ملخص
تحلل هذه المقالة الوضع السياسي الراهن في تونس مطلع عام 2026، مع التركيز على المركزية السياسية، وتشتت المعارضة، والتعبئة الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، والعلاقات الخارجية. وتسلط الضوء على ضيق الحيز الديمقراطي، وتزايد السخط الشعبي، والتحديات التي تفرضها التحالفات الداخلية والإقليمية المتغيرة.
مقدمة
بعد مرور أكثر من عقد على ثورة 2011 في تونس، لا يزال انتقالها السياسي محل جدل واسع. فمنذ عام 2021، شهدت البلاد تشديدًا لسيطرة السلطة التنفيذية، وتضاؤلًا للتعددية، وقمعًا مستمرًا للمعارضة. وقد برزت هذه التوجهات بالتزامن مع تنامي السخط الاجتماعي وتغير أنماط السياسة الخارجية والتعاون الإقليمي.
الوضع السياسي: ترسيخ السلطة والقمع
يستمر النظام السياسي التونسي في إعادة تشكيله من خلال ترسيخ سلطة الرئيس. أدى تعليق الرئيس قيس سعيد للبرلمان عام 2021، وسنّ دستور جديد عام 2022 وسّع صلاحيات السلطة التنفيذية، وفرض قيود على المنافسة السياسية، إلى إضعاف التعددية المؤسسية بشكلٍ جوهري. وقد أكدت الانتخابات الرئاسية لعام 2024، التي شهدت حصول سعيد على نسبة تصويت رسمية عالية، ولكن مع أدنى نسبة مشاركة على الإطلاق، ومشاركة ضئيلة من الشعب، هذا التراجع في حدة المنافسة السياسية.
وفي أواخر عام 2025، أصدرت محكمة استئناف أحكاماً قاسية بحق عشرات المعارضين السياسيين، شملت أحكاماً بالسجن المؤبد تصل إلى 45 عاماً، ومدد سجن طويلة أخرى، وذلك في إطار حملة ضد منتقدين تتهمهم الحكومة بـ”التآمر ضد أمن الدولة”. ويرى العديد من المراقبين أن هذه المحاكمات ذات دوافع سياسية، وجزء من حملة قمع متصاعدة.
الاحتجاجات الاجتماعية في تونس وحدود الفعل السياسي للمعارضة
شملت الاحتجاجات في تونس خلال عامي 2025-2026 مظالم سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية، إلا أنها جرت في ظل معارضة متشرذمة وضعيفة مؤسسياً. وقد تجلى السخط الشعبي المستمر في احتجاجات الشوارع والإضرابات والاضطرابات القطاعية، كما تظاهر العمال والطلاب والمحامون والسكان المحليون ضد القمع السياسي والصعوبات الاقتصادية، ولفتت الاحتجاجات البيئية في مناطق مثل قابس الانتباه إلى التلوث ومخاوف الصحة العامة، وأكدت التحركات القطاعية، بما في ذلك إضرابات المعلمين والمهنيين، على تزايد الضغوط الاجتماعية.
وعلى الرغم من استمرار الاحتجاجات، لا تزال المعارضة السياسية في تونس متشرذمة، تعاني من الانقسامات الداخلية والقيود القانونية والقمع مع نفور وسخط شعبي من الشأن العام والسياسي الذي أضعف قدرتها على حشد قواعدها الشعبية بفعالية. وقد فاقم اعتقال وسجن شخصيات معارضة بارزة هذه الديناميات. في ديسمبر/كانون الأول 2025، اعتُقل زعيم المعارضة المخضرم أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الإنقاذ الوطني وشخصية تاريخية في السياسة التونسية، لتنفيذ حكم بالسجن 12 عامًا بتهمة التآمر، وهي تهمة وُصفت على نطاق واسع بأنها ذات دوافع سياسية، في واحدة من أشد حملات القمع التي استهدفت المعارضة المنظمة في السنوات الأخيرة.
كما صدرت أحكام طويلة بحق شخصيات معارضة أخرى، من بينهم المحامي الحقوقي اليساري عياشي الهمامي والناشطة شيماء عيسى، واحتُجزوا لتنفيذها، مما زاد من إضعاف القيادة المنظمة وقيد حراك المعارضة.
نتيجةً لهذه التطورات، باتت العديد من الاحتجاجات، مدفوعةً بمظالم اجتماعية واقتصادية، بدلًا من كونها تحركًا سياسيًا منسقًا تحت قيادة موحدة، مما يعكس استمرار السخط الشعبي وحدود المعارضة الرسمية.
الاقتصاد التونسي تحت الضغط: عجز الموازنة والاقتراض المتزايد في ظل هشاشة هيكلية
لا يزال اقتصاد تونس في أوائل عام ٢٠٢٦ يعاني من ضغوطات. فبينما تُظهر بعض المؤشرات نموًا طفيفًا، تستمر التحديات الهيكلية: ارتفاع معدلات البطالة، والتضخم، وضعف الاستثمار، والدين العام، مما يُعيق الآفاق الاقتصادية. ويرى المحللون أن الإصلاحات الاقتصادية بحاجة إلى معالجة الاختلالات العميقة في السوق وضعف جاذبية الاستثمار لخلق فرص عمل وتحقيق نمو مستدام.
وقد فاقمت المعاناة الاقتصادية من إحباط الشعب وتآكلت ثقته في الحكم. ويرى كثير من التونسيين أن عدم الاستقرار السياسي وإخفاقات الحكم قد فاقمت الأوضاع الاقتصادية اليومية، مما أدى إلى تفاقم السخط الاجتماعي وربط المظالم الاجتماعية والاقتصادية بانتقاد القيادة السياسية.
ومن ملامح ذلك أن موازنة العام الجديد تعتمد على الاقتراض الداخلي (19.1 مليار دينار) والخارجي لتغطية عجز مالي كبير، مع دور متزايد للبنك المركزي في تمويل الدولة، إضافة إلى توقعات بتضخم مالي (حوالي 8.4%) وعدم زيادة في الأجور، فضلا عن تحديات استثمارية ناتجة عن هشاشة هيكلية وتأثيرات الصراعات الإقليمية.
العلاقات الخارجية: المشاركات الإقليمية والدولية
تعكس السياسة الخارجية التونسية جهودًا للحفاظ على الشراكات الاستراتيجية ومواكبة الديناميكيات الإقليمية في ظل عدم الاستقرار الداخلي. وتتعاون تونس مع الجهات الفاعلة الدولية في مجالات التعاون الاقتصادي، والتنسيق الأمني ومكافحة الهجرة في المتوسط، والحوار الدبلوماسي.
الشراكات الإقليمية
تشمل العلاقات الخارجية لتونس العديد من المشاركات الإقليمية، حيث تلعب الجزائر المجاورة دورًا هامًا. في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقّعت تونس والجزائر اتفاقية مُجددة للتعاون العسكري والدفاعي، موسعةً بذلك نطاق التعاون الدفاعي ليشمل التدريب والمناورات المشتركة والتنسيق الاستراتيجي لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة على طول حدودهما الطويلة. وقد دعا منتقدون في تونس إلى مزيد من الشفافية بشأن الاتفاقية، معربين عن مخاوفهم بشأن تداعياتها المحتملة على السيادة ونطاق الترتيبات الأمنية العابرة للحدود.
يجب فهم هذا التعاون في سياق أوسع من العلاقات الإقليمية البراغماتية، حيث تنسق الجزائر وتونس في مجالات أمن الحدود والهجرة والتبادل الاقتصادي، مع الحرص على مراعاة الحساسيات الداخلية. إلا أن هذه الشراكة لم تخلُ من الجدل: ففي يناير/كانون الثاني 2026، أعادت الجزائر قسرًا الشخصية المعارضة التونسية سيف الدين مخلوف، طالب اللجوء المسجل، إلى السلطات التونسية، ما أثار إدانة منظمة العفو الدولية باعتباره انتهاكًا للقانون الدولي وتقويضًا لحماية الحريات المدنية. تُبرز هذه الحوادث جدلا حول أبعاد العلاقات المعقدة للتعاون الإقليمي، والتي تتفاعل مع التحديات السياسية الداخلية التي تواجهها تونس.
كما تحافظ تونس على علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج وشركاء دوليين آخرين في الشؤون الاقتصادية والأمنية، وتُكيّف سياستها الخارجية لجذب الاستثمارات، والحفاظ على العلاقات التجارية، وإدارة قضايا الهجرة، في حين أن الهشاشة السياسية الداخلية تُعقّد هذه العلاقات.
أزمة حوكمة عند تقاطع الضغوط السياسية والاقتصادية
يُعدّ وضع تونس في مطلع عام ٢٠٢٦ متعدد الأوجه، ويتشكل بفعل تفاعل المركزية السياسية، والضغوط الاجتماعية، والهشاشة الاقتصادية، وإعادة تقييم العلاقات الخارجية:
أدى تركيز السلطة وتضاؤل المنافسة السياسية إلى إضعاف المؤسسات الديمقراطية وتضييق مساحة المعارضة السياسية المنظمة.
بروز الحركات الاجتماعية التي بدت ضعيفة من ناحية الكمية والنوعية، وغالبًا ما تفتقر إلى قيادة سياسية موحدة بسبب القمع الممنهج.
لا تزال الضغوط الاقتصادية تُقوّض سبل العيش وثقة الجمهور في الحكم.
تعكس العلاقات الخارجية بما في ذلك التعاون الدفاعي مع الشركاء الإقليميين والجهود الدبلوماسية مع جهات دولية فاعلة أوسع استراتيجية براغماتية، لكنها تُثير أيضًا تساؤلات حول السيادة وحقوق الإنسان والنفوذ الخارجي.
تُساهم هذه الديناميكيات المتداخلة في أزمة حوكمة تُنازع فيها سلطة الدولة على جبهات متعددة، في غياب قوة سياسية بديلة متماسكة قادرة على حشد دعم واسع.
الخاتمة
مع مطلع عام ٢٠٢٦، تشهد تونس ضغوطًا سياسية واجتماعية عميقة ناجمة عن تركز السلطة التنفيذية، وضعف المعارضة، والصعوبات الاقتصادية، وتطور العلاقات الخارجية. ولا يزال السخط الشعبي يتجلى من خلال الاحتجاجات أو من النفور الشعبي من الشأن العام مع غياب قيادة سياسية معارضة موحدة ومتماسكة. وسيظل التوازن الدقيق بين إدارة التحديات الداخلية والتواصل مع الشركاء الخارجيين سمةً بارزةً في المشهد السياسي التونسي المتغير.
مراجع
هيومن رايتس ووتش التقرير العالمي 2026





