من المهم العمل على رؤية استراتيجية ثاقبة واوسع وأكثر عميقا حول التوظيف الأمثل لمياة حوض النيل والاستفادة منها؛ بحيث تتجاوز واقع الخلافات والنزاعات والعلاقات الصفرية بين السودان ومصر واثيوبيا؛ والانتقال إلى مبدأ الاعتماد المتبادل في التوظيف الأمثل والاستفادة الارشد من منافع مياه النيل؛ فبدلاً من أن يكون الماء سلاحاً للضغط والنزاع والهواجس الأمنية والاستراتجية بين بلدان الحوض، يصبح الماء وسيطاً للإنتاج المشترك ولضمان الأمن الغذائي للجميع.
باعتبار ان العلاقات الصفرية بين دول الحوض هي وضعية متشابكة تجعل المنطقة على فوهة بركان قابل للاشتعال فى آية لحظة ما تحل على قاعدة مرضية للجميع. وما نذر الحرب الاثيوبية الارترية الحالية ببعيدة عما يدور من صراع مفتوح بين إثيوبيا ومصر ومحاولة مصر لدفع السودان لتبني رؤيتها حيال قيام السد وطريقة ادارته.
والواقع ان سد النهضة عبارة عن منشأة تتقاطع فيها ابعاد متداخلة وتتشابك فيها مصالح الدول الثلاثة: (اثيوبيا؛ السودان؛ مصر) الاقتصادية والحيوية والاستراتيجية والامنية لدرجة ان أي بعد من هذه الأبعاد يوثر في الأخرى وبالتالي يصبح حدث افتتاح سد النهضة مؤثر في الاطراف الثلاثة تاثيرا متداخلا في جميع الأطراف بلا استثناء.
فإثيوبيا ترى فى السد قاطرة اقتصادية عملاقة تقود الاقتصاد الاثيوبي إلى النمو والازدهار، اما السودان فيري نفسه المستفيد الابرز من قيام سد النهضة كونه يمكنه من الاستفادة الكاملة من حصته من مياه نهر النيل ؛ لأنه يوفر له انتظاما مستمرا لتدفق المياه وعمران الزراعة فضلا عن امداد كهربائي كبير قليل التكلفة يساعد على ازدهار الزراعة والصناعة السودانية معا؛ هذا إذا احسنت إدارة السد مع الطرف الاثيوبي وهذا أمر ميسور.
مصر من جانبها تري فى قيام السد خطرا يهدد امنها القومي كونه يقلل من قدرتها على الاستفادة من المياة المتدفقة بلا انتظام كما فى السابق لعدم قدرة السودان واثيوبيا من الاستفادة من حصتيهما المعلنة من مياة النيل.
والحقيقة ان هذا النوع من المشكلات المتشابكة يمكن حله عن طريق تطبيق مبدأ الاعتماد المتبادل؛ باعتباره يتضمن انماطا تفاعلية متعددة الفوائد ومتعددة القطاعات الاقتصادية بين الدول الثلاثة، بحيث تنتج عنه درجة عالية من الاسنفادة من قيام السد على قاعدة الجميع رابح وليس هناك طرف خاسر.
لهذه الأسباب ولغيرها فإن بإمكان السودان ووفقا لمبدأ الاعتماد المتبادل أن يستقبل استثمارات زراعية اثيوبية ضخمة خاصة على الترعة الشرقية من خزان الرصيرص لتوفر لاثيوبيا ما لا تستطيع توفيره من محصولات زراعية من خلال الوضعية الحالية للسد فى مقابل النفع المشترك لتلك الاستثمارات (حصة المياة الإثيوبية والأرض السودانية).
كما ان السودان بامكانه القيام بدور “المنظم” ؛ لكونه حلقة الوصل الجغرافية والسياسية في الإقليم؛ فضلا عن انه يمتلك الميزة التنافسية الأكبر ؛ باعتبار انه يمتلك “الأرض المنبسطة” التي تفتقدها إثيوبيا الجبلية، ويمتلك “الوفرة المائية” (عبر انتظام التدفق) التي تخشى مصر فقدانها.
فاذا قام رأس المال المشترك او الاجنبي بين السودان وبين إثيوبيا من جهة وبينه وبين مصر من الجهة الأخرى؛ فبامكان السودان تنفيذ فكرة الترع المتفرعة من خزان الرصيرص ( شرقا حتى مدينة شندي وغربا حتى مدينة ربك)؛ وكذا ترع سد مروي (شرقا حتى مدينة دنقلا؛ وغربا حتى مدينة الدبة) ؛ فينتقل السودان من “الزراعة الفيضية” التقليدية إلى “الزراعة المروية المستدامة”، مما يرفع الإنتاجية لثلاث دورات زراعية في العام فضلا عن تطور كبير فيما يخص الصناعات الغذائية.
والحقيقة ان مبدا الاعتماد المتبادل يحويل المخاوف المصرية ازاء مياه النيل إلى استثمارات غذائية؛ باعتبار ان مخاوف مصر ليست ناتجة من نقص المياه لذاتها، بل من نقص المترتب عليها وهو “الأمن الغذائي” المصري في مقابل معدلات النمو السكاني المتزايد والذي لا يمكن تجاهه. فيكون الحل المبتكر: بدلاً من محاولة نقل المياه عبر مسافات طويلة في قنوات فتفقد الكثير بالتبخر، كما في مشروع الواحات والصحراء الغربية؛ فانه يتم “تصدير المنتج الزراعي النهائي للأسواق المصرية؛ فعندما تستثمر مصر في الولاية الشمالية بالسودان مثلا، (ترعتي سد مروي الشرقية والغربية) ؛ او سهول البطانة؛ فإنها فعلياً تستخدم حصتها من المياه في أرض بكر، وتوفر لنفسها تكاليف النقل والفاقد من المياه، وتحقق أمنها الغذائي داخل محيطها الاستراتيجي الأمن.
إثيوبيا: من جانبها يمكنها الانتقال من فكرة “توليد وبيع الكهرباء لدول الجوار؛ فإنها تنتقل إلى فكرة “تأمين الغذاء” كونها تعاني من تضاريس وعرة تجعل الزراعة المروية واسعة النطاق صعبة تقنياً ومكلفة. وهنا فان مبدأ الاعتماد المتبادل وتكامل الموارد؛ يعطي إثيوبيا فرصة إنتاج الكهرباء الرخيصة (لتشغيل طلمبات الري في السودان) والمياه؛ والسودان يقدم الأرض لانتاج المحاصيل الغذائية لبلد مشهورة بالمجاعات الدورية ؛ مما يساهم في سد فجوة الغذاء الإثيوبية، بل يجعل من “سد النهضة” مشروعاً للتنمية الغذائية وليس فقط للإنارة الكهربية وبيع الفائض منها.
ومع حضور الموانئ واللوجستيات في جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان ومصر؛ فان ذلك يعني ربط الإنتاج الزراعي الضخم بأسواق الخليج واوربا والعالم عبر البحر الأحمر والمتوسط، مما يجعل المنطقة “سلة غذاء عالمية” حقيقية .
ولتحويل هذا المقاربة النظرية من افتراضات “نظرية” إلى “واقع”، فإنها حتاج إلى:
- اولا: الى اطار قانوني ثلاثي الأطراف؛ على صورة اتفاقية تضمن استمرارية الاستثمارات بغض النظر عن التوترات السياسية العابرة.
- ثانيا: يحتاج نجاح الفكرة إلى مناطق اقتصادية حرة؛ والى إنشاء مناطق زراعية وصناعية مشتركة على الحدود (السودانية -الإثيوبية) والحدود (السودانية -المصرية) تُدار بعيداً عن البيروقراطية الحكومية على صورة هيئة مستقلة للتجارة الحرة.
- ثالثا: تحتاج المشروعات المقترحة الى تمويل كبير وتوجيه صناديق التنمية الدولية؛ وفي مقدمتها امول الخليج ممثلا في صندوق التنمية الاسلامي بجده مثلا؛ وذلك لتمويل وإنشاء “ترع الربط” والصناعة التحويلية التي ذكرتها، في خزان الرصيرص وسد مروي؛ والنظر إليها باعتبارها مشاريع سلام وتكامل إقليمي.
- رابعا: المطلوب من النخب السياسية الحاكمة في الدول الثلاث الاستعداد للتنازل عن مفهوم “السيادة الجامدة” وتوظيف مفهوم “السيادة المرنة” لصالح “النفع المشترك” لشعوب الاقليم؛ لا سيما وانه لا يمكن حل المشكلات الملاحظة في نقص السيادة ما عرف بالدولة الوطنية؛ إلا بالدخول فى تكتلات اقليمية اقتصادية وتحالفات سياسية وامنية كبيرة على قرار الاتحاد الأوربي. وفي ذلك فنحن نحتاج إلى الانتقال من مفهوم “الاتفاقيات السياسية” الهشة إلى مفهوم “التشابك العضوي للمصالح”. مما يجعل تكلفة التراجع عن الاتفاق أكبر بكثير من تكلفة الاستمرار فيه، بحيث يصبح القرار السياسي للدول الثلاثة محكوماً بضرورة اقتصادية لا يمكن تجاوزها.
- خامسا: ان نجاح الفكرة يعتمد على إنشاء مناطق “فوق- سيادية” (Supra-national) من الناحية الاقتصادية، بحيث تتركز هذه الحالة في المثلث الحدودي أو في مناطق استراتيجية مثل “الولاية الشمالية” و”حوض ترعة الروصيرص او البطانة والفاو”. .. الخ.
ولتوفير الحماية السياسية لهذه الاستثمارات من التقلبات السياسية المتلاحقة فاننا نحتاج للالية التالية:
اولا: عقود “الانتفاع طويل الأمد” ( ٢٥ عاماً) فما فوق؛ على ان تُسجل هذه العقود بضمانات دولية (مثل وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف – MIGA التابعة للبنك الدولي)، مما يجعل أي تأميم أو تعطيل للمشروع مواجهة مع القانون الدولي وليس فقط مع الدولة الشريكة.
ثالثا: التحكيم التجاري المستقل؛ عندما يتم إنشاء مركز تحكيم خاص بالمبادرة يقع في دولة طرف ثالث أو يتبع للاتحاد الأفريقي، وتكون قراراته ملزمة ونافذة بضمانات الصناديق التمويلية.
رابعا: تشريع قانون المناطق الحرة الخاص؛ بحيث تُدار هذه المناطق بتشريعات اقتصادية موحدة (ليست مصرية أو سودانية أو إثيوبية منفرة)، بل هي “قوانين استثمارية هجينة؛ تضمن حرية حركة رأس المال، والعمالة، والمنتجات.
خامسا: كما تأتي الضمانات من جهة إنشاء سلاسل القيمة المضافة: بمعنى ان يتم زراعة المحصول في السودان، وتعبئته أو تصنيعه في مناطق صناعية مشتركة، وتصديره عبر الموانئ اللوجستية المصرية أو الإثيوبية او السودانية.؛ فيكون اي خلل في هذه السلسلة يلحق الضرر بالجميع فوراً.
سادسا: ضمان الإدارة المؤسسية؛ أعني إدارة (التكنوقراط بدلاً من الدبلوماسيين) ؛ ويكون ذلك من خلال تاسيس مجلس إدارة مشترك: يتكون من وزراء المالية والاستثمار ومدراء البنوك المركزية في البلدان الثلاثة، بعيداً عن وزارات الخارجية والامن والدفاع، لضمان لغة الأرقام والمكاسب لا لغة الخصام والبنادق.
سابعا: وضمانا للشفافية؛ فإنه يتم إنشاء منصة بيانات رقمية موحدة لمراقبة تدفقات المياه، استهلاك الكهرباء، والإنتاج الزراعي، بحيث لا يملك أي طرف القدرة على التلاعب بالمعلومات لتحقيق مكاسب سياسية.
ثامنا: كما انه يمكن تحويل التمويل كأداة ضغط واستقرار ؛ بحيث يوجيه التمويل الدولي ؛ نحو هذه المناطق باعتبارها “مشاريع تكيف مع التغير المناخي”. وأن توقف المشروع بسبب نزاع سياسي يعني توقف المنح والتمويلات الدولية عن الدول الثلاث، مما يشكل ضغطاً خارجياً وداخلياً للحفاظ على الاستقرار.
إلا أن الحماية الحقيقية لهذا المشروع فانها تأتي من جهة جعل الأطراف الثلاثة “رهائن” لنجاح بعضهم البعض تقنياً: فالربط الكهربائي بالري؛ وتشغيل طلمبات الري في المناطق الزراعية (السودان/مصر) يعتمد كلياً على الكهرباء الإثيوبية الرخيصة. توقف الكهرباء يعني موت المحاصيل، وتوقف الزراعة يعني خسارة إثيوبيا لمصدر غذائها الرئيسي وأرباح الطاقة وهكذا دواليك.
وختاما فانها دعوة الى إحياء مبادرة حوض النيل وتجديد افقها وإصلاح المفهوم العام السائد بين الدول الثلاثة؛ بمعني من مفهوم النزاع والتوجس وعدم الثقة المتبادل والصراع إلى مفهوم التعاون والتكامل؛ على قاعدة انصبة عادلة لعناصر الانتاج: (الأرض والعمل والمنظم وراس المال).
كما ان قيام هذه المشرعات التبادلية النفع ؛ يعني وعلى المستوى الاستراتيجي والمستقبلي ؛ تحويل الحدود من “نقاط تماس عسكرية” وتوترات امنية إلى “مخازن غذاء مشتركة” ؛ مما يغير من طبيعة عقل النخب السياسية نفسها؛ فبدلاً من جنرالات الحدود، سنرى مدراء المناطق الاقتصادية وهم أحرص الناس على بقاء المياه والكهرباء والسلع تتدفق بسلاسة.
كما ان اعتماد مبدأ الاعتماد المتبادل ينهي حالة الاحتقان فى المنطقة برمتها ويمنع حالة عدم الاستقرار ويبعد شبح الحرب الذي عاني منه الإقليم لفترات طويلة من الزمن؛ كما انه يحول الجوار العدواني للسودان إلى جوار متعاون باعتبار مصالحه الحيوية فى السودان.
كما ان الانخراط في هذه المشروعات يعد مدخلا مناسبا لمشروع “تكامل القرن الأفريقي الكبير” مما يحول المنطقة من “حزام فقر ونزاعات” إلى “قطب اقتصادي” عملاق لانتاج الغذاء في العالم. وهنا لا بد من تطوير مسودة “مبادرة حوض النيل للتعاون الاقتصادي” كوثيقة سياسات مفصلة بما يضمن حضور الأفكار اعلاه.
كما بامكان قادة الإقليم التوسع في النظر؛ بالعمل على بناء مشروع تكامل القرن الأفريقي الكبير ( السودان؛ مصر، اثيوبيا؛ ارتيريا؛ جنوب السودان؛ جيبوتي؛ الصومال) ليجعل من هذه المنطقة تكتلا اقتصاديا وامنيا وسياسيا كبيرا له مكانته فى موازين القوي الدولية؛ بدلا عن كونها منطقة منخفضة تسود فيها الحروب والنزاعات والفقر الدائم؛ وليكن حل مشكل المياة وسد النهضة مدخلا لذلك… فهل من مجيب.
#انه أحد أهم برامج تيار النهضة الانتخابية. فضلا عن مشروعات إصلاح سياسي ودستوري واقتصادي وثقافي وديني؛ يأتي ذكرها أن شاء الله تعالى؛ فمشكلات السودان ممهما تكثفت فإنها مشكلات بسيطة ويسهل حلها فى أجواء من الحكمة والبصيرة لا اجواء الاقصاء والكراهية.
يقول تعالى:
وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13).





