تحليلات

الاستقالة الجماعية من “المحولون”

قراءة تحليلية في عمق الأزمة السياسية التشادية

شهدت الساحة السياسية التشادية في 19 يوليو 2025 حدثا يحمل الكثير من الدلالات السياسية والمعنوية، حينما أعلن عدد من الشباب القياديين في حزب “المحولون” استقالتهم الجماعية، وانضمامهم من جديد إلى حزب الحركة الوطنية للإنقاذ (MPS) الحاكم. رغم أن هذا النوع من الانتقالات السياسية أصبح معتادا في مشهدنا الحزبي، إلا أن الحدث يكشف عن خلل عميق يتجاوز مجرد “خلافات داخلية” إلى أزمة أوسع تشمل بنية النظام السياسي، وطبيعة العمل الحزبي في تشاد.

الزاوية السياسية – أزمة بنيوية في الأحزاب

ما حصل ليس مجرد تحول في الولاءات، بل يعكس فشل الأحزاب، بما فيها “المحولون”، في بناء مؤسسات ديمقراطية داخلية متماسكة.

رغم أن الحزب قدم نفسه كبديل معارض، وكقوة شبابية تحمل مشروعا لتجديد النظام السياسي، إلا أن استقالة مجموعة مؤثرة منه تفضح هشاشته التنظيمية، وسوء إدارة الخلافات.

بل إن هذا التحول يسلط الضوء على خلل أعمق: انعدام الثقافة المؤسسية داخل الأحزاب، التي ما تزال تدار بعقلية الفرد لا الفريق.

أين المعارضة الحقيقية؟

بعودة هؤلاء الشباب إلى صفوف الحزب الحاكم، تطرح علامات استفهام عن وجود أي حزب معارض حقيقي في البلاد. هل نحن أمام أحزاب تبحث عن التموقع السياسي فقط؟ أم أمام قوى لم تستطع الصمود أمام إغراءات النظام أو ضغوطه؟

الزاوية الاجتماعية – الشباب بين الحلم والخذلان

يشكل الشباب النسبة الأكبر من السكان في تشاد، وقد عزل كثيراً على مشاركتهم في تجديد الحياة السياسية. لكن حينما يشهد هؤلاء الشباب أنفسهم أن “رموز التغيير” يغادرون مواقعهم عند أول منعطف، يشعرون بالإحباط والخذلان.

تشكل هذه الاستقالات ضربة موجعة لثقة المواطنين، وخصوصا الشباب، في جدوى النضال السياسي، وتكرس شعورهم بأن اللعبة السياسية مغلقة، وأن “التغيير” مجرد شعار يستخدم للوصول إلى السلطة ثم ينسى.

الزاوية النفسية – من التمرد إلى الاستسلام

من الناحية النفسية، ما حدث يعكس “إرهاقا سياسيا” أصاب جزءا من النخبة الشابة المعارضة. كثيرون منهم دخلوا معركة التغيير بأمل كبير، لكن غياب الدعم الشعبي، والتضييق الرسمي، والصراعات الداخلية، أدت إلى نوع من الاستسلام الجماعي.

ربما لم يجدوا في “المحولون” ما وعدهم به الخطاب، أو ربما وجدوا في العودة إلى السلطة راحة نفسية مؤقتة من ضغط النضال السياسي المرهق. في كلتا الحالتين، نحن أمام انكسار نفسي خطير يهدد روح المقاومة المدنية.

الزاوية الأيديولوجية – غياب المشروع

من المفارقات الكبرى أن كثيرا من الأحزاب، سواء كانت في السلطة أو المعارضة، لا تحمل أي رؤية فكرية واضحة. الانضمام أو الانسحاب لا يتم بناء على برامج أو قناعات، بل بناء على الولاءات الشخصية والمصالح الآنية.

هذا الفراغ الأيديولوجي يجعل من السهل جدا التنقل بين الأحزاب، دون أن يشعر السياسي بالحاجة إلى تبرير ذلك أمام الناخبين. وبالتالي، يتحول العمل السياسي إلى سوق مفتوح للصفقات، لا إلى ساحة للنقاش الفكري والمنافسة البرامجية.

خاتمة:

 هل من أمل؟

استقالة شباب “المحولون” ليس حدثا عابرا، بل مؤشر صريح على أن النظام السياسي في تشاد ما يزال بعيدا عن التحول الديمقراطي الحقيقي.

ولن تتغير المعادلة إلا إذا:

  1. تأسست أحزاب بأرضية فكرية واضحة.
  2. تخلت النخب عن عقلية الزعامة الفردية.
  3. أعطى الشعب – خصوصا الشباب – ثقته مجددا في مشروع وطني جامع، لا في أشخاص عابرين.

 

علي حامد إدريس الحرازي

كاتب وصحفي تشادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى