تحليلات

الصوماليون في أمريكا وخطاب ترامب الشعبوي: صناعة الخوف أم حسد النجاحات

مقدمة

تبدو الهجمات الكلامية المتدنية التي يشنّها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضد الصوماليين كعرق والصومال كدولة تعكس سيادة رؤية غير واقعية عن الصومال والصوماليين عمومًا، وتوحي بوجود مسعى لتشويه صورتهم العامة، وهو مسعى لا يخدم المصالح الحزبية ولا الصورة الدولية للولايات المتحدة في المرحلة المقبلة. وتختلف الصورة التي يقدّمها ترمب عن الصوماليين من حيث النمط والوتيرة، عن الصور النمطية السابقة «الصوملة» التي وُصم بها البعض بالصوماليين بما في ذلك بعض الأشقاء في العالم الإسلامي، وتطورت تلك الصور لاحقًا إلى ظاهرة سياسية عُرفت بـ«الصوملة»، وأصبحت مصطلحًا متداولًا في أدبيات الأزمات والنزاعات الدولية. وسابقا، كانت «الصوملة» تتركز على الدولة الصومالية بوصفها كيانًا سياسيًا، وعلى تفكك مؤسساتها وفشل نخبها في ترميم مفاصلها الرئيسية ، أمّا هجمات ترمب الأخيرة، فإنها تتجاوز نقد الدولة لتضع الصوماليين جميعًا تحت مجهر عدائي متلبّس بعدائه  الشخصي مع النائبة الأمريكية من أصول صومالية، إلهان عمر عن ولاية مينيسوتا والمهاجرين المسلمين بشكل عام .

وقد كانت «الصوملة» ترمز في دلالتها الكلاسيكية إلى انهيار الدولة المركزية، وسيادة دورة عنف ذاتيّة التغذية، والانزلاق نحو صراعات لا نهائية بلا أفق زمني واضح. أمّا خطاب ترمب ومؤيديه، فيعكس على ما يظهر، وجود أزمة أعمق  في دولة لم تتحوّل بعد قيم المساواة الإنسانية والمواطنة الكاملة إلى وعيٍ مجتمعي راسخ لدى بعض فئاته وقياداته السياسية، وهو ما يدفع القاعدة المؤيدة للخطاب الشعبوي برؤية الإساءة للمواطن المنتخب أو المساس بكرامة دولة وأمّة بأكملها نوعًا من  البراعة في الاستعراض السياسي. ويشكّل الصوماليون في الولايات المتحدة مكوّنًا فاعلًا من نسيج المجتمع الأمريكي، ولهم حضور واضح في مختلف مجالات العمل العام، ويشغل نحو 29 مسؤولًا من أصول صومالية مناصب مختلفة، من بينهم عمدتان ونائبة في الكونغرس، وذلك رغم حداثة وجودهم النسبي في البلاد. وتتعدًد صورة الصوماليين بتعدّد البيئات الجغرافية التي يعيشون فيها، ويرتبط نجاحهم أو تعثرهم بمدى توافر الحرية والعدالة الاجتماعية في البلد المضيف. ففي بيئات مثل الولايات المتحدة ما قبل رئيس ترامب، حققوا نجاحات لافتة وبوتيرة سريعة، بينما يظهر أداؤهم أبطأ في بلدان أخرى، دون أن يعني ذلك تخليهم عن ثوابتهم الوطنية أو قيمهم الثقافية . وكوّنت هذه الصورة  المتعددة انطباعات متباينة تجاههم، تراوحت بين الإعجاب والتقدير من جهة، والكراهية والحسد من جهة أخرى وذلك خوفًا من تأثير نموهم السكاني المتسارع في الهوية المجتمعية المسيحية الهوى، أو حسدًا على النجاحات التي حققوها في فترة زمنية وجيزة. وتجتمع في الصوماليين ثلاث سمات تشكّل ركائز الخطاب الشعبوي الموجّه إلى القواعد غير الواعية سياسيًا في الغالب، وهي: الهجرة، والإسلام، واللون الأسود. وتُقدَّم هذه الصورة المركّبة بوصفها تهديدًا وجوديًا للمجتمع، وتُستَخدم كفزاعة سياسية لتأليب الرأي العام، وذلك عبر ربطها بعدم الاستقرار، والهجرة الجماعية، وأسلمة المجتمعات ذات الخلفية المسيحية الهوية.

 الصوماليون والعنصرية الممنهجة في الولايات المتحدة

يبلغ عدد الصوماليين القاطنين في الولايات المختلفة للولايات المتحدة أكثر من 260 ألف نسمة، وهم موزعون في 40 مدينة أغلبها تقع في ثلاث ولايات مينيسوتا وأوهايو وواشنطن العاصمة  حيث يعيش حوالي40% منهم في ولاية مينسوتا وحدها، و83% منهم أمريكيون وأكثر من 50% منهم مولودون في الولايات المتحدة، وهم بالطبع حريصون في المراعاة على النظام العام في البلاد، ومساهمون في اقتصاد البلاد باقتدار، وغالبيتهم دخلوا الولايات المتحدة بالطرق الشرعية وبتسهيلات حكومية تمّ بعضها خارج الأطر الإجرائية المتبعة في عهد بوش الأب تحديدا.

وقضية الخوف على الهوية أو الحسد على الحركة السريعة تأتي من أن الجالية الصومالية في الولايات المتحدة هي الأسرع نموا في سكانها و تأقلما مع النظام العام بالنظر إلى الجاليات الأخرى المسلمة في الولايات المتحدة وأكثرها ديناميكية في العمل العام المشترك، وأبرزها مشاركة في إحياء الشعائر الدينية وغالبا مايكون ملتقاهم في المصليات والمساجد ومراكز تحفيظ القرآن والكافيتريات إلى جانب المدارس والمطاعم، والمتهمون منهم بالفساد هم أمريكيون من أصول صومالية وهم قلة من حيث العدد بالنظر إلى قائمة المتهمين الآخرين المشمولة على جنسيات أخرى مختلفة.

وتصريحات رئيس ترمب المعادية للصوماليين غير مسبوقة على حدتها، ويكرر بأنه لايريدهم البقاء في الولايات المتحدة ويشكك في أحقيتهم في الانتماء إلى المجتمع الأمريكي ويتهمهم بتدمير أمريكا وسرقة مالها، ويصف الصومال الدولة وطناً بلا دولة، وهو بهذه الطريقة يمثل شريحة واسعة من المجتمع الأمريكي تعتقد بتفوق العرق الأبيض من غيره، وتكره الآخر غير المشترك معها في اللون والدين. ووفق تقرير تعزيز العدالة العرقية والمساواة الصادر من الأمم المتحدة عام 2023، فإن العنصرية ممنهجة ومتجذرة بعمق في النظام العام للولايات رغم إلغائها القانوني منذ 1968م، وأن الأشخاص من ذوي البشرة السوداء في أمريكا هم أكثر عرضة للقتل على يد الشرطة بمعدل 3 مرات، وللسجن بـ 4.5 مرات بمقارنة أصحاب البشرة البيضاء، ويخلص التقرير إلى أن العنصرية وإرث العبودية لا يزالان متغلغلين بشدة في نظام العدالة الجنائية، وعدم المساواة في التوظيف والتعليم والأجور والرعاية الصحية وكذلك منح القروض البنكية السائدة، وحوادث  التمييز والعسف والقتل المميتة مثل جورج فلويد عام 2020 شبه مصادفة بشكل دوري .

وسابقا، بالغ الرئيس ترمب بشدة بنقد عمدة نيويورك الجديد السيد: زهران ممداني في مظهره، وانتمائه العرقي والديني، ولم يخجل وصف شخصيته بـ ” المختل…الاشتراكي…والمجنون”، ومنتخبيه بـ” الأغبياء”، وكان من بين المروجين بعدم ولادة رئيس أوباما الأسبق في الولايات المتحدة، رافضا أن يكون رئيسا لها باعتباره  شحصية سوداء. وتمثّل انتخاب ترمب  الأول وإعادة انتخابه الجديدة  ردة فعل عنصرية على تجاوز عصر ما بعد العنصرية والمحاصصة الحزبية التي تجسدت صورتها في انتخاب أوباما سابقا، وترشح كامالا هاريس في الانتخابات الأخيرة. ويبدو أن سلوك ترمب السياسي  متعارض مع تاريخ الولايات المتحدة التي هي بلد المهاجرين والمهجرين، ومناقض لطريقة ممارسة حكم أسلافه في البيت الأبيض المشجّع على الهجرة والمحترم  لحقوق المواطن والكرامة البشرية، وشبيه إلى عهد تاريخي قديم كان الاقتصاد الأمريكي يقوم على استرقاق العبيد وإجبار العمل  لعمال المزارع  والمصانع، وتحريم الجنود السود المشاركين في الحرب العالمية الثانية من مزايا قانون المحاربين القدامى وكانت المساوة الكاملة في الحقوق بين السود والبيض منعدمة تماما أو مشرعة بالمعنى الأدق.

والرؤية المنقوصة عن الصوماليين ليست قاصرة على رئيس ترمب ومؤيديه  سواء كانوا في الولايات المتحدة وخارجها، وإنما يوجد آخرون من بينهم أشقاء من الدول الإسلامية متماهين مع موقف ترمب الفجّ، وقد لا يعلم كثير منهم على أن تصريحات ترمب هي مجرد تعبير سياسي وإعادة توجيه رأي عام ما، ولو كانت تصريحاته تتخذ طابعا قانونيا أو اجرائيا لما استمرت النائبة إلهان عمر يوما أمريكية الجنسية في فترة وجوده،  ناهيك عن عضويتها في الكونجرس ولا الصوماليون والمسلمون بشكل عام بقوا يوما آخر في الولايات المتحدة ، وتماهيهم هذا شبيه على تصديقهم سابقا على خاصية الصوملة على الصومال استيحاء على ظاهرة البلقنة، وذلك دون تقديم اعتذار أو أسف بعد تفجر أوضاع بلدان عربية يتجاوز عددها إلى 6 دول بعد انهيار الصومال سابقا. وماقالته Abigal  Jackson التي هي النائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض يشكل توضيحا كافيا لمنابع تلك الكراهية، بعد تأكيدها على أن ترمب محقّ في تصريحاته، لأن  الصوماليين، حسب قولها “… يكرهون أمريكا، وغير مساهمين في اقتصادها، ورفضو الاستيعاب في  بلدنا.

سقوط الدول وبنائها وهجرة الصوماليين إلى الخارج  

من المؤكد أنه لا يوجد علاقة بين سقوط الدولة في الصومال والصوملة من بدايتها سوى الانكشاف بنقص الرؤية في تطور تاريخ  الصومال والصوماليين من جهة وعدم الاستيعاب بما يكفي عن السنن التاريخية التي تخضعها لها الدول من جهة أخرى. ومن الأساس، فإن سقوط الدول أو بنائها مرتبط  بتوافر مجموعة من الأسباب التي غالبا ما تكون منقسمة بين داخلية وعوامل خارجية متشابكة، وحين توافرها في مكان ما تسقط الدول أو تنهض، وطبيعة تلك الأساب أنها واحدة مع تعدد روافدها ومتعاكسة في بنائها الهرمي بحيث أن توافرها مجتمعة في بلد معين تنهض الدول وتتقدم ، وبعدمها تسقط الدول وتنهار بغض النظر عن نوعية تلك الشعوب وانتمائها الجغرافية وهويتها الدينية.

والاستئثار بالحكم بالطرق المختلفة وتركيز مزايا الحكم في فئات محدودة يكون القاسم المشترك بين تلك العومل الخمسة (ضعف الترابط الاجتماعي– ضعف القيادة– الظلم والاستبداد- الترف والبذخ- الحروب والثورات)، المؤدية بتضافرها إلى انهيار الدول وفق نظرية ابن خلدون (1332-1406 )، بينما العكس الذي هو قوة التماسك الاجتماعي، وحكمة القادة، ورشد الاستخدام في المال العام، إلى جانب العدل وتوافر الأيدلوجيا الوطنية تكون أسبابا أو عوامل ناهضة في بناء الدول وتحقيق التقدم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي. وسيادة مبدء الاستئثار في حكم الدول  والإيثار على مزايا الحكم لبعض الناس، يلغي الشعور المشترك في الملكية الجماعية للبلاد وينهي مسؤولية الحكم المنقسمة للدولة إلى أكثر من سلطة مستقلة عن بعضها البعض، كما أنه يعدم وجود مبدء تكافؤء الفرص والمساواة الطبيعية في مسؤلية العمل الوطني  ويمنع النمو الطبيعي للاقتصاد العام  ويجعله اقتصاداً حكوميا بدلا من  أن يكون اقتصاداً وطنيا حراً مستقلا  قائما على نمو الذات. ومثلما يكون الاستئثار والإيثار يشكل عوامل مؤدية إلى السقوط والانهيار أوتولد وضعا ثوريا متجددا، يكون تحقيق العدل والمساواة عوامل ضامنة على بناء الدول ونهوض المجتمعات. ولهذا السبب، نجد كثيراً من الدول انهارت أو قامت بعد الصومال وفق تلك السنن التاريخية. وأعمار الدول هي حالة ديناميكية  متغيرة  ومتحركة باستمرار في  اتجاه ما، وتشبه كثيرا لأعمار الأفراد  وحياة الانسان بشكل عام، وأن بقاءها أو سقوطها سائر وفق إطار محدّد ومرتبط على قدرة الفرد بالتعامل الواعي معها  وبالسلطة الأخلاقية المتوفرة عنده.

والصوماليون يعيشون بين مواجهة مستمرة على التحديات الوجودية التي يواجهونها في الداخل والإصرار على التمسك بالهوية الثقافية المتوحّدة مع الهوية الإسلامية في الخارج. ويعتبر إرادة الارتباط بالوطن وإصرار التمسك بالهوية  الثقافية في المهجر  نقطة التقاطع دون أن يكون هذا التقاطع  مؤديا إلى التناقض بين الثقافتين في كل الأحوال. ويقدر عدد اللذين هاجروا من الصومال إلى الخارج قرابة الثلث من عدد سكانه  الأصلي، ومعظهم موجودون في أوربا الغربية بما في ذلك بريطانيا وأمريكا الشمالية، ولايرون حياتهم في تلك البلدان بديلا عن وطنهم الأصلي وذهبوا إلى هناك بحثاً عن فرص أفضل في الحياة، وكثير منهم عادوا إلى البلاد مبكرا في ظروف معيشية أصعب بكثير من الحالية السائدة في البلاد، وعودتهم في البلاد في ازدياد مضطرّد  ويعملون حاليا في مجالات مختلفة تصبّ كلها في اتجاه التعافي النهائي من الصوملة، ولم تكن علاقتهم مع الوطن منذ البداية علاقة انفصال وانقطاع  وإنما كانت علاقة اتصال وارتباط ، كما أن العلاقة فيما بينهم علاقة  تآزر وتعاضد وتضامن في المآتم والأفراح أينما كانوا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن بسبب التجانس الديني والعرقي واللون السائد، وانعدام التمايزات المذكورة الذكر بين الصوماليين فانهم لم يتركوا بلدهم مهجرين قسرا وإنما كانوا مهاجرين في غالبيتهم، ولم يكون معظمهم ضحايا من قبل سلطة احتلالية واستعمارية او سياسات نظام قادر على التهجير الإجباري بقدر ماكانت قوةّ هجراتهم نتيجة حروب أهلية طاحنة تعتبر بالنسبة لحياتهم المجتمعية أمراً مألوفا، وبمعنى آخر، فإن هجرة الصوماليين لم تكن قسرية وإنما كانت هجرةً طوعيةً أقرب من الفرار واللجوء المؤقت الى الهجرة القسرية. وأفراد الشعوب التي هاجرت من بلادها قسراً وقادمة من بلد تتوفر فيه التمايزات في مكوناته المجتمعية  لأسباب مختلفة  يسود عندها نوع من المقت على بلدهم الأصلي أوالحقد في مكون معين ضد آخر، ومن ثمّ تتخذ من تلك البلدان بديلا عن البلد الأصلي ولا تعود في الغالب إلى بلدها بالكثرة العددية والهجرة الجماعية التي هاجرتها من البداية، وقد يكون بعض من أبنائها متعاونيين مع قوى أجنبية عند وجود مخططات لتدمير بلدهم  وهو أمر غير وارد في الحالة الصومالية لأنه لا يوجد ما يمنع العودة الطوعية إلى بلده كما لم يوجد ما فرضه في الهجرة من بلده قسريا منذ البداية. والصوماليون متمسكون بثوابتهم الثقافية أينما كانوا، وسريعي التأقلم  والتكيف مع البيئات التي يسود فيها هامش من الحريات والعدالة الاجتماعية، ومهتمون  بالتطورات المحيطة بهم، ومتجاوبون بإيجابية مع بني جلدتهم في العمل الوطني المشترك ومع الآخر المسلم  فيما هو ذات الصلة بالقضايا الإسلامية وبالذات المركزية منها التي هي قضية فلسطين، وتتوافر عندهم الثقة اللازمة لتحقيق مسعاهم في الحياة، ويفضل الفرد منهم بالعمل الحرّ المستقل عن العمل الروتيني أو البيروقراطي، وهي كلها قضايا تعطيهم التميز خارج بلدهم كما أنهم متميزون في بشرة لونهم ولباس حرماتهم ، ورغبتهم الدائمة في الاحتفاظ  بهويته والارتباط ببلدهم الأصلي يعتبره بعض الساسة  الشعبويين في الغرب تحديا في الاستيعاب أو سوء اندماج مع المنظومة القيمية للمجتمع ونقص في الولاء لوطنه الجديد.

 الصومال و استراتيجية الأمن الوطني للولايات المتحدة الجديدة  

تقوم سياسة الولايات المتحدة الجديدة في عهد ترمب على التركيز في تأمين مصالحها وحدودها الطبيعية والتنصل نهائيا من تحمل الأعباء الدولية التي دخلتها الإدارات السابقة مع الشركاء الدوليين. وتعتبر إدارة ترامب الحضور العسكري الكثيف والتدخل في الأزمات الدولية المتفجرة من مكان لآخر سابقا توريطا أكثر مما كان تورًطا مدورسا. وتشدّد إدارة ترمب بأن ذلك التوريط كان يعكس وجود فقدان الاتجاه وانحراف مباشر عن مسارها الافتراضي المرسوم من قبل المؤسسين، مما يعني، فانها سوف تكون متبنية  لسياسية  قريبة إلى عهد رئيس مونرو ( 1758-1831) بحيث تكون فيها المصالح التجارية والاقتصادية واجهات رئيسية في علاقاتها مع الدول ومتحرّرة إلى حد ما عن قيم ممارسة الحكم  والمبادئ الليبرالية التقليدية التي كانت تعطي لنفسها الأسبقية من غيرها وسوف يتمّ سلوكها بالبراغماتية والواقعية والاتجاه نحو بناء قوتها الذاتية وتحقيق تفوقها الصناعي وتترك لكثير من المهام التقليدية إلى وكلائها الإقليميين في المناطق التي لا تدخل ضمن مناطق اهتماماتها الرئيسية مثل المحيط الهادي ومنطقة بحر الصين الجنوبي.

ووفق استراتيجية الأمن الجديدة المعتمدة في شهر نوفمبر المنصرم، فإن الصومال واقعة بين منطقتين تقع في ذيل اهتمامات الولايات المتحدة الاستراتيجية وهما الشرق الاوسط وأفريقيا جنوب الصحراء. وبالنسبة إلى الشرق الأوسط  فإن اهتماتها منحصرة في الاهتمام على أمن اسرائيل وتوسعة نطاق الاتفاقيات الابراهيمية إلى جانب استقرار منابع النفط وسلامة عبور المعابر والمضايق الإقليمية أوالدولية وأن لا تشكل الجماعات المتطرفة المتمددّة في المنطقة خطرا مهددا على مصالحها الحيوية في المنطقة بينما افريقيا تريد منها التحول من إطار تقديم المساعدات إلى الشراكة معهم  في مجالي الطاقة والمعادن بالدرجة الأساسية، وأن تفتح أسواقها إلى المنتجات الأمريكية على أن تتم تلك الشراكات مع دول مختارة  تعمل معهم إلى جانب ما سبق باحتواء الصراعات القائمة   والمحتملة في القارة  دون أن يودي ذلك إلى حضور عسكري طويل الأمد أو الدخول في التزامات مباشرة معاهم .

يُعَدّ الصوماليون من الشعوب المتجذّرة في أرضها منذ آلاف السنين. وقبل قدوم الاستعمار، لم تكن الهجرة خارج الأراضي الصومالية ظاهرةً معروفة بالقدر الذي شهدته لاحقًا؛ إذ اقتصرت تحركاتهم الخارجية على السفر لأغراض التجارة والعبادة في أرض الحرمين، إلى جانب هجرات داخلية ناتجة عن الحروب أو موجات الجفاف المتكررة، وهذا يعني أن الصوماليين عاشوا في وطنٍ تتجاوز مساحته مليون كم2، بعددٍ سكان لم يكن يتجاوز 1.5 مليون نسمة، قبل الحقبة الاستعمارية. غير أنّ الهجرة الصومالية إلى الخارج بدأت تتخذ طابعًا ملحوظًا مع بداية الاستعمار، واستمرّت بعده خلال مرحلة الاستقلال وصولًا إلى يومنا هذا. ورغم أنّ الهجرة الطوعية للصوماليين لا يمكن إرجاعها إلى الاستعمار وحده، أو إلى صراعات النفوذ والحرب الباردة والحروب الأهلية المتعاقبة فقط، فإن المرحلة الاستعمارية وما تلاها من تحولات وتقلبات والتي كانت الولايات المتحدة طرفًا فاعلًا فيها أسهمت بشكل كبير في تعميق ظاهرة الهجرة، وذلك من خلال الجوانب الآتية:

  1. تقليص المساحة الجغرافية للدولة الوطنية نتيجة اقتطاع أجزاء واسعة من الأراضي الصومالية وضمّها إلى دول الجوار، ما أدّى إلى نشوء دولة تتمتًع بمساحة أرضية أقل من الامتداد السكاني الصومالي خارج حدودها الإدارية، وأسهم في خلق حالة عداء مستحكمة مع المحيط الإقليمي، وقاد ذلك لاحقا إلى صراعات متكررة تراوحت حدّتها بين التصعيد والهدوء، ونتج عنها موجات هجرة متواصلة.
  2. تعميق انعدام الثقة وإذكاء الانقسامات المجتمعية من خلال سياسات استعمارية اعتمدت تقوية قبائل على حساب أخرى، أو وشاية واحدة ضدّ أخرى باستمرار، وهو ما ترك أثرًا عميقًا على تماسك مكونات المجتمع الصومالي، وانعكس ذلك بشكل مباشر على صعوبة بناء دولة موحّدة  واستدامة الاستقرار السياسي  المتين منذ الاستقلال و استمرار الهجرة.
  3. تحويل الصومال إلى ساحة صراع نفوذ وتنافس دولي وإقليمي تُصفّى فيها حسابات القوى المتنافسة، وذلك عبر وسائل متعددة شملت تغيير أنظمة الحكم، ودعم شخصيات سياسية ضد أخرى، وترتيب انقلابات عسكرية، وصولًا إلى تسليح جبهات المعارضة والحركات المسلّحة . وقد أدّت هذه التدخلات إلى إضعاف الدولة المركزية، وإدامة الحروب الدورية، وتدهور الاقتصاد، وتسارع تدفقات الهجرة.
  4. اعتماد بعض الدول الاستعمارية والولايات المتحدة سياسة تشجيع الهجرة منذ وقت مبكر، انطلاقًا من قناعة بوجود علاقة بين استمرار الهجرة واستقرار الإقليم، أو بين تدفّق المهاجرين وتراجع تمدد الحروب الإقليمية، خصوصًا في ظل الموقع الجيوسياسي للصومال، وبهدف الحدّ من طموحاته التوسعية وفق رؤيتهم.
  5. فرض نماذج حكم غير منسجمة مع البنية المجتمعية الصومالية، والعمل على استدامة ضعف الدولة وتفكك مؤسساتها، وقطع الصلة بين الصومال وعمقه الاستراتيجي وامتداده القومي في الإقليم مما أعاق التعافي السريع من حالة “الصوملة”، وخلق شعور دائمً بالإحباط واليأس أسهم إلى حد كبير في استمرار الهجرة دون انقطاع.

خاتمة

لم تبدأ هجمات رئيس ترمب اللاذعة ضد الصوماليين والنائبة إلهان عمر على وجه منذ إعادة انتخابه الجديدة  وإنما بدأت مع بداية فترة رئاسته الأولى ولكنها تزداد حدّة في هذه الدورة عن سابقتها. والصورة المشًوهة التي يحاول ترمب تقديمها عن الصوماليين مسيئة إلى أمريكا نفسها قبل المساس بالكرامة الصومالية عموما، ومختزلة على كراهيته الشخصية ضد إلهان عمر الصومالية الأصل، وتتطابق مع سجله العنصري منذ دخوله الساحة العامة ومنفصلة عن المسيرة التاريخية للولايات المتحدة المحتضنة  للمهاجرين. وهجمات ترامب تفيد الصوماليين أكثر مما تضرّهم لأنها تخلق تضامناً واهتمامات جديدة عند الصوماليين وتجعلهم كتلة صوتية شبه موحدة في الانتخابات المقبلة وتدعو الأمريكيين المعتدلين إلى تلمس الحقائق عن دواعيها ودقتها. وتظهر غرابة تلك الاساءة أنها تأتي من رئيس أمريكا المنتخب، وموجهة ضد أمريكيين- صوماليين بلا تمييز، وتنال من الصومال الدولة وكذلك الصوماليين كعرق، ويتمّ إطلاقها بعشوائية مخجلة، وبوتيرة قياسية غير مسبوقة على تكرارها المخزي. والأزمة الحالية القائمة في الولايات المتحدة ليست أزمة بين الصومال والصوماليين والرئيس ترمب،  وإنما هي أزمة داخلية أمريكية تتعلق بالدرجة الأساسية بين مواطنين أمريكيين وبين أجهزتهم الحكومية الفيدرالية على أساس أن معظم الصوماليون هم أمريكيون ولدوا أغلبهم في الولايات وقادرين على التصدي لها بطرق مختلفة، ومدركين على أن العلاقة بين الولايات المتحدة  والصومال الدولة هي علاقة مؤسسات معتمدة على بعضها البعض في قضايا محدّدة ولا تتأثر في  الغالب بالخطابات السياسية ذات الطابع الاستهلاكية  رغم الشعور بالملل والاحباط الظاهر في خطاب سفير  الولايات المتحدة في مجلس الأمن  السيد :  Jeff Bartos، وذلك بمناسبة تمديد مهمة بعثة القوات الإفريقية AUSSOM في الصومال في يوم الأمس .

وينبغي الإشارة على أن تصريحات الرئيس ترامب ليست أكثر من مجرد تعبير سياسي ومنزوعة من أية سلطة قانونية أو قضائية وإلا لرأينا الصوماليين الأمريكيين يهجّرون من أميركا بما في ذلك النائبة إلهان عمر، وتلك هي نقطة تغيب عن بعض الأشقاء من الدول الإسلامية المتماهين مع هجمات ترمب مثلما أخطأوا سابقا في تعاطيهم مع حالة الصوملة وارتباط الصلة الدائمة بينها وبين الصومال. وتنبثق تلك الهجمات اللامجدية بين خوف البعض من نمو سكان الصوماليين الأسرع من غيرهم والأسبق في الحركة  وثقة النفس عمن سواهم، وحسد الآخرين على للمكاسب الباهرة التي حققوها خلال فترة وجودهم المحدود في الولايات المتحدة. واتهام الأفراد الصوماليين على أرتكاب فساد مازال في قيد التحقيق مع وجود آخرين معهم في تهم الفساد وأكثر منهم عدديا يمثل لوحده شهادة في وجود أجندة حقيقية في تشويه الصورة العامة وتكريس صورة نمطية معينة عن الصوماليين بشكل عام. والتهديدات المخزية الحالية لترمب على المنتخبين ديموقراطيا مثل ممداني وإلهان عمر بالترحيل وتجريد الجنسية وقطع التمويل الفيدرالي من ولاياتهما سابقة مسيئة  للصورة العامة للولايات المتحدة وتضع اعتبار التنوع  العرقي والديني مزايا  قوة في الحياة  العامة للولايات المتحدة محلّ قلق حقيقي في مستقبل البلاد وبالذات على الشرائح المسلمة أو الملونة.

وقد لا يكون ذلك غريبا، لأن إدارة ترامب هدّدت دولة نيجيريا بتقديم الحماية إلى المكون المسيحي ضد المسلمين وتوترت علاقتها مع دولة جنوب إفريقيا بسبب رفع تهم جزافية في تعاملها التمييزي مع البيض اللذين هم مواطنو الدولة وشجبت من أيام عرقلتها لترتيبات منح لجوء هؤلاء إلى الولايات المتحدة وليس بالمعاقبة لانتهاكهم حقوق الانسان وتجاهلت تماما قرارات المؤسسات الدولية بما في ذلك محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية في حرب غزة، ودعت دمج دول من بينها كندا وجزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك إلى أراضيها، وتدعو مواطنين أمريكيين إلى مغادرة البلاد بسبب أصولهم الصومالية،

كما طلبت من فلسطيني غزة بمغادرة أرضهم سابقا، وضغطت على رئيس فنزويلا لتنحي عن منصبه، ووصف رئيسها الصومال بلداً بلا دولة مع وجود سفارة معتمدة تبعد أقل من 3 كم عن مكتبه البيضاوي . هل مانراه هو بداية النهاية لأمريكا القادمة أم نهاية البداية لأمريكا القديمة؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة.

 

سيد عمر معلم عبد الله

مؤرخ ودبلوماسي صومالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى