انتخابات بوركينا فاسو 2020
ديمقراطية في طور الانتقال
تقرير تحليلي- محمد صالح
مقدمة
جرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 22 نوفمبر الماضي ، في بوركينا فاسو في أجواء من عدم الاستقرار والخوف من هجمات الجماعات المسلحة ، وكثير من القلق من تأثيرها على سير الانتخابات ، خاصة وأن البلد حديث عهد بالحكم العسكري القابض ، ولكن بتضافر الجهود وحرص كل الأطراف على إنجاح التجربة السلمية في الحكم نجحت التجربة ، وانتهت بسلام وتمكن الرئيس السابق روش كابوري من الفوز بالرئاسة من الجولة الأولى ، نسلط خلال هذه الورقة على التجربة السياسية لبوركينا فاسو ، وأهمية انتخابات 2020 لأن نجاحها يساعد على ترسيخ الحكم الديمقراطي وتؤكد على الانتقال إلى الحكم الراشد والتداول السلمي للسلطة.
نضالات بوركينا ضد المستعمر والعسكر
تقع بوركينا فاسو أو (أرض الرجال الشرفاء ) وهو معناها باللغات المحلية في غرب إفريقيا. وكان ايطلق عليها سابقاً "فولتا العليا". وهي دولة غير ساحلية يبلغ عدد سكانها 21 مليون نسمة بنسبة نمو سنوي تقدر ب 3,1% وعاصمتها واقا دوقو (OUAGADOUGOU) ومحاطة بست دول إفريقية هي: مالي ، النيجر ، بنين ، توغو ، غانا وساحل العاج وهي ضمن دول الساحل الغربي لإفريقيا.
منذ العصور الوسطى وحتى مجيء الاستعمار الحديث كانت منطقة بوركينا فاسوا التي عُرفت بفولتا العليا يحكمها شعب الموسى (بكسر السين المائلة)، ويذهب الكثير من المؤرخين أنهم وصلوا إليها من شمال غانا الحالية ، وظلوا يحكمونها حتى نهاية القرن التاسع عشر، حيث أسس "الموسى" خمس ممالك وهي: تنكوا دوقو ، باتينقا ، قورما ، زان دوما وواقا دقو.(1)
وصلت القوات الفرنسية فولتا العليا واستولت عليها عام1896 ، وواجهت القوات الفرنسية مقاومة من شعب الموسى ولكنها لم تدم طويلاً، حيث استولت القوات الفرنسية على العاصمة واقا دوقو عام1919 . وفككت فرنسا المستعمرة في1932 وقسمتها بين المستعمرات الفرنسية في ساحل العاج والسودان الفرنسي (مالي الحالية) والنيجر حيث تلقت ساحل العاج النصيب الأكبر منها والذي كان يضم معظم السكان ، إضافة إلى مدينتي واقا دوقو وبوبوا ديولا سو، ولكن في 1947 وفي تسوية مع زعماء سياسيين من فولتا العليا تمت إعادة إحياء مستعمرة فولتا العليا بحدودها السابقة كجزء من الاتحاد الفرنسي.
أصبحت فولتا العليا جمهورية ذات حكم ذاتي عام 1958 ، ووافقت فرنسا على استقلالها عام 1960 ليصبح أول رئيس لها موريس ياموقو بالاقتراع العام. حيث أمضى البور كينيون 60 عاما في النضال التحرري من أجل الاستقلال ، وستون أخرى بعد الاستقلال بحثا عن حكم وطني راشد إذ عانت البلاد مثلها مثل شقيقاتها الإفريقية مخاضاً عصيباً تمثل في صراعات كانت باهظة التكاليف أضاعت ما يزيد على نصف قرن من الزمان دون إنجاز يذكر ، بل خسرت البلاد موارد هائلة بشرياً ومادياً كان يمكن توظيفها في البناء والتنمية والازدهار.شهدت بوركينا فاسو 6 انقلابات ناجحة وحوالي 10 أخرى فاشلة منذ الاستقلال ولم تشهد البلاد حكماً مدنياً إلا في العام 2015. وتسلط هذه الورقة الضوء على تطور العملية السياسية في بوركينا فاسو بالتركيز على انتخابات 2020 باعتبارها تتويجا لنضالات البور كينيين طيلة الفترة التي أعقبت استقلال بلادهم ونقطة عبور تاريخية مهمة في سجل نضالاتهم الطويلة.(2)
تتمتع بوركينا فاسو بتنوع عرقي كبير حيث توجد 60 مجموعة عرقية يشكل الموسى نصفهم تقريبا (50%) ويتحدثون حوالي 70 لغة (يتحدث 52% لغة الموسى وهناك لغات أخرى مثل الماندي وديولا وبوبوا ساقوا إضافة إلى لغة الفولاني) ، وينقسم البور كينيين إلى قسمين أساسيين لكل منهم ثقافات وخلفيات سياسية مختلفة ، كانت تهيمن على المناطق الوسطى والشرقية زعامات قبيلة الموسى ، وفي أقاصي الشرق غو ما نشي وفي أقصى الشمال فلبي والطوارق والمناطق الغربية والجنوبية فيها عدد من المجموعات العرقية مثل بيشا وقور ونسي ولوبي.(3)
بوركينا فاسوا والأزمات المتكررة:
عاشت بوركينا فاسوا مراحل سياسية حرجة لفترة طويلة بسبب النزاعات والصراعات على السلطة ، مما أثر على الاستقرار السياسي في البلاد وتعاقبت هذه الأزمات لفترة لا تقل عن نصف قرن ، بدءاً من العام 1966 إلى العام 2014 حينما ألغى أول رئيس للبلاد موريس ياموغو الأحزاب السياسية في البلاد ، وتولى العقيد لاميزانا الحكم بعد موريس ياموغو وألغى بدوره العمل بالدستور وحظر أنشطة الأحزاب السياسية وأجرى استفتاءا على دستور جديد عام 1970 ولكن سرعان ما تم تعليقه عام 1974 لتتم الموافقة على دستور جديد عام 1977.
أزمة الثمانينيات:
نشبت أزمة أخرى عندما تمت الإطاحة بالرئيس أبوبكر سان قولي بانقلاب عسكري عام 1980 بقيادة العقيد ساي زيربو ، وتم تعليق دستور 1977 وحل الجمعية الوطنية وأطيح به في انقلاب آخر عام 1982 ، بعدها قاد العقيد توماس سنكارا انقلابا في 1983 وغير اسم البلاد إلى بوركينا فاسو ومعناها أرض الرجل الشرفاء ولم يلبث ان انقلب عليه صديقه بليز كومباوري عام 1987 بمساعدة فرنسا، واستمر كومباوري حاكما لما يقرب من 30 سنة ويستقيل تحت رفض البور كينيين تجديداً له مرة أخرى للاستمرار رئيسا ، وتنحى في 2014 ليقود البلاد أول رئيس مدني في تاريخها في المرحلة الانتقالية. (4)
أبرز التحولات التاريخية في بوركينافاسو:
حدثت في تاريخ بوركينا فاسوا انتقالات تاريخية يعتبرها البور كينيون منعطفات مهمة في تاريخهم والذي يلاحظ فيها أنها جاءت بهبات جماهيرية وضغوط من أجل المطالبة بحكم مدني ديمقراطي تعددي تمت الاستجابة لها بدرجات متفاوتة ، وحققت نسبة مقدرة من مطالب الشعب وتقليل تغول الجيش في الحكم:
الانتقال الأول: كان الانتقال الأول في 1991 عندما أُقر الدستور البور كيني بعد الأزمات التي مرت باها البلاد لفترة طويلة ، حيث تم فيه تحديد فترة رئاسة الجمهورية لأول مرة لفترة 7 سنوات في المادة(37) منه قابلة للتجديد لمرة واحدة وتم اعتماد الدستور عام 1991 وتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 1992 ولهذا يؤرخ لها البور كينيون بأنها بداية العملية الديمقراطية في البلاد. حيث اندلعت مظاهرات كبيرة عام 2000 بعد مقتل الصحفي البارز زنقوا (ZONGO) حيث راجت شكوك حول تورط الرئيس وأعوانه في الحادث وتحت الضغوط الشعبية تم تقليص مدة الرئاسة لتصبح 5 سنوات.
الانتقال الثاني: حكم بليز كومباوري فترتين بموجب الدستور القديم (14) سنة وثلاث دورات بموجب التعديل الذي جرى عام 2000 ولكنه لم يكتف بذلك بل اراد ان يُجري تعديلا آخر للتمديد لنفسه مرة أخرى بعد حكم 27 سنة للبلاد ، مما فجر الأوضاع في البلاد حيث بدأت المظاهرات في العاصمة وواجادوجو واتسعت باستيلاء المحتجين على مبنى التليفزيون وإضرام النيران في البرلمان مما اضطر أعضاء البرلمان من تعليق التصويت على التعديلات المقترحة ، والضغط على الرئيس كومباوري حت استقال وتم ترشيح العقيد اسحاق زيدا ، وهذه هي الانعطافة التاريخية الثانية التي وضعت البلاد في طريق الممارسة السياسية الديمقراطية السلمية في بوركينافاسو(5).
النظام الانتخابي في بوركينافاسو
أطلق البوركينيون على دستور 1991 دستور الجمهورية الرابعة والتي اعتبرت أن الأنظمة التي حكمت في 1960و 1974 و 1978 هي أنظمة دستورية والستة الأخرى خارجة على الدستور. ويقول الدستوريون في بوركينا فاسوا في وصفهم للدستور بأنه يؤسس لنظام يصعب وصفه بشكل دقيق ، فلا هو نظام رئاسي بالكامل ولا هو نظام برلماني بالكامل ففي الدستور تجد أن موقع رئيس الدولة وموقع رئيس الوزراء مهمان ، فالدستور لا يحدد بدقة أياً من هذين النظامين يصف بوضوح ، ولذل ذهب البعض إلى الوصف القائل بأن البلاد في مرحلة الانتقال انطلاقا من خلال فهم هذا الإشكال لأنه يؤسس لثنائية متوازية.
تجرى الانتخابات الرئاسية على جولتين وفي حالة فوز أحد المرشحين من الجولة الأولى تحسم الانتخابات. تضم بوركينا فاسوا 49 بلدية حضرية كبيرة ، و 302 بلدية ريفية و 45 مقاطعة ، وفي 2004 تم إدخال تعديلات على نظام التصويت فبدلا من الأقاليم أصبحت المقاطعات هي الدوائر الانتخابية ، كما تم تقليل حجم الدوائر ذاتها.
كان عدد مقاعد البرلمان 111 في السابق ولكن بعد تعديل تم إدخاله عام 2012 ارتفع إلى 127 مقعداً، منهم 111 يمثلون المقاطعات ويُنتخبون منها، و 16 ينتخبون على المستوى الوطني ، يتم انتخاب أعضاء البرلمان عن طريق التمثيل النسبي في 45 دائرة انتخابية متعددة الأعضاء ، تضم ما بين 2 و 9 مقاعد ، عضو الجمعية الوطنية يسمى نائب ويتم انتخابه لمدة (5) سنوات . ينعقد البرلمان دورتين عاديتين كل عام مدة كل منهما 90 يوما تفتتح الدورة الأولى في أول يوم أربعاء من شهر مارس ، والثانية الأربعاء الأخير من شهر سبتمبر ، الجلسات علنية إلا في حالات الضرورة فيحق له ان يغلق الجلسات. (6)
كان الرئيس كومباوري قد أسس غرفة نيابية تمثيلية من 120 عضوا وهي غرفة استشارية بحتة واعضاءها ممثلون لجماعات دينية وزعماء تقليديين ونقابات عمالية ومنظمات نسوية ومجموعات اجتماعية أخرى ، ولكن سرعان ما تم التراجع عنها عام 2002 ربما لأسباب اقتصادية إضافة إلى انعدام الجدوى منها ، وتم إعادة المقترح مرة اخرى عام 2012 ولكن لم يكتب له النجاح بسبب الاضطرابات التي انتظمت البلاد إلى أن اضطر كومباوري للاستقالة في نهاية الأمر.(7)
جهود الإصلاحات الانتخابية
يتضح من خلال تتبع التطور السياسي في بوركينا فاسو منذ الاستقلال ان الشعب البوركيني ظل يتصدى لكل محاولات تزييف إرادته وأسقط كل الانظمة القمعية التي حاولت أن تمارس الدكتاتورية والاستبداد في الحكم ، من خلال الاحتجاجات المستمرة مما دفع الحكام إلى محاولات الاصلاح الجزئي وبالرغم من كلفة كل ذلك إلا أنه في نهاية الأمر تمكن من الوصول إلى الديمقراطية والحرية التي يجب أن يتمتع بها كحق أصيل ، في التعبير عن حقوقهم في تأسيس الأحزاب دون وصاية من أحد ، ومما تشير إليه التقارير الدولية أنه بالرغم من الاستجابة الجزئية إلا أن الذي تم تحقيقه يعتبر ضئيلا مقارنة بما تحقق في عدد من الدول الإفريقية واحد أهم الأدلة على ذلك نجد أن بوركينا فاسوا صادقت على الميثاق الإفريقي للديمقراطية والحكم في 2010 ، وهو دليل واضح على تأخر بوركينا فاسوا في مضمار الحريات والديمقراطية وممارسة الحقوق كما تنص القوانين ذات الصلة ، ولكن ما هي الاصلاحات التي شهدتها العملية الانتخابية في ساحة الحريات والمساءلة في بوركينا فاسو:
1- تم تعديل القانون الانتخابي عام 2009 و 2010 بحيث تم تخفيض عتبة الأداء الانتخابي لتمويل الأحزاب من 5% إلى 3% من أصوات الناخبين.
2- تشديد القيود على المرشحين للرئاسة من خلال مطالبة كل مرشح بالحصول على الدعم من عدد من النواب في البرلمان الوطني أو أعضاء المجالس البلدية والريفية المحلية
3- وضع شرط أن يكون في القوائم الانتخابية للأحزاب ما لا يقل عن 30% من المرشحين من النساء ، ويتم معاقبة الأحزاب التي لا تقوم بذلك بتخفيض نسبة مشاركة قوائمها بنسبة 50%.
4- تجويد بطاقات الناخبين ــ حيث تطلب الأمر تقديم بطاقة هُوية تحمل صورة غير قابلة للتزوير والتلاعب ، في وقت التصويت ، على عكس تنوع المسموح به سابقا.
5- السماح للمواطنين المقيمين بالخارج بالتصويت بالرغم من الصعوبات العملية والتقنية والتكاليف التي تواجه الإجراء. ويعتبرها أصحاب المصلحة إصلاحات بطيئة بالرغم من أنها في الاتجاه الصحيح وحققت الكثير لمصلحة الاستقرار بينما يراها المعارضون للنظام ومؤسسات المجتمع المدني بانها فاقدة للمصداقية ووصفوها بانها عبارة عن تغييرات شكلية ولم تكن جوهرية .(8)
الانتقال الديمقراطي وانتخابات 2015
كما سبق الذكر يؤرخ البور كينيون لعام 2014 بانه عام تاريخي بكل المقاييس ، ذلك لأنه ولأول مرة في تاريخ البلاد يتم تعيين رئيس غير عسكري وهو الدبلوماسي ميشال كافا ندو فبعد استقالة كومباوري في 2014 توسطت مجموعة الإكواس لإيجاد مخرج للأوضاع في بوركينا فاسوا حتى لا تتراجع وتتدحرج للأسوأ ، وتثبيتا وضمانا للتغيير الذي تحقق.
انتخابات 2015
اعتبرت انتخابات 2015 في بوركينا فاسوا هي الأكثر تنافسية منذ عقود طويلة نسبة للحريات التي أتيحت في تشكيل الأحزاب ، وهي أول انتخابات تُجرى بعد رحيل الرئيس بليز كومباوري عن السلطة والذي حكم البلاد لفترة 27 عاما ، فاز في الانتخابات روس مارك كابوري من حزب الحركة الشعبية من أجل التقدم وقد حصل على 53% من الاصوات في الجولة الاولى. فيما يعتبرها البور كينيين ميلادا جديدا لهم ولبلادهم ، عززتها الانتخابات التي وُصفت بالحرة والنزيهة والاكثر تنافسية ، لأنها جاءت بعد ثورة مدنية على حاكم عسكري جاء للحكم بانقلاب ، ولأول مرة في تاريخ بوركينا فاسو يصوت الناخبون بنسبة 60% ، ولعب المعهد الديمقراطي الوطني وهي شبكة تضم 35منظمة مجتمع مدني دورا مهما في مراقبة الانتخابات ، كما عمل مع كافة الأحزاب السياسية من مختلف التوجهات لترتيب الأولويات التي تكسبها الأصوات ، خاصة وان هذه هي التجربة الديمقراطية الأولى التي يخوضها البور كينيون بعد صراع طويل مع الحكام العسكر وصراعاتهم على السلطة.(9)
• العملية الانتخابية تجري على اساس توافقي من خلال جلسات الحوار السياسي بين الائتلاف الحاكم والمعارضة
• تم تمرير التعديلات التي اقترحت على قانون الانتخابات بسلاسة ودون تعقيدات
4- تتحدث تقارير كثيرة عن حضور الحركة السنكارية في الشارع البور كيني نسبة إلى توماس سنكارا (رئيس بوركينا فاسو 83ــ 1987) والذي ما يزال انصاره يطالبون بمحاكمة قاتليه ، ويدعون إلى استعادة الثورة التي قادها تشي جيفارا إفريقيا إشارة إلى كارز ميته وقيادته لثورة تحررية من الاعتماد على الدول الخارجية وميله إلى محاربة التدخل الخارجي.