تقدير موقف

انقلاب جديد في أفريقيا.. ما الذي يجري في بوركينا فاسو؟

محمد صالح عمر
     مدير  آفروبولسي

 

يثير إعلان الجيش في بوركينا فاسو عزل الرئيس روش كابوري وتعليق العمل بالدستور وإقالة الحكومة وحل البرلمان وإغلاق الحدود؛ تساؤلات عديدة بشأن الأسباب الدافعة لذلك، كما أنه يسلط الضوء على وضع عدد من البلدان الأفريقية التي تعيش أوضاعا مشابهة.

وفي ظل فشل الحكومات الأفريقية في تحقيق الرخاء والنماء الاقتصادي لشعوبها، تبرز عدة تحديات من بينها النزاعات الداخلية، ووجود عدة جماعات مسلحة، فضلا عن الاضطرابات التي تغري الجيوش بالتدخل.
ولهذه الأسباب وغيرها تتسع رقعة الانقلابات في القارة السمراء، فخلال 15 شهرا شهدت أفريقيا نحو 5 انقلابات.

عنف وتمدد
ومنذ 2015 تمدد العنف المسلح إلى شمال بوركينا فاسو عابرا حدود دولة مالي وتوطدت أركانه، مع عجز واضح من قبل الحكومة، أو القوات الدولية الداعمة لها، في وضع حد له.

وكل هذه الظروف جعلت مواطني بوركينا فاسو يفقدون الأمل في حكومتهم أمام تحقيق المسلحين انتصارات على مدى 7 سنوات؛ مما خلق حالة من اليأس في صفوفهم (المواطنين).

وإليكم فكرة عن أهم الجماعات المسلحة النشطة في بوركينا فاسو:

- جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهي مجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة (JNIM).
- تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS): مع تكاثر الجماعات يصعب متابعة هذا التنظيم بسبب سرعة الانشطار والانضمام للتنظيمات في منطقة الساحل.
وحقق المسلحون انتصارات عديدة على قوات الحكومة البوركينية والمليشيات الموالية لها والقوات الدولية العاملة في المنطقة تحت عنوان عملية "البرخان" التي يسخر منها الأفارقة، لاعتقادهم بأنها تعمل على تقوية المسلحين أكثر من مواجهتهم.
وتشير الأرقام إلى أن التنظيمات قتلت 403 أشخاص بين مايو/أيار ونوفمبر/تشرين الثاني 2021، مقارنة بـ162 شخصا في الأشهر السبعة التي سبقتها.


شرارة الاحتجاجات
في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، قامت المنظمات المسلحة بمجزرة في الجيش البور كيني والمليشيات الموالية له، وقتلت في يوم واحد 53 من الجيش.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، هجمت المنظمات المسلحة على ثكنة عسكرية وقتلت 41 من الدرك الحكومي؛ مما أشعل شرارة التحركات احتجاجا على ما أسموه "ضعف القوات الحكومية وهزائمها المتكررة أمام الحركات المسلحة".

واندلعت الاحتجاجات في البداية في مناطق شمال البلاد لتضررها أكثر من غيرها، وتوعد الرئيس كابوري بمحاسبة المقصرين من الضباط، مؤكدا أن الحادث لن يمر من دون حساب، ولكن في الواقع لم يتغير شيء.

المأزق الفرنسي
في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، احتشد المواطنون في مدينة كايا (شمالي البلاد)، وأعاقوا مرور قافلة فرنسية وعطلوها أسبوعا كاملا، حتى تدخل الرئيس الفرنسي

وتتكون القافلة من 60 شاحنة و100 جندي فرنسي، وكانت تحمل أسلحة من ساحل العاج إلى النيجر في إطار عملية "برخان"، وحمل بعض المتظاهرين لافتات كتب عليها "كايا تقول للجيش الفرنسي عودوا إلى دياركم".

وفي المدينة ذاتها أسقط صبي يبلغ من العمر 13 عاما طائرة فرنسية صغيرة وحملوه على الأكتاف بوصفه بطلا، وردد المتظاهرون عبارات: "نحن لسنا بحاجة للجيش الفرنسي، يمكننا محاربة المسلحين بأنفسنا".

انقلابات وانشقاقات
وتفيد مصادر عديدة بأن المحاولات الانقلابية بدأت في أغسطس/آب 2021، ولكن لم يكتب لها النجاح، وفي بداية الشهر الحالي اعتقل 12 عسكريا، بينهم ضابط كبير، للاشتباه في تخطيطهم لزعزعة استقرار مؤسسات الدولة.

ووصف دبلوماسيون ما حدث بأنه شبه انشقاق في الجيش، ومنذ بداية الاحتجاجات في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أقالت السلطات كثيرا من المسؤولين العسكريين؛ مما دفع جهات أخرى ربما لاستغلال ذلك الوضع.

ورفع المتمردون عددا من المطالب، ومنها:

1- استبدال رئيس الجيش ورئيس المخابرات.
2- تخصيص موارد أكبر للحملة العسكرية ضد المسلحين.
3- تحسين الرعاية الطبية للجنود المصابين وتحسين أوضاع أسرهم.
4- رحيل الحكومة لعجزها وفشلها في التصدي للمسلحين.


مواجهات ومطالب
في صباح الأحد، وتزامنا مع احتجاجات مدنية فرقتها الشرطة في عدد من المواقع أهمها وسط العاصمة، ومع مطالبات هنا وهناك برحيل الرئيس كابوري ودعوة الجيش لتسلم السلطة، اندلعت المواجهات وأحرق المحتجون مقر الحزب الحاكم ومبنا حكوميا آخر.

وتمرد جنود في عدد من الثكنات العسكرية في 3 مدن -من بينها واغادوغو العاصمة- غاضبين من فشل حكومتهم في محاربة المسلحين، حيث بدأ إطلاق النار قبل الفجر بقليل، ثم عادت الأوضاع إلى الهدوء بعد ساعات من المواجهات.

وأعلنت الحكومة أنها تسيطر على الموقف تماما وأن الأمر لا يعدو أن يكون محدودا، لكن الجنود احتفظوا بالمواقع التي سيطروا عليها، وتجمعت في الليل أعداد من الشباب حول الثكنات العسكرية تطالب الجيش وتحثه على الاستيلاء على السلطة.

وحينها قال وزير الدفاع إن الاضطرابات اقتصرت على الثكنات العسكرية وإن الحكومة تواصلت مع الجنود المتمردين لمعرفة مطالبهم.

وربما كان هذا آخر ظهور لحكومة كابوري، ثم أعلنت بعدها حالة الطوارئ وحظر التجول بين الثامنة مساء والخامسة والنصف صباحا وتعطيل المدارس يومين وقطع الإنترنت عن الهواتف المحمولة.

تبدد الغموض
وبعد غموض ساد الموقف بسبب عدم معرفة الجهات التي تقف خلف الانقلاب، تأكد أمس الاثنين أن القوة التي تقف خلف الانقلاب هي القوات الخاصة، والمعروفة بقوات "الكوبرا"، وشارك في العمليات قائد المنطقة الثالثة المقدم بول هنري ساندوغو داميبا وهو العقل المدبر للعملية.

وتولى داميبا بالفعل مجموعة التدخل السريع والأمن في الشمال في "واهيقويا"، كما خدم في الشرق، وهو زميل المقدم إيمانويل زانغورانا الذي اعتقل على خلفية اتهامه بالتخطيط للانقلاب نهاية الشهر الماضي، وهو خريج المدرسة العسكرية بباريس.

وأعلنت القوات الخاصة عبر تلفزيون محلي حل الحكومة والبرلمان وإلغاء العمل بالدستور وإغلاق الحدود.

مصير الرئيس كابوري
وحمّل بيان الانقلابيين الرئيس الفشل في توحيد البلاد إزاء التحديات، وبينما تؤكد مصادر الانقلابيين أنه في قبضتهم من دون تحديد مكانه، تفيد مصادر أخرى في البلاد بأن الرئيس ورئيس البرلمان ورئيس الوزراء محتجزون في قاعدة "سانغولي لا ميزانا" الواقعة في العاصمة واغادوغو، في حين تشكك مصادر أخرى في أن الرئيس استطاع الهرب خارج البلاد.

تنديدات ومواقف​
وعقب هذه الأحداث، نددت عدد من القوى الإقليمية والدولية بالانقلاب، ودعت إلى احترام الدستور والحكومة المنتخبة وضمان سلامة الرئيس، حيث دانت المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا استيلاء الجيش على السلطة.

وقالت إنها تحمّل العسكريين المسؤولية عن سلامة الرئيس كابوري الذي لا يعرف مكان وجوده، معربة عن تضامنها معه ومع حكومته.

كما أعرب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي عن إدانته الانقلاب ضد الرئيس المنتخب ديمقراطيا، وطالب الجيش بضمان سلامة الرئيس الجسدية.

وطالبت واشنطن والاتحاد الأوروبي بالإفراج الفوري عن رئيس بوركينا فاسو، واحترام الدستور وقادة البلاد المدنيين، وحثت جميع الأطراف على الهدوء وجعل الحوار سبيلا لحل المشاكل.

الحصاد المر
يشار إلى أن الحرب في بوركينا فاسو حصدت آلاف الأرواح، وشردت 1.5 مليون مواطن، في حين فشلت محاولات قيادات المجتمع المحلية في فتح حوار مع المسلحين الذين يوصفون "بالمتشددين الإسلاميين" بسبب رفض المركز الفكرة من أصلها.

وبين فشل الحكومة وهزائمها المتكررة أمام المسلحين، وتمدد نطاق سيطرتهم لتصل إلى ما يقدره البعض بثلث مساحة بوركينا فاسو، مع قناعة ترسخت لدى المواطنين بأن التدخل الخارجي يلعب دور المغذي لانتشار الجماعات وتكاثرها وتقويتها وليس استئصالها؛ كان لا بد من حدوث الانفجار وهو ما توقعته جهات مراقبة كثيرة.

فهل تكون خطوة الجيش بداية لحسم انفلات المسلحين وتمددهم أم تكون بداية لانزلاق البلاد نحو حرب أشمل تضيف للمنطقة مزيدا من الاضطرابات وعدم الاستقرار؟
 


المصدر : الجزيرة