تقدير موقف

تشاد: ما بعد ديبي

محمد صالح عمر

مسؤول وحد الدراسات في الأفروبولسي


في العام 1990، تحرك إدريس ديبي من السودان تحت ضغوط حكومة الانقاذ حديثة العهد والتي كانت تبحث عن استقرار الوضع الداخلي والتصالح مع الجيران، وهو ذات ما جرى للمعارضة التشادية التي دخلت من ليبيا تحت ضغوط الوضع الذي استجد بعد التشكيل الأخير للحكومة بين الأطراف المتصارعة مما اضطرهم لخوض غمار المعركة التي لم تسكت بنادقها بعد، فلم يخطط ديبي لخوض معركته التي مكنته من الحكم وكذلك لم تفعل معارضته الحالية.
جاء مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي إيتنو يوم الثلاثاء 20 أبريل في حوالي الساعة الواحدة صباحًا، إثر قتال بين الجيش التشادي ومتمردي جبهة التناوب والوفاق في تشاد (FACT)، بالقرب من ماو في منطقة كانم في وسط البلاد ليشكل لحظة فارقة على نحو مفاجئ في البلاد. وكان ديبي قد أعيد انتخابه لولاية سادسة على التوالي. يشك بعض المراقبين في هذه الرواية للأحداث ويقدمون فرضيات أخرى غير مؤكدة حول ظروف وفاته، بما في ذلك اجتماع تفاوضي مع أعضاء FACT الذي يُزعم أنه تحول إلى إطلاق نار.
وفي ضوء ذلك تعيش تشاد لحظات فارقة في تاريخها الحديث ستغير الكثير في الخارطة السياسية على المستويين الداخلي والخارجي. وتعيش تشاد منذ عقود في حالة صراع على السلطة وبعيدة عن صيغة حكم ترضي الأطراف المتنازعة على الحكم داخليا، وفي نفس الوقت، طلت تسجل حضورا خاجيا معتبرا في مجموعة دول الساحل والصحراء.


ضعف داخلي وهيمنة خارجية


أبرز المشكلات في تشاد يمكن تلخيصها في أمرين الأول: هشاشة بنية الدولة والثاني: الهيمنة الفرنسية ولكل إفرازاته ونتائجه وتداعياته، فبعد ستين سنة من الاستقلال  تصنف تشاد في ذيل الدول الإفريقية من حيث بناء نظام الحكم ومؤسسات الدولة والبنى التحتية للمجتمع فقد صنفها البنك الدولي في التريب 186 من أصل 189 دولة وهو ما يعكس الصعوبات التي تواجهها في البناء وطبيعة اسبقيات حكام تشاد في السير بالدولة من مرحلة إلى أخرى وهذا جوهر اسباب التقلبات منذ الإستقلال وإلى اليوم، أما الهيمنة الفرنسية على توجهات حكام تشاد فقد كان ما يقودها هو مصلحة فرنسا في استمرار هيمنتها ولم تقدم شيئا في مجال بناء القدرات أو في تطوير مؤسسات حلفائها من الحكام بل ظلت في حالة استطقاب النخب العسكرية واهملت تماما المجتمع المدني ولعل الواقع الماثل اليوم خير دليل على ذلك.
في نفس الوقت، تحظى فرنسا بنفوذ يكاد يعتبر الأكبر في تشاد مقارنة بدول إفريقيا. وتنشر فرنسا نحو 5100 جندي في أنحاء المنطقة في إطار الجهود الدولية لمحاربة المتشددين الإسلاميين، بما في ذلك قاعدتها الرئيسية في العاصمة التشادية نجامينا.وكانت فرنسا قد قدمت دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا ضد تمرد جديد بدأ هذا الشه ، لكنها توقفت عن اتخاذ إجراء مباشر وسط تزايد القلق في الأوساط السياسية المحلية الفرنسية من احتمال فوز ديبي بإعادة انتخابه للمرة السادسة ، لتمديد 30 عامًا في السلطة. لكنها عاودت وتدخلت لصالحه بعد تقدم لقوات المعارضة التشادية القادمة من ليبيا.


تشاد في وجه العاصفة


مع الفراغ المفاجئ الذي أحدثه رحيل ديبي تدخل تشاد مرحلة يصعب التكهن بطبيعتها إذ تواجه البلاد أوضاعا هشة في اتجاهاتها الأربعة ففي الشمال المعارضة المعروفة وفي الغرب بوكو حرام واخواتها وفي السودان تداخلات بين البلدين يصعب على أمهر جراح الفصل بين مشكلاتهم وفي الجنوب ردات فعل سالبة جراء تدخلات ديبي السابقة في افريقيا الوسطى، وفي المركز حالة المخاض الراهنة والأيدي القابضة على الزناد تنتظر صافرة البدء لتهرول نحو قصر الحكم، فالمشهد ضبابي ومعقد، لأن الوسط التشادي يفتقر إلى لفكرة المركزية ونقطة التقاء فالرغبة في الإقصاء هي القاعدة، وهو مركز المشكلة وعقدة الحكاية والمهدد الذي يمكن ان ينسف فرصة الوصول إلى توافق يجنب البلاد شبح التمزق والإنفصال.ومشهد مثل هذا بحاجة إلى معجزة وحالة من استعداد استثنائية لتجاوز المرارات السابقة.


مستقبل الحكم في تشاد ومآلاته


من المرجح أن يبقى الجيش التشادي حاضراً في المشهد السياسي التشادي بقوة إذ تعتبره القوى الخارجي وفرنسا على وجه التحديد صمام أمان في بلد تكثر فيه الجيوش العرقية والمليشيات القبلية. ويأتي اختيار نجل الرئيس الراحل رئيسا للمجلس العسكري احد أهم الأدلة على ذلك بالرغم من نص الدستور الواضح في تولي رئيس البرلمان موقتا رئاسة البلاد. ولكن هشاشة الأوضاع في إفريقيا تتيح للجيوش فرصة الحكم وربما استدامته إلى اجل غير مسمى. وفي ذات الوقت تسعى الاحزاب السياسية للعب دور في الفترة المقبلة في تشاد، وذلك لتوافر نضج سياسي معتبر في الفترة الفائتة وبروز قيادات سياسية تتحدى سلاح التغييب الذي استخدم ضد القوى السياسية المعارضة. وقد برز في هذا السياق الكثير في الانتخابات التي جرت في ابريل الجاري. ويمكن اعتبار الفترة الانتقالية المعلنة فترة انتقال تاريخي إذ ما تحلت القوى المختلفة بالوعي باللحظة التاريخية التي يمكن ان تنقلهم إلى ما يحقق للجميع طموحاتهم.
زوال حكم الرئيس ديبي يعتبر هدف للمعارضة وهو ما كانت تسعى إليه ولكن كيف تفكر فيما تبقى من مسافة الوصول إلى قصر الحكم، فالتجارب السابقة غير مشجعة إذ وصلت المعارضة ابواب القصر الرئاسي وتقهقرت إلى خارج الحدود في 2008 فهل تسعى إلى بحث نقاط التقاء مع القوى السياسية من ناحية ومع الجيش وصولا إلى تقاسم السلطة ومغادرة نظرية الإقصاء والمعادلة الصفرية، لأن ايا من أطراف المعارضة التشادية لم يطرح قضية انفصال او تقرير المصير.
ستظل الفواعل الخارجية حاضرة في المشهد السياسي التشادي خاصة فرنسا والولايات المتحدة حيث لعبت تشاد دورا في محاربة الجماعات المسلحة المناوئة للغرب في منطقة الساحل الإفريقي الغربي وما تمثله من موقع يربط بين شرقي القارة وغربها وما يمثله ذلك من أهمية للقوى الغربية، إضافة إلى ظهور الصين كشريك في النفط التشادي وروسيا كمورد للسلاح وتواجد عناصر المرتزقة الروس في عدد من الدول المجاورة لتشاد وما قد تشكله من تهديد لنفوها.
المشهد التشادي مشهد يتكرر في إفريقيا وربما هذه المرة يشهد ميلاد مختلف إذا توفرت بعض العوامل أولها توفر وساطة إفريقية تعرف طبيعة المشهد ابتداء من مجموعة الإيكواس والإتحاد الإفريقي وتقليل فرنسا والدول الغربية من التدخل في تعميق الخلافات حتى تتمكن تشاد من العبور من حالة الإحتراب المستمر إلى الإستقرار والتنمية والازدهار في بلد تعيش فيه ما يزيد على 200 مجموعة عرقية بمجموع 16 مليون نسمة وهو أمر ليس سهلا ولكنه ليس مستحيلا.