تقرير تحليلي

انتخابات زامبيا 2021 قصة الانتقال السلمي ... والديمقراطية المتنامية في زامبيا قراءة في تطور الديمقراطي والممارسة السياسية

محمد صالح عمر
مدير الأبحاث والدراسات

 

مقدمة

تسجل زامبيا رصيدا إضافيا في سجل التداول السلمي والانتقال السلس للسلطة في انتخابات العام 2021، بالرغم من انها ما تزال جزءا من الحالة الإفريقية العامة من حيث تتوفر العناصر المسببة لزعزعة الأمن وظروف الانقسامات التي ما تزال تعيق دول القارة السمراء.
تتمتع زامبيا باستقرار نسبي منذ الاستقلال في 1964 خاصة عند مقارنتها بالدول المجاورة لها، وتصنف على أنها سابع دولة من حيث الاستقرار السياسي في إفريقيا، مع ظهور انقسامات هنا وهناك كلما لاحت في الأفق بعض الظروف وتقلبات الأحوال ولعل أهم اسباب استقرارها تحسن الظروف الاقتصادية فيها فقد صنفت زامبيا في 2018 من الدول متوسطة الدخل في إفريقيا، بفضل معدن النحاس الذي تعتبر من أكبر منتجيه على مستوى العالم وتصنف على انها ثاني أكبر منتج لها عالميا، حيث يحتل ثلتي صادراتها وبلغ النمو الاقتصادي فيها 8.1% في العشرية الأولى للقرن الواحد والعشرين، وهي عضو في السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا) ومجموعة سادك (SADC).

زامبيا بعد رحيل الاستعمار

كانت زامبيا تسمى روديسيا الشمالية قبل الاستقلال وكانت قد شكلت دولة موحدة مع ما كان يسمى حينها نياسا لاند وهي "مالاوي" الحالية  وتوصف الصين دائما بأنها الدولة التي دعمت نضالات التحرر الزامبي في حقبة الاستعمار من خلال الدعم المادي، ولم تنقطع صلاتها منذ ذلك التاريخ حيث ساهمت الصين في مشروعات البنى التحتية فيها.
شكلت شخصية "كينيث كاوندا" مرحلة مهمة من تاريخ زامبيا الحديث، إذ كان الأب الروحي لاستقلال البلاد وحكمها رئسا لما يقرب من ثلاثين عاما، (1964 ـــ 1991) وهو الذي قاد الحملة من أجل الاستقلال ووحد البلاد تحت قيادته، وقد أسس لذلك بتأسيس حزب سياسي قبل الاستقلال أي منذ 1959 تحت مسمى "حزب الاستقلال الوطني المتحد (UNIP) وظل في السلطة منذ الاستقلال وحتى 1991.

تجربة سياسية متجذرة

لا يُفهم سر تطور التجربة السياسية في زامبيا دون التوقف على التجربة النيابية في فترة الاستعمار البريطاني ففي 1918 تم انتخاب أول مجلس استشاري كان يقتصر على البريطانيين وتحت شروط معينة، وكانت تجرى الانتخابات كل عامين، كانت تتم زيادة أعضاء المجلس الاستشاري مع مرور الوقت وحسب التطورات، وفي فترة العشرينيات تم إنشاء مجلس تشريعي من عدد محدود أيضا. في 1953 تم تشكيل اتحاد روديسيا ونياسا لاند (مالاوي) وأجريت أو انتخابات اتحادية في نفس العام.

تشكل الحياة السياسية في زامبيا

مرت زامبيا وكغيرها من الدول الإفريقية بمخاض صعب بعد خروج الاستعمار الغربي، في سبيل تشكيل الهوية الوطنية والاتفاق على نظم الحكم التي تنازعتها التوجهات المحلية الضاربة في الخلافات الإثنية وبين الثقافة الغربية التي تركت تجربة قاصرة لا ترتقي لقيام نظام يُرضي الجميع:

1. تطور النظام الانتخابي بعد الاستقلال وزاد عدد مقاعد المجلس التشريعي الى 75 مقعدا وفاز في أو انتخابات حزب الاستقلال الوطني الذي أسسه كاو ندا ليصح أول رئيس وزراء من الوطنيين الأفارقة ويصبح بعدا أول رئيس لزامبيا المستقلة في اكتوبر 1964. 

2. مرحلة الحزب الواحد: أنشأ القانون الزامبي في 1972 دولة الحزب الواحد حيث تم حظر جميع الأحزاب ما عدا حزب الاستقلال وتم منع أي ترشح من خارج دائرته، وتم تكريس ذلك في الدستور( يتنافس على المقاعد أعضاء حزب الاستقلال ويعاد انتخاب الرئيس بشكل ثابت في كل دورة).

3. انتهت مرحلة الحز بالواحد في زامبيا في 1991 بعد تصاعد الضغوط من قبل المعارضة وارتفاع نسبة التأييد لها في الشارع السياسي ودخلت زامبيا مرحلة التعددية الحزبية لتفوز المعارضة ويحقق "فريدريك شيلوبا" فوزا ساحقا على المخضرم كاو ندا لتبدأ مرحلة التداول السلمي للسلطة والديمقراطية التعددية وتقدم زامبيا نموذجا في إفريقيا جنوب الصحراء.

أعيد  انتخاب شيلوبا في 1996 ليكمل فترتين من الحكم وفاز في انتخابات 2001 مرشح الحركة من أجل الديمقراطية المتعددة "ليفي موانا واسا" وأعيد انتخابه في 2006 ولكنه توفى قبل اكمال فترته الثانية، حيث أجريت انتخابات للفترة المتبقية من الدورة وفاز فيها "روبياه باندا" 

وفي عام 2011 فاز مرشح الجبهة الوطنية مايكل ساتا والذي توفى في 2014 وقبل اكمال فترته أيضا وأجريت انتخابات رئاسية في 2015 وفاز فيها حزب الجبهة الشعبية برئاسة "إدغار لونغو" على منافسه "هاكايندي هيشيليما" من حزب الاتحاد الديمقراطي الوطني.

انتخابات أغسطس 2021 

رصيد في التجربة الديمقراطية رغم تداعيات الجائحة العالمية 
تُجرى الانتخابات الرئاسية والنيابية في زامبيا في وقت واحد ولمدة (5) سنوات ولقد جاءت انتخابات 2021 في ظل أزمة اقتصادية حادة تسببت بدورها في أزمات سياسية لدرجة تخوف فيها المحللون للوضع في زامبيا من حدوث صدامات واعمال عنف. ، وتوقعوا أن تكون الأزمة الاقتصادية عنوان الصراع فيها.
ووفقا لمعهد التحليل الإفريقي وأبحاث الرأي "أفرو بارو ميتر Afro barometer" فإن زامبيا تقدُم على الانتخابات هذا العام وهي تعاني من تفاقم الفقر والجوع والتفاوتات الاقتصادية والعرقية، مما تسبب في حالة عدم اليقين لدى الجميع وأصبحت زامبيا أول دولة تتخلف عن سداد ديونها خلال جائحة كرونا، ودخلت في مفاوضات إعادة جدولة الديون مع صندوق النقد الدولي، ما فتح فرصة الفوز للمعارض المخضرم "هيشيليما" باعتباره خبيرا اقتصاديا ورجل أعمال.

تسجيل الناخبين

قامت اللجنة الوطنية للانتخابات منذ نهاية 2020 بتجميع السجلات القديمة وتنقيحها، حيث تم تسجيل ما مجموعه (7,023,499 ناخبا) وهو ما يمثل حوالي 83,5% من المواطنين المؤهلين بالرغم من أن بعض أطراف المعارضة ادعت أن سجل الناخبين السابق به 1,4 مليون شخص متوفى.

الحملات الانتخابية 

بدأت الحملات الانتخابية بعدد 800 مرشح للبرلمان من الحزبين الرئيسيين  المتنافسين والأحزاب المتحالفة معها على مقاعد البرلمان البالغة 156 مقعدا بينما ترشح لموقع رئاسة الجمهورية 19 مرشح من بينهم الرئيس "إدغار لونغو" ودفع كل مرشح لرئاسة الجمهورية مبلغ (95,000 كواشا) زامبي وهو ما يعادل (4,245 دولار) للجنة الانتخابات، وبالرغم من العدد الكبير الذي ترشح لرئاسة الجمهورية إلا أن المنافسة بات منحصرة بين اثنين وهما الرئيس "إدغار لونغو وهيشيليما هاكايندي" الذي خاض خمسة انتخابات سابقة وخسر فيها جميعا وتوقع له المراقبون الفوز في هذه الانتخابات لتعزيز موقفه بالتحالف مع عدد من الأحزاب السياسية.

حديث الصناديق ومعركة التصويت

ذهب الناخبون الزامبيون إلى صناديق الاقتراع يسكنهم هاجس عجلة الاقتصاد التي تدهورت ما افقد قطاعات عديدة فرص العمل، تدفعهم الرغبة في التغيير لرئيس يجد لهم حلا للضائقة التي تمر بها البلاد. 
في صبيحة 12 أغسطس فُتحت مراكز الاقتراع أمام الناخبين  لانتخاب الرئيس والجمعية الوطنية(البرلمان)، والبالغ عددها (12,152) مركز اقتراع على مستوى البلاد، وتوجه الناخبون للإدلاء بأصواتهم واختيار من سيقود البلاد خلال خمس سنوات قادمة.
أظهرت النتائج الأولية تقدم المعارض المخضرم "هشيليما"  ما دفع الرئيس إدغار أن يتقدم بتصريح أشار فيه أنه قد لا يقبل الهزيمة مشككا في نزاهة الانتخابات وأن هناك ثلاث مقاطعات لم تكن فيها الانتخابات حرة وهي مقاطعات توصف بأنها معاقل للمعارضة واتهم معارضيه بممارسة العنف ضد مناصريه إلى درجة القتل وأن وكلاءه في مواقع الاقتراع تعرضوا لمعاملة وحشية وطردوا من مواقع الاقتراع.
بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 71% وكانت النسبة الأكبر للشباب خاصة الفئة العمرية الأقل من 35 سنة، وجاءت النتائج على النحو التالي:
حصل المعارض "هشيليما"(59 عاما) على 2و3 مليون صوتا مقابل 1,4 مليون صوت للرئيس إدغار لونغو(61عاما) وكان "هشيليما" قد خسر انتخابات 2016 بفارق ضئيل، والذي خاض 6 انتخابات خسر منها 5 انتخابات. ولكي يفوز المرشح بالرئاسة يجب أن يحقق 50% من أصوات الناخبين وبالتالي يكون "هشيليما" قد تجاوز عتبة النسبة المطلوبة، وهو يمثل "الحزب المتحد للتنمية الوطنية" والمتحالف مع أكثر من 10 أحزاب أخرى. 
أعلنت اللجنة الوطنية للانتخابات فوز المعارض "هيشيلما هاكايندي" في الانتخابات الرئاسية ليصبح الرئيس السابع لزامبيا وقال رئيس اللجنة "إيسو تشولو" في تصريحات للصحافة في 16 أغسطس 2021 أن هشيليما جاء في المركز الأول ويليه إدغار لونغو(الرئيس) وحل ثالثا هاري كبالا(الحزب الديمقراطي( ورابعا إند يلفورد باندا(تحالف الشعب من أجل التغيير).

شهادات المراقبين

الاتحاد الإفريقي: أرسل الاتحاد الإفريقي فريقا من (30) مراقبا، يتشكل من (4) خبراء انتخابيين وفريق فني بقيادة الدكتور "أرنست باي كروما" الرئيس السابق لجمهورية سيراليون والدكتور "سيبسيوسا كازبيوني" نائب رئيس جمهورية أوغندا السابق مساعدا له،والسيد "بانكول أديوبي" مفوض الاتحاد الإفريقي للشئون السياسية والسلام والأمن، جاء في تقريرها: أن زامبيا تتمتع بسجل حافل من إجراء الانتخابات الديمقراطية بانتظام وفقا لالتزاماتها الوطنية والدولية وظلت مستقرة نسبيا منذ الاستقلال في 1964، استعرضت البعثة أهم ما قامت به للتأكد من صحة الإجراءات من زيارة الدوائر الانتخابية ومراكز الاقتراع وختمت تقريرها بتوصيات ورسائل موجهة إلى عدد من الأطراف المعنية بالعملية الانتخابية ابتداء بالحكومة ومفوضية الانتخابات وأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام. 

زامبيا تلهم الأفارقة

بعد فوز المعارض المخضرم في زامبيا سرت حالة من التفاؤل وحركت راكد الأوضاع السياسية في الجهات الأربع في محيط زامبيا خاصة وأن هشيليما نجح في المحاولة السادسة وهناك المعارض "رايلا أودينقا" في كينيا فشل (5) مرات وبدا متفائلا بفوزه في انتخابات 2022، وزعيم المعارضة المطارد في تنزانيا صرح كذلك بان الأمر ممكن وسيفوزون بتوحيد المعارضة كما فعل "هشيليما" أو ما قاله زعيم المعارضة في زيمبابوي حيث صرح بأن الدور قادم على زيمبابوي، وربما تكون هذه التجربة بداية لموجة الديمقراطية الرابعة في إفريقيا، فتصبح القارة السمراء خالية من النزاعات القاتلة التي ظلت تعانيها منذ 60 عاما هو عمر استقلال أغلب الشعوب الإفريقية.

خاتمة

بالرغم من تداعيات جائحة الكرونا التي عصفت بكثير من اقتصاديات البلدان الإفريقية إلا أن زامبيا سجلت رصيدا إضافيا في سجل تجربتها في الانتقال السياسي والتداول السلمي للسلطة والمثير فيها أن قطاعي الشباب والمرأة لعب دورا مهما في فوز "هشيليما" حسب عدد من التقارير ولكن ينتظر الرئيس الجديد عدد من الملفات والتي ستضعه في اختبار صعب وهي:
ــ خفض تضخم الدين المحلي والذي ارتفع من 36% الى 110% مما يضعف ثقة المانحين 
ــ محاربة الفساد 
ــ حل مشكلة هيمنة الجاز التنفيذي مقابل إضعاف الجهاز التشريعي ( لونغو قدم قانونا يحد من الرقابة التشريعية لصالح تقوية الجاز التنفيذي) وصفتها المعارضة بالدكتاتورية الدستورية.
وعد الرئيس المنتخب الناخبين قائلا: لن أخذل الشعب وأضاف أن المنتصر في هذه الانتخابات هو الشعب، فهل يفي بوعوده كما استجابت له القطاعات المختلفة أم تتعثر تحت الظروف الإفريقية المعروفة والتي لا تحتاج إلى استدعاء عادة .