تحليلات

فك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج الدلالات العسكرية والسياسية والاستراتيجية

في الحرب الممتدة، لا تُقاس التحولات بخرائط السيطرة وحدها، بل بمدى قدرة الأطراف على كسر أدوات إدارة الصراع التي يعتمدها الخصم. ومن هذا المنطلق، فإن فك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج في جنوب كردفان يمثل حدثًا يتجاوز كونه تطورًا ميدانيًا أو إنسانيًا، ليغدو علامة فارقة في ميزان المبادرة، والسردية السياسية، والحسابات الاستراتيجية لمسار الحرب بمفهومها الأوسع. ويشير فك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادوقلي إلى تصدّع في منطق الحرب القائمة على الاستنزاف البطيء، ويقوّض سردية “السيطرة بالتقادم” التي راهن عليها الدعم السريع بأن الزمن وحده كفيل بحسم الصراع كما حدث في مناطق أخرى، كما يعكس ذلك تحولًا في ميزان المبادرة، حيث ينتقل الجيش من موقع الدفاع المغلق إلى هامش أوسع من الحركة والمناورة، وفتح المجل على مصراعيه لإدارة الميدان القتالي باستراتيجية مختلفة في هذه المرحلة الدقيقة.

الدلنج وكادوقلي تختصران معادلة الحرب

تكتسب مدينتي كادوقلي والدلنج أهميتهما من تداخل ثلاثة عناصر: الموقع، والوظيفة، والرمزية. فهما عقدتا حركة وارتكاز إداري واجتماعي، وتشكلان اختبارًا لقدرة أي طرف على الصمود وإدارة المدن في بيئة حرب معقّدة. لذلك لم يكن الحصار المفروض عليهما مجرد إجراء عسكري تقني، بل أداة ضغط مركّبة تستهدف الزمن والمعنويات والشرعية السياسية. الحصار هنا كان رهانًا على الإنهاك البطيء: خنق الموارد، شلّ الحركة، وتكريس شعور “السقوط بالتقادم”. كسر هذا الرهان، بالتالي، لا يغيّر وضع مدينتين فحسب، بل يعيد ترتيب قواعد إدارة الصراع.

أولًا: الدلالات العسكرية وكسر منطق الاستنزاف

انهيار رهان الزمن

عسكريًا، يعني فك الحصار فشل استراتيجية الاستنزاف طويلة الأمد، فالحصار يهدف إلى التحكم في الإيقاع وتحويل الخصم إلى دفاع مغلق. وعندما يُكسر طوق الحصار، تتآكل قيمة الحصار كخيار قابل للتعميم في مدن أخرى، وتصبح كلفته أعلى من عوائده، وهو ما يفتح الباب واسعا لتحول في سياق وديناميات المعركة في كردفان ولاحقا في دارفور.

استعادة حرية الحركة والمبادرة

تُدار المدن المحاصَرة بمنطق البقاء وبالتالي فإن فك الحصار يتيح الانتقال إلى الدفاع المتحرك وإدارة المحيط بدل الانكفاء داخله. هذا التحول لا يعني بالضرورة توسعًا فوريًا، لكنه يربك الحسابات ويحدّ من قدرة الخصم على التحكم بالزمن، ويفتح المجل واسعا أمام الجيش والقوات المساندة له باستعادة المبادرة في إدارة الحرب في المنطقة الأوسع، والانتقال إلى المرحلة التالية.

الأثر المعنوي لفك الحصار

فك حصار مدينتي الدلنج وكادوقلي ذات الرمزية يوجّه ضربة نفسية كبيرة للدعم السريع، ويبعثر خطط الاسقاط ما يضعها أمام حقائق صعبة ويعزّز ثقة الجيش والقوات التي تخوض معه الحرب بجدوى الصمود. كما يرسل رسالة إلى مدن ومناطق أخرى بأن الحصار ليس قدرًا محتومًا، وهو عامل حاسم في حروب تُدار بالمعنويات بقدر ما تُدار بالنار.

ثانيًا: الدلالات السياسية لفك الحصار

  كسر خطاب السقوط الحتمي وتعزيز الشرعية

سياسيًا، بنى حصار المدينتين سردية مفادها أن السيطرة تُحسم بالتقادم، ولكن فك الحصار يكسر هذا الخطاب ويعيد طرح سؤال الشرعية حول من يملك القدرة الفعلية على حماية المدن وإدارة الأزمات، هذا السؤال هو جوهر السياسة وهي أن مدى القدرة على الصمود وفك الحصار تعزّز موقع الطرف المرتبط بالمدينتين أمام حاضنته الاجتماعية، وتضعف دعاوى الدعم السريع بالسيطرة الشاملة. فالشرعية تُستمد من إدارة الواقع اليومي للناس، لا من الادعاءات الخطابية.

  1. أثر فك الحصار على مسارات التفاوض

عزز الجيش موقفه، بفتح طريق كادوقلي الدلنج وتكبيد الدعم السريع خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، ممهداً لتقدم نحو غرب كردفان ودارفور، والتي أشاد إليها الفريق البرهان باعبتارها ـملحمة بطولية، مؤكداً الوصول إلى كل مكان في السودان، كما يضعف موقف الدعم السريع سياسياً، حيث يفقد ورقة الحصار كأداة ضغط، مما يجبرهم على وقف إطلاق نار حقيقي والاستجابة للشروط التي قدمتها الحكومة السودانية كمفاتيح لأي هدنة أو إيقاف الحرب، بدلاً من الهدنات التي لا تلبي تلك الشروط. ويُنظر إلى فك الحصار بالتالي كـ”نقطة تحول” تعزز موقف الجيش بشكل مري

ويمكن القول بأن الميدان يسبق السياسة، وفك الحصار يحسّن شروط التفاوض للجيش، ويقلّص قدرة الدعم السريع على فرض شروط من موقع تفوق نفسي. كما يعيد ترتيب حسابات الوسطاء الإقليميين والدوليين، الذين يضبطون مواقفهم وفق الوقائع لا النوايا.

ثالثًا: البعد الإنساني كرصيد سياسي

فرض حصار الدعم السريع على المدن أدى إلى مجاعة شبه رسمية، وصل إلى أن يأكل السكان الأعشاب ونزوح عشرات الآلاف، وحذرت وكالات الأمم المتحدة مرارا من كارثة في كردفان، بسبب منع وصول الإغاثة، مما عزل المدن وأدى إلى تدهور صحي حاد وبالتالي فإن فك الحصار عن الدلنج وكادوقلي حوّل البعد الإنساني إلى رصيد سياسي قوي للجيش السوداني، حيث أنهى معاناة دامت عامين من الجوع والمرض، وقد أطلق فك الحصار “جسوراً إنسانية”، حيث دخلت قوافل غذاء وأدوية إلى الدلنج وكاودقلي فوراً، مما أعاد الثقة في الجيش كحامي للمدنيين. أكدت مفوضية العون الإنساني أن هذا “شريان حياة” لعشرات الآلاف، مع انخفاض أسعار السلع وفتح أسواق، وكل ذلك يمنح السودان وحكومته رصيدا أخلاقيا وسياسيا، ويثبت حقيقة أن الدعم السريع هو من يتسبب في أذى الإنسان السوداني.

رابعًا: الدلالات الاستراتيجية – مؤشر اتجاه للصراع

  1. تقويض منطق “السيطرة بالتقادم

اتبعت قوات الدعم السريع استراتيجية الاحتفاظ بالسيطرة العسكرية المطولة على المدن كوسيلة لفرض الشرعية الفعلية مع مرور الزمن، مثل ما جرى في مدينة الفاشر التي حاصرتها ما يقرب من سنتين مع هجمات لا تتوقف، ويعتبر فك الحصار مؤخراً إنهاء لأسطورة إسقاط المدن بالحصار المتواصل الذي دام عامين كاملين من أجل إجبار السكان على الخضوع، محولاً المعاناة الإنسانية (جوع، نزوح) إلى أداة سياسية تجعل السيطرة “واقعاً مقبولاً” تدريجياً، كما لو كانت المدن “ملكاً مكتسباً” بالتقادم. استراتيجيًا، يمثّل فك الحصار إنهاء عمليًا لفكرة أن الزمن وحده يصنع الحسم.

  1. إعادة توزيع ميزان المبادرة

فك الحصار يعيد المبادرة العسكرية والسياسية لصالح الجيش السوداني، محولاً كردفان الجنوبية من نقطة ضعف إلى قاعدة هجومية، حيث أصبح الجيش يسيطر على الطريق الرئيسي الدلنج-كادوقلي، مما يتيح نقل الإمدادات والقوات نحو دارفور والفاشر، ويكسر عزلة المنطقة عن مسارات الدعم. يفقد الدعم السريع قدرته على “الخنق الاستراتيجي”، مُجْبِراً إياهم على الدفاع أو الانسحاب، وحتى دون تغيّر ميزان القوة الكلي، يتغيّر ميزان المبادرة. الطرف الذي يكسر الحصار يفرض إيقاعًا جديدًا، وينقل خصمه إلى موقع رد الفعل. وفي الحروب الطويلة، التحكم في الإيقاع قد يفوق السيطرة الجغرافية المؤقتة أهمية.

فتح مسارات كردفان ودارفور

فتح فك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادوقلي قوسا كبيرا يؤثر بعمق غي مسارات المواجهة المستقبلية خاصة وأن الجيش والقوات المساندة له واجهوا صعوبات في الوصول إلى عمق كردفان وخطوط التماس مع دارفور باعتبارها مسرح المعركة الأخيرة وهذا التحول الأخير لن يبقى محليًا؛ بل سينعكس على مسار الحرب في كردفان ودارفور معًا، رافعًا سقف التوقعات لدى مناطق تعيش ظروفًا مشابهة، ومقوّضًا منطق إدارة الصراع بالتجزئة، ودافعا إلى مخاطبة معاقل حواضن الدعم السريع من خاصرة جنوب كردفان.

 التوقعات  والسيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: تثبيت التحول وانتقال الصراع إلى مرحلة أكثر ديناميكية

في هذا السيناريو، يتم التعامل مع ما بعد فك الحصار بحذر، فيتطلب تثبيت المكاسب ويُمنع الارتداد وسيؤدي ذلك إلى: تراجع فعالية الحصار كأداة في مدن أخرى وانتقال الحرب من الجمود إلى المبادرات الموضعي وتحسّن الموقع التفاوضي وفتح نافذة سياسية محدود وهذا السيناريو لا يعني حسمًا، لكنه يخلق توازنًا أكثر مرونة يحدّ من الكلفة الإنسانية.

السيناريو الثاني: محاولات تعويضية وتصعيد غير مباشر

قد يسعى الدعم السريع إلى تعويض فشل الحصار عبر نقل الضغط إلى ساحات أخرى أو تغيير أدوات الصراع بدل تغيير أهدافه أو إعادة فرض الطوق بوسائل أقل مباشرة وهذا السيناريو يطيل أمد الحرب، لكنه يرفع كلفتها، ويجعل أدواتها أقل قابلية للتسويق سياسيًا.

السيناريو الثالث: استثمار سياسي يقود إلى مسار تفاوضي أوسع

إذا اقترن فك الحصار بخطوات سياسية ذكية، فقد يعيد تنشيط الوساطات، ويربط بين مسارات كردفان ودارفور ويفتح نقاشًا حول ترتيبات إنسانية–سياسية أوسع، ونجاح هذا السيناريو مرهون بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات محسوبة، وهو الأصعب لكنه الأقل كلفة على المدى البعيد.

السيناريو الرابع: انتكاسة

في حال غابت إدارة رشيدة للمرحلة التالية، قد تتآكل المكاسب ويُعاد فرض أشكال جديدة من الحصار وتتحول المدن إلى عبء أمني وسياسي، وهنا يفقد فك الحصار قيمته الاستراتيجية ويتحول إلى لحظة عابرة.

خاتمة

يحمل فك الحصار عن كادوقلي والدلنج دلالات متعددة المستويات. عسكريًا، يكسر أداة استنزاف مركزية ويعيد بعض المرونة للميدان. سياسيًا، يعدّل السردية ويعزّز الشرعية ويحسّن شروط التفاوض. واستراتيجيًا، يبعث برسالة مفادها أن موازين المبادرة في السودان ليست جامدة، وأن السيطرة بالتقادم ليست قدرًا محتومًا، وأن الجيش بصبره الاستراتيجي يكسب معركة النفس الطويل.

لكن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في لحظته، بل في كيفية استثماره. ففي الحروب الطويلة، لا تُقاس النجاحات بما تحققه اليوم، بل بما تمنعه غدًا. والسؤال الحاسم لم يعد: هل فُكّ الحصار؟ بل هل يتصل جهد الجيش للحسم العسكري في ما تبقى من مناطق كردفان والانتقال إلى دارفور، أم يستجيب لدعوات الهدن حتى تلتقط قوات الدعم السريع أنفاسها جراء المعارك التي بعثرت أوراقها في الشهور الأخيرة في كردفان.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى