تحليلات

زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لإثيوبيا تحليل الأبعاد

جاءت زيارة إسحاق هرتسوغ إلى إثيوبيا كخطوة ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز النهج التقليدي. لتعكس الزيارة سعي إسرائيل لتعزيز حضورها في القرن الإفريقي، وهي منطقة ذات أهمية جيوسياسية. كما أن إثيوبيا، بثقلها الديموغرافي وموقعها كمقر لـلاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، تمثل بوابة دبلوماسية نحو القارة الإفريقية، كما تأتي الزيارة في سياق تنافس إقليمي ودولي متصاعد على النفوذ في إفريقيا، ما يمنح تل أبيب فرصة لتوسيع شراكاتها في مجالات الأمن الإقليمي والبحر الأحمر والتنافس المحموم على المنطقة. كذلك، تحمل الزيارة رسائل سياسية تتعلق ببناء تحالفات داعمة لإسرائيل داخل المؤسسات الإفريقية، خاصة في ظل تحولات موازين التصويت داخل المحافل الدولية. وبالتالي، يمكن قراءتها كجزء من استراتيجية إسرائيلية لإعادة تموضع نشط في إفريقيا، يجمع بين المصالح الأمنية، الاقتصادية، والدبلوماسية ضمن رؤية طويلة المدى لتعزيز النفوذ الإقليمي.

أزمة البحر الأحمر

يرتبط البعد المتصل بأمن البحر الأحمر وباب المندب، بفهم أعمق لموقع إثيوبيا في معادلة الأمن الإقليمي، رغم كونها دولة غير ساحلية. فإثيوبيا تمثل القلب الجغرافي والديمغرافي للقرن الإفريقي، ويمنحها ثقلها السياسي والعسكري قدرة على التأثير غير المباشر في الممرات البحرية الحيوية، سواء عبر علاقاتها مع دول الجوار الساحلية كجيبوتي وإريتريا، أو عبر دورها في توازنات النزاعات الإقليمية.

بالنسبة لإسرائيل، فإن البحر الأحمر ليس مجرد ممر تجاري، بل فضاء أمني متصل مباشرة بميناء إيلات وبالعمق الاستراتيجي الجنوبي. وأي اختلال في استقرار الضفة الإفريقية قد ينعكس على حرية الملاحة، خاصة في ظل تصاعد التهديدات غير التقليدية مثل الجماعات المسلحة والقرصنة والتدخلات الإقليمية المتنافسة. من هنا، فإن بناء شراكة وثيقة مع أديس أبابا يمنح تل أبيب قناة تأثير في ترتيبات الأمن الإقليمي، حتى وإن كان هذا التأثير غير مباشر.

إضافة إلى ذلك، تمثل إثيوبيا فاعلًا مركزيًا في ملفات حساسة مثل مياه النيل وسد النهضة، وهي قضايا تتقاطع مع حسابات الأمن القومي لدول عربية مطلة على البحر الأحمر. وعبر تعزيز حضورها في أديس أبابا، تسعى إسرائيل إلى قراءة هذه التفاعلات عن قرب، وربما التأثير فيها بما يضمن عدم تشكل بيئة استراتيجية معادية لمصالحها.

بذلك، فإن الدلالة الأمنية للزيارة تتجاوز التعاون الثنائي، لتندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تأمين المجال البحري الجنوبي لإسرائيل، وتحصين موقعها في معادلة البحر الأحمر الممتدة من خليج العقبة حتى باب المندب، وغير بعيد عن التوترات الأخيرة بين إرتريا وإثيوبيا، والمرتبطة بالوصول الإثيوبي للبحر الأحمر، في ظل خلافات كبيرة بين البلدين حول عدد من القضايا.

الأبعاد الأمنية والاستخبارية

يرتبط البعد الاستخباراتي والأمني، بطبيعة العلاقة التاريخية بين إسرائيل وإثيوبيا، والتي اتسمت منذ عقود بطابع أمني عميق يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية. فإثيوبيا، بحكم موقعها في قلب القرن الإفريقي وقربها من بؤر التوتر في السودان والصومال والبحر الأحمر، تمثل منصة متقدمة لمراقبة التحولات الأمنية في الإقليم.

من منظور تل أبيب، يشكل القرن الإفريقي فضاءً تتقاطع فيه تهديدات تقليدية وغير تقليدية: حركات مسلحة عابرة للحدود، شبكات تهريب، صراعات أهلية، وتنافس قوى إقليمية. وبالتالي، فإن تعزيز التعاون الأمني مع أديس أبابا يمنح إسرائيل عمقًا استخباراتيًا يتيح جمع المعلومات، وتحليل الاتجاهات، وبناء قنوات اتصال مع أجهزة أمنية مؤثرة في المنطقة. هذا التعاون قد يشمل التدريب، تبادل الخبرات، وتكنولوجيا المراقبة والأمن السيبراني، وهي مجالات تمتلك فيها إسرائيل خبرة متقدمة.

كما أن إثيوبيا تمثل حلقة وصل بين شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، ما يجعلها بوابة لمتابعة التحولات في دول مثل الصومال والسودان. وفي ظل بيئة إقليمية تتسم بالسيولة وعدم اليقين، فإن امتلاك شبكة علاقات أمنية متينة يتيح لإسرائيل التحرك استباقيًا بدل الاكتفاء برد الفعل.

إضافة إلى ذلك، فإن توثيق التعاون الأمني يحمل رسالة ردع ضمنية لخصوم إسرائيل الإقليميين، مفادها أن حضورها لا يقتصر على المجال المباشر في شرق المتوسط، بل يمتد إلى فضاءات استراتيجية أبعد. وبهذا المعنى، فإن الدلالة الأمنية للزيارة تعكس سعيًا لبناء طوق من الشراكات يوسع هامش الحركة الإسرائيلي ويعزز قدرتها على إدارة المخاطر في محيطها الأوسع.

رمزية الأبعاد السياسية

ويمكن فهم البعد السياسي الرمزي داخليًا وخارجيًا، بطبيعة العلاقة الخاصة بين إسرائيل وإثيوبيا، والتي لا تقتصر على المصالح الاستراتيجية، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وتاريخية. فوجود جالية يهودية من أصول إثيوبية داخل إسرائيل، تُعرف بـ”بيتا إسرائيل” (الفلاشا) يمنح العلاقة بعدًا هوياتيًا وإنسانيًا يُستحضر في الخطاب السياسي الرسمي، ويُوظَّف لتعزيز سردية الارتباط التاريخي والثقافي بين البلدين.

داخليًا، تشكل الزيارة رسالة تطمين واحتواء لهذه الشريحة الاجتماعية، في ظل تحديات الاندماج والتمييز التي طُرحت في النقاش العام الإسرائيلي خلال السنوات الماضية. فالانفتاح الرئاسي على أديس أبابا يرمز إلى الاعتراف بعمق الجذور الإفريقية داخل المجتمع الإسرائيلي، ويعزز صورة الدولة كحاضنة لتنوعها الديمغرافي.

خارجيًا، تندرج الزيارة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع الحضور الإسرائيلي في إفريقيا، وكسب دعم سياسي داخل المنظمات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي. فإثيوبيا، بحكم استضافتها لمقر الاتحاد الإفريقي وثقلها الدبلوماسي في القارة، تمثل بوابة مهمة لتحسين صورة إسرائيل وكسر أنماط التصويت التقليدية غير المؤيدة لها في المحافل الدولية.

إضافة إلى ذلك، يحمل البعد الرمزي رسالة مفادها أن إسرائيل تسعى إلى تقديم نفسها كشريك تنموي وتقني لإفريقيا، لا كفاعل أمني فقط. ومن خلال هذا التوظيف السياسي للرمزية، تحاول تل أبيب إعادة صياغة موقعها في الوعي الإفريقي، عبر خطاب الشراكة والحداثة والتعاون، بما يعزز شرعيتها الدولية ويوسع هامش حركتها الدبلوماسية.

التنافس الدولي على القرن الإفريقي

التنافس الدولي على القرن الإفريقي يرتبط ارتباطا وثيقا بإدراك إسرائيل أن هذه المنطقة تحولت إلى ساحة مفتوحة لتقاطع مشاريع نفوذ إقليمية ودولية. فدول مثل تركيا وإيران عززت حضورها في شرق إفريقيا خلال العقد الأخير، سواء عبر قواعد عسكرية، أو اتفاقيات أمنية، أو أدوات اقتصادية وثقافية. كما أن قوى كبرى كالصين والولايات المتحدة تنخرط بعمق في معادلات الموانئ والبنية التحتية والطاقة.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى إثيوبيا بمعزل عن منطق “منع الفراغ”. فتل أبيب تدرك أن الغياب عن هذه الساحة يترك المجال لقوى قد لا تتوافق مصالحها مع حساباتها الأمنية، خاصة في فضاء البحر الأحمر الذي يُعد امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي. ومن ثمّ، فإن توثيق العلاقة مع أديس أبابا يهدف إلى تثبيت موطئ قدم داخل معادلة النفوذ المتشابكة، وعدم الاكتفاء بدور المراقب.

كما أن إثيوبيا، بحكم ثقلها السكاني والعسكري وموقعها في قلب القرن الإفريقي، تمثل شريكًا استراتيجيًا يمكن عبره موازنة تحركات قوى أخرى في الإقليم. فالتقارب الإسرائيلي–الإثيوبي يبعث برسالة مفادها أن تل أبيب لاعب حاضر في ترتيبات شرق إفريقيا، وقادر على نسج شراكات خارج نطاقها الجغرافي المباشر.

بذلك، يعكس هذا البعد سعيًا إسرائيليًا للتموضع داخل شبكة التفاعلات الدولية في القرن الإفريقي، بما يضمن حماية مصالحها، ويمنحها قدرة أكبر على المناورة في بيئة إقليمية تتسم بالتنافس الحاد والسيولة الاستراتيجية.

تحالف نتنياهو الجديد

يُطرح التساؤل حول موقع إثيوبيا من فكرة “التحالف الإقليمي” التي روّج لها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوصفها إطارًا أمنيًا–سياسيًا يضم دولًا تتقاطع مصالحها في مواجهة التهديدات المشتركة، وعلى رأسها التمدد الإيراني والاضطرابات العابرة للحدود. ورغم أن التصور المعلن للتحالف يتركز أساسًا في شرق المتوسط وبعض الدوائر العربية، فإن إدراج إثيوبيا ضمن الحسابات غير المعلنة يعكس فهمًا إسرائيليًا لأهمية العمق الإفريقي في معادلة الأمن الإقليمي. فإثيوبيا، بثقلها العسكري وموقعها المحوري في القرن الإفريقي، قادرة على لعب دور “الشريك الطرفي” الذي يوسع المجال الجيوسياسي للتحالف نحو البحر الأحمر وباب المندب. كما أن علاقتها المتوازنة مع قوى متعددة تمنحها هامش مناورة يجعلها أقرب إلى شريك وظيفي في ملفات محددة – كالأمن البحري والاستخبارات – دون انخراط رسمي في ترتيبات قد تثير حساسيات داخلية أو إقليمية. وعليه، يمكن النظر إلى أديس أبابا كجزء من شبكة علاقات داعمة للتحالف بصيغته المرنة، لا كعضو معلن فيه، بما ينسجم مع براغماتيتها التقليدية في إدارة تحالفاتها الخارجية. ولإثيوبيا تاريخ قديم في تشكيل إحدى نقاط المحيط الاستراتيجي لإسرائيل في محاصرة المنطقة العربية فيما كان يعرف باستراتيجية المحيط والتي شكلتها إثيوبيا وإيران الشاه وتركيا الأتاتوركية.

خاتمة

في المحصلة، تعكس زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى إثيوبيا تحركًا محسوبًا ضمن رؤية استراتيجية أوسع تعيد تعريف المجال الحيوي لإسرائيل خارج نطاقها الجغرافي التقليدي. فالقرن الإفريقي لم يعد هامشًا في التفكير الأمني الإسرائيلي، بل أصبح امتدادًا مباشرًا لمعادلات البحر الأحمر وأمن الملاحة والتوازنات الإقليمية. ومن خلال توظيف أدوات أمنية واستخباراتية ورمزية، تسعى تل أبيب إلى تثبيت حضورها في بيئة تتسم بتعدد الفاعلين وحدّة التنافس.

في المقابل، تحتفظ أديس أبابا بهامش براغماتي واسع، يتيح لها تنويع شراكاتها دون الانخراط في محاور صلبة، بما يخدم أولوياتها التنموية والأمنية. وعليه، فإن مستقبل هذا التقارب سيظل رهينًا بقدرة الطرفين على موازنة المصالح، وتجنب الانجرار إلى استقطابات إقليمية حادة، في منطقة تتغير خرائطها السياسية بوتيرة متسارعة.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى