شكّلَ اعتراف نتنياهو الأخير بالمنطقة الشمالية المعروفة بـ”أرض الصومال” كدولة مستقلة التهديدَ الأكبر الذي يواجهه الصومال في الوقت الحاضر، وفق تصريح رئيس الجمهورية. ويكمن خطورة هذا الاعتراف في كونه يعتبر انتهاكًا للوحدة والسيادة الصومالية، ويستهدف في مآلاته تفكيك الخريطة السياسية للبلاد إلى كانتونات قبلية تكون بديلة عن الدولة الوطنية الموحّدة، كما يطمح إلى إرساء وجود إسرائيلي مفتوح في المياه الصومالية يسعى لتحقيق الأهداف التالية:
- تأسيس قاعدة بحرية جاهزة للاستخدام في الحرب المتوقعة بينها وبين الحوثيين وإيران.
- امتلاك ورقة ابتزاز مع دول البحر الأحمر المحورية (مصر والسعودية) نتيجة ما يوجد بينهم من تنافس استراتيجي.
- تحجيم الدور التركي المتنامي في الصومال، واستكمال الدور التخريبي الإماراتي في منطقة أفرابيا ذات المصير المشترك وفق تعبير د. علي المزروعي
- ضمان منفذ بحري سيادي لإثيوبيا يحقق لها حلم تنويع منافذها البحرية المعتمدة، ويمكنها من بناء أسطولها البحري، ويؤمّن لها كذلك إيجاد شركاء إقليميين يوجد بينهم تصورات منسجمة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية لمنطقة أفرابيا بأكملها.
وكانت المملكة العربية السعودية من الدول الرائدة في تدارك خطورة الوضع المستجد في منطقة القرن الإفريقي، وارتباطه بملفّي اليمن والسودان الملتهبين. ومن ثمّ اتخذت العديد من الخطوات الدبلوماسية في التعامل مع هذا الموقف، سواء بالانفراد أو بالتنسيق مع التكتلات الرافضة له، مثل الاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، إضافة إلى القوى الإقليمية المعنية بالشأن الصومالي، ولا سيما مصر وتركيا وقطر، لمواجهة تداعيات هذا التطور. وينطلق هذا التحرّك من ثلاثة مبادئ أساسية:
أولًا. أن أي تطورات تؤثر سلبا في الاستقرار العام على الأوضاع القائمة في منطقة القرن الإفريقي، التي تمثّل الصومال ركيزتها الجغرافية، تؤثر تلقائيا في أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر وسلامة سلاسل الإمداد المتجهة من وإلى موانئه.
ثانيا. إن ترك الوضع المستجد في مياه خليج عدن على ما هو عليه يعني عمليًا عودة نشاط حوثي أكثر جاهزة من السابق، وانتعاش حركة الإرهاب، إلى جانب تغذية النزاعات المحلية ذات الطابع القبلي، وتعزيز الدور الإثيوبي الإمبراطوري في المنطقة.
ثالثا. التعاطي مع هذا الموقف بنهج إيجابي معاكس للنهج التخريبي الإماراتي، وبطريقة منسجمة مع مضامين المواثيق الإقليمية والدولية والتوافقات المجتمعية، وذلك عبر توظيف النفوذ السياسي بما يخدم مصالح شعوب المنطقة المجروحة الكرامة على نحو أفضل.
بداية العلاقة السياسية بين الدولتين
تعود العلاقات الصومالية– السعودية إلى حقب قديمة سبقت ميلاد الدولة الحديثة في البلدين، وهي امتداد طبيعي لمسار طويل من التفاعلات التجارية والثقافية بينهما، إذ لم تمنع الفواصل المائية المتقابلة التواصل المنتظم بين الشعبين على مدى العصور المتعاقبة. وفي الفترة المعاصرة، تميزت العلاقة السياسية بين البلدين بالاستقرار في تفاعلاتها، وتبادل الاحترام للسيادة على أراضيهما، وتركزت أغلب مجالات التفاعل على القطاعات السياسية والاقتصادية والثقافية منذ بداية العلاقة الدبلوماسية بينهما في ديسمبر 1960م. واعتمد البلدان بعضهما بعضًا في تأسيس رابطة العالم الإسلامي عام 1962م، وتطابقت مواقفهما السياسية حيال القضايا الإسلامية والدولية في المحافل الجامعة بينهما . ويُعد قرار تأسيس رابطة العالم الإسلامي عام 1962 أحد بنود مخرجات القمة الصومالية–السعودية التي جمعت بين الرئيس آدم عبدله عثمان بصفته أول رئيس للجمهورية والملك فيصل بن عبد العزيز- رحمهما الله-، بصفته وليًا للعهد ورئيسًا لمجلس الوزراء، وذلك أثناء زيارة الأخير إلى الصومال ، حيث بادرت الصومال بالفكرة، وتبنتها السعودية بالمبادرة بعد القمة، وأُسست الرابطة في مكة المكرمة في العام نفسه، قبل أن يتم تطويرها إلى منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1969م، وتحولها لاحقًا إلى منظمة التعاون الإسلامي بصيغتها الحالية عام 2011م.
وينبغي الإشارة إلى أن الرئيس آدم عبدله عثمان والملك فيصل بن عبد العزيز – رحمهما الله – جمعتهما رؤية مشتركة حول أهمية وجود منصة إسلامية جامعة بين الدول الإسلامية، تعمل على مواجهة التحديات المشتركة وتعزيز أواصر التعاون بينها في مختلف المجالات. ومن ثمّ، كانت الصومال عضوًا مؤسسًا في الرابطة، وأصبح الرئيس آدم عضوًا فاعلًا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة بعد انتهاء فترة حكمه عام 1967م. وعكست الزيارة الثانية للأمير فيصل، بصفته ملكًا للمملكة، إلى مقديشو عام 1976م مدى التقدم الذي حققته العلاقة بين الدولتين في المسارات المختلفة.
وعلى المستوى السياسي، تميّز موقف المملكة العربية السعودية بدعم الشرعية المركزية، ودفع مسار المصالحات السياسية بين الفرقاء السياسيين على مدى العقود الماضية كما عملت بقوة على دعم ملف انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية عام 1974، وترسيخ الهوية العربية–الإسلامية في الصومال من خلال توفير المنح الدراسية للطلبة الصوماليين ودعم برامج التعريب في فترة ماقبل الإنهيار .ودعمت السعودية الصومال عبر مسارات متكاملة، بدأت بدعمها الدائم للموازنة المالية السنوية للحكومة، وتأسيس البنك التجاري الوطني، والمساهمة في تقديم الاحتياجات النفطية إلى جانب فتح سوقها أمام الأيدي العاملة والمنتجات الصومالية الرئيسية، كما ساهمت بفاعلية في المشاريع الإنمائية المتمثلة في إقامة البنية التحتية، وإنشاء المصانع المنتجة، وبناء السدود، وبناء المساجد والمرافق التعليمية والإسكان، وصولًا إلى تطوير الموانئ، وتوفير المنح الدراسية للطلبة الصوماليين، وكذلك تقديم المعونات الغذائية، وحفر الآبار الارتوازية في المناطق الريفية. وإلى جانب ذلك، أبدت المملكة تضامنها المشهود مع الصومال خلال الحروب الإقليمية التي خاضها في فترات مختلفة، فضلًا عن استضافتها الكريمة لكبار المسؤولين الحكوميين على أراضيها خلال فترات عدم الاستقرار.
وبعد الانهيار، كانت السعودية من أوائل الدول الإسلامية التي استجابت للنداء الدولي للمساهمة في حل أزمة الصومال والتخفيف من آثار المجاعة والحرب الأهلية، حيث شاركت قواتها ضمن قوات حفظ السلام الدولية في الفترة (1991–1995)، المعروفة باسم بعثة الأمم المتحدة في الصومال (UNOSOM II)من خلال كتيبة مشاة كاملة التجهيز قوامها نحو (850) جنديًا. ويُعدّ المؤتمر المعروف بـ”الوفاق الوطني” من أشهر المحطات الرئيسية في مسيرة العلاقات المعاصرة بين البلدين، إذ دعت السعودية مختلف الأطراف الصومالية المتصارعة إلى جدة عام 2007، حيث جرت مراسم توقيع اتفاق المصالحة في جدة، واستُكملت في مكة المكرمة، وشدّد الملك عبد الله بن عبد العزيز –رحمه الله– آنذاك على أهمية نبذ الفرقة وضرورة حقن الدماء، وبالنتيجة قادت هذه المصالحة إلى تحجيم دور أمراء الحرب لاحقًا، وأسهمت إلى حدٍّ كبير في حصول الصومال على الاعتراف الدولي، والانتقال السلمي للسلطة في مؤتمر جيبوتي.
الدعم الانساني للصومال
قدمت المملكة العربية السعودية دعمًا إنسانيًا غير محدود خلال الأزمات والكوارث الطبيعية التي تعرّضت لها الدول في فترات متعاقبة، وتنقسم هذه المساعدات إلى تبرعات نقدية شعبية ومشروعات إغاثية ذات طابع مؤسسي. وتُعدّ الصومال من الدول العربية-الإفريقية الأكثر استفادة من المؤسسات السعودية المانحة بشقّيها الحكومي وغير الحكومي، وقد تمت هذه المساعدات عبر الهيئات السعودية المحلية التي كان لها حضور ميداني في الصومال، أو نفّذت من خلال الهيئات والمؤسسات الدولية العاملة في الصومال، مثل برنامج الغذاء العالمي (WFP)، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)
وقد بلغت قيمة تلك المساعدات المباشرة نحو 1.2 مليار دولار، فيما بلغ عدد المشروعات الإنسانية والتنموية غير الحكومية 157 مشروعًا، وقدّر عدد المستفيدين منها بنحو 10 ملايين نسمة على مستويات مختلفة. وينفذ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، المتواجد ميدانيًا في الصومال، مشروعات إغاثية حيوية تشمل توفير المواد الغذائية والتعليم والصحة والإيواء والمياه والإصحاح البيئي، وبلغ عدد تلك المشروعات 149 مشروعًا، وأسهمت بصورة ملفتة في توفير العديد من فرص العمل والخدمات الضرورية للمستفيدين، وذلك بتكلفة إجمالية تجاوزت 250 مليون دولار. وبشكل عام، اكتسبت المملكة العربية السعودية سمعة دولية واسعة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية للدول المحتاجة، حيث صُنّفت في المرتبة الثانية عالميًا، والأولى عربيًا، كأكبر مانح للمساعدات الإنسانية لعام 2025.
السعودية ومرحلة ما بعد الفترة الانتقالية في الصومال
انتقلت العلاقة بين الدولتين من مرحلة احتواء الأوضاع المتدهورة إلى رعاية المصالحة والمساهمة في بناء الدولة، وصولًا إلى المرحلة الحالية التي يمكن وصفها بالشراكة الاستراتيجية. وحالياً، توجد بين الدولتين اتفاقيات ثنائية في مجالات عدة، منها: الدفاع ومكافحة الإرهاب، العمل والموارد البشرية، الاقتصاد والتجارة، الطيران المدني والنقل، وقطاعات التعدين والطاقة، كما يشترك البلدان في أمن البحر الأحمر عبر عضويتهما في مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي يقع مقره في الرياض. وسجل التبادل التجاري ارتفاعًا ملحوظا يقدر بـ 24% خلال العامين الأخيرين، وهو مؤشر لنمو العلاقة السياسية بين الدولتين. وبالفعل، تطورت التفاعلات التجارية من مرحلة استيراد المواشي فقط من الجانب السعودي إلى مرحلة التبادل التجاري المباشر والاستفادة من الفرص الاستثمارية المشتركة في القطاع الخاص.
وتستورد الصومال من السعودية مواد غذائية متنوعة، ومواد البناء، ومنتجات بتروكيميائية، بينما تستورد السعودية من الصومال المواشي وبعض المنتجات الزراعية باستمرار. وقد بدأت الشركات السعودية بالاستثمار في إنشاء مختبرات بيطرية حديثة في محاجر الموانئ الصومالية بهدف زيادة حجم التصدير وتقليل المخاطر الصحية. وتُعدّ المملكة العربية السعودية أهم سوق خارجي للمواشي الصومالية، إذ تستحوذ على نحو 70% من إجمالي صادرات المواشي الصومالية إلى دول الخليج والعربية بشكل عام. وقد بلغ عدد رؤوس الماشية المصدّرة إلى السوق السعودي خلال عام 2025 إلى أكثر من 4 مليون رأس، بقيمة مالية تجاوزت 1 مليار دولار. ويُرجَّح أن يشهد هذا الرقم زيادة ملحوظة خلال الفترة المقبلة، في ظل تراجع صادرات أستراليا من المواشي الحية عبر البحر، وتأثر سلاسل الإمداد في حالة السودان الحالية ، إلى جانب تحسّن العلاقات السياسية بين البلدين، واستقرار وسلامة الممرات المائية.
ومن المتوقع أن يقفز حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى مستويات قياسية غير مسبوقة خلال هذ العام الجاري، وهناك نقاشات جارية على أكثر من مستوى لإنشاء منطقة صناعية سعودية مشتركة، وفتح خطوط الطيران المدني، إلى جانب إتاحة المجال لفرص استثمارية واسعة في قطاعات الإنتاج الحيواني والزراعي لضمان استدامة الأمن الغذائي. وتتحرك المملكة العربية السعودية وفق التطورات الإقليمية التي تؤثر سلبًا في مصالحها الاستراتيجية الوطنية، وهي مؤهلة لأن تكون شريكًا معتمدًا في مجالات التعاون العلمي المشترك بينها وبين الصومال، ودورها محوري في حل الأزمات المشتعلة في اليمن والسودان، حرصًا على مصالح الشعوب المجروحة الكرامة على أراضيها، وطريقة إدارتها بملف إعادة بناء سوريا الجديدة، وردم الفجوة السياسية بينها وبين الولايات المتحدة خظي بالإشادة على المستوى الدولي والإقليمي .
وإلى جانب ذلك فإن السعودية قادرة أن تلعب دور الراعي الموثوق في رأب الصدع بين القوى السياسية الوطنية في الصومال، دون فرض رأي أو الانحياز لطرف على حساب آخر وتقديم التسهيلات اللازمة لدفع الاتفاق بين القوى السياسية المختلفة كما يمكنها أن تسهم بفاعلية في تعزيز قدرات الجيش الوطني والأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب عبر الأطر الموقعة بين البلدين، فضلًا عن المشاركة بفعالية في مشاريع إعادة الإعمار وبناء المرافق الأخرى الضرورية، مثل المطارات والموانئ والمستشفيات، سواء بشكل منفرد أو بالتنسيق مع القوى الإقليمية، مثل تركيا وقطر ومصر وجيبوتي، وكذلك مع القوى الدولية، مثل الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة، المهتمة جميعها بالشأن الصومالي بدرجات متفاوتة.
ويساعدها في ذلك تنامي النفوذ السياسي والاقتصادي في منطقة القرن الإفريقي، مدفوعة برؤية 2030؛ إذ تُعدّ من بين الدول الثلاث الأكثر استثمارًا في إثيوبيا، بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، وتمتلك فيها أكثر من 294 مشروعًا استثماريًا تتركز في قطاعات الزراعة، والثروة الحيوانية، والإنشاءات، والصناعات التحويلية، كما تتواجد السعودية بوصفها مستثمرًا استراتيجيًا في جيبوتي، لا سيما في مجالات اللوجستيات والطاقة، وتطوير الموانئ، وتشغيل خطوط الملاحة، والبنى التحتية، باستثمارات تُقدّر بنحو 13 مليار دولار. وبلغ حجم التبادل التجاري بين السعودية وجيبوتي نحو 1.6 مليار دولار خلال العامين الأخيرين، فيما يصل حجم التبادل التجاري بينها وبين كينيا إلى قرابة 1.2 مليار دولار، محققًا معدل نمو بلغ 21%. ويندرج هذا التوجه ضمن خطة سعودية أوسع لضخ استثمارات وتمويلات في إفريقيا تُقدّر بنحو 41 مليار دولار خلال الفترة المقبلة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030م
الفرص الاستثمارية الواعدة بين الدولتين
تركزت العلاقة الاقتصادية بين الدولتين في الفترة الماضية على مجال الثروة الحيوانية، وتقديم الدعم المالي للهيئات الحكومية والمساعدات الإنسانية للمحتاجين عند حدوث الأزمات والكوارث الطبيعية دون الاهتمام بمايكفي ربما في مجالي الاستثمار والتنمية المستدامة كمكون مساهم في تعزيز العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين. ونقطة الالتقاء بين الجانبين في هذه المعادلة تكمن في الاستفادة القصوى من تقارب موقعهما الجغرافي، وامتلاك كل منهما بما يدخل في مركزية أولوياته الاقتصادية، حيث تمتلك الصومال بعض من الموارد التي يحتاجها السوق السعودي باستمرار، بينما تمتلك السعودية رأس المال والخبرة التنظيمية التي تفتقر إليها الصومال بالمثل. والهدف المشترك بينهما هو جمع النقاط ما بين سعي السعودية في البحث عن أسواق ناشئة في أفريقيا لتنويع استثماراتها، وبحث الصومال عن سوق نابض يصدر إليه موارده الطبيعية المتنوعة باستمرار.
وتشهد الصومال تحولاً جذرياً في بيئتها الاستثمارية حيث أنها تمرّ بمرحلة انتقالية من الاعتماد على اقتصاد المساعدات إلى اقتصاد الموارد الوطنية مراهنة بذلك على الاستقرار النسبي المتنامي في أراضيها، وعودة كثير من المغتربين الصوماليين إلى البلاد فضلا عن وجود شركات تجارية متوسطة الحجم ومؤسسات مالية حديثة يمكن المشاركة بفعالية على أي مشروعات استثمارية ناجحة. وبالتأكيد، تشكل القطاعات الإنتاجية ( الأمن الغذائي) والمالي والعقاري وكذلك الطاقة القطاعات الأكثر حيوية في الاهتمات الأولية للبلدين، وتبقى في الغالب الوجهة المفضلة لرؤوس الأموال والاستثمارات المشتركة. ومن هذ المنطلق، فانه من الممكن بناء نموذج ريادي للشراكة الاستثمارية بين البلدين انطلاقاً مما يسميه “ريتشارد رورتي” بالتعاون العملي ( (Pragmatic Cooperation.
وقد تكون المجالات التالية هي الأكثر ملاءمة لبناء نموذج من التعاون العلمي المرتكز على الاستثمار والتنمية المستدامة في الفترة المقبلة:
- الأمن الغذائي
تبرز فرص هذا القطاع في إنشاء مسالخ نوعية يتطابق تصميمها البنائي مع متطلبات الهيئات الحكومية في سلامة الغذاء ومواصفات السوق السعودي، وإقامة مصانع لتعليب اللحوم لزيادة القيمة المضافة في السوق المحلي، وتأسيس مزارع خاصة لإنتاج انواع المواشي الحية وتجهيزها الشامل بدلاً من الاعتماد على المراعي الطبيعية وذلك قبل نقلها إلى المحاجر البيطرية في موانئ التصدير، علما بأنه سيكون من الصعب تأمين شحنات المواشي المعتمدة على مياه الأمطار الموسمية غير المنتظمة في المرحلة المقبلة نتيجة احتمالية تزايد مخاطر تبعات أزمة التغير المناخي على الثروة الحيوانية بشكل خاص. وينبغي الأشارة على أن الاقتصاد الصومالي يعتمد بنسبة 70% على الثروة الحيوانية. ويتيح اعتماد خطط عملية كهذه تنمية الحركة التجارية بين الدولتين وتنظيم سلاسل الإمداد وتأمين استمراريتها، وفي نفس الوقت تتوافق تلك الخطط مع أولويات الخطة التحولية الوطنية للصومال (2026-2030) ومحاور رؤية 2030 في السعودية. وبالإضافة إلى ذلك، وبسبب امتلاك الصومال مساحات زراعية خصبة غير مستغلة بما يكفي، فمن الممكن العمل على إيجاد آليات استثمارية مشتركة لزراعة بعض المحاصيل الزراعية، بحيث تُنتج بكميات يمكن تصديرها إلى السوق السعودي والاستهلاك في السوق المحلي بشكل منتظم. وفيما يتعلق بالموارد البحرية أو الثروة السمكية، فمن الممكن التعاون العملي المشترك على إنشاء أساطيل صيد مشتركة تعمل في المياه الصومالية الأطول في القارة، والاستثمار في مستودعات التبريد وإقامة مصانع خاصة في أماكن مناسبة لها لتجهيز الأنواع المختلفة من الموارد البحرية، سواء كانت مجمدة أو طازجة، وتصديرها إلى السوق السعودي والإقليمي بانتظام عن طريق وسائل نقل متنوعة ما بين البحرية والجوية، علمًا بأن أكثر من 85% من إمكانيات الموارد البحرية الصومالية الوافرة غير مستغلة بالشكل الكافي.
- الموانئ والخدمات اللوجستية
وتبرز فرص هذا القطاع بحكم موقع الصومال الاستراتيجي القريب من موانئ المملكة العربية السعودية، وخصوصًا ميناء جازان وميناء جدة الإسلامي في البحر الأحمر، إضافة إلى الاهتمام المتزايد بتطوير البنية التحتية للموانئ في المنطقة وذلك لضمان تدفق التجارة، والأمن الغذائي، وتسهيل حركة السفن في البحر الأحمر. وتتمتع السعودية بخبرة تراكمية وسمعة عالية في تشغيل وإدارة الموانئ، وتمتلك منصة لوجستية عالمية مصنفة عالميًا في مراكز متقدمة في الخدمة اللوجستية، وأساطيل بحرية صديقة للبيئة، كما أن لديها شركات كبيرة تمتلك استثمارات وعقود إدارة وتشغيل موانئ خارج المملكة، وشركات أخرى تمتلك أسهم شراكة مع شركات غير سعودية لإدارة موانئ دولية.
وبناءً على ذلك، فمن الممكن أن تعمل الدولتان على تطوير الموانئ القائمة في الصومال بهدف رفع الطاقة الاستيعابية وتحسين كفاءتها الإنتاجية وتوسيع أقسام مخصصة لتصدير المواشي والأسماك او إنشاء موانئ جديدة مخصصة للنفط والغاز الذي هو تحت التنقيب، مع دراسة المواقع المناسبة من الناحية الاستراتيجية واللوجستية. ويعكس هذا التعاون فرصة كبيرة لتعزيز البنية التحتية البحرية في الصومال، وزيادة تدفق التجارة الإقليمية والدولية، واستفادة الطرفين من الخبرات السعودية المتقدمة في هذا القطاع.
- الإعمار والقطاع المالي
مع تحسن التصنيف الائتماني للصومال بعد شطب أكثر من 90% من ديونها عام 2024، انتقلت البلاد من مرحلة استعباد الديون إلى مرحلة الانفتاح المالي على النظام الدولي. وبدأت العديد من الشركات الربحية الدولية تتطلع للحصول على عقود طويلة الأجل وإقامة مشاريع تنموية مستدامة مثل بناء الطرق والجسور والمجمعات السكنية والمرافق الحيوية والخدمية. وتمثل الصومال سوقًا واعدة للخدمات المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وهناك حاجة حقيقية لإنشاء بنوك استثمارية قادرة على ربط أنظمة الدفع المحلية بأنظمة التجارة الإلكترونية الدولية، وتسهيل التحويلات المالية، فضلاً عن تمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى أو تطوير أدوات استثمارية مثل “المشاركة” و”المرابحة” لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما في ذلك تلك التي تدخل ضمن مجالات ” الاقتصاد الأخضر” المدعومة من المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي.
وتُصنف مدينة مقديشو، العاصمة، في المرتبة الثانية عالميًا من حيث سرعة النمو السكاني، بعدد سكان يناهز 3 ملايين نسمة. وعوائد الإيجارات في المدن الكبيرة في البلاد مرتفعة، ومقديشو هي من بين الأعلى في منطقة القرن الإفريقي، نظرًا لزيادة الطلب ومحدودية العرض النوعي. ومن ثم، يوجد عجز كبير في الوحدات السكنية والتجارية، بما في ذلك السكن الاقتصادي (Affordable Housing). ومجال العقار في الصومال يُعد من أكثر الفرص الاستثمارية ربحاً، ويزداد الطلب على السكن الآمن والحديث، وبناء مجمعات سكنية مغلقة (Gated Communities) إلى جانب الأبراج المكتبية والمساحات التجارية الحديثة، المتوائمة مع تزايد الاستقرار النسبي للأوضاع الأمنية وتحسن مؤشر التعافي من فترة الحرب. وقانون الاستثمار الجديد المعتمد في الصومال عام 2025 يمنح المستثمر الأجنبي حقوقاً شبه متساوية مع المحلي وضمانا كاملا في حرية تحويل الأرباح للخارج وحماية الأصول من المصادرة، على الرغم من وجود مخاطر محدقة بالاستثمارات، تتمثل في المخاطر الأمنية العامة وضعف الضمان على التوثيقات القانونية المنوطة بالهيئات الحكومية المعنية. وتشجع الحكومة على الإسكان الميسر لأصحاب الدخل المنخفض والنازحين، وتعمل على تذليل الصعاب أمام المستثمرين غير الصوماليين في الاستثمار العقاري، وهو مجال واعد للمقاولين ومفتوح للمطورين في العقار، خصوصاً الذين يهتمون بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP). وانضمام الصومال الجديد إلى مجتمع شرق إفريقيا (EAC) عام 2024 يعطي لتلك الفرص الاستثمارية المشتركة عمقاً أكبر، ويفتح سوقاً يضم أكثر من 300 مليون نسمة، مما يجعل الصومال مؤهلة لتكون بوابة مالية ولوجستية للمنطقة بأكملها.
- الطاقة والنفط والغاز
وتظهر هذه الفرص لأن الصومال اليوم تمثل واحدة من أكثر الدول إثارة للاهتمام في مجال الطاقة، ليس فقط لوفرة الموارد في هذا المجال، بل لأن البلاد تملك البلاد أحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي وسرعات الرياح الاستثنائية في القارة، كما أن هناك طلبًا متزايدًا على حلول الطاقة الشمسية للمنازل السكنية والشركات والمؤسسات، عبر استبدال مولدات الديزل المستخدمة بأنظمة هجينة ثنائية التحكم بحيث أنها تعتمد على الشمس والديزل في آن واحد، مع الأخذ في الاعتبار أن فاتورة الكهرباء تعد من بين الأعلى على مستوى المنطقة. وبجانب ذلك، هناك إمكانية لتأسيس مشاريع انتاج الطاقة من الرياح وتوليد أكثر من 800 جيجاوات من طاقة الرياح في بعض المناطق الساحلية القريبة من المدن الكبرى. وقد يكون مجال النفط والغاز مكملاً لقطاع الطاقة، حيث إنه مع استمرار التنقيب في المدن الساحلية، يمكن التعاون بين المؤسسات الصومالية والشركات السعودية الحصول على عقود لاستخراج النفط في مناطق أو مربعات جديدة محددة سلفا وغير مرخصة بعد لأحد سواء بشكل فردي أو بالتنسيق مع الشركات التركية المعتمدة وغير المرخصة في التنقيب والاستكشاف، وما يتبع ذلك من فرص إضافية كامنة في عقود بناء المخازن والنقل اللوجستي.
خاتمة
تميزت العلاقة بين الصومال والمملكة العربية السعودية بعمق تاريخي، واستقرار في التفاعلات المشتركة، وثبات في المواقف السياسية. فمنذ نيل الصومال استقلاله عام 1960، كانت المملكة سبّاقة على الصعيدين العربي والإسلامي في تقديم الدعم له، وبرزت دولياً كدولة رائدة في مساندة الأولويات المرحلية الصومالية؛ سواء في مرحلة الاستقلال والحكم المدني، أو في حقبة البناء والتمكين إبان الحكم العسكري، وصولاً إلى فترات الانهيار والمعاناة الإنسانية، ثم مرحلة التعافي من أهوال الحرب وفترات عدم الاستقرار المنهكة. وقد عكس زخم الزيارات المتبادلة بين الملوك والرؤساء، وحجم الاتفاقيات الموقعة، مستوى التطور الذي أحرزته العلاقات الثنائية في مساراتها المختلفة طوال العقود الماضية. وتسعى الصومال إلى الانتقال من اقتصاد المساعدات إلى اقتصاد قائم على الموارد المحلية، مدفوعة بإرادة سياسية واضحة، واستقرار نسبي متنامٍ، فضلاً عن استحداث تشريعات قانونية توفر بيئة آمنة للمستثمرين الأجانب لاستكشاف الفرص الواعدة، خاصة بعد التحسن الملحوظ في التصنيف الائتماني للصومال إثر شطب أكثر من 90% من ديونه عام 2024. ورغم هذه الطموحات، تبرز تحديات إقليمية؛ إذ ترى قوىً عدة في عودة الصومال الموحد تهديداً لمصالحها الاستراتيجية، فتبذل جهوداً حثيثة لإدامة التجاذبات بين السلطة المركزية والولايات، أو تغذية النزعات الانفصالية، والسعي لتغيير الهوية الثقافية المحافظة للبلاد، وإفساح المجال لهيمنة إقليمية إثيوبية تؤثر سلباً على استقرار المنطقة
وتشهد الدبلوماسية السعودية تحولاً جوهرياً في عقيدتها السياسية، إذ يبدو أنها تتجه نحو إعادة تعريف دورها الإقليمي عبر احتواء الأزمات وتصفية الملفات المعيقة للتنمية، متبنيةً واقعيةً سياسية (Realpolitik) ترى في الاستثمار والأدوات الاقتصادية وسيلة دبلوماسية أكثر فاعلية واستدامة. وقد تكون أمامها اليوم فرصة تاريخية لتحويل ثقلها المالي إلى قوة ذكية في المنطقة، تدمج بين الجذب الناعم والحسم الصلب. فمن خلال مكانتها المركزية ووزنها السياسي في عواصم الإقليم، تستطيع المملكة تقديم نموذج قيادي رشيد يتعامل مع الأزمات المترابطة بمنظور كلي، ويضع مفهوم الدولة الوطنية في قلب العمل المشترك، مع توفير محفزات اقتصادية تجعل الاستقرار مصلحة وطنية للجميع. وتُعدّ التجربة السعودية الأخيرة في مكافحة الإرهاب والتعامل مع الملف السوري نموذجاً جلياً لتغليب منطق الدولة والبراغماتية على الارتهانات الخارجية والمكاسب الضيقة، وهو نموذج يمكن استنساخه بفاعلية في ملفات أخرى، وفي مقدمتها الصومال.
ويبرز الصومال كساحة اختبار مثالية لهذا النهج؛ فهذا البلد الذي أُجبر لعقود على خيارات سياسية لا تعبّر عن قناعات أبنائه، وكان ضحية لأجندات متعددة تتخفّى خلف شعارات براقة، يمتلك اليوم موارد بكرًا تنتظر إرادة صومالية–سعودية مشتركة لتحويلها إلى مشاريع تنمية مستدامة تمهّد الطريق لاستعادة الثقة بالنفس واستقلالية القرار الوطني. إن مفتاح هذا التحول يكمن في تهجين الدعم الإغاثي التقليدي بشراكات استثمارية قائمة على المنفعة المتبادلة؛ فحين يلمس المواطن الصومالي ثمار التنمية المرتبطة بالدولة المركزية، ستتلاشى جاذبية الأطروحات التفكيكية أو النزعات الانفصالية، وسيشكّل الحضور السعودي التنموي حائط صدٍّ منيع أمام محاور الهدم العابرة للقارات.
إن جوهر الاستقرار في المنطقة هو التنمية، والسياسة الناجحة هي التي تحوّل التوافق السياسي إلى واقع اقتصادي ملموس. فبناء السلام عبر الازدهار، وتثبيت أركان الدولة عبر الشراكة الطموحة ، هو المسار الأكثر نضجاً واستدامة في المنظور الاستراتيجي الحديث.





