لم يكن إعلان نتنياهو في 26 ديسمبر الماضي، بالاعتراف بمنطقة “أرض الصومال” الانفصالية كدولة مستقلة، سوى خرق فاضح للنظام الدولي القائم، ونموذج عملي لعالم آخذ في الانفلات من الضوابط المتعارف عليها، حيث تُستبدل الشرعية الدولية بصفقات تُقايض السيادة الوطنية للدول بحسابات أمنية غامضة المحتوى. وبحسب البيان الصادر عن نتنياهو، فإن هذا الاعتراف يدشّن إقامة مرحلة جديدة من إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين هرجيسا وتل أبيب، ويحدد أربع مجالات للتعاون في إطار ما وُصف بـ”تقديرات متبادلة ” بين الطرفين، تتعلق بـ”محاربة الإرهاب وتعزيز السلام الإقليمي” بالنسبة لنتنياهو، وبـ” التزام” عِرو بـ” تعزيز السلام والاستقرار”، بما يتوافق مع “الاتفاقيات الإبراهيمية”.
ويشير البيان إلى أن الإعلان جاء استجابةً لطلب تقدّم به عِرو، واستنادًا إلى ” القيم المشتركة ” و” المصالح الاستراتيجية” و”روح الاحترام المتبادلة التي يشترك فيها الشعبان” وفق الصيغة المعتمدة. ويبدو أنّ الإعلان جاء نتاجَ عمليةٍ ذات طابعٍ استخباراتي، أُخرج بأسلوبٍ أقرب إلى المشهد السينمائي؛ إذ قُدِّم عبر مكالمةٍ مرئية بين الطرفين، وصيغ في أوراقٍ حُجبت أجزاؤها الجوهرية، ولم يُكشف منها سوى ذيلٍ موقَّعٍ بين نتنياهو ووزير خارجيته، وظلّ الثمن الحقيقي الذي وافقت إسرائيل بموجبه على منح هذا الاعتراف طيَّ الكتمان، فيما جاءت الزيارات المتبادلة التي تلته متخفّيةً من الجانبين. وبهذا الإخراج، يتشابه الإعلان سياسيًا مع منهج مذكرة التفاهم الموقَّعة بين آبي أحمد وموسى بيحي غرّة عام 2024، التي سعت إثيوبيا من خلالها إلى مقايضة أصولٍ صومالية سيادية ثابتة (الأرض والمياه) بمكاسب غير ثابتة، مثل الاعتراف السياسي وحصّة في شركة الخطوط الجوية الإثيوبية
ويبدو أن هذا الإعلان قد فخّخ قضية هرجيسا، وحوّلها من قضية محلية ذات جذور معروفة وأهداف مفهومة إلى حلقة ضمن مشروع دولي–إقليمي يهدف إلى تقويض سيادة الدول والقضاء على هوياتها المجتمعية، وذلك عبر تكريس الهويات الفرعية في دول مستهدفة بعينها، من بينها الصومال. وأحدث الإعلان ارتباكًا جديدًا في منطقة القرن الإفريقي، لكنه في المقابل أسهم في توفير دعم غير مسبوق للصومال في مساعيه الدائمة للحفاظ على وحدة أراضيه. وكشف الإعلان بوضوح أن الأزمة في هرجيسا تعكس في جوهرها فشل النخبة السياسية في البلاد، التي تتصرف بعقلية أنانية تفتقر إلى الحلول العلمية وطرح الرؤى البديلة، وتتهرب من مواجهة الحقائق والتحديات المستمرة، وتتخذ خطوات تكتيكية غير موفقة تميزت بالاعتماد شبه الكلي على الدعم الخارجي بدلاً من بناء التأييد الداخلي لموقفها الوطني. وبالإضافة إلى ذلك أبرز الإعلان عمق الترابط والتشابك بين أزمات الإقليم، من الصومال إلى اليمن وصولًا إلى السودان، ووحدة الأجندات ومصادر الدعم الإقليمي النافذ عبر التسلّل إلى داخل بنية الدول والدفع بإعادة تشكيل مؤسساتها الوطنية. وأعاد الإعلان التأكيد مجددًا على الحاجة الملحّة أمام الصومال لإجراء مراجعة شاملة تعزز وحدته الداخلية، وتمكّن حكومته من الاستعداد الجاد لمواجهة التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، وتضمن له إيجاد حلفاء قادرين على توفير الدعم الكافي والتحرك بسرعة عند اللزوم.
الاتفاقيات الإبراهيمية ومذكرة التفاهم بين صومالاند وإثيوبيا عام 2024
تسعى الاتفاقيات الإبراهيمية، التي أطلقتها الولايات المتحدة في عهد ترامب الأول، إلى تطبيع العلاقات بين دول عربية وإسلامية وإسرائيل، عبر تجاوز مركزية القضية الفلسطينية كمحدِّد أساسي في العلاقة بين إسرائيل والدول العربية، والتعامل معها على أنها دولة طبيعية يمكن مدّ جسور التعاون معها، بدل اعتبارها دولة احتلال ذات مشروع إحلالي معلن في رؤيتها الاستراتيجية وخطاباتها السياسية العامة. ويعني انخراط هرجيسا في هذا المسار مطالبتها بتناسي موقفها الأخلاقي والتاريخي من إسرائيل، مقابل مكاسب سياسية مشروطة باستعدادها لإعادة توطين مهجّري غزة قسرًا، أو الدخول في ترتيبات عسكرية وأمنية باهظة الكلفة تفرض عليها التزامات دائمة.
والقاسم المشترك بين الإعلان الحالي ومذكرة التفاهم الإثيوبية السابقة يتمثل في تجاهل السيادة الصومالية، والالتفاف على شرعيتها السياسية، والرهان على التواقيع الورقية، إضافة إلى استهداف مياه خليج عدن، والقفز فوق المواثيق الدولية واللإقليمية وكذلك قواعد النظام الدولي المتعارف عليه. كما أن كلاً من الاتفاقيات الإبراهيمية ومذكرة التفاهم الإثيوبية يلتقيان على قاعدة استراتيجية مشتركة لدى إسرائيل وإثيوبيا، تقوم على الركائز الثلاث التالية:
(1) تفكيك الدول المجاورة عبر تغذية الانقسامات الداخلية وإضعاف المركز السيادي.
(2) السعي إلى إنشاء قواعد بحرية في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن، بما يضمن لهما حضورًا عسكريًا دائمًا.
(3) تطويق الخصوم الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر والسعودية وتركيا، عبر الضغط الجيوسياسي غير المباشر بدل المواجهة المباشرة.
علاقة اسرائيل بالمنطقة والأهداف المتبادلة فيما بينهما
يمثّل إعلان الاعتراف تتويجًا لمسار طويل من الاتصالات والعلاقات غير المعلنة بين الطرفين. ويعود اهتمام إسرائيل بمنطقة القرن الإفريقي إلى جذور تاريخية قديمة، تمتد إلى القرن التاسع عشر، حين طُرحت المنطقة الشمالية من الصومال الممتدة إلى مدينة ” هرر” التاريخية كأحد المواقع المحتملة لتوطين اليهود. ولاحقًا، دعمت إسرائيل الحركة الوطنية الصومالية المعروفة بـ SNM التي جاءت من رحمها الشرعية المحلية لحكم هرجيسا، وسعت إلى تقويض النظام المركزي الصومالي في سياق صراعات الحرب الباردة وتفكك الدولة. وتعززت هذه الاتصالات خلال فترتي حكم محمد حاجي إبراهيم عجال (1993–2002) وطاهر ريالي (2002–2010)، تحت مظلة المساعدات الإنسانية والتواصل السياسي غير الرسمي، قبل أن تتطور عبر قنوات غير مباشرة وزيارات متبادلة في عواصم إقليمية راعية للموضوع، وصولًا إلى الإعلان الراهن عن تبادل الاعتراف الدبلوماسي.
وبحسب الرئاسة الصومالية، تتمثل الأهداف الإسرائيلية الرئيسية في: ” إنشاء موطئ قدم عسكري في خليج عدن، ودفع هرجيسا إلى “القبول بتوطين فلسطينيي قطاع غزة المُهجَّرين قسرًا”، إلى جانب “إدماجها ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية عبر بوابة القرن الإفريقي”. وتسعى إسرائيل، في هذا الإطار، إلى تحقيق حزمة أهداف استراتيجية مركبة، تشمل ضمان الوصول البحري إلى خليج عدن، وتعزيز القدرة على مراقبة الحوثيين، والضغط غير المباشر على إيران، فضلًا عن مراقبة حركة تركيا في المنطقة وتطويق الخصوم الاستراتيجيين عبر إعادة تشكيل البيئة الأمنية لدول البحر الأحمر من العمق الجغرافي الإفريقي. كما يندرج هذا التوجه ضمن سياق التنسيق الاستراتيجي عالي المستوى القائم منذ سنوات بين إسرائيل وإثيوبيا بشأن قضايا البحر الأحمر وخليج عدن، بما يتيح لإسرائيل دعم المصالح الإثيوبية التي تعذّر تحقيقها بوسائل مختلفة خلال السنوات الأخيرة. ويستند نتنياهو في هذا التوجه إلى فرضية وجود “أرضية مشتركة” بين إسرائيل وهرجيسا، تقوم – وفق تصوره الواهم – على اعتبارهما “واحتين ديمقراطيتين” في محيط إقليمي مضطرب، تواجهان تهديدات الجماعات المسلحة العابرة للحدود وتعانيان من أشكال مختلفة من العزلة السياسية. غير أن هذه المقاربة تظل محل تشكيك واسع نظرًا لطبيعتها الانتقائية وتجاهلها للسياقات القانونية والسيادية القائمة.
وأسّس هذا الإعلان لحالة من الارتباك العميق في التفاعلات السياسية والأمنية داخل دول القرن الإفريقي، وفتح المجال أمام إعادة تشكل الاصطفافات والتحالفات الإقليمية بما يخدم مصالح متشابكة ومتعارضة في آن واحد. ويبدو أن انعكاسات الإعلان جاءت سلبية، بل عكسية، على قضية هرجيسا نفسها، إذ أسهم في تقويض التوافق المجتمعي حول مشروع الانفصال، واستفز الحوثييين، ونشّط انتباه الجماعات المسلحة المحلية تجاه هرجيسا، ونبّه كذلك الاتحاد الإفريقي إلى مخاطر تفكك الخرائط السياسية لدوله الأعضاء، وسرّع من وتيرة انخراط دول البحر الأحمر في الملف الصومالي وحلفاء الصومال التقليديين، وكشف بوضوح الدور الوظيفي–التفكيكي الذي تضطلع به دولة الإمارات على ضفتي خليج عدن ضمن ما يُعرف بفضاء “أفرابيا”، ومنح الدولة الصومالية دعمًا إقليميًا ودوليًا غير مسبوق من حيث مستوى الالتفاف حول قضيتي الوحدة والسيادة الوطنية.
معضلة سردية هرجيسا بين الوحدة والانفصال
تستند سردية هرجيسا الانفصالية إلى مجموعة من الادعاءات التاريخية والسياسية، في مقدمتها القول بغياب العدالة في تقاسم السلطة داخل الدولة الصومالية منذ قيام الوحدة عام 1960، وما تعرضت له من انتهاكات جسيمة خلال فترة الحكم العسكري (1969–1991). ولا شك أن هذه الوقائع، وخصوصًا ما ارتبط منها بحقبة النظام العسكري، تشكّل جزءًا حقيقيًا من الحقائق التاريخية المرّة التي خلفها الحكم العسكري في البلاد، ولا يمكن إنكارها أو التقليل من آثارها الإنسانية على الذاكرة المجتمعية للكثير من السكان. غير أن الإشكالية المنهجية في هذه السردية تكمن في تحويل تلك المظالم إلى مسوّغ حصري لمشروع الانفصال، دون إخضاعها لقراءة موضوعية تراعي السياق العام للدولة الصومالية وأقاليمها المختلفة. فالمراجعة التاريخية تُظهر أن اختلالات تقاسم السلطة، وضعف المؤسسية، وانتهاكات الدولة الجسيمة لم تكن محصورة جغرافيًا في الشمال، بل طالت معظم الأقاليم الصومالية بدرجات متفاوتة، واشتدت درجة المجازفة العسكرية على حسب قدرة المجتمع المحلي على التصدي لها وليس على تكثيف جهة دون أخرى.
وتواجه السردية الانفصالية إشكاليتين قانونيتين رئيسيتين:
الأولى: أن الوحدة الصومالية عام 1960 نشأت نتيجة اندماج كامل بين الشمال والجنوب عبر عملية سياسية وقانونية أعلن فيها قيام دولة واحدة ذات سيادة، وحصلت على اعتراف دولي كامل، وألغى البرلمان الصومالي الموحد كافة الأوضاع السياسية والقانونية السابقة عنه ، باعتبارها آثارًا استعمارية وضعت في عهد كانت الإرادة الوطنية مصادرة، وكثير منها لم يكن متوافقًا مع الاتفاقيات التي أبرمتها القوى الاستعمارية مع السلطات والمكونات القبلية، وخاصة في المنطقة الشمالية. وبموجب قواعد القانون الدولي العام، ولا سيما مبدأ استمرارية الدولة (State Continuity)، تبقى السيادة الصومالية قائمة ما لم يتم تعديلها عبر مسار قانوني يأتي عبر انفصال مرضٍ بين الطرفين المتوحدين، واستفتاء شرعي شامل يحظى باعتراف الدولة الأم وبدعم المنظمات الدولية.
الثانية: أن مبدأ حق تقرير المصير، الذي تلجأ إليه سردية الانفصال، يعاني من التباس مفاهيمي؛ إذ يميّز القانون الدولي بين تقرير المصير الداخلي (ضمن الدولة الواحدة) وتقرير المصير الخارجي (الانفصال)، ولا يُلجأ إلى الأخير إلا في حالات وجود الاحتلال أو الحكم الاستعماري أو الحرمان البنيوي الدائم من الحقوق بطريقة مميزة وممنهجة، وهو شرط يصعب إثباته في الحالة الصومالية بعد انهيار الدولة المركزية، حيث غابت السلطة عن الجميع دون استثناء. وهذا يعني أن تقرير المصير الخارجي غير وارد في حالة هرجيسا، لأنه لا توجد سلطة خارجية تفرض إرادتها قسرًا، ولا سلطة محلية تتعامل مع السكان بتمييز وإقصاء مثبت من حقوقهم الوطنية. وعليه، فإن سردية هرجيسا تعاني من ضعف في بنيتها القانونية، وتعتمد في استغلالها على ضعف الدولة الصومالية لصالح مشروعها، بدلًا من الاعتماد على مسار تفاوضي مؤسسي يعالج جذور الأزمة ضمن إطار الدولة الواحدة أو عبر تسوية متفق عليها، وهذا ما يفسّر عجز المشروع الانفصالي عن الانتقال من واقع الأمر الواقع (De Facto) إلى وضع الدولة المعترف بها (De Jure).
أما الضعف السياسي الآخر المصحوب بسردية هرجيسا، فيتمثل في سيادة البلاغة اللغوية على حساب الحقيقة، بحيث أصبحت البيانات الجغرافية والحقائق التاريخية ضحيتين لهذه السردية السياسية. ويضاف إلى ذلك فقدان التوافق المجتمعي حول خياري الانفصال والوحدة معًا، إلى جانب غياب أدوات متاحة لمعرفة القاعدة الحقيقية لدعم ممثلي مشروع الانفصال مقارنة بالحاضنة المؤيدة للوحدة. ويعود ذلك إلى انعدام الدراسات الاستقصائية المستقلة التي تقدم بيانات موثوقة حول الخرائط الديموغرافية والجغرافية لكلا الطرفين، فضلًا عن غياب أجواء سياسية تتيح للطرفين عرض مشروعيهما على نحو متكافئ. وبعبارة أخرى، ووفقًا للمتغير الحاصل في ولاية شمال شرق الصومال الجديدة، فإن المساحة الجغرافية لـ صومالاند تقلصت كثيرًا، بحيث أخذت الولاية الجديدة حيز الثلث تقريبًا بعد انسحاب سكانها نهائيًا من خريطة صومالاند القديمة. ومع ذلك، فإن السردية السائدة لا تأخذ هذين المتغيرين الديموغرافي والجغرافي بعين الاعتبار، وما زالت متمسكة بأرقام بعيدة عن الدّقة، الأمر الذي يؤكد صحة مقولة تغييب الحقيقة في هذه القضية، ويترك حالة من الحيرة لدى الساعين إلى الانفصال من مريدي الوحدة.
وينكر أصحاب المشروع الانفصالي اليوم ثلاث حقائق أساسية قائمة في المشهد السياسي الصومالي:
أولًا:
إن المجتمعات ذات البنية القبلية في تكوينها الاجتماعي تتسم حياتها السياسية بتجدد بؤر النزاع في بيئاتها المحلية، وممارسة قادتها السياسية للتحيّز لصالح انتمائهم القبلي أو المحسوبية تجاه جهات خاصة، وعليه، فإن التحيزات السياسية التي سادت في العهد المدني، أو الفظائع التي ارتُكبت خلال فترة الحكم العسكري، يمكن إدراجها ضمن سياق مجتمع يودع مصيره السياسي بشخص مطلق الصلاحية، أو بيد نخبة محدودة تستفيد من استدامة وضع معين، بدلًا من بناء مؤسسات قادرة على أداء وظائفها الدستورية بكفاءة. ومن ثمّ، فإن المظالم السياسية التي عانت منها هرجيسا خلال فترات الحكومات المركزية، والمتمثلة في الشعور بالتهميش وعدم الإحساس بعوائد الوحدة، تجد نظائرها بين هرجيسا وبعض المحافظات والمكونات المجتمعية الخاضعة لسلطتها في الحاضر والماضي. وما قام به موسى بيحي في مدينة لاسعانود عام 2023 لا يختلف في جوهره عما فعله سياد بري في هرجيسا عام 1988، سوى تفاوت القدرة التدميرية للآلة العسكرية المتاحة لكل منهما، كما أن عدد ضحايا الحروب المحلية التي اندلعت تحت ذرائع جهوية أو قبلية يفوق عدد ضحايا الحكم العسكري نفسه في السابق.
ثانيًا:
إن معظم المقاربات التي حاولت هرجيسا اتخاذها كنماذج محفزة للاقتداء بها في مسعى نيل الاعتراف— بدءًا من إريتريا وجنوب السودان في إفريقيا، مرورًا بتيمور الشرقية في آسيا وانتهاء بالبوسنة في أوربا الشرقية تختلف من حيث السياق والتركيبة والتجربة عن الحالة التي تسعى هرجيسا إلى تحقيقها، ولا توجد تجربة واحدة من هذه القضايا نالت الاعتراف الدولي إلا باتفاق مبرم مع الدولة الأم، وبرعاية دولية استمدت مشروعيتها من وجاهة القضية ذاتها. ومع ذلك، فإن هرجيسا، خلال عشر جولات تفاوضية مع مقديشو، لم تكن تطلب سوى الاعتراف، دون استعداد حقيقي للتفاوض حول مراجعة أسباب فشل الوحدة، أو اعتماد آليات للعدالة الانتقالية، أو البحث عن ضمانات تحول دون تكرار التجربة، كما لم تُبدِ اهتمامًا كافيًا بالترابط البنيوي بين مسار الوحدة وإمكانية الانفصال الذي تطمح إليه،
ثالثًا:
ورغم أن هرجيسا حققت إنجازات ملموسة في مجالات استتباب الأمن وفرض الاستقرار، وتحقيق التداول السلمي للسلطة، وتنفيذ برامج تنموية في أجزاء واسعة من مناطق سيطرتها، إلا أنه لا يمكن وصفها بواحة ديمقراطية. كما أنها لا تواجه تهديدًا إرهابيًا وجوديًا، ولا توجد بينها وبين إسرائيل أية قيم مشتركة. وتنتفي عنها صفة الديمقراطية لأسباب عدة، من بينها: تمديد فترات حكم القيادات السياسية وتأجيل مواعيد الانتخابات، وهيمنة البُنى القبلية على الحياة العامة، ووجود مجلس شيوخ متوارث العضوية يُعيَّن أعضاؤه بقرار سياسي، فضلًا عن تجريم حرية الرأي ومنع ممارسة الفكر السلمي للمؤمنين بالوحدة، وضعف تمثيل المرأة الذي لا يتجاوز 3%. . وعليه، فإن ما يستحق الإشادة في تجربة هرجيسا هو الاستقرار الملحوظ، وليس الديمقراطية المتباهية. فالواحات الديمقراطية لا تفرض رأيًا أحاديًا، ولا تُجرِّم الفكر السياسي السلمي، ولا تخاف من الحوار والمفاوضات، وغالبًا ما تستند إلى القانون الدولي، وتبحث عن تجارب نجاح قابلة للاقتداء، لكنها لا تتخذ شركاء من دول تمارس المجازر والإبادة البشرية للأبرياء، وتعمل على إدامة الفوضى في الدول المستقلة، وتعاني من العزلة السياسية في محيطها الإقليمي، وتمول مشاريع تهدف إلى تخريب الدول وتدمير هوية الشعوب.
تداعيات الإعلان على مستوى الداخل والخارج
يتكوّن النسيج المجتمعي في شمال الصومال من خمس مكونات قبلية رئيسية، وقد انقسمت منذ إعلان الانفصال عام 1991 حول خيارَي الوحدة والانفصال. ورغم أن شريحة معتبرة من السكان تؤيد مشروع الانفصال أو تميل إليه، فإن قلةً منهم تقبل أن يكون الاعتراف الدولي منطلقًا من إسرائيل، وبالأخص من حكومة يقودها نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم حرب وملاحق جنائيًا من القضاء الدولي، ومقبل على انتخابات قريبة قد تنهي مستقبله السياسي. وقد كشف الإعلان عن مغامرة سياسية غير مقيدة بأية ثوابت مجتمعية، ناتجة عن سوء تقدير واضح من قيادة هرجيسا، وأحدث شرخًا عميقًا في تماسك القوى الوطنية المحلية المؤيدة للانفصال نفسها. ورغم تلبية الإعلان على المطلب السياسي لهرجيسا من حيث المبدأ، إلا أنه جاء من بوابة تتصادم مع الضمير الجمعي للمجتمع، لا سيما إذا كانت المقايضة تشمل توطين فلسطينيي غزة أو إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية في مياه خليج عدن، بما لذلك من تبعات معقدة على مسار الاعتراف نفسه بدلًا من تسهيله.
ويحمل الإعلان تداعيات داخلية تمثلت في انقسام داخلي بين مؤيدي الانفصال، ما بين مؤيد مطلق وآخر مشروط على طرق لا تمر عبر تل أبيب، ناهيك عن أنه تسبب بداية استقطاع المؤيدين للوحدة بالمساحة الأرضية لقاعدتهم التأييدية ويمكن أن نشهد آخرين لاحقين بهم في الشمال. ومن المحتمل أن يتخذ كل تيار من تلك التيارات نهجًا متطرفًا في إعاقة الآخر من تحقيق تطلعاته أو ممارسة فكره بأمان، وما نشهده في لاسعانود من زخم سياسي جديد واضطرابات مبتدئة في منطقة أودل وصولًا إلى سكوت برعو المطبق، هو مؤشر على بدايات مرحلة مقبلة. وقد تفقد هرجيسا كثيرًا من الامتيازات التجارية والتنموية والإنسانية التي كانت تحصلها من بعض الدول العربية، التي تعاملت معها من منظور أنها منطقة صومالية مستقرة بينها وبين السلطة المركزية، وضعًا سياسيًا مؤقتًا سيتم حله عبر التفاوض والحوار. لكن الإعلان سيؤدي إلى فقدان التعاطف والزخم المفيد لها كثيرًا، وسيخلق حالة من الانفصال بينها وبين عمقها الاستراتيجي، وسيضع أمام تلك الدول حقيقة مشروع هرجيسا باعتباره مشروعًا خارجيًا مرتبطًا بمشاريع أخرى تخريبية أكثر من كونه مشروعًا محليًا.
وأدى الإعلان إلى اهتمام سعودي إيجابي غير مسبوق على مستواه، وإلى دور صيني متشدّد في الحفاظ على وحدة الصومال واستقرار المنطقة، وتنسيق تركي-مصري-قطري-سعودي متنامٍ، مدرك لأهمية العلاقة بين استقرار المنطقة والوحدة الصومالية، وكشف مصدر الضرر المشترك على القضية الصومالية واليمنية مع السودان، والجهود التي كان يبذلها ذلك المصدر على تفكيك نسيجهم الموحد واستهداف الهوية الوطنية، سواء كان ذلك يأتي بالوكالة عن الآخرين أو انطلاقًا من رؤيته الخاصة.
خاتمة
يشكل اعتراف نتنياهو بمنطقة من الصومال نموذجًا عمليًا لانقلاب فاضح على النظام الدولي المعترف به دوليًا، ويعكس تجاهلًا مستمرًا للشرعية والقانون الدوليين، إذ لم يعد الاعتراف في نظره نتاج مسارات قانونية أو توافقات جماعية على الجهات المعنية، بل أصبح قرارًا سياسيًا يتم في إطار قدرة إقليم معين على أداء دور وظيفي، حتى وإن كان خاضعًا لسيادة دولة أخرى.
ونجاح خطوة كهذه لا تقتصر مخاطرها على تفكيك مفاصل الدول في إفريقيا التي يوجد فيها أكثر من عشرين حركة انفصالية ، بل تمتد لتطال دول الأطراف العربية، وتعمل على تطويق الجزيرة العربية بحزام من جيوب انفصالية تحت ذريعة “المظالم الجهوية”، بينما تخفي وراءها طموحات أبعد من الإعلان الدراماتيكي نفسه، مهددة بشكل مباشر استقرار الملاحة البحرية في الممرات الحيوية للإقليم. وعندما تقرر دولة مسؤولة الاعتراف بكيان جديد، فإنها تتواصل رسميًا مع الأمم المتحدة والدول الكبرى، مرفقة ذلك بأسس قانونية واضحة، قبل ترك المسألة لمسار التوافق الدولي، مما يعني فأن الاعتراف لا يتم بقرار سياسي أحادي، بل هو عملية قانونية تخضع لمراجعات دستورية وتاريخية دقيقة.
ويعتمد الإعلان المشترك بين هرْجيسا وإسرائيل على فرضيتين رئيسيتين: خلق واقع سياسي يدفع دولًا أخرى للاعتراف لاحقًا، وتحقيق مكاسب تحتاجها هرْجيسا بشدّة. وتغيب عن هاتين الفرضيتين حقائق أساسية، إذ أن صورة إسرائيل الدولية في تراجع متزايد، وقد خصصت ميزانية تبلغ 272 مليون دولار لعام 2026 لتحسين صورتها وإنقاذ نفسها من أن تصبح عبئًا على حلفائها التقليديين، ما يجعل اعترافها بهَرْجيسا نقطة رمزية أكثر منها مكسبًا سياسيًا ملموسًا. والتجربة التاريخية تثبت أن أي كيان يُنشأ على تناقض بين أهداف تأسيسه وضمائر سكانه، يواجه صعوبة في الحصول على اعتراف مستقر، ويصبح غالبًا ورقة سياسية أكثر من كونه واقعًا حقيقيا قائما، خصوصًا إذا أسس على مغالطات تاريخية أو أوهام قانونية أو انقسامات اجتماعية حادة. ونتيجة لذلك فن الإعلان لا يمثل مسار تطبيع حقيقيًا، بل أداة لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية خارج القانون الدولي، وانخراط هرْجيسا فيه مخاطرة استراتيجية قد تسحبها إلى صراعات أكبر من طموحها السياسي، وقدراتها الذاتية.
ويعكس الإعلان والاتفاقيات المماثلة، مثل مذكرة التفاهم الإثيوبية، نمطًا متكررًا في اعتبار مواطني الدول النامية بضاعة يمكنها شراء ضميرهم الوطني بسهولة، واستغلال ضعف سيادة الدول كفرصة لتقويض سيادتهم لصالح إقامة قواعد عسكرية أو ضخّ مشاريع استثمارية تحقق أرباحًا سياسية وعوائد مالية لذويها قبل غيرهم، ويتزامن توقيت الإعلان مع بدء رئاسة الصومال لمجلس الأمن الدولي، وحصولها على دعم وتضامن غير مسبوقين لمبدأ الوحدة الترابية والسيادة على أرضيها، الأمر الذي يجعل توقيت القرار محسوبا لمقديشو وليس لهرجيسا.
والإعلان وضع الصومال أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على وحدة الدولة ومنع تدويل أزمته، ويعكس وجود أزمة فكرية وسياسية سائدة في البلاد، أدت إلى اختيار بعض نخبها الطريق الأقصر نحو الحل إلى الأبعد في تحقيق التسوية، وتجاهل دروس وتجارب أثبت الزمن فشلها، وتكون في الغالب عاجزة عن بناء سردية قابلة للصمود أمام الاختبارات الصعبة. والغريب في قضية هرجيسا الجديدة هو أن هرجيسا تسعى إلى التواصل مع أي جهة دون التزام بأي قيم مجتمعية، وذلك دون أن تدرك أن إسرائيل تعرف كيف تبيع وتأخذ، لكنها لا تعرف كيف تعطي وتوفي بتعهداتها. وتحتاج هرجيسا في هذه المرحلة إلى من يعطي ويمنح أكثر ممن يبيع لها مالا تحتاجه حاليا. وفحوى الإعلان السينمائي في انتاجه، هو اختيار من يبيع ويأخذ على من يشتري ويعطي، وهما: الصومال التي تمثل الأم، ودول المنطقة المركزية التي تمثل العمق وعنوان الهوية وبالذات السعودية وتركيا. واختيار الأول على الثاني تفقدها كثير من المكاسب والامتيازات المتوفرة لهرجيسا حاليا، ويُفرض عليها تخصيص مبالغ مالية طائلة لحماية سكانها من الذين تريد قدومهم إليها، بدلًا من إنفاق تلك المبالغ على احتياجاتها اللامحدودة.





