تدخل إفريقيا عام 2026 ليس بوصفه لحظة انتقال، بل بوصفه لحظة محاسبة تاريخية. ففي مختلف أرجاء القارة، تتقاطع النزاعات المسلحة، وتفكك الدول، والانهيارات الإنسانية، والضغوط الاقتصادية، والصدمات المناخية، وتآكل الممارسات الديمقراطية، والتشابكات الجيوسياسية، في تزامن وحدّة غير مسبوقين خلال العقود الأخيرة. وما يميّز هذه اللحظة ليس مجرد وجود الأزمات، بل تنامي خطر تحوّل عدم الاستقرار إلى حالة بنيوية لا عارضة، وإلى واقع مُطبّع عليه لا استثناء مؤقت.
تتزامن هذه المحاسبة مع تفاقم اضطراب النظام العالمي. فالنظام الدولي ذاته يشهد تفككًا متسارعًا ومقلقًا؛ إذ تتآكل القواعد والمعايير والمؤسسات القائمة، لتحلّ محلها سياسات قوة ظرفية، وأدوات إكراه اقتصادي، ومنافسة جيوسياسية محتدمة. ولا يبدو هذا الاضطراب في طريقه إلى الاستقرار، بل يتسارع، بما ينذر بتداعيات خطيرة، لا سيما على إفريقيا وسائر دول الجنوب العالمي، كما تُظهره أحداث يوم عيد الميلاد في نيجيريا ويوم 6 يناير في فنزويلا.
وتسعى أجزاء من الجنوب العالمي—بصورة غير متكافئة وغير مكتملة—إلى إعادة تموضعها إزاء هذه الاضطرابات. والسؤال المطروح على إفريقيا هو: هل ستنجح في التموقع للتفاوض حول مصالح جماعية وسط هذا التنافس المتعدد والمكثف، أم ستُنتقى دولها واحدة تلو الأخرى؟ وهو السؤال الذي طرحه مؤخرًا الممثل الخاص للأمين العام ورئيس مكتب الأمم المتحدة لدى الاتحاد الإفريقي، بارفيه أونانغا-أنيانغا.
غير أن إفريقيا تدخل عام 2026 دون مؤشرات واضحة على وجود تفكير استراتيجي جاد ومشترك على مستوى القارة بشأن كيفية التعامل مع النظام العالمي الناشئ. وكما خلصت موجز سياسة حديث صادر عن مؤسسة أماني إفريقيا، فإن انخراط إفريقيا يتسم بالتجزؤ، ويقوم على «نسيج رقعي» من السياسات الخارجية الفردية—وغالبًا المتنافسة—لدول القارة. ورغم أن دولًا منفردة وأقاليم دون قارية قد تنخرط خارجيًا، فإن ذلك يتم في الغالب عبر حسابات ثنائية ومعاملاتية وقصيرة الأجل، لا عبر رؤية إفريقية جامعة أو موقف استراتيجي مشترك.
والنتيجة باعثة على القلق العميق. فالتنافس المحتدم بين القوى المتوسطة والكبرى في إفريقيا يسهم عمدًا في تفتيت القارة، ويُدمج دولها وأقاليمها ومؤسساتها—بحكم الواقع أو عن قصد—في دوائر نفوذ متنافسة، دولة تلو أخرى. وتُقوّض هذه العملية تدريجيًا قدرة إفريقيا على صياغة والدفاع عن مواقف مشتركة، وتضعف التضامن القاري، وتهدم الأسس التي يقوم عليها العمل الجماعي. وتزداد هذه الأوضاع تعقيدًا في ظل غياب سياسة جماعية تحكم علاقات القارة مع الفاعلين الدوليين.
وكما تنبأ كوامي نكروما بعواقب التشرذم، فإن إفريقيا من دون عمل جماعي لن تكون صانعة للنظام العالمي المتشكّل، بل ستُختزل إلى هامش، تكتفي بردّ الفعل والتكيّف وامتصاص تبعات قرارات تُتخذ في أماكن أخرى. وفي مثل هذا السيناريو، يغدو عموم الإفريقية مفهومًا أجوف، يُختزل إلى خطاب بلا استراتيجية، ورمزية بلا قوة.
جغرافيا تعدّد الأزمات في إفريقيا
من القرن الإفريقي إلى الساحل ومنطقة البحيرات العظمى، لم تعد النزاعات محصورة داخل الحدود الوطنية أو مقيدة بخلافات سياسية محدودة، كما وثّقته على نطاق واسع منشورات مؤسسة أماني إفريقيا المرجعية. بل أصبحت هذه النزاعات إقليمية الطابع، ممتدة زمنياً، ومتجذرة داخل أنظمة سياسية واقتصادية أوسع. وتحولت هذه الأقاليم إلى مسارح مترابطة لعدم الاستقرار—مناطق يتقاطع فيها التفكك الداخلي مع التدخل الخارجي، حيث باتت الحروب قادرة على إعادة إنتاج ذاتها والاستمرار بفعل دينامياتها الخاصة.
تتحرك تدفقات السلاح، والجماعات المسلحة، واقتصادات الحرب، والسكان النازحون، والسرديات السياسية عبر الحدود بسلاسة. وتهاجر أعمال العنف، وتتحور، وتتكرر. وتكتسب النزاعات المحلية آثاراً قارية وعالمية، فتُعطّل ممرات التجارة، وتغذّي الهجرة القسرية، وتستقطب مزيداً من الفاعلين الخارجيين.
من حروب متنازع عليها إلى أنظمة حرب دائمة
في أحد منشوراتها الأساسية الصادرة بالتزامن مع قمة الاتحاد الإفريقي، أشارت مؤسسة أماني إفريقيا بوضوح إلى أن إفريقيا دخلت مرحلة جديدة من انعدام الأمن وعدم الاستقرار. فقد تغيّرت طبيعة الحرب في القارة جذرياً. ولم تعد النزاعات المعاصرة تتمحور أساساً حول الاستيلاء على السلطة أو تحقيق نصر عسكري حاسم، بل باتت تشبه حروباً دائمة—صراعات مفتوحة الأفق تُغذّيها التجزئة السياسية، والحوافز الاقتصادية، والتنافس الجيوسياسي.
تضاعف عدد الفاعلين المسلحين وتنوّعت أشكالهم. وأصبحت الدول تواجه ميليشيات، وقوات شبه عسكرية، وتشكيلات مرتزقة، وقوى أمنية هجينة، في وقت تعتمد فيه هي نفسها، في كثير من الأحيان، على فاعلين مشابهين. وتشتتت السلطة، وتراجعت المساءلة، وأُسنِد العنف إلى أطراف غير رسمية.
وأضحى الصراع منطقياً من الناحية الاقتصادية. فالتهريب، والاتجار غير المشروع، والجباية غير القانونية، وتحويل المساعدات، والسيطرة على طرق التجارة، جميعها باتت مصادر تمويل للجماعات المسلحة والنخب السياسية على حد سواء. وقد ترسّخت اقتصادات حرب كاملة، ما يجعل السلام صعباً سياسياً ومهدِّداً اقتصادياً لمن يستفيدون من الفوضى.
كما تعمّق التشابك الخارجي. إذ تتعامل قوى متوسطة ومنافسون عالميون بصورة متزايدة مع مناطق النزاع الإفريقية كساحات تنافس استراتيجي. وغالباً ما تتقدّم اعتبارات الوصول إلى الموارد، والموانئ، والأسواق، والمنشآت العسكرية على الالتزامات بتحقيق السلام.
ولم يعد المدنيون ضحايا عرضيين، كما تُظهره بجلاء أحداث السودان الموثّقة في تقرير مؤسسة أماني إفريقيا حول أولوية حماية المدنيين. فقد أصبحت ممارسات التهجير، والتجويع، وبثّ الرعب أدواتٍ مقصودة للسيطرة. وتآكلت المعايير؛ فالهدنات نادراً ما تصمد، والاتفاقات لم تعد مُلزِمة، والوساطة باتت محلّ شك واسع.
انتخابات بلا سلام: الديمقراطية كمضاعِف للمخاطر
ومع اقتراب إفريقيا من عام 2026، يلوح في الأفق جدول انتخابي كثيف في سياقات هشّة ومُستقطبة. فالانتخابات التي تُجرى من دون تسويات سياسية، وضمانات أمنية، وثقة مؤسسية، وشمول سياسي، لا تدوم. وهي لا تحلّ النزاع بقدر ما تعيد توزيعه.
وانسجاماً مع الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم، يتعيّن على الاتحاد الإفريقي أن يعيد، على وجه السرعة، النظر في ممارسات مراقبة الانتخابات والتحقق منها والمصادقة على نتائجها. فقد أسهمت الانتخابات والقرارات المثيرة للجدل في الآونة الأخيرة في تقويض ثقة الجمهور بالعملية الانتخابية، ولا سيما في ظل الاستحقاقات المنتظرة في عام 2026.
انهيار السلطة متعددة الأطراف
في اللحظة التي تحتاج فيها إفريقيا إلى العمل الجماعي أكثر من أي وقت مضى، تبدو مؤسساتها متعددة الأطراف في أضعف حالاتها. فقد أسهم الاستحواذ السياسي، والعجز عن بلورة رؤية واضحة وحشد توافق الدول الأعضاء حولها، وعدم الاتساق، ونقص التمويل، وتجاوز الفاعلين الخارجيين لهذه المؤسسات، في تقويض مصداقيتها وقدرتها على الإنفاذ.
وباتت مبادرات السلام تُدار على نحو متزايد خارج الأطر الإفريقية متعددة الأطراف. وغالباً ما تحكمها ذهنيات معاملية تُقدّم الصفقات قصيرة الأجل على المعايير والتسويات السياسية المستدامة. ويشكّل هذا الاتجاه خطراً وجودياً على منظومة السلام والأمن في إفريقيا، كما يتضح جلياً من تراجع دور قيادة الاتحاد الإفريقي في ملفات عديدة.
نحو أجندة إصلاح: استعادة السياسة والعمل الجماعي والفاعلية الإفريقية
هذا المسار ليس حتمياً، لكن عكسه يتطلب عملاً جماعياً حاسماً. فيتعيّن على إفريقيا أن تُطلق، على وجه السرعة، تفكيراً استراتيجياً جماعياً وجاداً بشأن موقعها في النظام العالمي الناشئ. وتوفّر إصلاحات الاتحاد الإفريقي فرصة حقيقية، لكن فقط إذا قُدِّمت بأسلوب يقطع مع نهج «العمل المعتاد» الذي ثبت فشله في السنوات الماضية. وعلى الاتحاد الإفريقي، بالتعاون مع التجمعات الاقتصادية الإقليمية، أن يصوغ ويعلن استراتيجية إفريقية جامعة لمقاومة التفكك واستعادة القدرة على الفعل.
ويجب أن تقود أولوية السياسة العمل متعدد الأطراف. فمطلوب إحياء الوقاية من النزاعات وتسويتها، بالارتكاز إلى دبلوماسية قوية من أجل السلام. وينبغي أن تبقى صناعة السلام، والوساطة، وبناء السلام، وليس عقد الصفقات المعاملية، جوهر ولاية المؤسسات الإفريقية متعددة الأطراف. فالهدنات ضرورية لكنها غير كافية؛ إذ تمثّل خطوات نحو تسوية سياسية، لا بدائل عنها.
والنزاعات ذات الطابع الإقليمي تستلزم استراتيجيات إقليمية متكاملة. ويجب أن يكون للإنفاذ وزن حقيقي؛ لأن القرارات التي لا تترتب عليها عواقب تُقوِّض المصداقية.
كما يتعين تفكيك اقتصاديات الحرب. وينبغي تعطيل شبكات تمويل النزاعات، ومسارات الاتجار غير المشروع، وأشكال الرعاية الخارجية عبر عمل إقليمي ودولي منسق.
ويجب أن تقوم مبادرات السلام على مبادئ واضحة، وأن تستند إلى قيادة شجاعة واستراتيجية دبلوماسية محايدة ومدعومة بقوة. ولا بد من إعادة وضع المدنيين في صدارة الأولويات. فعمليات السلام التي تستبعد القوى الاجتماعية، والشباب، والنساء، والسكان النازحين، تفتقر إلى الشرعية والاستدامة.
وأخيراً، يجب إخضاع الانتخابات لمنطق السلام، لا العكس. فلا مزيد من الانتخابات من دون ضمانات أمنية، وشمول سياسي، وتوافق على قواعد اللعبة.
عام 2026 خط فاصل
تقترب إفريقيا من عتبة حاسمة. وإذا استمرت الاتجاهات الراهنة، فقد يُتذكّر عام 2026 بوصفه اللحظة التي ترسّخت فيها الحرب الدائمة بنيوياً، وتعرّض الصوت الإفريقي الجماعي لإضعاف قاتل.
ولا يزال إنقاذ المستقبل ممكناً—لكن فقط إذا حلّ إصلاح جاد، قائم على تجديد الالتزام بمعايير الاتحاد الإفريقي والدفاع الصارم عنها، محلّ الطقوس الشكلية؛ وإذا حلّت الاستراتيجية الجماعية محلّ التفكك؛ وإذا جرى استرداد السلام وعموم الإفريقية بوصفهما خيارين سياسيين واعيين، لا مجرّد طموحات خطابية منزوعة الإرادة.
بيانات المادة
الناشر: Amani Africa
الكاتب/الكُتّاب:
- عبدول محمد: مسؤول أممي رفيع سابق، ورئيس ديوان فريق الاتحاد الإفريقي رفيع المستوى المعني بالسودان
- سولومون أييلي ديرسو (دكتوراه): المدير المؤسس لمؤسسة أماني إفريقيا





