تحليلات

عملية اغتيال سيف الإسلام القذافي الأسباب والدوافع، والأطراف وتأثيرها على العملية السياسية في ليبيا

نهاية مرحلة سياسية

في 3 فبراير 2026، قُتل سيف الإسلام معمر القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، في عملية اغتيال منظمة بمدينة الزنتان في غرب ليبيا. أكد محققون أنه تم إطلاق النار عليه داخل مقر إقامته بواسطة أربعة مسلحين مجهولين بعد تعطيل كاميرات المراقبة، وقد أعلنت أسرته وفريقه السياسي مقتله في ظروف غامضة ما أثار صدمة واسعة داخل ليبيا وخارجها. يلعب هذا الحدث دورًا محوريًا في فهم المسار السياسي الحالي في ليبيا، البلد الذي يشهد منذ عام 2011 توترات طويلة بين أقطاب وطنية وجماعات مسلحة وتحالفات معقدة من القوى الداخلية والخارجية. اغتيال سيف الإسلام يمثل نقطة مفصلية قد تغيّر توازنات القوى وتهدد مسارات السلام  بعد أكثر من عقد من الصراع.

من هو سيف الإسلام القذافي؟

سيف الإسلام هو الابن الأكثر بروزًا للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وُلد عام 1972، وتلقى تعليمه في بريطانيا وأوروبا. قبل الثورة الليبية في 2011، كان يُنظر إليه كـ” الوريث الأبرز” لنظام والده، وتمت مشاركته في ملفات سياسية ودبلوماسية داخل النظام السابق.

بعد سقوط النظام في 2011، واجه سيف الإسلام اتهامات بجنايات حرب، وحُكم عليه بالإعدام غيابيًا، قبل أن يُفرج عنه عام 2017 بموجب عفو عام، ليظهر مجددًا في المشهد السياسي محاولًا العودة عبر الترشح للانتخابات الرئاسية، وهو ما جعل منه شخصية محورية في التحولات السياسية الليبية .

دوافع وأبعاد عملية الاغتيال

تحليل دوافع اغتيال سيف الإسلام القذافي يتطلب فهم السياق السياسي والأمني في ليبيا، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل النزاعات بين قوى متعددة:

1. إنهاء مشروع سياسي منافس

كان ينظر لسيف الإسلام على أنه” الصوت الثالث” في السياسة الليبية، غير تابع بشكل واضح لأي محور من المحاور الرئيسية (شرق ليبيا بقيادة حفتر، وغرب ليبيا بقيادة حكومة طرابلس). كان يُمثل خيارًا محتملاً لكسر الجمود السياسي، ولكن وجوده والحديث عن إمكانية مشاركته أو تأثيره في الانتخابات المقبلة جعلَه هدفًا بعض القوى السياسية التي ترى فيه تهديدًا لتوازناتها

2.تقليص نفوذ التيار “الأخضر

وفقًا لتقارير تحليلية عديدة، كان سيف الإسلام قادرًا على جمع أطياف من مؤيدي نظام القذافي السابق، بداية من شبكات اجتماعية في مدن مثل بنى وليد وسرت وصولًا إلى كوادر أمنية قديمة، ما يجعله رمزًا يمكن أن يعيد توحيد أجزاء من التيار المُوالي للنظام السابق، وهو ما قد يقلق خصوم هذا التيار ويدفعهم لسحب هذا العامل من المعادلة.

3.دوافع انتقامية وتزكية نزاعات محلية

تعاني ليبيا من بيئة أمنية هشّة، حيث تلعب الميليشيات والتشكيلات المسلحة دورًا محوريًا في الصراع على الأراضي والموارد والنفوذ. في بعض التفسيرات الأولية، يُحتمل أن تكون دوافع محلية، مرتبطة بخلافات بين الجماعات المسلحة أو الانتقام من الماضي السياسي لسيف الإسلام، وراء الاغتيال، رغم أن التحقيقات لم تُعلن نتائجها بعد.

4. تكهنات عن تورط جهات خارجية

ظهرت بعض المزاعم المتداولة في وسائل إعلام ومصادر غير رسمية تُشير إلى احتمال تورط أطراف خارجية، بما في ذلك دول غربية، في التخطيط أو التسهيل غير المباشر للعملية، وذلك وفقًا لتقارير غير مؤكدة تتحدث عن مصالح دولية لا ترغب في مشاركة سيف الإسلام في العملية السياسية الليبية المستقبلية. مع ذلك، لا يوجد دليل رسمي قوي يدعم هذه الرواية حتى الآن.

من المستفيد من مقتل سيف الإسلام؟

اغتيال شخصية بهذه الأهمية يفتح سؤالًا محوريًا: من هم الأطراف الذين قد يستفيدون من غيابه، المستفيدون المحتملون من مقتل سيف الإسلام قد يشملون خصومه السياسيين الساعين لإبعاده عن المشهد، وبعض الفصائل المسلحة التي تخشى عودته، إضافة إلى أطراف إقليمية ترى في غيابه فرصة لإعادة ترتيب النفوذ. الحدث قد يؤثر في توازنات السلطة ومسار الانتخابات والمصالحة الوطنية.

1.القوى السياسية الداخلية

رغم عدم توجيه اتهامات مباشرة لأي جهة، يرى محللون أن حفتر ونجله صدام وغيرها من قوى الشرق الليبي قد تستفيد من خروج سيف الإسلام من المشهد، لأنه كان يمثّل تحديًا محتملاً لتوسع نفوذهم السياسي عبر انتخابات أو عبر تشكيل جماعي يدعم رؤية وطنية ثالثة. كما يمكن لبعض القوى في الحكومة الليبية في طرابلس أن ترى في غياب سيف الإسلام فرصةً لدعم مرشحين آخرين أو تعزيز نفوذهم في مفاوضات السلام القادمة.

2.التيار الموالي للنظام السابق

في المقابل، قد يستفيد أنصار سيف الإسلام أو التيار “الأخضر” من تحوّله إلى شهيد رمزي، مما قد يعزز وحدتهم أو يدفعهم نحو تحركات اجتماعية وسياسية جديدة، رغم أن استراتيجياتهم لم تتضح بعد.

3.حكومات دولية وإقليمية

رغم غياب الأدلة الرسمية، فإن التكهنات حول مصالح دول خارجية تشير إلى أن بعض القوى الإقليمية أو الدولية التي تسعى للحفاظ على نفوذها في ليبيا قد تجد في غياب شخصية موحدة ذات طابع قومي فرصةً لتعزيز نفوذها عبر دعم أطراف متفرقة، خصوصًا في سياق الصراع على الموارد السياسية والاقتصادية في البلاد.

ردود الفعل الرسمية والدولية

بعد اغتيال سيف الإسلام، شهدت الساحة الدولية ردود أفعال بارزة:

الاتحاد الأفريقي أدان الحادثة واعتبرها تهديدًا للاستقرار السياسي، داعيًا إلى تحقيق شامل وشفاف ومطالبة السلطات الليبية بمحاكمة المسؤولين. كما طالبت الأمم المتحدة بضرورة التحقيق السريع والشفاف في ظروف الاغتيال، لما له من تأثير على العملية السياسية والانتقال السلمي في ليبيا.

انعكاسات على العملية السياسية في ليبيا

اغتيال سيف الإسلام له انعكاسات متعددة الأبعاد في المشهد السياسي الليبي:

1.تعطيل مسار التوافق والانتخابات

كان سيف الإسلام أحد الوجوه التي يُمكن أن تسهم في جمع أطراف متنافرة في عملية انتخابية أو توافقية، وغيابه قد يجعل من الصعب العثور على “طرف ثالث” موثوق به من الجميع، مما يعرقل المسارات القائمة نحو انتخابات موحدة وسلمية.

2تفاقم الانقسامات والاحتقان

يمكن أن يؤدي الاغتيال إلى تفاقم التوترات بين الجماعات المسلحة والقبائل المختلفة، خصوصًا إذا ظهرت اتهامات متبادلة، مما يزيد من مخاطر اندلاع مواجهات محلية أو إقليمية يؤججها الفراغ السياسي.

3.مشهد أمني هش وتحديات حكم القانون

الجريمة تؤكد هشاشة الدولة الليبية في حماية القادة السياسيين ومواطنيها، وتبرز الحاجة إلى تعزيز مؤسسات العدالة وسيادة القانون، وهو ما يُعد عاملًا أساسيًا في أي عملية انتقالية ناجحة.

انعطافة تاريخية أم بداية جديدة؟

اغتيال سيف الإسلام القذافي في 3 فبراير 2026 ليس مجرد جريمة فردية، بل حدث ذو تداعيات سياسية وأمنية عميقة. إنه يعكس العمق الذي وصلت إليه الانقسامات في ليبيا بعد أكثر من عقد من الصراع، ويطرح تساؤلات حول قدرة البلاد على تجاوز إرث العنف وتوحيد جهودها نحو مستقبل مستقر وسلمي.

بينما لا تزال هوية منفذي العملية ودوافعهم الكاملة مجهولة، فإن الحادثة أظهرت هشاشة المشهد السياسي والأمني الليبي، وأكدت أن أي تحول سياسي حقيقي لا يمكن أن يحدث دون ثقة متبادلة، سيادة القانون، ومشاركة شاملة لكل الأطراف الليبية.

ردود فعل القبائل

أولاً: القبائل المرتبطة تاريخيًا بعائلة القذافي: خاصة في وسط وجنوب ليبيا مثل قبائل القذاذفة، وورفلة، والمقارحة، عبّرت عن غضب واستياء شديدين. واعتُبر الحدث – إن صحّ – استهدافًا سياسيًا ورمزيًا، لا لشخص سيف الإسلام فقط، بل لتيار اجتماعي واسع يشعر بالتهميش منذ 2011. بعض البيانات القبلية لوّحت بإمكانية التحرك السياسي أو الاجتماعي، محذّرة من أن استمرار الإقصاء قد يدفع نحو مزيد من عدم الاستقرار.

ثانيًا: أنصار سيف الإسلام والتيار “الأخضر

أنصاره تعاملوا مع الحدث بوصفه اغتيالًا سياسيًا متعمدًا يهدف إلى إنهاء أي فرصة لعودة رمزية أو سياسية لتيار النظام السابق. في أوساطهم، برز خطاب “الشهيد” واتهامات مباشرة وغير مباشرة لقوى داخلية نافذة بالوقوف وراء العملية. هذا التيار يرى أن غياب سيف الإسلام قد يدفعه إما إلى الانكفاء المؤقت أو إلى إعادة التنظيم عبر شخصيات أخرى، مع احتمال تصاعد خطاب المظلومية.

ثالثًا: مواقف المعارضة وخصومه السياسيين

في المقابل، أبدت قوى معارضة لسيف الإسلام مواقف متباينة. بعض الأطراف التزمت الحذر ودعت إلى التحقيق وعدم الانجرار للعنف، إدراكًا لحساسية المرحلة. بينما عبّرت أطراف أخرى، خاصة ممن يرون في عودة رموز النظام السابق تهديدًا لمسار “ثورة فبراير”، عن ارتياح سياسي غير معلن، معتبرة أن خروجه من المشهد – بأي شكل – يزيل عقبة أمام ترتيبات سياسية قائمة.

خاتمة

ختامًا، فإن اغتيال سيف الإسلام القذافي، يحمل أبعادًا معقدة تتداخل فيها حسابات داخلية وإقليمية، تتعلق بالصراع على الشرعية والسلطة وإعادة تشكيل موازين القوى. تتعدد فيه الدوافع  سواء كان بإقصائه من المشهد الانتخابي أو بمنع عودة رمزية للنظام السابق، فيما قد تتوزع المسؤولية بين أطراف محلية متنافسة أو جهات خارجية ذات مصالح. وهو ما من شأنه أن يعمّق الانقسام، ويزيد هشاشة الثقة بين الفرقاء، ويعقّد مسار المصالحة الوطنية. كما قد يؤثر سلبًا على فرص إجراء انتخابات مستقرة، ويعيد إنتاج دورة جديدة من الاستقطاب وعدم الاستقرار السياسي في ليبيا.

 

 

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى