تحليلات

ظهور محمد حمدان دقلو في أوغندا قراءة في الدلالات وردود الأفعال واتجاهات الأزمة

شكّل ظهور محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع في السودان، في أوغندا حدثًا سياسيًا ذا دلالات إقليمية عميقة، بالنظر إلى تعقيدات المشهد السوداني بعد اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. فاختيار أوغندا كمحطة تحرك أو لقاء سياسي بعد فترة اختفاء طويلة لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات الميدانية الأخيرة ولا توازنات القرن الإفريقي التي حركتها بعض القوى الفاعلة فيه، ولا عن أدوار العواصم الإقليمية المؤثرة في إدارة الصراع السوداني أو التأثير في مالاته.

الدلالات السياسية للظهور

  1. كسر العزلة وإعادة التموضع

على الرغم من الجهود التي بذلها تحالف القوى السياسية المتحالفة مع الدعم السريع من جهود في إيجاد حلفاء وحواضن إقليمية وعالمية بحثا عن الشرعية، إلا أن ممارسات مليشيات الدعم السريع والفظائع التي ارتكبتها في مختلف المناطق السودانية أما العالم حاصرت الدعم السريع وحاضنته السياسية ولم تجد سرديته الاستجابة التي توقعتها. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حاول حميدتي تثبيت نفسه فاعلًا سياسيًا لا مجرد قائد عسكري متمرد. ويشكل ظهوره في أوغندا محاولة لكسر العزلة الدبلوماسية ومحاولة بناء توجه لبناء مساحات علاقات جديدة، وإرسال رسالة بأنه ما زال قادرًا على الحركة والاتصال بقيادات إقليمية. فالتحرك خارج السودان، خاصة إلى دولة ذات ثقل إقليمي، يهدف إلى إضفاء قدر من الشرعية السياسية أو على الأقل الاعتراف الواقعي به كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية.

  1. اختبار الموقف الإقليمي في ظل الحضور السودان الرسمي

بذلت الحكومة السودانية جهودا كبيرة لاستيفاء شروط الاتحاد الإفريقي والمؤسسات الإقليمية في العودة إلى مقعدها في تلك المؤسسات وهو ما يعني تعزيز موقفها وكسب مساحات دبلوماسية كبيرة، تؤثر تأثيرا مباشرا في مسارات الأزمة السودانية المستقبلية، وقد نجحت حتى الآن في استعادة موقعها في منظمة الإيغاد. يدرك حلفاء الدعم السريع أهمية تأثير تلك الديناميات وتم تحريك الرجل في زيارة طويلة تتجاوز دولة أوغندا إلى العمق الإفريقي حسب عدد من التقارير. وتُعد أوغندا لاعبًا مهمًا في شرق إفريقيا، ولها علاقات متشابكة مع السودان ومع دول الجوار. لذلك فإن الزيارة قد تعكس محاولة لاختبار مواقف دول الإقليم من الصراع: هل تتجه نحو الحياد؟ أم تميل إلى دعم أحد الطرفين؟ أم تسعى للعب دور وساطة؟ الظهور في كمبالا قد يكون جزءًا من جولة اتصالات أوسع تهدف إلى بناء شبكة دعم سياسي أو أمني.

  1. رسالة إلى الداخل السوداني

على الصعيد الداخلي، يحمل الحدث بعدًا رمزيًا مهما خاصة في ظل التراجع الكبير في أداء قواته في محاور المواجهات مع الجيش والقوات المساندة له، وفقدان عدد من المواقع مع استسلام عدد من القيادات الأهلية وعدد آخر من القوات المقاتلة ما يستدعي إظهار صورة أخرى تضخ بعض الروح في القطاعات المختلفة العسكرية والمدنية المؤيدة إضافة إلى أن إظهار القدرة على التحرك الخارجي، ولقاء مسؤولين أو قيادات، يعزز صورة “الندّية” مع قيادة الجيش. كما قد يُستخدم في الخطاب الإعلامي لقوات الدعم السريع لتأكيد أنها ليست معزولة، وأنها تحظى بتواصل إقليمي، ما يعزز معنويات أنصارها.

  1. تراجع مساحة الحلفاء وخطوط الإمداد: ما لا يخفى على المتابع لأوضاع المنطقة وبالذات في الدول المتأثرة بالتدخلات الخارجية، هو تأثير ما يمكن تسميته العامل الإماراتي، الذي كان يختلق أساليب تركز على دعم المليشيات، واتجاه تعميق الخلافات، ويبرز هذا أكثر في منطقة القرن الإفريقي، ولكن وفي الشهور الأخيرة ومع ظهور أدلة وتقارير عديدة تثبت ضلوع الإمارات في دعم الاضطرابات في المنطقة، وتبني المليشيات الخارجة على القانون برز تحرك دولي وإقليمي كبيرين، لمحاصرة خطوط الامداد، والتقليل من العامل الإماراتي، بدا وضاحا ضرورة التحرك من أجل البحث عن تعويض لهذه الخسارة وهذا التراجع، وقد ظهرت أولاها في جبهة جنوب النيل الأزرق المتاخمة لإثيوبيا.
  2. الظهور والمسارات التفاوضية تمارس عدد من الدول المؤثرة في ملف الأزمة السودانية ضغوطا كبيرة في الفترة الأخيرة من أجل التوصل لوقف إطلاق النار كمدخل لحوار سياسي يفضي إلى إنهاء الأزمة السياسية الممتدة منذ سقوط نظام البشير والحرب الدائرة منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، وكما يعرف دبلوماسيا أن أي تحرك خارجي في ظل نزاع مسلح غالبًا ما يرتبط بمسارات تفاوضية، سواء كانت رسمية أو غير معلنة. أوغندا، بحكم موقعها وعلاقاتها مع أطراف إفريقية متعددة، تتوقع أن تكون منصة لحوار غير مباشر، أو قناة اتصال بين أطراف الصراع وقوى إقليمية أو دولية. بالتالي، يشير الظهور إلى تحركات خلف الكواليس لإعادة ترتيب أوراق التفاوض.

السياق الإقليمي ودور أوغندا

اختلفت التفسيرات لزيارة قائد الدعم السريع لكمبالا في أول ظهور له منذ ما يقرب من عام ولكن الأكثر موضوعية هو وجود رغبة إفريقية ودولية في فتح حوار مباشر بين الدعم السريع والحكومة السودانية فضلا عن تكليف الاتحاد الإفريقي للرئيس الأوغندي موسيفيني سابقا رئيسا لجنة رفيعة المستوى لجمع الطرفين، ومن الناحية التاريخية، تلعب أوغندا دورًا نشطًا في قضايا الأمن الإقليمي، خاصة في منطقة البحيرات العظمى والقرن الإفريقي. كما أن لها خبرة في استضافة أو رعاية لقاءات بين أطراف نزاعات. من هذا المنطلق، يمكن قراءة استقبال أو السماح بزيارة حميدتي ضمن سياسة براغماتية تقوم على الانفتاح على جميع الأطراف المؤثرة، دون تبني موقف معلن حاد.

لكن هذا الانفتاح قد يثير تساؤلات حول حدود الحياد، خصوصًا إذا فُهمت الزيارة كنوع من الاعتراف السياسي بطرف متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة في النزاع. وهنا يظهر التوازن الدقيق الذي تحاول دول الإقليم الحفاظ عليه: عدم القطيعة مع أي طرف، مع تجنب الانخراط المباشر في الصراع.

ردود الأفعال المختلفة

  1. رد الفعل والتفاعل الرسمي السوداني

تفاعلت الحكومة السودانية مع زيارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (“حميدتي”) إلى كمبالا بالرفض والاستنكار الشديد. أدانت وزارة الخارجية السودانية استقبال الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني لـ “حميدتي”، ووصفت اللقاء بأنه خطوة غير مسبوقة و” إهانة للإنسانية” قبل أن تكون إهانة للشعب السوداني، خاصة في ظل اتهامات دولية واسعة لميليشياته بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين. اعتبرت الخرطوم أن الاستقبال يتجاهل معاناة الضحايا ويخالف مبادئ المنظمات الإقليمية والدولية التي تحظر تقديم دعم لقادة فصائل متمردة ضد حكومة معترف بها دولياً، معربة عن قلقها من تغيير السياسة الأوغندية تجاه السودان.

  1. مواقف القوى السياسية السودانية

تفاعلت القوى السياسية السودانية المؤيدة والمساندة للحكومة السودانية برفض واضح لزيارة محمد حمدان دقلو إلى كمبالا، واعتبرتها محاولة لكسر العزلة واكتساب شرعية سياسية خارجية. كما نظرت هذه القوى أن أي استقبال إقليمي له يُفهم كاعتراف غير مباشر به، ما يعد تقويضًا لسيادة الدولة وموقف الجيش. كما فسّرت الزيارة كتحرك لتعويض تراجع الدعم وخطوط الإمداد. في المقابل، برزت آراء محدودة دعت لعدم إغلاق باب التفاوض إذا أسهمت التحركات في وقف الحرب، لكن خطاب الرفض ظل الغالب.

  1. الرأي العام السوداني

استقبل الرأي العام في السودان زيارة محمد حمدان دقلو إلى كمبالا بموجة واسعة من الغضب والرفض، خاصة بين مؤيدي الجيش والمتضررين من الحرب. واعتبر كثيرون أن استقباله رسمياً في أوغندا يمنحه شرعية سياسية رغم الاتهامات الموجهة إلى قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات. في المقابل، رأى آخرون أن التحركات الخارجية تعكس سعياً لكسب دعم إقليمي، لكن الصوت الغالب كان ناقداً ومستنكرًا للزيارة.

  1. ردود الفعل الإقليمية والدولية

لم تصدر أي مواقف رسمية من الاتحاد الإفريقي أو الإيغاد تجاه زيارة حمديتي إلى كمبالا كما التزمت بعض دول الجوار الحذر، معتبرة الزيارة جزءًا من تحركات سياسية معقدة داخل الأزمة السودانية، بينما عبّرت أطراف أخرى بشكل غير مباشر عن قلقها من منح أي شرعية لقائد قوات الدعم السريع. كما أثار استقبال الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني له تساؤلات حول مواقف الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) ودورها في الوساطة، خاصة في ظل استعادة السودان عضويته فيها مؤخرا، بعد انسحابه قبل سنتين تقريبا، وتفاعلت قوى غربية ومنظمات حقوقية مع الحدث بحذر، مؤكدة ضرورة وقف القتال وحماية المدنيين، دون إبداء دعم مباشر للزيارة، مع التشديد على المساءلة ورفض الإفلات من العقاب.

أبعاد رمزية وإستراتيجية

  1. صراع الشرعيات

الظهور في عاصمة إفريقية وبالزي الإفريقي يحمل بعدًا رمزيًا في معركة “الشرعية”، فضلا عن تلميحه إلى أنههم سيركزون في الفترة القادمة على الحول الإفريقية لعدم ثقتهم في المبادرة العربية إشارة إلى مبادرة جدة التي يحس قائد الدعم السريع وظهيره الإماراتي أنه لا تعمل لصالح أهدافهم بعد الخلافات الحادة مؤخرا في عدد من المسارات السياسية والملفات المهمة، مع المملكة العربية السعودية ولذلك ففي مثل هذه النزاعات الداخلية، لا تقتصر الشرعية على السيطرة الميدانية، بل تمتد إلى الاعتراف السياسي والتواصل الدبلوماسي. ومن هنا يمكن فهم الزيارة كجزء من صراع أوسع على تمثيل السودان خارجيًا.

  1. البعد الإفريقي مقابل العربي

السودان يقع عند تقاطع العالمين العربي والإفريقي. التحرك باتجاه دول إفريقية قد يعكس محاولة لترسيخ عمق إفريقي للصراع والحل، بدلًا من حصره في الأطر العربية أو الدولية. وهذا قد يكون جزءًا من إستراتيجية أوسع لإعادة تموضع السودان ضمن توازنات القرن الإفريقي.

  1. إدارة الصورة الإعلامية

في زمن الحروب الحديثة، الصورة لا تقل أهمية عن الميدان. ظهور قائد عسكري في لقاءات خارجية، بملابس مدنية أو في سياق دبلوماسي، يهدف إلى إعادة صياغة صورته من قائد مليشيا إلى فاعل سياسي. هذا التحول في الخطاب البصري جزء من معركة السرديات.

السيناريوهات المحتملة

تنفتح الزيارة على عدة سيناريوهات محتملة للوضع في السودان. أولها تصاعد التنافس الدبلوماسي بين قائد قوات الدعم السريع وحلفائه من جماعة حكومة تأسيس والحكومة السودانية، عبر سعي كل طرف لاكتساب اعتراف أو دعم إقليمي، ما قد يعمّق الانقسام السياسي ويطيل أمد الحرب. السيناريو الثاني يتمثل في تحريك مسار تفاوضي جديد برعاية أطراف إقليمية مثل الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إذا اعتُبرت الزيارة تمهيدًا لانخراط سياسي أوسع، وهو احتمال يظل رهين قبول الجيش ومن خلفه جموع المتضررين من الحرب،  أما السيناريو الثالث فهو زيادة الضغوط الدولية وفرض عقوبات أوسع إذا فُسرت التحركات الخارجية كمحاولة لفرض أمر واقع بالقوة. وفي المقابل، قد تؤدي التحركات الإقليمية إلى إعادة رسم توازنات الصراع دون حسم عسكري سريع، بما يُبقي البلاد في حالة استنزاف طويل الأمد ما لم يُتوصل إلى تسوية شاملة.

خاتمة

إن ظهور حميدتي في أوغندا يتجاوز كونه حدثًا بروتوكوليًا، ليعكس تحولات أعمق في طبيعة الصراع السوداني وتشابكاته الإقليمية. فقد تشهد الأزمة تصاعد الجهد الدبلوماسي أكثر من الحوار القتالي في الميدان، فالحراك يعبر عن صراع على الشرعية، ومحاولة لإعادة التموضع السياسي، واختبار لمواقف الإقليم. أما ردود الأفعال المتباينة، فتكشف حجم الاستقطاب داخل السودان وخارجه، وتؤكد أن أي تحرك في هذا السياق يُقرأ من زوايا متعددة: سياسية، رمزية، واستراتيجية. وفي نهاية المطاف، يبقى معيار التقييم الحقيقي لأي خطوة خارجية هو مدى إسهامها في إنهاء الحرب وتخفيف معاناة المدنيين، لا مجرد تسجيل نقاط في معركة النفوذ.

 

 

 

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى