تقدير موقف

التصعيد الاستراتيجي في منطقة الساحل: هجوم مطار نيامي والتصعيد الاستراتيجي لتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل

مقدمة

يمثل الهجوم الذي وقع في 28-29 يناير/كانون الثاني 2026 بالعاصمة النيجرية نيامي على مطار ديوري هاماني الدولي تحولاً هاماً في المسار العملياتي للعنف الجهادي في منطقة الساحل الأوسط. وقد تبنى تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (داعش-الساحل) هذه العملية التي استهدفت البنية التحتية للطيران العسكري والطائرات المدنية في إحدى أكثر المناطق حساسيةً من الناحية الاستراتيجية في النيجر.

وبعيداً عن الأضرار التكتيكية المباشرة، يشير الهجوم إلى تصعيد من تمرد هامشي إلى حرب رمزية تتمحور حول رؤوس الأموال. ويتحدى هذا الهجوم الافتراضات المتعلقة بحصانة المدن في دول الساحل، ويجبر على إعادة تقييم كل من القدرة التنظيمية للجماعات الجهادية وسرديات الأمن التي تتبناها الأنظمة.

الجغرافيا الاستراتيجية للهدف

لا تُعدّ منطقة مطار نيامي مجرد مركز نقل مدني عادي، بل تجمع بين:

مبنى الركاب الدولي بالمطار

قاعدة القوات الجوية النيجرية 101

مرافق مرتبطة بالتنسيق الأمني ​​لتحالف دول الساحل

شركاء أمنيون كالروس منتشرين إلى جانب القوات النيجرية

هذا التمركز المكاني للطيران المدني والأصول العسكرية والرمزية الجيوسياسية جعل الموقع هدفًا ذا قيمة عالية. وقد ساهم استهدافه في تعظيم الأثر السياسي والنفسي.

الخصائص العملياتية

استنادًا إلى التقارير المتاحة والمقاطع المصورة التي نشرها التنظيم، يبدو أن العملية قد شملت:

وحدات هجومية مُجهزة بدراجات نارية

تحركًا منسقًا نحو حظائر الطائرات والمروحيات

استخدام أسلحة خفيفة وتكتيكات حارقة

اشتباكًا قصير الأمد تلاه انسحاب

أفادت التقارير أن الهجوم تسبب في أضرار للطائرات العسكرية والتجارية، إلا أن التقييمات الرسمية للأضرار لا تزال السلطات تتكتم عنها.

تتوافق البصمة التكتيكية مع عقيدة تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل: الحركة السريعة، والاختراق المفاجئ، والاستهداف الرمزي، والاستغلال الإعلامي السريع للعملية.

تحديد المسؤولية والمنطق التنظيمي

أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل مسؤوليته عن العملية عبر قنوات أعماق الإعلامية المرئية ومكتوبة، ونشر لقطات تتوافق مع التسلسل الزمني والموقع المُعلن عنهما كما أفرد التنظيم لها مقال كامل ف مجلة النبأ الأسبوعية تحت عنوان غزوة نيامي دلالات وعبر. من وجهة نظر تحليلية، تدعم عدة عناصر مصداقية تحديد المسؤولية، وهي:

الاتساق العملياتي مع أساليب تنظيم الدولة الإسلامية السابقة

اختيار الأهداف بما يتوافق مع استراتيجية إضعاف القدرات المضادة للطائرات

التسلسل الدعائي الفوري

غياب ادعاءات منافسة من فصائل جهادية متنافسة

الاتهامات العلنية التي وجهها عبد الرحمن تياني، زعيم المجلس العسكري في النيجر، ضد فرنسا وبنين وساحل العاج، تفتقر إلى أدلة موثقة. ويبدو أن هذه الادعاءات ذات دوافع سياسية وليست نابعة من معلومات استخباراتية.

لا يوجد حاليًا أي مؤشر يمكن التحقق منه على وجود تنسيق خارجي من دولة.

التطور التنظيمي لتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل

تكشف عملية نيامي عن ثلاث تطورات بارزة في مسار تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل:

1. القدرة على التغلغل في المناطق الحضرية

لطالما تركز تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل في المناطق الريفية الحدودية الثلاثية. يُظهر الوصول بنجاح إلى البنية التحتية الأمنية الأساسية للعاصمة تخطيطًا لوجستيًا واستطلاعًا دقيقًا وثقة عالية.

ويشير هذا إلى تحسين شبكات الاستخبارات الحضرية أو تعزيز قدرات التنسيق المحلية.

٢. استهداف التفوق الجوي

يعتمد نموذج مكافحة التمرد في النيجر اعتمادًا كبيرًا على الاستطلاع الجوي والانتشار الجوي السريع. ويؤدي إضعاف القدرات الجوية إلى زيادة حرية المناورة للجهادين في المناطق النائية.

المنطق الاستراتيجي واضح: إضعاف قدرة الدولة على الحركة لتوسيع نطاق عمليات المتمردين.

٣. الحرب النفسية كهدف استراتيجي

يتجاوز البُعد الرمزي لضرب مطار العاصمة الأضرار المادية، فهو يُقوّض شرعية النظام ويعزز روايات الجهاديين عن الصمود في وجه الهياكل الأمنية المدعومة محليًا ودوليًا.

البُعد السياسي

يخدم تصوير الجنرال تياني للهجوم على أنه مدعوم من جهات خارجية عدة أغراض داخلية:

تعزيز النزعة القومية

التنصل من المسؤولية عن الثغرات الأمنية

تبرير تشديد الرقابة الأمنية والسياسية

غالباً ما تُفضي الأزمات الأمنية إلى مركزية السلطة التنفيذية. ويكمن الخطر في أن يؤدي التركيز المفرط على الأمن دون إصلاحات هيكلية إلى تعميق عدم الاستقرار على المدى الطويل.

التداعيات الإقليمية لعملية نيامي

للهجوم تداعيات أوسع على منطقة الساحل:

سابقة ضعف المدن

قد تواجه عواصم أخرى في المنطقة محاولات استهداف رمزية مماثلة.

احتكاك دبلوماسي

قد تُضعف الاتهامات الموجهة ضد الدول المجاورة تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق عبر الحدود.

تحول في سردية الشراكة الأمنية

يُشكك الهجوم في الادعاءات بأن التحالفات الأمنية البديلة قد ساهمت في استقرار النيجر. ولا يُثبت فشل الشراكات الجديدة، ولكنه يُضعف سرديات استعادة السيطرة.

نظرة استراتيجية

خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر القادمة، من المرجح أن تتطور الأحداث على النحو التالي:

تشديد الإجراءات الأمنية في نيامي

توسيع نطاق عمليات مكافحة التمرد في المناطق المحيطة بالمدن

زيادة إنتاج الدعاية من قبل تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل

إمكانية تجربة أساليب تعتمد على الطائرات المسيّرة

لا يشير الهجوم إلى انهيار وشيك للدولة، ولكنه يُظهر قدرة الجهادين على التكيف وقدرتهم على الوصول إلى رؤوس أموال ضخمة.

الخلاصة

ينبغي فهم الهجوم على مطار نيامي على أنه تصعيد استراتيجي مُتعمّد من قِبل تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل. فهو يعكس نضجًا تنظيميًا، وتوسعًا في الطموح العملياتي، وجهدًا مُدروسًا لتغيير موازين القوى النفسية للصراع.

إن أهم ما يُستفاد ليس عدد الضحايا أو الطائرات المُتضررة، بل اختراق الحيز الرمزي للدولة.

لقد دخل الصراع في منطقة الساحل مرحلةً لم تعد فيها العواصم بمنأى عن الخطر. وستُحدد مرونة الأمن الحضري، ومصداقية الحوكمة، والتنسيق الإقليمي ما إذا كان هذا التصعيد سيُصبح قاعدةً جديدةً أم سيبقى مجرد استعراضٍ مُنعزلٍ للنفوذ.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى