تقدير موقف

تقدير موقف مؤتمر كسمايو: السياقات والدلالات والمخرجات قراءة في أزمة الشرعية وبناء الدولة في الصومال.

ملخص

تُقدّم هذه الورقة تحليلًا لمؤتمر كسمايو بوصفه مؤشرًا كاشفًا على أزمة بنيوية في اشكالية النظام الفيدرالي الصومالي، تتعلّق بالشرعية الدستورية، والانفراد بالسلطة، والشراكة الوطنية الجامعة، وفشل مشروع بناء مؤسسات الدولة. وتنطلق الورقة من فرضية أن المؤتمر لا يُعبّر فقط عن خلافات انتخابية ظرفية، بل يمثل تحوّلًا في موقف المعارضة السياسية والولايات الأعضاء نحو مساءلة قواعد الحكم ذاتها، والتلويح بحق تقرير المصير في حال فشل التوافق الوطني.

تعتمد الورقة منهجًا تحليليًا يجمع بين نظر

ية بناء الدولة في السياقات الهشّة، وتحليل واقع الفيدرالية الصومالية المتأزمة بفعل الصراعات السياسية، لفهم خلفيات المؤتمر، وتفكيك مخرجاته السياسية والأمنية والدستورية، واستشراف تأثيراته على الاستقرار السياسي في الصومال والمنطقة.

وتخلص الورقة إلى أن تجاهل هذه المخرجات، أو المضيّ في سياسات أحادية، سيؤدي إلى تفاقم أزمة الشرعية وتقويض ما تبقّى من أسس التعاقد الفيدرالي الوطني في الصومال.

مقدمة:

حظي مؤتمر كسمايو الذي انعقد بين 18 و20 من ديسمبر/كانون الثاني باهتمام واسع من قبل النخب السياسية، والباحثين، والمهتمين بالشأن الصومالي على المستويين الداخلي والخارجي، بوصفه محطة سياسية مفصلية تحمل دلالات خطيرة في سياق المشهد السياسي الصومالي المتأزم. وتنبع أهمية المؤتمر من تزامنه مع اقتراب انتهاء المدة الدستورية لكلٍّ من رئيس الجمهورية والبرلمان الفيدرالي بغرفتيه، في ظل تصاعد الجدل بشأن مسار الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة عام 2026م، والبحث عن صيغة تضمن مشاركة سياسية شاملة دون إقصاء، وتؤسس لشرعية دستورية قائمة على التوافق الوطني والقبول المتبادل بين مختلف الفاعلين السياسيين.

وقد انعقد المؤتمر في مدينة كسمايو، العاصمة المؤقتة لولاية جوبالاند، في لحظة سياسية شديدة الحساسية تتسم بتراكم مؤشرات الانسداد الأفق السياسي، وتنامي المخاوف من تعثر أو فشل مسار الانتقال السياسي، واتساع فجوة الشرعية الدستورية في بنية الدولة الصومالية. وهي لحظة تعكس بوضوح هشاشة الترتيبات الانتقالية القائمة، وعجز المؤسسات الفيدرالية عن إدارة الخلافات السياسية ضمن الأطر الدستورية المتوافق عليها.

ولا يمكن فهم مؤتمر كسمايو على أنه مجرد تفاعل سياسي ظرفي أو ردّ فعل آني على خلافات مرحلية، بل يتعين فهمه بوصفه تعبيرًا عميقاً عن اختلالات بنيوية أعمق في إدارة النظام الفيدرالي الصومالي. إذ يأتي المؤتمر في سياق قصور متطلبات تهيئة الشروط السياسية والفنية لإجراء انتخابات توافقية عامة مباشرة، وتراجع الثقة في أداء الحكومة الفيدرالية نتيجة إخفاقات متراكمة في مجالات الحكم الرشيد، وإدارة الملف الأمني، وضبط العلاقة بين المركز والولايات الأعضاء، بما أفضى إلى حالة من الاستقطاب السياسي الحاد وتآكل الثقة المتبادلة.
وفي هذا الإطار، برز مؤتمر كسمايو كمحاولة لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة النظام الفيدرالي الصومالي، وحدود السلطة الدستورية للمركز، وآليات إنتاج الشرعية السياسية في دولة ما بعد الصراع. كما شكّل المؤتمر منصة لإعادة تعريف أدوار الفاعلين السياسيين خارج الإطار الحكومي الرسمي، في ظل شعور متنامٍ بالتهميش والإقصاء من عملية صنع القرار الوطني.

وتسعى هذه الدراسة إلى تناول مؤتمر كسمايو بوصفه حالة تحليلية كاشفة لأزمة أوسع في بنية النظام السياسي الصومالي، من خلال مقاربة نقدية تسعى للإجابة عن سؤالين مركزيين: إلى أي مدى يعكس مؤتمر كسمايو أزمة بنيوية متجذرة في النظام الفيدرالي الصومالي، وليس مجرد خلاف سياسي عابر؟ وإلى أي حد يمكن النظر إلى مخرجاته ومساراته بوصفها مؤشراً أولياً على تشكل ديناميات سياسية موازية قد تقود – في حال تعمقها – إلى تهديد وحدة الكيان الصومالي وإعادة إنتاج الانقسام المؤسسي داخل الدولة الصومالية نفسها؟

وللاجابة على هذه التساؤلات، يمكن تقسيم هذه الورقة إلى المحاور التحليلية التالية، بما يضمن مقاربة منهجية متدرجة تُحيط بأبعاد مؤتمر كسمايو وسياقاته البنيوية والسياسية:

أولًا: السياق السياسي والدستوري لانعقاد مؤتمر كسمايو

جاء مؤتمر كسمايو في ظل بيئة سياسية مأزومة، اتسمت بأزمة شرعية متصاعدة، وتعثر الاستحقاقات الانتخابية، وضعف الالتزام بدستور 2012 المؤقت، مما أدى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي وتحريك اصطفافات جديدة.

وقد انعقد المؤتمر على خلفية ثلاث أزمات متداخلة:

  1. اقتراب انتهاء الولاية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود (مايو 2026) وانتهاء ولاية البرلمان (أبريل 2026).
  2. غياب توافق وطني حول شكل الانتخابات المقبلة وآلياتها.
  3. تصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية من جهة، والولايات الأعضاء والمعارضة من جهة أخرى، بشأن الصلاحيات الدستورية وتوزيع السلطة.

كل ذلك شكّل بيئة خصبة لأزمة شرعية مركّبة، لم تعد تقتصر على الملف الانتخابي، بل باتت تمس أسس النظام السياسي الصومالي، وتُنذر بمزيد من الانقسام والتوتر ما لم يتم احتواؤها بتوافق وطني شامل.

ثانيًا: مؤتمر كسمايو بوصفه تعبيرًا عن اختلالات النظام الفيدرالي الصومالي

يُسلّط هذا المحور الضوء على التوتر البنيوي بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، لاسيما في قضايا تقاسم السلطة والثروات، وهيمنة القرار السياسي من المركز، بما يكشف فشل إدارة النموذج الفيدرالي في الصومال.
فقد شكّل مؤتمر كسمايو نقطة تحوّل سياسي، عبّر فيها المشاركون بوضوح عن رفضهم للمسارات الأحادية التي تتّبعها الحكومة الفيدرالية في مقديشو، معتبرين أنها تمثل ارتدادًا نحو الحكم المركزي الفردي، وتقويضًا لمبدأ الشراكة الذي يُفترض أن يقوم عليه النظام الفيدرالي.

وأكد المؤتمر أن الفيدرالية في الصومال ليست مجرد تنظيم إداري، بل عقد سياسي لا يمكن تجاوزه دون توافق وطني. كما رفض المشاركون التعديلات الدستورية التي لم تحظَ بقبول شامل، مشددين على أن ولاية البرلمان تنتهي في 14 أبريل 2026، وولاية الرئيس في 15 مايو 2026، وأن أي محاولة للبقاء في السلطة بعد ذلك دون توافق تُعدّ خرقًا للدستور.

ويكشف المؤتمر أيضًا عن تصاعد خطاب المعارضة نحو فكرة «الحكم الموازي» في حال استمر الرئيس حسن شيخ محمود في قراراته الأحادية، في ظل غياب توافق وطني على شكل الانتخابات القادمة. ويستند هذا الطرح إلى ما تعتبره المعارضة فقدانًا للرئيس للشرعية الدستورية بعد انتهاء ولايته، إضافة إلى تآكل الدعم الشعبي والدولي، ما قد يُفضي إلى أزمة سياسية مفتوحة وفوضى في العاصمة مقديشو.

وفي هذا السيق، قد يعكس مؤتمر كسمايو تصاعد الأزمة الفيدرالية في الصومال، ويُمهّد لتحولات سياسية عميقة وخطيرة قد تصل إلى تشكيل سلطة موازية، ما لم يتم تدارك الأمور بحوار وطني شامل يعيد ضبط قواعد الحكم ويمنع الانهيار الدستوري.

ثالثًا: الفاعلون السياسيون وديناميات القوة داخل مؤتمر كسمايو

يركّز هذا المحور على تحليل البنية السياسية للقوى المشاركة في مؤتمر كسمايو، وفي مقدمتها ولاية جوبالاند المستضيفة، وولاية بونتلاند بوصفها الداعم الرئيس للمؤتمر، إلى جانب منتدى الإنقاذ الوطني المعارض بقيادة الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد. كما يضمّ المؤتمر عددًا من النخب السياسية والدينية، من بينها الخليفة عبدالقادر معلم نور محمد زياد، ممثل وزعيم حزب «سمدون» وأحد أبرز قيادات الطرق الصوفية في الصومال، فضلًا عن بعض شيوخ العشائر وممثلي المجتمع المدني، بما يعكس تنوعًا نسبيًا في الفاعلين وأطر التأثير.

في هذا السياق، برزت المعارضة السياسية الصومالية – ممثَّلة في منتدى الإنقاذ الوطني، وجوبالاند، وبونتلاند – بوصفها الفاعل الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا داخل المؤتمر. وقد أعلنت هذه القوى استعدادها الصريح للحوار مع الحكومة الفيدرالية، في خطوة سياسية مدروسة تحمل دلالتين أساسيتين:

داخليًا، التأكيد على الالتزام بالمسار التوافقي وتجنّب مزيد من الاستقطاب؛ وخارجيًا، إعادة توجيه الضغط الدولي نحو الحكومة الفيدرالية عبر تقديم المعارضة نفسها كطرف مسؤول ومنفتح على الحوار والحل السياسي.

وتعكس هذه المبادرة إدراكًا متقدمًا لطبيعة اللحظة السياسية، إذ تسعى المعارضة إلى تحميل السلطة التنفيذية الفيدرالية مسؤولية أي انسداد سياسي محتمل، ونقل عبء التعطيل من الأطراف المعارضة إلى مركز القرار، بما يضع الحكومة أمام اختبار جدي في نظر شركائها الدوليين.

ومن اللافت أن الثقل الحقيقي للمعارضة يتمركز خارج العاصمة مقديشو، وتحديدًا في بونتلاند وجوبالاند، لما تمتلكانه من نفوذ سياسي ومؤسسي شرعي وقدرة على الضغط، في مقابل معارضة مقديشو التي تعاني من التشرذم وتضارب المصالح وتعدد الطموحات الفردية، وهو ما أضعف فاعليتها كقوة سياسية مؤثرة.

وخلاصة القول، فإن مبادرة المعارضة للحوار لا تعبّر عن ضعف سياسي، بل تمثل تحركًا استباقيًا لإعادة ضبط ميزان القوة، ووضع الحكومة الفيدرالية أمام استحقاق حقيقي يتعلق بمدى التزامها بالمسار الدستوري والتوافقي، بعيدًا عن منطق التفرد والإقصاء.

رابعًا: البُعد الأمني وإعادة تشكيل المشهد السياسي

يرتبط التدهور الأمني في الصومال بشكل وثيق بتفاقم الأزمة السياسية، إذ شكّل فشل الحكومة في إدارة الملف الأمني، وتنامي تهديدات حركة الشباب، بيئة ملائمة لنشوء مبادرات سياسية موازية، كمؤتمر كسمايو، الذي جاء استجابة مباشرة لتردي الأوضاع الأمنية وفشل الحكومة الفيدرالية.

وقد شدد المؤتمر على أن خسارة الجيش الوطني لمدن استراتيجية، وتراجع أدائه الميداني، ليست مجرد حوادث عابرة، بل نتيجة لتسييس المؤسسات الأمنية، وغياب التنسيق بين الأجهزة، وانعدام قيادة مهنية موحدة. وأكد أن هذا التدهور يعكس خللًا بنيويًا في منظومة الأمن الوطني، حيث طغت المصالح السياسية والشخصية على متطلبات الكفاءة والاحترافية، ما جعل الأمن القومي رهينة الصراع السياسي في مركز الدولة.

خامسًا: المواقف الإقليمية والدولية من مؤتمر كسمايو

يتناول هذا المحور تفاعلات الفاعلين الإقليميين والدوليين مع مؤتمر كسمايو، وحدود الدعم أو التحفّظ تجاهه، ودور الاعتبارات الجيوسياسية في توجيه مسار الأزمة السياسية الصومالية، سواء باتجاه الاحتواء أو التعميق.

تقول المؤشرات المتاحة إلى أن المؤتمر حظي بدرجة ملحوظة من القبول والاهتمام الإقليمي والدولي، وهو ما يتجلى في المستوى المتقدم لتنظيمه، من حيث الإعداد المنهجي للأجندة، ودقة جدولة الجلسات، وتوفير الدعمين المالي واللوجستي. كما يعكس إيصال مخرجات المؤتمر إلى الشركاء الدوليين في وقت وجيز وجود قنوات تواصل فاعلة، وقدرة واضحة على إدارة الرسائل السياسية بصورة منظمة ومدروسة.

وتؤكد هذه المعطيات أن مؤتمر كسمايو لم يكن حدثًا سياسيًا محليًا معزولًا، بل جاء ضمن سياق إقليمي ودولي أوسع يأخذ في الحسبان تعقيدات الملف الصومالي وتوازناته الخارجية. كما تعكس هذه المقاربة إدراك القائمين على المؤتمر لأهمية العامل الخارجي في معادلة الشرعية السياسية، في ظل اعتماد العملية السياسية الصومالية بدرجة كبيرة على الدعم والتفاعل الدوليين.

ويُسهم هذا الحضور الإقليمي والدولي المنظّم في تعزيز الوزن السياسي للمؤتمر، ومنحه قدرة أكبر على التأثير في النقاشات الجارية حول مستقبل المرحلة الانتقالية، لا سيما فيما يتعلق بالمسار الانتخابي، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، وحدود الدور الخارجي في الشأن السياسي الصومالي.

سادسًا: مآلات مؤتمر كسمايو وسيناريوهات المستقبل السياسي

يخلص هذا البحث إلى أن مؤتمر كسمايو لا يمكن اختزاله في كونه حدثًا سياسيًا عابرًا أو اصطفافًا مرحليًا في سياق أزمة متكررة ومتجددة في كل موسم انتخابي، بل يمثل لحظة سياسية كاشفة لأزمة بنيوية عميقة في النظام الفيدرالي الصومالي، تتعلق بإشكالية الشرعية، وحدود السلطة الدستورية، وعجز الدولة عن استكمال مشروع بناء مؤسسات وطنية جامعة. وتكمن أهمية المؤتمر في أنه نقل النقاش من مستوى الخلافات السياسية الظرفية إلى مستوى مساءلة قواعد الحكم نفسها، وآليات إنتاج الشرعية السياسية في دولة ما بعد الصراع.

ويكشف مسار المؤتمر بوضوح عن صراع بين نمطين متعارضين من الشرعية: شرعية دستورية توافقية تطالب بها قوى المعارضة والولايات الأعضاء، وترتكز على الحوار الوطني، واحترام الدستور المؤقت، والشراكة في اتخاذ القرار؛ في مقابل شرعية فرض الأمر الواقع التي تسعى السلطة التنفيذية الفيدرالية الحالية إلى ترسيخها عبر إدارة العملية السياسية بشكل أحادي، وتجاوز منطق التوافق لصالح السيطرة المؤسسية. وقد أسهم هذا التناقض في تعميق فجوة الثقة بين المركز والأطراف، وأدى إلى تآكل الثقة المؤسسية، وتحويل الخلاف السياسي إلى أزمة بنيوية تهدد استقرار الدولة ووحدتها.

وفي ظل غياب أطر جامعة لإدارة هذا الصراع، تصاعدت حدة الاستقطاب السياسي، وتآكلت قدرة المؤسسات الفيدرالية على لعب دورها التحكيمي، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على احتواء التحديات الأمنية المتفاقمة، وفي مقدمتها تمدد حركة الشباب على نحو العاصمة مقديشو، وتراجع فاعلية الأجهزة الأمنية، نتيجة تسييسها وافتقارها إلى غطاء شرعي وطني جامع.

وعليه، فإن مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في الصومال سيظل مرهونًا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على إعادة بناء العقد الاجتماعي الوطني على أسس توافقية صلبة، تُعيد الاعتبار للشرعية الدستورية، وتحترم جوهر الفيدرالية، وتربط بين الأمن والشرعية بدل الفصل بينهما. وهي الخلاصة المركزية التي يبرزها مؤتمر كسمايو بوصفه إنذارًا سياسيًا مبكرًا: إما إعادة إنتاج توافق وطني شامل، أو المضي نحو تعميق الانقسام المؤسسي وتفكك الدولة تحت وطأة شرعية الأمر الواقع.

عبد القادر غولني

أكاديمي وباحث مختص في الشأن الإفريقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى