ترجمات

بؤر الصراع في القرن الإفريقي في 2022

ترجمة الباحث  عبده ديوف

أظهرت القارة الأفريقيّة ديناميكية كبيرة عبر سلسلة واسعة من الصراعات السياسيّة والمناكفة الجيوسياسية، منذ عام 2018. وعلى هذا الأساس، يُـتوَقع أن تشهد المنطقة عدوى عدم الاستقرار. شهد عام 2021 تصاعد التوترات والاشتباكات العسكرية بين إثيوبيا والسودان بسبب نزاع إقليمي، وتبعتها خلافات دبلوماسية بين كينيا والصومال حول منطقة بحرية متنازع عليها في المحيط الهندي. ومن جانب آخر، إنزلقت إثيوبيا إلى حرب أهلية مع المتمردين المتحالفين مع جبهة تحرير تيغراي الشعبية (TPLF) في منطقة تيغراي التي اقتربت من الاستيلاء على الحكومة بالقوة. 
 تعمقت الأزمات الانتخابية والسياسية في الصومال ممّا أدّى إلى مواجهة عنيفة وقصيرة بين القوى الموالية للحكومة والداعمة لكتلة المعارضة في العاصمة مقديشو. زاد النزاع الثلاثي بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن بناء سدّ النهضة الإثيوبي من احتمالية تصاعد غياب الاستقرار على مستوى المنطقة. وفي سلسلة النّزاعات السيّاسيّة في القارة، شهد الانتقال إلى الحكم المدني والديمقراطي ضغوطا كبيرة في أعقاب الخلل الوظيفي والتوسع العسكري في السودان. انضمت إريتريا إلى مسرح الصراع في إثيوبيا حيث تمّ رفع تقارير حول انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان وجرائم حرب محتملة؛ نتيجة إعادة فرض العقوبات الدولية على "أسمرا". من المنظور الجيوسياسية، شهدت المنطقة منافسةً عريضة ومزعزعة للاستقرار؛ وتنافسًا من قوى الشرق الأوسط خاصة تركيا وقطر من جانب، والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر (وإلى حدٍ ما إسرائيل) على الجانب الآخر. كما أدى التنافس العالمي بين القوى العظمى، بين روسيا والصين من جهة، والقوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، إلى فرض قيود مضيّقة تزيد الأزمات الإقليمية تعكيرا. وفي بيئة مضطربة كهذه، زاد الخصوم الجيوسياسيون المخاطر من خلال محاولة كسب النفوذ والسيطرة على الجهات الفاعلة المحلية وتشكيل الأزمات المحلية لصالح تخطيطاتهم الجيوسياسية. في عام 2022، ينبغي للمجتمع الدوليّ أن يراقب عن قربٍ منظومةَ المخاطر التّالية وأن يستعد بشكل ملائم للتخفيف من التداعيات المحتملة، ليكون بمقدوره منع عدم الاستقرار وغياب الأمن على نطاق واسع في القرن الأفريقيّ.

المرحلة الانتقالية المضطربة في السودان,
منذ سقوط الرئيس السوداني السابق ، عمر البشير، في عام 2019، أصبح الانتقال إلى الحكم المدني والديمقراطي  في السودان أمرًا حساسًا على نحو متزايد، بعد أن قُبض على الرئيس البشير- وإزاحته عن الحكم من قبل الجيش الذي أصبح رئاسة البلد بيديه. قام الجيش بشكل تدرجيّ تأخير أو إهمال الإصلاحات الضرورية، مما أدّى إلى تفاقم الخلل في الحكومة التي يقودها المدنيون برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ، وتقويض شرعية رئيس الوزراء. وكنتيجة لذلك ، لم يتم تحقيق المعالم الانتقالية الأساسية، بما في ذلك تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، ومراجعة الدستور، وإصلاحات قطاع الأمن، والاصلاحات اللازمة في المجالات الاقتصادية. والمطلب الأهمّ من كلّ ذلك؛ كمرحلة نهائية، وهي الانتخابات الديمقراطية، قد انحرفت عن مسارها بسبب تحول الحكم المنهك.
تَجسّد فشل الجيش في الانقلاب العسكري في أكتوبر 2022 ضد رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك. مع أنّ الانقلاب استغرق شهرًا واحدًا فقط، فقد خلق تحديين رئيسيين في السودان. أولاً: إستقال رئيس الوزراء بعد فترة قصيرة من إعادته لمنصبه بعد رفض المحتجّين الاتفاق المدني العسكري لإنهاء الانقلاب، تركت استقالته في الساحة السياسيّة فراغا مدنيّا في الحكومة الانتقالية في السودان، وحركةُ المحتجين غير المنظمة، وغياب الوضوح  في شأن التنظيم والجداول الزمنية لتعيين رئيس الوزراء المقبل، و بقاء الجيش قابضا على مفاصل السلطة. ثانيًا: تدخل الانقلاب في الجداول الزمنية المرسومة الانتقالية؛ ما أدّت إلى مراجعة اتفاقية الانتقال السابق وتأجيل الانتخابات الديمقراطية، والتي أفضى إلى إحتمالية إستمرار الاحتجاجات العامة والعصيان والصراع المدنيين، خاصة إذا استغل الجيش فترة الفراغ لتوطيد السلطة. وعلى هذا، يجب على المجتمع الدولي مضاعفة الجهود لحماية المرحلة الانتقالية ومساندة التنفيذ الكامل لاتفاقية الانتقال المنقحة لتجنب تصاعد أزمة سياسية كبيرة وحسّاسة في السودان.

الأزمات الانتخابية والسياسية في الصومال
كان من المفترض أن تُجري الصومال أوّل إنتخابات مباشرة في عام 2020، لكنها فشلت بسبب السياسات الداخلية وغياب الامكانيات والتّحديات الأمنية. عادت البلاد إلى نظام "الكلية الانتخابية" غير المباشر المستند إلى العشائر بموجب اتفاقية 17 سبتمبر 2020 بين الحكومة الفيدرالية الصومالية والولايات التي تشكل الفيدرالية. وعلى كلّ، فقد مرت ثلاثة مواعيد نهائية للانتخابات منذ ذلك الحين دون أن يكمل الصومال الانتخابات البرلمانية والرئاسية. وكنتيجة لذلك، إنتهت المدة (صلاحيّة الرئاسة الأولية) لكل من الرئيس محمد عبد الله محمد والبرلمان في فبراير 2021، الأمر الذي خلق أزمةً سياسية مع المعارضة والولايات أعضاء الفيدرالية في "بونتلاند" و"جوبالاند" والتي لا تعترف بشرعية الرئيس. إنّ محاولة تمديد كلا المدّتين أثارت مواجهات مسلحة هددت بزعزعة قطاع الأمن في البلاد وأعاد  البلاد مرة أخرى إلى حالة عدم الاستقرار.
مع أنّه تمّ إلغاء تمديد فترات الولاية، لا يزال الصومال في أعلى درجات التّعرض لمخاطر العنف السياسيّ وغياب الاستقرار نتيجة العوامل التالية: الخلاف الذي جرّى بين الرئيس ورئيس الوزراء حول الانتخابات والوظائف والسلطات، زاد  درجة حجم الخلل في الحكومة، كما انعكس سوء العلاقة بينهما في إهمال أمن الدولة وجداول الانتخابات. ومن جانب آخر، فإن المعارضة السياسية تزداد عدوانية لتأخير الانتخابات، ومع دعوى التّدخل الانتخابي من قبل الرئيس مؤخرا، لا يزال الخلاف العميق بين المناطق الفيدرالية الأعضاء في كل من "جوبا لاند" و"بونت لاند" والحكومة الفيدرالية الصومالية يزيد الأزمة الانتخابية تمددا إلى حدّ يُهدد الأمن القومي. في مواجهة الموعد النهائي لانتخابات فبراير 2022 ، فإن أي خطوات خاطئة أخرى ستهدد أمن البلاد واستقرارها بالإضافة  إلى تهديد شرعية الحكومة الراهنة.

صراع التيغراي في إثيوبيا
يظهر ]لمن يتابع الأحداث الجيوسّياسيّة في القارة[، أنّ النزاع المسلّح بين قوّات الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والمتمردين من جبهة تحرير "تيغراي" الشعبية في منطقة تيغراي، الذي بدأ في نوفمبر 2020، بدأ في التراجع، نفذّ البرلمان الإثيوبي ميزانية لإعادة البناء كما وافق على إنشاء لجنةٍ للحوار الوطني في ديسمبر 2021.  في حين يتّم إتخاذ خطوات موثوقة لإنهاء النزاع في البلاد سلميًا، يجب أن يتمحور التركيز على معالجة المسائل الأكبر حسّاسية والمتعلقة بالعنف العرقي والاضطهاد، والتهجير الجماعي للسكان، ودعوى المطالبات الإقليميّة بين منطقتيّ "أمهرة" و"تيغراي"، والتداخلات الدستورية، لمنع  انتكاس النزاع إلى العنف. ومن ثم، يجب على المجتمع الدوليّ أن لا يقف إلى حدّ إيقاف العنف فقط، ولكن يجب مساعدة إثيوبيا أيضا على حلّ النزاع ]العرقيّ [وبناء جوّ يسوده سلام مستقر مع حكومة تتمتع بشموليّة في حكم ] جميع مناطق البلاد[. إنّه لا يهدد عودة الصراع المسلح استقرار الحكومة فحسب، بل يهدد أيضًا وِحدة أراضي البلاد والوضع الإنساني والاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي.

الانتخابات العامة في كينيا
تبقى كينيا الدولة الأكثر استقرارًا في القارة الأفريقيّة، كما تعّد مرتكز استقرار المنطقة. لا تزال "نيروبي"  تقوم دائما بأدوار المحافظة على السلم والأمن في المنطقة، من خلال  مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كان تأثير كينيا ودورها مهمين في التخفيف من المخاطر السياسية والأمنية في المنطقة؛ حيث انخرطت بشكل كبير مجموعة من البلدان المجاورة في الأزمات والصراعات. 
على كلّ، ستُجري كينيا انتخابات عامة في أغسطس 2022، وهناك مخاوف حول المخاطر المحتملة من العنف السياسي والانتخابي. تُعرف الدولة بتاريخ مديد من العنف المرتبط بالانتخابات والذي سيؤثّر بشكل أساسي على المنطقة بأكملها. هل ستكون مصداقية ونزاهة وشرعية الانتخابات العامة لعام 2022 موضع تساؤل جوهري؟، -فإنّها كما ذُكر سلفاً- تمثّل تهديدًا كبيرًا ليس فقط لأمن واستقرار المواطنين في كينيا، ولكن لأمن واستقرار المنطقة برمّتها. وبالتالي يجب على المجتمع الدولي أن يركزّ على دعم انتخابات ذات مصداقية ودعم التحول الديمقراطي السلمي في كينيا من خلال المراقبة عن قرب لأنماط وسلوكيات الانتخابات ، وتقديم الدعم الفني الضروريّ.

الخاتمة
أظهر القرن الأفريقيّ مؤشرات على توطيد السّلم ومكاسبه المحتملة بعد عمليات إعادة الاصطفاف الدبلوماسي في عام 2018. ومع ذلك ، فإنّ إنغماسَ المنطقة بشكل متزايد في الصراعات والأزمات السياسية، والتي تهدد كلاً من مرتكزات الاستقرار الإقليمية والدول الهشة؛ فإنّه لا تزال هناك آفاق واسعة حول غياب الاستقرار يمكن التنبؤ به. إن جهود إعادة البناء والاستقرار في الصومال، والتحولات الديمقراطية في إثيوبيا والسودان، وربّما الآمال في السلم الديمقراطيّ في السياق الإقليمي، تبقى كلّها على المحك. في حين أن الجهود الإقليمية لاستعادة الاستقرار تبدو فضفاضة، فقد أثبت المجتمع الدولي أنّه يتمتع بنفوذ قويّ على الجهات الفاعلة المحلية بدرجة يقدر على السيطرة وتوجيه تراجع ]المناكفات[ وإجراءات الحفاظ على السلم. وبناء على ذللك، ينبغي للمجتمع الدولي أن يكثّف جهوده وأن يعمل في شراكة مع الجهود الإقليمية، من أجل معالجة مواقع بؤر الصراع الحالية بشكل مثمر. وهذا من شأنه أن يساعد على تفادي المزيد من التصعيد وإيقاف الأزمات المستعصية لتجنب المزيد من عدم الاستقرار الإقليمي. عند القيام بذلك، يجب التركيز بشكل خاص على إدارة التأثير المزعزع للاستقرار من قوى الشرق الأوسط في المنطقة.


المصدر: مركز القرن الإفريقي للدراسات الاستراتيجية 
الكاتب: Edmond J. Pamaba