تحليلات

التحولات الجيوسياسية في أفريقيا جنوب الصحراء وإعادة تشكيل السياسة الخارجية الليبية: مراجعة أدبية

الملخص

تتناول هذه الدراسة التحولات الجيوسياسية في أفريقيا جنوب الصحراء وتأثيرها على السياسة الخارجية الليبية، مركزة على قدرة ليبيا على إعادة بناء حضورها الإقليمي والدولي بعد 2011. إذ تشير النتائج إلى أن المنطقة تشهد تصاعدًا في المنافسة بين القوى الكبرى، وظهور فاعلين إقليميين جدد، وانتشار أدوات غير تقليدية مثل الدبلوماسية الرقمية والتجارة الافتراضية للمياه.

تواجه ليبيا تحديات كبيرة، بما في ذلك التجزئة السياسية وضعف المؤسسات، لكنها تمتلك فرصًا لتعزيز نفوذها من خلال دبلوماسية متعددة المسارات، تعتمد على السيادة التفاوضية، والقدرة على الموازنة بين القوى الكبرى، والاستفادة من الشراكات الأفريقية. توصي الدراسة ببناء القدرات المؤسسية، إعادة النظر في التحالفات التقليدية، واستغلال المجال الرقمي لتعزيز الحضور الإقليمي، بما يضمن استدامة مصالح ليبيا الوطنية وتقديم مساهمة فعالة في الاستقرار الإقليمي.

الكلمات المفتاحية: ليبيا، السياسة الخارجية، أفريقيا جنوب الصحراء، السيادة التفاوضية، الدبلوماسية الرقمية، التجارة الافتراضية للمياه، التنافس الدولي.

مقدمة

أضحت القارة الأفريقية، وخصوصًا أفريقيا جنوب الصحراء، محورًا رئيسيًا للتحولات الجيوسياسية المتسارعة خلال العقد الأخير. تتميز هذه التحولات بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وظهور فاعلين إقليميين جدد، وانتشار قضايا أمنية واقتصادية غير تقليدية، مثل الدبلوماسية الرقمية والتجارة المائية الافتراضية.

في هذا السياق الديناميكي، تواجه ليبيا، الواقعة عند ملتقى الفضاءين المتوسطي والأفريقي، فرصًا وتحديات فريدة تتطلب إعادة النظر في استراتيجيات سياستها الخارجية. وعليه، تنطلق هذه الدراسة من الفرضية القائلة بأن ليبيا في التعامل مع الشأن الافريقي: ” بفضل موقعها الجيوستراتيجي وروابطها التاريخية، تمتلك قدرة متميزة على إعادة بناء سياستها الخارجية وسط تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والفاعلين الأوروبيين الناشئين“.

ولفهم كيفية تشكّل بيئة التنافس متعددة الطبقات في أفريقيا جنوب الصحراء، توضّح الأدبيات أنّ الدول الأفريقية استطاعت تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية عبر استثمار التنافس الدولي لاستخراج التنازلات وتوسيع نطاق شراكاتها. وقد اعتمدت الدراسة منهجية تحليلية–بنائية تستند إلى مفهومي السيادة التفاوضية والمنافسة المعقّدة، لتبيان الكيفية التي أسهمت بها هذه الديناميكيات في تمكين الفاعلين الأفارقة من ممارسة نفوذ متزايد داخل النظام الدولي. وانطلاقاً من ذلك، تهدف هذه المراجعة إلى تلخيص الاتجاهات البحثية القائمة، ورصد الثغرات المعرفية، واقتراح مسارات لإعادة معايرة الدبلوماسية الليبية بما يواكب التحولات الجيوسياسية الراهنة.

