تلقى تدريبا في روسيا، وعاد منها مؤخرا. 

4. وزير المصالحة الوطنية: هو إسماعيل واغي (Ismael Wagué)، مواليد 1976، ضابط عسكري مالي يشغل منصب نائب رئيس أركان القوات الجوية المالية للقوات المسلحة المالية.

5. جهاز المخابرات الوطنية: يرأسه العقيد موديبو كوني (Modibo Kone)، مواليد 1977 في العاصمة باماكو، الأكاديمية العسكرية في "كاتي"، كان قائدا لسريّة (CDT)، ثم قائدا لتجمع الحرس الوطني في (خاي)، ثم رئيسا لمركز القيادة التكتيكية في (كورو). تلقى تكوينات عديدة خلال الفترة 2009م و2015م، من أبرزها دورة ضابط حرس خاص في الصين، ودورة أخرى في قيادة الأركان عام 2014م في كولي كورو بمالي. 

وعد المجلس العسكري بإجراء انتخابات في فبراير 2022م؛ لكنه مؤخرا أعلن عن تمديد الفترة الانتقالية إلى خمس سنوات لاحقة بحجة عدم الاستقرار الأمني والسياسي الأمر الذي أغضب رؤساء دول غرب إفريقيا ولربما خافوا من أن تتكرر تجربة مالي في بعض دول المنطقة فتحركوا بسرعة لعقد اجتماعات وقمم استثنائية تبحث عن الشأن المالي والتي انتهب بفرض عقوبات قاسية عليها.


من هم أبرز اللاعبين في الصراع المالي؟
منذ الانقلاب الأول في أغسطس 2020م واستيلاء العسكر على السلطة في مالي، بدأت العلاقات المالية الفرنسية تشهد توترات متصاعدة، وعلى إثرها أعلنت فرنسا سحب قوة "برخان" التي تشارك فيها دول أوروبية وإفريقية بقيادة فرنسا. تعهدت قوة "برخان" بمساعدة مالي ودول الساحل في محاربة الجهاديين والمتطرفين وكانت تعمل منذ تسع سنوات في البلاد تقريبا دون تحقيق أهدافها المعلنة. ما جعل الحكومة الانتقالية بقيادة العسكر في مالي تشكك في التواجد الفرنسي في مالي، وترى أن فرنسا هي من تدعم الإرهاب في مالي والمنطقة وترعاه، وتتولى مهمة تدريب الإرهابيين بدلا من تدريب الجيش المالي ومساعدته في القضاء على الإرهاب والتمرد. 
جاءت الاتهامات هذه وغيرها بصريح العبارة على لسان العقيد شوغيل مايغا في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في يوليو 2021م، واعتبر قرار فرنسا بسحب قوة "برخان" في هذا التوقيت تخليا عن بلاده في منتصف الطريق، الأمر الذي دفع بلاده إلى البحث عن شركاء آخرين. وأكدّ على أن بلاده ستسعى لسدّ الفراغ الذي تركته قوة برخان بقوات عسكرية أخرى. 
وذكر مايغا -أيضا- أن مالي لن تتعاون في مسألة شراء الأسلحة مع الدول التي تستخدم سياسة الابتزاز وتتدخل في الشؤون الداخلية، وأن بلاده تعتبر روسيا شريكا موثوقا به في هذا الخصوص. وبالتالي قررت الحكومة الانتقالية التعاقد مع روسيا عسكريا لسد هذا الفراغ، واستجابة الأخيرة بسرعة فائقة، وأرسلت قوات روسية بتجهيزات عسكرية متكاملة، الأمر الذي أغضب فرنسا والدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية معا. 


آفاق المستقبل
تعيش جمهورية مالي أزمات معقدة منذ حوالي خمسة عقود تقريبا، منذ الاستقلال من فرنسا لم تنعم بانتقال السلطة سلميا إلا نادرا، وشهدت البلاد سلسلة من الانقلابات العسكرية. أما انقلاب أغسطس 2020م فهو ليس انقلابا على حكومة إبيكا فحسب؛ بل هو محاولة انقلاب على القوى الدولية التي كانت تسيطر على مالي نفسها، أو على الأقل استبدالها بقوة أخرى ليس كونها هي الأفضل؛ ولكن على أمل إحداث توازنات بين القوى العسكرية والسياسية لتحرير القرار السيادي للبلاد من قبضة فرنسا، الشريك الاستعماري التاريخي، وعملائها.
تعد القرارات التي اتخذها قادة دول غرب إفريقيا محاولة لتنفيذ أجندة فرنسا ضد مالي لتركيع المجلس العسكري، وثنيه عن توجهه نحو روسيا وغيرها، وفي سبيل ذلك لا بدّ من تجويع الشعب المالي حتى يثور على الجيش، وإن لم يفلح هذا أو ذاك فسيكون خيار التدخل العسكري هو الحل الأخير. 
قرار بعض دول الجوار كموريتانيا والجزائر وغينيا بالتضامن مع مالي شعبا وحكومة، وتوفير البدائل من موانئ وطرق برية وجوية فضلا عن المعاملات المالية والاقتصادية الأخرى والتعاون الدبلوماسي يعتبر تطورا هاما وعاملا حاسما في تغيير مسار الأزمة، قد يُطَوّل من عمرها، لكنه لا يستطيع حسمها؛ لأن لدى فرنسا أقوى ورقة لم تستخدمها بعد، ألا وهي تجميد حساب مالي في الخزينة الفرنسية الذي سوف يُفضي إلى توقف الحركة الاقتصادية والمالية تماما، ويخرج مالي من قائمة الدول المعترف بها عالميا. 
سيناريو التدخل العسكري ليس ببعيد، فهو مرهون بمدى صمود مالي أمام هذه العقوبات وكيفية إدارة العسكر لملف الأزمة المعقدة. إذا استطاعت الحكومة الانتقالية توفير مواردها المالية والعسكرية في ظل هذه الفترة، خاصة مع عدم قدرتها على الوصول إلى مواردها المالية والاقتصادية المجمدة؛ فستطر مجموعة "إيكواس" إلى التدخل العسكري لإزالة هذه المجموعة العسكريةـ واستبدالها بحاكم خاضع خانع للإملاءات الخارجية، وخاصة من قبل فرنسا. 
المجلس العسكري الحالي، يبدو أنه استعدّ لهذه المرحلة، ولديه خطط بديلة؛ حيث استطاع أن يقوم بتعبئة شعبوية واسعة النطاق منذ توليه السلطة، وجعل الشعب باختلاف أطيافه يصطف معه ويؤيده في كثير من قراراته، وأنه سيراهن على تحدي فرنسا وأذيالها، ومستعد لدفع الثمن. كما أن أصدقاء مالي الجدد من الروس والصينيين سيساعدونه في إدارة الملفات الاقتصادية والمالية والعسكرية، بالاستفادة من الموارد الطبيعية للبلاد على غرار تجربة جمهورية إفريقيا الوسطى مؤخرا مع روسيا؛ ولكن في حالة التدخل العسكري قد لا يصمدون طويلا!