- الأستاذ/ أحمد تكاله
- متخصص في الاقتصاد والسياسة- اخصائي امني
مقدمة
تُعدّ الجيوبولتيك أحد أبرز المحددات الحاكمة لمعادلات الأمن القومي للدول، نظرًا لدورها في تفسير تأثير الموقع الجغرافي والحيز المكاني في صياغة السياسات الدفاعية والاقتصادية والسيادية.
وانطلاقًا من هذا الإطار المفاهيمي، يهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية معمّقة للجيوبولتيكية الخاصة بإقليم أودل في شمال غرب الصومال، بما يتضمنه من مقومات استراتيجية تجعله عنصرًا محوريًا في منظومة الأمن القومي الصومالي، وكذلك في هيكلة الأمن الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
أودل كحيز جيوبولتيكي فاعل
يمثل إقليم أودل أحد أبرز الفضاءات السياسية والاجتماعية التي تعبر عن تطلعات الصومال إلى بناء وحدة وطنية أكثر شمولًا وعدالة. وتتأكد هذه الأهمية إذا ما أحسنت الحكومة الفيدرالية توظيف الإمكانات الكامنة في الإقليم، سواء المتصلة بتعزيز الاستقرار الداخلي، أو تعزيز الأمن القومي الصومالي، أو حماية وحدة الأراضي الصومالية من مخاطر التفكك والانفصال، فضلًا عن الحد من التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها التغلغل الإثيوبي والتأثيرات الصهيونية في الإقليم وفي المعادلة الإقليمية الأوسع.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى أودل بوصفه نقطة ارتكاز جيوبولتيكية قادرة — إذا ما أُدرجت ضمن رؤية سيادية رشيدة — على لعب دورٍ تعبوي وتكاملـي في مشروع الدولة الصومالية، غير أن التعاطي السياسي الرسمي لا يزال — في أحيان كثيرة — منشغلًا بقضايا ثانوية على حساب الملفات الاستراتيجية الكبرى.
الأهمية الجيوستراتيجية لإقليم أودل في معادلات القرن الإفريقي.
يُعدّ إقليم “أودل”، الواقع في شمال غرب الصومال ضمن ما يُعرف إداريًا بـ”صوماليلاند”، من الوحدات الجغرافية ذات الأهمية البالغة في بنية القرن الإفريقي. إذ يحدّه من الشمال “خليج عدن”، ومن الغرب “جمهورية جيبوتي”، بينما تتصل حدوده الجنوبية والشرقية بأقاليم صومالية أخرى. وتُعد “بورما” عاصمته الإدارية، في حين تُعد “زيلع” واحدًا من أقدم الموانئ التاريخية في المنطقة، الأمر الذي رسّخ دور الإقليم بوصفه معبرًا تقليديًا للتبادل التجاري والثقافي بين الساحل الإفريقي والجزيرة العربية عبر “البحر الأحمر”.
وتنبع الأهمية الجيوستراتيجية لأودل من موقعه الحدودي القريب من “باب المندب” وممرات الملاحة الدولية، فضلًا عن اتصاله المباشر بالمجالات الجيوسياسية لكل من “الصومال” و”جيبوتي” و”إثيوبيا”. كما أسهم هذا الموقع الحيوي في إدراج الإقليم ضمن خرائط التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في القرن الإفريقي، لا سيما مع تصاعد الأبعاد الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالبحر الأحمر.
وبذلك يُعدّ إقليم “أودل” فضاءً جغرافيًا محوريًا لفهم ديناميات “الأمن الإقليمي” و”التكامل التجاري” و”التحولات السياسية” في منطقة القرن الإفريقي، مما يجعله نقطة ارتكاز في أي مشروع جيوسياسي فاعل داخل هذه الرقعة الحيوية من العالم.
أهمية أودل في معادلة الأمن القومي الصومالي
يسعى هذا المقال إلى تحليل الموقع الجيوسياسي لإقليم أودل، وبيان انعكاساته المباشرة وغير المباشرة على الأمن القومي الصومالي، وعلى توازنات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وتخلص القراءة إلى أن أودل يمثل:
- عقدة جغرافية ضامّة بين المجالين البري والبحري للأمن الصومالي.
- حلقة وصل استراتيجية بين شمال الصومال وامتداداته الإقليمية.
- محور تأثير سياسي وأمني في معادلات القرن الإفريقي وطرق الملاحة في البحر الأحمر.
يُعدّ إقليم أودل من أقدم الأقاليم الصومالية حضورًا في التاريخ السياسي والحضاري، إذ شكّل مركزًا لسلطناتٍ إسلامية لعبت أدوارًا محورية في التجارة عبر البحر الأحمر وترسيخ الهوية الإسلامية في القرن الإفريقي. ومع نشوء الدولة الصومالية الحديثة عام 1960، انخرط الإقليم في المشروع الوطني وأسهمت نخبه في بناء مؤسسات الدولة، رغم الأزمات المتعاقبة ولكن أبناء هذه المنطقة هم من دفعوا الفاتورة، ولاتزال طموحات أبناء الإقليم وحدوية تفضل الوحدة عن الانفصال، وتفضل الإطار الوطني من التدخل الأجنبي لاسيما الإثيوبي والإسرائيلي.
تنبع الأهمية الجيوبولتيكية لأودل من موقعه شمال غرب الصومال على تماس مباشر مع إثيوبيا، وقربه من البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخطوط التجارة العالمية. وهو بذلك يمثّل حلقة وصل بين المجالين البري والبحري للأمن الصومالي، ما يجعله عنصرًا محوريًا في أي رؤية استراتيجية للأمن والدفاع.
يتميز الإقليم نسبيًا بالاستقرار الاجتماعي والسياسي، الأمر الذي يعزز دوره في تقليص تمدد الجماعات المتطرفة، حيث لم تشهد الساحة أي وحود من أبناء أودل منخرطين في الأفكار المتطرفةـ وهذا سجل موجود في الأروقة الأمنية دون مبالغة، وكما تميز الإقليم بالمساعدة في الحد من الاختراقات الخارجية، ودعم قدرة الدولة على ضبط سواحلها. وعلى المستوى الإقليمي، يرتبط أمن أودل ارتباطًا وثيقًا بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، ما يجعله عامل توازن في معادلة أمن القرن الإفريقي.
ورغم ذلك، يواجه الإقليم تحديات تتعلق بالتدخلات الخارجية، وضعف التنمية، واحتمالات توظيفه كساحة صراع إقليمي، وهو ما يهدد وحدة الصومال واستقراره طويل الأمد.
وأخيرا، يمثل إقليم أودل موردًا جيوبولتيكيًا واستراتيجيًا عالي القيمة للصومال؛ ليس بصفته مساحة جغرافية فحسب، بل باعتباره ركيزةً أساسية للأمن القومي وللاستقرار الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ومن ثم، فإن إدماجه ضمن رؤية وطنية شاملة تقوم على:
- العدالة الاجتماعية والتمثيل المتوازن
- التنمية الاقتصادية المتوازنة
- بناء مؤسسات دولة تشاركية
- وتكامل الأمنين البحري والحدودي
يشكّل خطوة حاسمة لتعزيز السيادة الصومالية، وترسيخ وحدة الدولة، وتقليل هشاشتها أمام التدخلات الخارجية.
الآراء والتحليلات الواردة في هذا المقال هي آراء كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهات أو مواقف مركز أفروبوليسي، الذي يتيح النشر في إطار التنوع الفكري وحرية البحث.