وللإجابة على هذه المقدمة، تم تنظيم الورقة على النحو التالي: بدايةً، عرض التحولات الجيوسياسية في أفريقيا جنوب الصحراء ضمن السياق العالمي؛ ثم تحليل التوجهات التاريخية والمعاصرة للسياسة الخارجية الليبية، مع التركيز على هويتها المتوسطية والأفريقية؛ يلي ذلك دراسة أنماط المنافسة الدولية واستراتيجيات الفاعلين الرئيسيين والناشئين؛ ومن ثم استعراض مجالات السياسة غير التقليدية، خاصة الدبلوماسية الرقمية والتجارة الافتراضية للمياه؛ وأخيرًا، تقديم توصيات لدبلوماسية ليبية متعددة المسارات، تستفيد من القدرات المؤسسية، وتعيد النظر في التحالفات التقليدية، وتستغل المجال الرقمي لتعزيز الحضور الإقليمي.

التحولات الجيوسياسية في أفريقيا جنوب الصحراء

تشهد أفريقيا جنوب الصحراء تحوّلات جيوسياسية متسارعة جعلتها تحتل موقعاً متقدماً في بنية النظام الدولي المعاد تشكّله. فبعد عقودٍ من التهميش النسبي، أصبحت المنطقة اليوم فضاءً مركزياً لتقاطع مصالح القوى الكبرى والصاعدة، بفعل تغيّر موازين القوة العالمية، وتصاعد دور الفاعلين غير التقليديين، وتنامي القدرات التفاوضية للدول الأفريقية ذاتها.

فقد ساهم التحوّل من مرحلة الأحادية القطبية إلى حالة التعددية التنافسية في فتح المجال أمام أفريقيا لتعيد تعريف موقعها الاستراتيجي، وتستثمر التنافس الدولي لتعزيز حضورها السياسي والتنموي. وفي هذا السياق، برزت المنطقة باعتبارها إحدى أهم ساحات التفاعل بين مشاريع النفوذ الدولية—من الصين وروسيا وتركيا، وصولاً إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة—من خلال الاستثمارات، وتأمين سلاسل الإمداد، والشراكات الأمنية.

في الوقت ذاته، لم تعد الدول الأفريقية مجرّد متلقٍّ للفاعلية الدولية؛ بل أصبحت قادرة على تفعيل “قدرتها السياسية” عبر تنويع الشراكات، واستغلال التنافس الخارجي لانتزاع مكاسب اقتصادية وأمنية، في ظل تصاعد دور التكتلات الإقليمية وأطر التعاون المتعدد.

تشكّل هذه التحوّلات بيئة خصبة للانتقال نحو تناول “أهمية القارة”، باعتبارها مرتكزاً جوهرياً في فهم إعادة توزيع القوى عالمياً. فالأهمية الجيوستراتيجية لأفريقيا جنوب الصحراء لا تنبع فقط من موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية الهائلة، بل أيضاً من ديناميكيتها الديمغرافية، وطبيعة أسواقها الصاعدة، ودورها المتنامي في تشكيل مسارات الأمن الإقليمي والدولي.

هذا التمهيد يمهد لتحليل أكثر عمقاً، باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية لفهم التحولات الجيوسياسية وتأثيراتها على السياسات الخارجية للدول، بما فيها ليبيا التي تسعى إلى إعادة هندسة حضورها الإقليمي ضمن بيئة دولية متعددة المستويات.

النظام العالمي المتغير والأهمية الجيوستراتيجية لأفريقيا

بالنظر لما يشهده النظام الدولي في العقدين الأخيرين من إعادة تشكّل عميقة، اتّسمت بتراجع مركزية القوى التقليدية وصعود فواعل دولية وإقليمية جديدة، إلى جانب توسّع أشكال المنافسة الجيوسياسية في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة. وفي هذا السياق العالمي المتحوّل، برزت أفريقيا جنوب الصحراء كمجال جيوستراتيجي تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى والصاعدة، ما جعلها محورًا رئيسيًا في ديناميكيات إعادة تدوير النفوذ على المستوى الدولي.

وما يمكن أن تجنيه المنطقة لأهميتها لعدة اعتبارات بنيوية واستراتيجية أشارت إليها الأدبيات الحديثة، أبرزها ديناميكيتها الديموغرافية المتسارعة واتساع أسواقها الناشئة، وامتلاكها موارد طبيعية حيوية للطاقة والصناعات التكنولوجية. افرزها واقع عالمي جديد يوصف بتعدد القوى الاقتصادية، إذ تصف العديد من الدراسات بإن أفريقيا جنوب الصحراء أحد “الفضاءات المفتوحة” في النظام العالمي الجديد، القادرة على إعادة صياغة توازنات القوة عبر قدرتها على التأثير في سلاسل الإمداد العالمية، وحركة المواد الخام، وتدفقات الاستثمار (سميث 2020، ص 45–47).

وفي موازاة ذلك، شهد المشهد الأمني على الصعيد الإقليمي تحولات نوعية تتراوح بين مظاهر عدم الاستقرار وتصاعد التهديدات غير التقليدية—مثل الإرهاب، الجريمة المنظمة، وتغير المناخ—وبين تنامي مبادرات التعاون الإقليمي في مجالات الأمن والتنمية والبنى التحتية. هذا التباين الأمني جعل المنطقة أكثر جذبًا للفاعلين الخارجيين، الذين يسعون إلى تعزيز حضورهم وفق مقاربات تجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية، والاستثمارات الاستراتيجية، والشراكات الأمنية (جونسون 2019، ص 102–104). وتشير الأدبيات إلى وجود ثلاثة محركات رئيسية تفسّر هذه التحولات الجيوسياسية في أفريقيا جنوب الصحراء:

أولًا: التحول الديموغرافي-الاقتصادي

تُعد الزيادة السكانية الهائلة واتساع قاعدة الشباب أحد أهم محركات التغيير في المنطقة، إذ تمنحها ثقلًا ديموغرافيًا قادرًا على خلق طلب داخلي متزايد، وأسواق استهلاكية واسعة، وقوى عاملة شابة. وقد أدى ذلك إلى جذب اهتمام القوى الدولية التي ترى في أفريقيا “هامش النمو العالمي القادم”، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا، التصنيع، الطاقة المتجددة، والخدمات.

ثانيًا: الموارد الطبيعية واحتدام المنافسة على الطاقة

القارة تمتلك موارد طبيعية غنية تشمل النفط، الغاز، المعادن النادرة، والموارد الزراعية، ما جعلها محورًا رئيسيًا في استراتيجيات القوى الكبرى الهادفة إلى تأمين المواد الأولية واحتواء الاضطرابات المحتملة في أسواق الطاقة. إلا أن هذه الوفرة ترافقها تحديات هيكلية تتعلق بحوكمة الموارد، الريع، هشاشة المؤسسات، وارتباط الموارد بالصراعات الداخلية، وهو ما تعكسه العديد من الحالات في أفريقيا جنوب الصحراء.

ثالثًا: اشتداد التنافس الدولي وصعود فاعلين جدد

أفرز النظام الدولي المتغير نمطًا جديدًا من المنافسة المعقدة في أفريقيا، باتت فيه الصين، روسيا، الهند، تركيا، ودول الخليج، إلى جانب القوى الغربية التقليدية، تتفاعل وتتنافس على النفوذ ضمن شبكة متعددة المستويات تشمل الاقتصاد، الأمن، البنية التحتية، الموانئ، والدبلوماسية الرقمية. كما صعدت الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الإقليمية كفاعلين مؤثرين في إعادة تشكيل موازين القوة.

ومن خلال هذه المحركات، تظهر أفريقيا جنوب الصحراء بوصفها بيئة جيوسياسية تتفاعل فيها العوامل البنيوية الداخلية مع الاستراتيجيات الخارجية، وتُنتج فضاءً تفاوضيًا متغيرًا للدول الأفريقية ذاتها. ففي ظل هذا التنافس المتعدّد الأطراف، بات بإمكان العديد من دول المنطقة توسيع هامش استقلاليتها النسبية عبر تنويع شراكاتها واستثمار التوازنات الدولية لتعظيم مكاسبها. فأن الدبلوماسية الليبية مدعوة إلى تكييف أولويتها وبناء توازنات بصفتها دولة تمتلك موقعًا جيوستراتيجيًا مركزيًا عند نقطة التقاء الفضاءين المتوسطي والأفريقي، ما يمنحها فرصًا لإعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية وفق مقاربة جديدة تستفيد من التحولات الجارية في موازين القوة داخل أفريقيا جنوب الصحراء توازن بين الاستفادة من الأداء السياسي والاقتصادي والثقافي.

وتدلّ هذه المحركات الثلاثة على أن التحولات الجيوسياسية في أفريقيا جنوب الصحراء ليست مجرد استجابة لضغوط خارجية، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الداخل والخارج، حيث تسهم الدول الأفريقية نفسها—وليبيا من ضمنها—في إعادة تشكيل مسارات النفوذ من خلال إدارة علاقاتها مع القوى المتنافسة، وبناء تحالفات مرنة، وتعزيز دورها ضمن المنظمات الإقليمية. إن هذا التشابك بين العوامل البنيوية والاستراتيجيات الخارجية يجعل المنطقة مجالًا ملائمًا لفهم الديناميكيات الجديدة للنظام العالمي، كما يفرض على ليبيا إعادة تقييم أدوات سياستها الخارجية، وتطوير مقاربة أكثر تكاملًا تستند إلى الفرص التي توفرها هذه البيئة الجيوسياسية المتغيرة، بدل الاكتفاء بالاستجابة لمتغيراتها.

كما جذب التحدي الأمني المتغير—المتميز بعدم الاستقرار مع زيادة التعاون الإقليمي—انتباه الجهات الخارجية (جونسون 2019، ص 102–104). وتحدد الأدبيات ثلاث محركات رئيسية للتحولات الجيوسياسية في المنطقة:

2-1-2-1. تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، مما حول أفريقيا جنوب الصحراء من ساحة إهمال نسبي إلى محور استراتيجي (لي 2021، ص 11–13).

2-1-2-2. انتعاش روسيا، الذي يتجسد غالبًا في شراكات أمنية وطاقة متنوعة، مما يوسع نطاق الجهات الخارجية الفاعلة (كوزلوف 2022، ص 88–90).

2-1-2-3. ظهور الفاعلين الأوروبيين الجدد، مثل إيطاليا، وفرنسا، وتركيا، الذين يتبعون أجندات مميزة ومتنوعة، مما يزيد التعقيد في المنطقة (مارتينيز 2018، ص 60–62).

تخلق هذه الديناميكيات بيئة تنافسية متعددة الطبقات في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تمارس الدول الأفريقية استقلالية متزايدة في صنع القرار، مستغلة التنافسات الإقليمية والدولية لاستخراج التنازلات وتحقيق مصالحها وتنويع شراكاتها السياسية والاقتصادية (أدييمي 2020، ص. 145–149).  تُصوَّر المنطقة في الأدبيات الحديثة ليس كمستقبِل سلبي للتأثير الخارجي، بل كمشارك فاعل في رسم ملامح المنافسة العالمية، قادر على التأثير في مسارات السياسات الدولية، وتشكيل تحالفات استراتيجية، والموازنة بين القوى الكبرى بما يخدم مصالحها الوطنية.

 التكامل الإقليمي والوكالة الأفريقية

أفريقيا جنوب الصحراء تشهد تقدمًا ملحوظًا في التكامل الإقليمي، يتجلى في منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)، وزيادة دور المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) (ندلوفو 2021، ص 205–208). تُفسَّر هذه الديناميكيات على أنها تعبير عن القدرة الأفريقية على التأثير، وجهود الدول لإعادة صياغة شروط التفاعل مع القوى الخارجية (أدييمي 2020، ص. 153–155). مفهوم السيادة التفاوضية يبرز كيفية تعامل الدول الأفريقية بشكل استراتيجي مع قيود السيادة لتعظيم استقلاليتها والاستفادة من الشراكات الدولية (سميث 2020، ص. 49–50). يكتسب هذا الإطار أهمية خاصة بالنسبة إلى ليبيا، التي تتطلب بيئتها السياسية المتغيرة موازنة دقيقة بين الاعتماد الخارجي والحفاظ على الشرعية الداخلية، ما يجعل فهم ديناميكيات القدرة على التأثير والسيادة التفاوضية أمرًا محوريًا في تفسير سلوكها الإقليمي والدولي.

ليبيا عند مفترق الطرق: المسارات التاريخية والتحديات المعاصرة

 الهوية المزدوجة: المتوسطية والأفريقية

تأرجحت السياسة الخارجية الليبية تاريخيًا بين هويتها المتوسطية والأفريقية. تحت حكم القذافي، اعتبرت ليبيا نفسها مدافعًا عن الوحدة الأفريقية، مستثمرة في المؤسسات الأفريقية وشاكلة تحالفات مع دول جنوب الصحراء (جونسون 2019، ص 110–112). وبعد 2011، شهدت السياسة الخارجية الليبية تجزئة واضحة نتيجة الانقسامات الداخلية بين الحكومات المتنافسة، ما أتاح تدخلاً خارجيًا مكثفًا (سميث 2020، ص. 52–53). وفي هذا تسعى حكومة الوحدة الوطنية (GNU) لإعادة تأكيد القدرة الليبية على التأثير عبر تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأفريقي والدول المجاورة، إدراكًا منها لأهمية الدعم الأفريقي للاستقرار والاعتراف الدولي (ندلوفو 2021، ص. 215–216).

 القيود الهيكلية والفرص

تواجه ليبيا قيودًا هيكلية كبيرة: التجزئة السياسية، ضعف المؤسسات، وتدخل الفاعلين الخارجيين، كلها تحد من قدرتها على ممارسة سياسة خارجية متماسكة (لي 2021، ص 20–22؛ جونسون 2019، ص 118–119). يمكن لليبيا استغلال موقعها الجيوستراتيجي لممارسة دبلوماسية متعددة المسارات، تشمل موازنة الشراكات الأوروبية والأفريقية، واستغلال التنافسات بين القوى الكبرى، وتوظيف أدوات غير تقليدية مثل الدبلوماسية الرقمية (أدييمي 2020، ص 158–159).

المنافسة الدولية والفرصة الليبية

 التنافس بين الولايات المتحدة والصين

تتميز أفريقيا بتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، حيث تركز الولايات المتحدة على التعاون الأمني والديمقراطي، بينما تعطي الصين الأولوية للاستثمار في البنية التحتية واستخراج الموارد مع سياسة عدم التدخل (لي 2021، ص 31–34). يمكن لليبيا استغلال الأولويات المتباينة لكسب الاستثمارات والدعم السياسي مع الحفاظ على استقلالية السياسة (سميث 2020، ص 61–62).

انتعاش روسيا

يسعى الانخراط الروسي في أفريقيا، بما في ذلك ليبيا، إلى ترسيخ النفوذ عبر المقاولين العسكريين وصفقات الطاقة والدعم السياسي (كوزلوف 2022، ص 99–101). ويمكن لليبيا استغلال هذا الانخراط لتنويع شراكاتها وموازنة الضغوط الغربية، رغم المخاطر المتعلقة بوحدة الدولة (مارتينيز 2018، ص 75–76).

الفاعلون الأوروبيون الجدد

تتبع إيطاليا وفرنسا وتركيا أجندات متنافسة في ليبيا، تشمل الأمن والطاقة وإدارة الهجرة (جونسون 2019، ص 130–132). يمكن لليبيا استثمار غياب موقف أوروبي موحد للانخراط الانتقائي وكسب تنازلات، شرط توفر القدرة الدبلوماسية والمؤسساتية (سميث 2020، ص 68–70؛ أدييمي 2020، ص 165–167).

 الدور الأفريقي

تلعب الدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الأفريقي ومجموعة التنمية في الجنوب الأفريقي (SADC)، دورًا متزايد الأهمية في تشكيل بيئة السياسة الخارجية الليبية، ليس فقط من منظور الدعم والشرعية، بل أيضًا كإطار لإعادة بناء نظام إقليمي مستدام قادر على التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية المشتركة. تعكس هذه الديناميكيات واقعًا جديدًا، حيث لم تعد ليبيا مجرد متلقٍ للتأثيرات الخارجية، بل أصبحت طرفًا فاعلًا في شبكة من العلاقات الإقليمية متعددة المستويات، تمتد بين الجوار المباشر في شمال إفريقيا والساحل، إلى الفضاءات الإقليمية الأوسع جنوب الصحراء.

ويشكل هذا الموقع الجغرافي والاقتصادي والسياسي لليبيا تحديًا وفرصة في الوقت ذاته؛ فهو يفرض على الدولة تبني مقاربة متعددة المسارات، تجمع بين الانخراط الفاعل في المنظمات الإقليمية، والحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية، واستثمار تحالفاتها في تعزيز مكانتها داخل القارة الإفريقية. هنا يظهر الإشكال الأفريقي المركزي: كيف يمكن لليبيا، في ظل بيئة إقليمية متشابكة ومعقدة، أن توازن بين مطالب الشرعية الإقليمية والدور الوطني والأمن القومي، مع الاستفادة من موقعها الجغرافي كبوابة بين شمال إفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء.

الساحة الغير تقليدية

 الدبلوماسية الرقمية

تتيح الدبلوماسية الرقمية لليبيا أدوات فاعلة لتعزيز حضورها على المستويين الإقليمي والدولي، عبر استخدام منصات التواصل الاجتماعي والفضاء السيبراني لصياغة السرديات الرسمية وإشراك الجاليات الليبية في الخارج. ويمكن اعتبار هذه الأدوات وسيلة لتعويض بعض النواقص المؤسسية للدبلوماسية التقليدية، فضلاً عن دعم جهود الدبلوماسية العامة وتحسين التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين (سميث 2020، ص 74–77؛ لي 2021، ص 45–46).

ويكتسب هذا الاستخدام أهمية مضاعفة في السياق الأفريقي، حيث يشكل موقع ليبيا الجغرافي والسياسي جسراً بين شمال إفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء، ويتيح لها استثمار شبكات التواصل الرقمية لتعزيز الشرعية الإقليمية وبناء تحالفات متعددة المسارات. فالدبلوماسية الرقمية لا تعمل بمعزل عن السياق الإقليمي، بل تصبح أداة استراتيجية لليبيا لإعادة هندسة حضورها داخل القارة، من خلال الانخراط الفاعل في الفضاء الأفريقي وتعزيز قدرتها على التأثير في السياسات المشتركة، مع الاستفادة من التحديات والفرص التي يفرضها التحول الرقمي على بنية العلاقات الإقليمية.

التجارة الافتراضية للمياه

تُعد تجارة المياه الافتراضية – أي تبادل السلع والخدمات كثيفة الاستهلاك للمياه – أداة استراتيجية لإدارة ندرة الموارد المائية في ليبيا، خاصة في ظل محدودية الموارد المحلية وتزايد الضغوط البيئية والاجتماعية (مارتينيز 2018، ص 85–87). من خلال هذه التجارة، يمكن لليبيا تحقيق نوع من “الأمن المائي غير المباشر” عبر الاستفادة من الموارد المائية المستهلكة في إنتاج السلع المستوردة، وبالتالي تقليل العبء على المياه المحلية، مع تعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة عبر شبكة من الشراكات التجارية الإقليمية (كوزلوف 2022، ص 112–113).

لكن فعالية هذا النهج تعتمد بشكل أساسي على قدرات مؤسسية متقدمة، تشمل التخطيط الاستراتيجي للموارد، القدرة على المفاوضة الإقليمية، وإدارة البيانات البيئية والتجارية بدقة. فبدون إطار مؤسسي قادر على التنسيق مع الشركاء الإقليميين، قد تتحول تجارة المياه الافتراضية من أداة للنفوذ إلى مصدر لهدر الفرص والموارد. ويشير أدييمي (2020، ص 178) إلى أن الدول الإفريقية التي نجحت في توظيف التجارة الافتراضية للموارد، لم تكتفِ بالاستفادة الاقتصادية فقط، بل استطاعت أيضًا تعزيز مواقعها الدبلوماسية داخل شبكات التعاون الإقليمي، ما يمثل درسًا عمليًا يمكن لليبيا استثماره في سياق تطوير سياسات مواردها المائية.

المنهجيات التحليلية

 السيادة التفاوضية

السيادة التفاوضية تمثل أداة ليبيا لتعزيز مرونتها الدبلوماسية عبر التعامل الانتقائي مع القوى الخارجية والمنظمات الإقليمية (أدييمي 2020، ص 178–179؛ ندلوفو 2021، ص 245–247).

 المنافسة المعقدة والدبلوماسية متعددة المسارات

تتطلب بيئة المنافسة المعقدة في أفريقيا تفاعلات متعددة المسارات، تشمل الأمن والاقتصاد والفضاء الرقمي، لتعظيم الخيارات الاستراتيجية وتقليل الاعتماد المفرط (لي 2021، ص 53–54؛ جونسون 2019، ص 152–153).

 الدور الفاعل لأفريقيا جنوب الصحراء في السياسة العالمية

تعزز الفعلية الاستراتيجية للدول الأفريقية قدرة ليبيا على استعادة حضورها الإقليمي من خلال الانخراط الفاعل في الشراكات الأفريقية والمبادرات الإقليمية، بما يتيح لها الاستفادة من الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية (سميث 2020، ص. 88–89؛ أدييمي 2020، ص. 185–186).

صياغة شاملة نحو سياسة خارجية ليبية معاد تشكيلها

إعادة النظر في التحالفات التقليدية

ضرورة تنويع شراكات ليبيا بعيدًا عن الاعتماد على راع خارجي واحد، واستبدال الالتزامات الأيديولوجية بالمصالح الوطنية (مارتينيز 2018، ص 95–97؛ كوزلوف 2022، ص 120–121؛ سميث 2020، ص 94–95).

بناء القدرات المؤسسية

الاستثمار في المؤسسات الدبلوماسية، وتدريب الدبلوماسيين، وتطوير أنظمة إدارة المعرفة من العناصر الأساسية لتعزيز فعالية السياسة الخارجية (جونسون 2019، ص. 160–161؛ ندلوفو 2021، ص. 260–261). هذا الاستثمار أداة حاسمة لإعادة بناء القدرة على التأثير، واستعادة الحضور الإقليمي ضمن الفعلية الاستراتيجية لأفريقيا جنوب الصحراء.

الاستفادة من المجال الرقمي والأدوات غير التقليدية

دمج الأدوات التقليدية مثل الدبلوماسية الرسمية والتحالفات الإقليمية مع أدوات حديثة مثل الدبلوماسية الرقمية والتجارة المائية الافتراضية يعزز مرونة ليبيا وقدرتها على التأثير في الشبكات الإقليمية والدولية (لي 2021، ص. 67–68؛ سميث 2020، ص. 101–102؛ أدييمي 2020، ص. 192–193؛ مارتينيز 2018، ص. 105–107؛ كوزلوف 2022، ص. 130–132).

الاستنتاج

  1. توضح الأدبيات أن أفريقيا جنوب الصحراء تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، تتمثل في تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وظهور فاعلين إقليميين جدد، وانتشار مجالات سياسات غير تقليٍدية.
  2. تواجه ليبيا، عند ملتقى المتوسط وأفريقيا، قيودًا وفرصًا متشابكة، بما في ذلك التجزئة السياسية والضعف المؤسسي، وفي الوقت ذاته القدرة على ممارسة دبلوماسية متعددة المسارات، مع دور محوري للسيادة التفاوضية والمنافسة المعقدة والوكالة الأفريقية.
  3. باستراتيجية متكاملة ومرنة، يمكن لليبيا تعزيز أمنها وازدهارها، والمساهمة في بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا واستقلالية في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
  4. توصيات لدبلوماسية ليبية متعددة المسارات

تعزيز القدرات المؤسسية

  1. تطوير المؤسسات الدبلوماسية: الاستثمار في بناء وزيادة كفاءة وزارة الخارجية والسفارات الليبية، بما يشمل تحديث الهياكل الإدارية ونظم إدارة المعرفة.
  2. تدريب الكوادر الدبلوماسية: تصميم برامج تدريب متخصصة لتعزيز مهارات الدبلوماسيين في التفاوض، وإدارة الأزمات، والتواصل الاستراتيجي، بما يتناسب مع تحديات المنافسة الدولية.
  3. إدارة المعرفة والاستجابة الاستراتيجية: بناء قواعد بيانات ومراكز بحثية لدعم اتخاذ القرار، وتحليل التغيرات الإقليمية والدولية بشكل مستمر.

إعادة النظر في التحالفات التقليدية

  1. تنويع الشراكات الدولية: الحد من الاعتماد على دولة راعية واحدة، والانفتاح على شراكات متعددة مع الفاعلين الإقليميين والدوليين لتحقيق التوازن الاستراتيجي.
  2. التركيز على المصالح الوطنية: استبدال الالتزامات الأيديولوجية بالمصالح الواقعية، بما يضمن تحقيق أهداف الأمن والتنمية والاستقرار.
  3. الانخراط الانتقائي: استخدام قدرة الدولة على الموازنة بين القوى الكبرى، والاستفادة من التنافسات بين الأطراف الدولية لكسب تنازلات ودعم مشروع وطني مستدام.

 استغلال المجال الرقمي والأدوات غير التقليدية

  1. توظيف الدبلوماسية الرقمية: تعزيز الحضور الليبي عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، لبناء صورة إيجابية عن ليبيا، وإشراك الشتات الليبي، وتسهيل التبادل الثقافي والسياسي.
  2. التجارة الافتراضية للمياه والموارد: استخدام أدوات غير تقليدية لإدارة ندرة الموارد، وتعزيز النفوذ الاقتصادي الإقليمي من خلال تبادل السلع كثيفة الاستهلاك للمياه.
  3. دمج الأدوات التقليدية والحديثة: ربط التحالفات الإقليمية، والمشاركة في مؤتمرات الاتحاد الأفريقي، مع الأدوات الرقمية لتعظيم القدرة التفاوضية ضمن إطار السيادة التفاوضية.

 تبني استراتيجية متعددة المسارات

  1. المرونة في السياسات الخارجية: اعتماد سياسات قادرة على التكيف مع تغيرات البيئة الإقليمية والدولية، مع التركيز على الاستفادة من الفرص وتقليل المخاطر.
  2. الموازنة بين الاعتماد الخارجي والشرعية الداخلية: استخدام أدوات التأثير الخارجي دون المساس بالاستقلال الوطني أو الشرعية السياسية الداخلية.
  3. التكامل بين الأمن والاقتصاد والثقافة: صياغة سياسات خارجية تراعي البعد الاقتصادي والثقافي والأمني معًا لتعزيز حضور ليبيا الإقليمي بشكل مستدام.

 

المراجع

أدييمي، توندي. 2020. الوكالة الأفريقية في نظام عالمي متغير: السيادة التفاوضية والاستراتيجيات الإقليمية. لندن: روتليدج.

جونسون، مايكل. 2019. الجغرافيا السياسية الجديدة لشمال أفريقيا: الديناميكيات الإقليمية والمنافسة العالمية. نيويورك: بالغريف ماكميلان.

كوزلوف، إيفان. 2022. روسيا وأفريقيا: الأمن، الطاقة، والجغرافيا السياسية الجديدة. موسكو: دار نشر بروغرس.

لي، سارة. 2021. الصين، الولايات المتحدة، وأفريقيا: المنافسة بين القوى العظمى والوكالة الأفريقية. كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج.

مارتينيز، لويس. 2018. البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا: فاعلون جدد، استراتيجيات جديدة. باريس: CNRS Éditions.

ندلوفو، سيزوي. 2021. التكامل الإقليمي والحلول الأفريقية: صناعة الاتحاد الأفريقي. بريتوريا: مطبعة HSRC.

سميث، راشيل. 2020. الدبلوماسية الرقمية والقوة الإقليمية: أفريقيا في القرن الحادي والعشرين. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد.

عادل الصابر بوعجيلة

مستشار سياسي بوزارة الخارجية والتعاون الدولي الليبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى