الملخص
يناقش المقال بأن النموذج الكلاسيكي للحرب بالوكالة الذي ساد إبان الحرب الباردة، والقائم على علاقة ثنائية بسيطة بين “راعٍ” و”وكيل”، أصبح قاصراً عن تفسير ديناميكيات الصراعات المعاصرة. وانطلاقاً من مقولات “نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT)، يقترح الباحث مفهوم “حروب الوكالة المعقدة” (Complex Proxy Wars). ينظر هذا النموذج الجديد إلى الحرب بالوكالة كمنظومة شبكية تتفاعل فيها أربعة أركان أساسية:
تعدد الرعاة: غياب الراعي الأوحد وظهور شبكات من القوى الدولية والإقليمية المتنافسة في الساحة نفسها. تنوع الوكلاء: تجاوز الميليشيات التقليدية ليشمل الشركات العسكرية الخاصة (PMSCs)، والقبائل، والوكلاء المعلوماتيين.
استقلالية الوكيل: قدرة الوكلاء على بناء “اقتصاديات حرب” مستقلة والتمرد على أجندات رعاتهم (الانحراف الوكيلي).
الحرب المعلوماتية المدمجة: استخدام السرديات الزائفة وتشكيل الوعي كأداة استراتيجية موازية للعمل العسكري. من خلال تطبيق هذا النموذج على حالتي السودان وسوريا، تثبت المقالة كيف تحولت هذه الدول إلى “ساحات” مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، مما يجعل حلول الدبلوماسية التقليدية غير فعالة ويستوجب تبني “دبلوماسية شبكية” قادرة على التعامل مع تعقيدات المنظومة الجديدة.
الكلمات المفتاحية: حروب الوكالة المعقدة، نظرية الحروب الدولية الجديدة (NIWT)، الدولة كساحة، تعدد الرعاة، استقلالية الوكيل، الحرب المعلوماتية، السودان، سوريا.
1. مقدمة:
منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، برزت “الحرب بالوكالة” Proxy War كإحدى أهم الأدوات الاستراتيجية لإدارة التنافس الدولي. ففي ظل القطبية الثنائية إبان الحرب الباردة، وفّرت هذه الحروب مساحة “آمنة” للقوى العظمى لتصفية صراعاتها الأيديولوجية والجيوسياسية دون الانزلاق إلى مواجهة نووية مباشرة (هاشم, 2020). ووفقاً لهذا السياق، تكرس المفهوم الكلاسيكي للحرب بالوكالة بوصفها “صراعاً غير مباشر يقاتل فيه طرف ثالث نيابة عن قوة خارجية”؛ وهي علاقة خطية بسيطة تفترض وجود دولة راعية Patron تمتلك السيطرة، ووكيل Proxy محلي يعمل كأداة لتحقيق أهدافها (Mumford, 2013).
بيد أن هذا النموذج، الذي استمد ملامحه من حروب فيتنام وأفغانستان السوفيتية، يواجه اليوم مأزقاً نظرياً حاداً أمام تعقيدات الصراعات المعاصرة. فمع ولوجنا عصر “الحروب الدولية الجديدة” (الطاهر، 2026 ب)، لم تعد النظرة التقليدية قادرة على تفكيك مشهد الصراع في ساحات مثل السودان، سوريا أو ليبيا. إننا لم نعد أمام تبعية ثنائية، بل أمام “منظومات شبكية” تتسم بتداخل الأدوار؛ حيث تتعدد القوى الراعية في الساحة الواحدة، ويمتلك الوكلاء هامشاً متزايداً من الاستقلالية في اقتصاديات الحرب العابرة للحدود، وتندمج في بنية الصراع أدوات غير حركية كالحرب المعلوماتية.
تنبثق الإشكالية المركزية لهذه المقالة من هذا القصور التفسيري للأطر التقليدية؛ إذ إن استمرار الارتهان للمفهوم الكلاسيكي لا يُفضي إلى تحليل ناقص فحسب، بل يؤدي إلى تبني سياسات واستراتيجيات حل فاشلة تعجز عن إدراك الطبيعة المتحولة للفاعلين. ومن هنا، يجادل المقال بضرورة تحديث أدواتنا المعرفية عبر “إعادة بناء” مفهوم الحرب بالوكالة من خلال عدسة “نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT).
تطرح هذه الدراسة مفهوم “حروب الوكالة المعقدة” (Complex Proxy Wars) كإطار بديل يرتكز على أربعة أركان متداخلة: تعدد الرعاة وديناميكيات تنافسهم، تنوع الوكلاء ليشمل الفاعلين غير الدولاتيين والشركات الأمنية، استقلالية الوكيل وظاهرة “الانحراف الوكيلي”، والحرب المعلوماتية المدمجة كجزء أصيل من الاستراتيجية. إن تقديم هذا النموذج لا يمثل قطيعة مع الماضي، بل هو تطوير ضروري لفهم كيف تحولت الدول إلى “ساحات” مفتوحة، وكيف أصبحت السيطرة على الفضاء المعرفي لا تقل أهمية كبيرة عن السيطرة على الأرض.
ومن الضروري هنا وضع كابح اصطلاحي يمنع تعميم هذا المفهوم؛ فمقالتنا هذه لا تجادل بأن كل صراع يبدو كحرب بالوكالة في واقعنا المعاصر، أو كل أشكال حروب الوكالة القائمة حالياً، تندرج تلقائياً تحت مسمى ‘حروب الوكالة المعقدة’. إن المقصود بهذا المفهوم هو حصراً تلك الحروب التي تتبدى وتتخلق داخل سياق ‘الحروب الدولية الجديدة’ وتستند إلى ركائزها ومحركاتها، حيث تتشابك الهشاشة البنيوية للدولة مع الاختراق الشبكي الدولي، مما يُخرج الوكالة من نمطها الخطي الكلاسيكي المباشر الذي ساد إبان الحرب الباردة.
ومن الناحية المنهجية، يعتمد هذا المقال على منهج ‘التحليل المفاهيمي’ Conceptual Analysis وبناء النماذج التفسيرية؛ حيث يسعى هذا المدخل إلى استقراء ملامح الصراعات المعاصرة وتجريدها من أجل استنباط الأركان الأربعة المشكلة لنموذج ‘حروب الوكالة المعقدة’. هذا الاتجاه الاستنباطي لا يكتفي بالوصف الظاهري للعلاقات، بل يغوص في البنى السببية العميقة التي تُنتج سلوك الفاعلين في الميدان.
2. الإطار النظري: من “الدولة كساحة” إلى “حروب الوكالة المعقدة”
لا يمكن فهم مفهوم “حروب الوكالة المعقدة” بمعزل عن الإطار النظري الأوسع الذي ينبثق منه، وهو “نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT). ولإحاطة القارئ بكنه ‘نظرية الحروب الدولية الجديدة’ (NIWT)، تجدر الإشارة إلى أنها إطار تحليلي متكامل يسعى لتقديم عدسة بديلة تمايز بين حروب الأمس وحروب اليوم في عصر ما بعد الحرب الباردة. تقوم الفرضية الكبرى لـ NIWT على أن الصراعات المسلحة المعاصرة تُشكل ظاهرة نوعية ومميزة، تُفسر كحصيلة لتفاعل ديناميكي بين ضعف الدولة الداخلي، وعولمة الصراع التي تُمكّن الفاعلين والآليات الجديدة، وتآكل السيادة الوطنية، وتزايد أهمية الفاعلين من غير الدول والحروب بالوكالة. هذا التفاعل المركب يخلق أنماطًا جديدة من الصراع تتميز بتعدد الفاعلين، والاستراتيجيات الهجينة، واقتصاديات الحرب المعولمة، وتداخل المستويات (الطاهر، 2026ب).
أحد المفاهيم المحورية في NIWT هو مفهوم “الدولة كساحة” (The State as an Arena). يصف هذا المفهوم حالة وجودية تُفرغ فيها الدولة من وظائفها السيادية الأساسية (خاصة احتكار العنف المشروع)، لتتحول إلى مجرد مسرح مادي وجغرافي تُخاض على أرضه صراعات القوى الخارجية عبر وكلائها المحليين (Byman, 2018). في هذه “الساحة”، تتآكل السيادة، وتتشظى الولاءات، وتتعدد مصادر العنف، وتتلاشى الحدود بين الداخل والخارج.
إن حالة “الدولة الساحة” هي التي تخلق البيئة المثالية لظهور “حروب الوكالة المعقدة”. ففي الدولة ذات السيادة الكاملة، يكون التدخل الخارجي صعبًا ومكلفًا. أما في “الساحة”؛ حيث لا توجد سلطة مركزية مهيمنة، يصبح التدخل عبر الوكلاء هو الاستراتيجية الأكثر فعالية والأقل تكلفة. وبالتالي، فإن “حروب الوكالة المعقدة” هي النمط الطبيعي للصراع داخل “الدولة كساحة”. إن هذا الربط بين مفهوم “الدولة كساحة” و”حروب الوكالة المعقدة” هو ما يمنح تحليلنا قدرا نظريًا يتجاوز مجرد وصف الظواهر؛ فهو يوضح لماذا أصبحت حروب الوكالة اليوم أكثر تعقيدًا: لأنها لم تعد تُخاض في دول، بل في ساحات.
3. تشريح النموذج الكلاسيكي: من الحرب الباردة إلى أزمة المفهوم
لفهم حجم التحول الذي طرأ على حروب الوكالة، من الضروري أولًا تشريح النموذج الكلاسيكي الذي هيمن على الفكر الاستراتيجي خلال الحرب الباردة. هذا النموذج، على بساطته الظاهرية، قدم إطارًا فعالًا لتحليل الصراعات في عالم ثنائي القطب، لكن افتراضاته الأساسية هي نفسها التي أصبحت اليوم مصدر قصوره، وتكشف عن فجوة معرفية متزايدة بين النظرية والواقع المعقد.
1.3. أصول النموذج في سياق الحرب الباردة: صراع العمالقة عن بُعد
نشأ المفهوم الحديث للحرب بالوكالة وتطور بشكل أساسي في سياق الصراع الأيديولوجي العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ففي ظل الردع النووي المتبادل، أصبحت المواجهة العسكرية المباشرة بين القوتين العظميين أمرًا مستحيلًا، مما دفعهما إلى نقل صراعهما إلى “الأطراف”، أي إلى دول العالم الثالث. كانت الحرب بالوكالة هي الأداة المثلى لإدارة هذا الصراع “عن بُعد”؛ حيث يتم تحقيق الأهداف الاستراتيجية – مثل احتواء الشيوعية أو دعم حركات التحرر الوطني – دون المخاطرة بحرب عالمية ثالثة (Deutsch, 1964).
لقد تميز هذا النموذج الكلاسيكي، كما حلله منظرون مثل كارل دويتش وأندرو مومفورد في أعمالهم المبكرة، بمجموعة من الافتراضات الضمنية والصريحة:
- العلاقة الثنائية: يفترض النموذج وجود علاقة واضحة ومحددة بين طرفين رئيسيين: الدولة الراعية والوكيل. الدولة الراعية هي القوة الخارجية التي تقدم الدعم، والوكيل هو الطرف المحلي الذي يقاتل على الأرض (Moghadam & Wyss, 2020).
- التبعية والسيطرة: يفترض النموذج وجود علاقة تبعية واضحة؛ حيث يعتمد الوكيل بشكل كبير على الدعم المالي والعسكري واللوجستي من الدولة الراعية. هذه التبعية تمنح الدولة الراعية درجة عالية من السيطرة على قرارات الوكيل وأفعاله. وكان يُنظر إلى الوكلاء في كثير من الأحيان على أنهم مجرد “أدوات” أو “دمى” في أيدي القوى الكبرى (Bryjka, 2020).
- تطابق الأهداف: يفترض النموذج وجود درجة عالية من تطابق الأهداف بين الراعي والوكيل. فالوكيل يقاتل لتحقيق أهدافه المحلية (مثل الوصول إلى السلطة)، بينما تدعمه الدولة الراعية لتحقيق أهدافها الجيوسياسية الأوسع (مثل مواجهة نفوذ القوة العظمى الأخرى).
- السرية والإنكار المعقول: كانت عمليات دعم الوكلاء تُدار غالبًا بشكل سري للغاية عبر وكالات الاستخبارات (مثل الـ CIA والـ KGB)، بهدف الحفاظ على “إنكار معقول عالي” وتجنب الاعتراف الرسمي بالتدخل (Groh, 2019).
وجد هذا النموذج تطبيقاته الكلاسيكية في حروب مثل فيتنام (حيث دعم الاتحاد السوفيتي فيتنام الشمالية)، وأفغانستان (حيث دعمت الولايات المتحدة المجاهدين ضد السوفيت)، وأنغولا، ونيكاراغوا.
2.3. حدود النموذج الكلاسيكي وقصوره التفسيري في عالم ما بعد الحرب الباردة
مع نهاية الحرب الباردة وتغير طبيعة النظام الدولي، بدأت الافتراضات الأساسية للنموذج الكلاسيكي تتآكل، وكشفت عن قصور متزايد في قدرته على تفسير الصراعات المعاصرة (الخروبي، 2023). يمكن تحديد هذا القصور في عدة نقاط جوهرية:
- إشكالية العلاقة الثنائية في عالم “ناشئ” متعدد الأقطاب: لم يعد الصراع محصورًا بين قوتين عظميين. ففي عالم ما بعد الحرب الباردة، أصبحنا نشهد “تعدد الرعاة”. ففي صراعات مثل سوريا أو ليبيا، نجد أن الفصيل الواحد قد يتلقى دعمًا من عدة دول مختلفة، لكل منها أجندتها الخاصة. على سبيل المثال، تلقت بعض فصائل المعارضة السورية دعمًا من الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر في آن واحد. هذا التعدد في مصادر الدعم يكسر بساطة العلاقة الثنائية، ويمنح الوكيل مساحة أكبر للمناورة بين رعاته، ويخلق تنافسًا بين الرعاة أنفسهم، مما يعقد المشهد بشكل هائل (Williams, 2021).
- وهم السيطرة: استقلالية الوكيل المتزايدة: إن فكرة “الوكيل الدمية” التي كانت سائدة في الحرب الباردة لم تعد واقعية. فالفاعلون من غير الدول اليوم، خاصة الميليشيات القوية والجماعات الإرهابية، يمتلكون درجة عالية من الاستقلالية. وتنبع هذه الاستقلالية من عدة مصادر:
- تعدد مصادر الدعم: كما ذكرنا، يمكن للوكيل أن يلعب على التناقضات بين رعاته للحصول على أفضل الشروط.
- اقتصاديات الحرب المستقلة: العديد من الوكلاء اليوم يمولون أنفسهم بدرجة مقدرة عبر السيطرة على الموارد الطبيعية (النفط، الذهب)، أو الانخراط في أنشطة إجرامية (تهريب، ابتزاز)، مما يقلل من اعتمادهم المالي على الدولة الراعية بشكل كبير جداً (Collier, 2007).
- الأيديولوجيا والتعبئة الذاتية: العديد من الوكلاء تحركهم أيديولوجيات قوية (دينية أو قومية) تمنحهم شرعية داخلية وقدرة على التجنيد والتعبئة بمعزل عن الدعم الخارجي. هذه الاستقلالية المتزايدة تعني أن العلاقة بين الراعي والوكيل لم تعد علاقة سيطرة وتبعية، بل أصبحت أقرب إلى “علاقة تفاوض ومساومة”؛ حيث يسعى كل طرف لتحقيق مصالحه، وقد تتعارض هذه المصالح في كثير من الأحيان.
- تنوع الفاعلين: ما بعد الدولة والميليشيا: لقد توسع مفهوم “الوكيل” بشكل كبير. فلم يعد يقتصر على جماعة متمردة (Schulz, 2024)، بل في “حروب الوكالة المعقدة” نجد أنواعًا جديدة من الوكلاء:
- الشركات العسكرية والأمنية الخاصة (PMSCs): كما في حالة مجموعة “فاغنر” الروسية؛ حيث تقوم الدولة بتعهيد عملياتها العسكرية لشركة خاصة لتحقيق أهدافها مع الحفاظ على إنكار معقول، مما يضيف بعدًا تجاريًا وربحيًا لديناميكيات الوكالة (Singer, 2007).
- القبائل والعشائر: في مناطق مثل اليمن وليبيا وشرق سوريا والسودان، يتم تسليح وتمويل القبائل والعشائر واستخدام ولاءاتها التقليدية كأداة في الحرب بالوكالة؛ حيث يتم تحويل البنى الاجتماعية إلى أدوات عسكرية.
- الوكلاء السياسيون والإعلاميون: لا تقتصر الوكالة على القتال. فيمكن للدول الراعية أن تدعم أحزابًا سياسية، أو منظمات مجتمع مدني، أو منصات إعلامية، أو حتى شبكات من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي؛ ليكونوا “وكلاء نفوذ” يخدمون أجندتها من خلال الحرب المعلوماتية والسياسية (Salehyan, 2020). إن النموذج الكلاسيكي، بتركيزه على الدولة والجماعة المتمردة، يعجز عن استيعاب هذا التنوع الهائل في طبيعة الفاعلين الوكلاء.
- تلاشي القدر الكبير من الإنكار المعقول في عصر المعلومات المفتوحة: في عصر الأقمار الصناعية، والإنترنت، وصحافة المصادر المفتوحة، أصبحت السرية التي كانت تحيط بعمليات الحرب الباردة شبه مستحيلة. يمكن اليوم تتبع شحنات الأسلحة، ورصد تحركات المرتزقة، وتحليل البيانات المالية، وكشف حملات التضليل بسهولة أكبر بكثير. هذا يجعل “الإنكار المعقول” أكثر صعوبة، ويجبر الدول الراعية على تطوير استراتيجيات أكثر تعقيدًا لإخفاء تدخلها، أو في بعض الحالات، التخلي عن الإنكار واللجوء إلى “التدخل الهجين” الذي يجمع بين العمليات السرية والعلنية (Ali, Khan & Ullah, 2025).
إن هذه الحدود والقصورات تجعل النموذج الكلاسيكي للحرب بالوكالة أداة تحليلية غير كافية لفهم الصراعات المعاصرة. إنه يقدم صورة مبسطة ومضللة لواقع شبكي معقد ومتعدد الأبعاد. من هنا، تنبع الحاجة الماسة إلى إطار نظري جديد، وهو ما تقدمه “نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT) من خلال مفهومها عن “حروب الوكالة المعقدة”.
4. نحو نموذج جديد: حروب الوكالة المعقدة كمنظومة شبكية
إن قصور النموذج الكلاسيكي لا يعني التخلي عن مفهوم الحرب بالوكالة، بل يستدعي إعادة بنائه وتطويره ليتناسب مع تعقيدات العصر. وانطلاقًا من الإطار التحليلي لـ”نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT)، نقترح مفهومًا جديدًا هو “حروب الوكالة المعقدة” Complex Proxy Wars. هذا المفهوم لا ينظر إلى الحرب بالوكالة كعلاقة ثنائية خطية، بل كـ”منظومة شبكية” Networked System معقدة وديناميكية، تتفاعل فيها عناصر متعددة لتُنتج واقعًا صراعيًا جديدًا.
تتجاوز “حروب الوكالة المعقدة” فكرة الدولة الراعية التي تسحب خيوط وكيلها، لتقدم نموذجًا يتسم بالتشابك وتعدد المستويات. وللفهم العميق لهذه المنظومة، يجب تحليل مكوناتها الأربعة الأساسية التي تميزها عن النموذج الكلاسيكي، والتي تشكل معًا جوهر هذا النمط الجديد من الصراع.
1.4. الركن الأول: تعدد الرعاة وديناميكيات التنافس والتعاون
السمة الأكثر وضوحًا في حروب الوكالة المعقدة هي غياب الراعي الأوحد. وبدلًا من ذلك، نجد شبكة من الدول والقوى الخارجية التي تتدخل في الصراع نفسه، مما يخلق ديناميكيات معقدة من التنافس والتعاون:
- التنافس بين الرعاة: في كثير من الأحيان، تدعم دول متعادية أطرافًا مختلفة في الصراع نفسه، مما يحول “الساحة” إلى ميدان لتصفية الحسابات الجيوسياسية. وتعد الحالة السورية هي المثال الأبرز؛ حيث دعمت روسيا وإيران النظام، بينما دعمت تركيا وقطر والسعودية والولايات المتحدة فصائل معارضة مختلفة. هذا التنافس لا يؤدي فقط إلى إطالة أمد الصراع، بل يجعله أكثر دموية وتعقيدًا؛ نظرًا لضخ كميات هائلة من الأسلحة والأموال في الساحة.
- التعاون والتنسيق بين الرعاة: على نحو مفارق، قد تتعاون الدول الراعية أحيانًا أو تنسق فيما بينها لتحقيق أهداف مشتركة، حتى لو كانت خصمًا في ساحات أخرى. على سبيل المثال، قد تنسق دولتان لدعم الوكيل نفسه لمواجهة عدو مشترك (مثل محاربة تنظيم داعش)، أو قد تتفقان على “تقاسم النفوذ” في مناطق معينة لتجنب المواجهة المباشرة.
- تأثير تعدد الرعاة على الوكيل: هذا التعدد يمنح الوكيل قوة تفاوضية أكبر. فلم يعد الوكيل مجرد تابع، بل أصبح قادرًا على “التسوق” بين الرعاة للحصول على أفضل دعم ممكن، أو اللعب على تناقضاتهم لتعزيز استقلاليته. ويمكن للوكيل أن يهدد بالانتقال إلى راعٍ آخر إذا لم تتم تلبية مطالبه، مما يقلب علاقة التبعية الكلاسيكية رأساً على عقب (Rauta, 2020).
2.4. الركن الثاني: تنوع الوكلاء وتآكل احتكار الدولة للعنف
لقد توسع تعريف “الوكيل” بشكل جذري في حروب الوكالة المعقدة؛ فلم يعد يقتصر على جماعة متمردة أو جيش دولة صغيرة. اليوم، نجد منظومة متنوعة من الوكلاء الذين يعملون في الساحة نفسها، مما يعكس تآكل احتكار الدولة للعنف وتفتت المشهد الأمني (إبراهيم، د.ت.):
- الميليشيات والجماعات المسلحة: لا تزال هي الشكل الأكثر شيوعًا للوكلاء، لكنها أصبحت أكثر تنظيمًا وتسليحًا، وتمتلك هياكل شبه دولاتية.
- الشركات العسكرية والأمنية الخاصة: يمثل ظهور هذه الشركات نقلة نوعية؛ فالدول الراعية (مثل روسيا مع مجموعة فاغنر) يمكنها الآن “تعهيد” عملياتها العسكرية لوكلاء محترفين، مما يوفر كفاءة قتالية عالية مع درجة قصوى من الإنكار المعقول. وتضيف هذه الشركات بعدًا تجاريًا وربحيًا للصراع؛ حيث تقاتل مقابل المال أو امتيازات اقتصادية، مما يغير من دوافع الحرب (الطاهر، 2026ج).
فيما يتعلق بـ ‘الإنكار المعقول’ Plausible Deniability الذي نعنيه؛ هو ليس ذلك الحجاب السميك والمنيع الذي يحجب هوية الفاعلين الحقيقيين تماماً كما كان الحال في بعض فترات الحرب الباردة. إننا نتحدث هنا عن ‘إنكار معقول رقيق’ أو غير عالي الحصانة في ظل ثورة الاتصالات وعصر الشفافية الرقمية. فرغم أن التقارير الاستخباراتية والحقوقية تكشف الفاعلين ورعاتهم بوضوح وسرعة، إلا أن هذا الإنكار يظل يحقق غرضه الوظيفي في منح الدول المتدخلة مساحة قانونية وسياسية للمناورة والمراوغة، والتهرب من التبعات المباشرة لتدخلها.
- القبائل والعشائر: في سياقات مثل السودان واليمن وليبيا وشرق سوريا، يتم تسليح وتمويل القبائل والعشائر واستخدام ولاءاتها التقليدية كأداة في الحرب بالوكالة؛ حيث يتم تحويل البنى الاجتماعية إلى أدوات عسكرية.
- الوكلاء السياسيون والإعلاميون: لا تقتصر الوكالة على القتال؛ إذ يمكن للدول الراعية أن تدعم أحزابًا سياسية، أو منظمات مجتمع مدني، أو منصات إعلامية، أو حتى شبكات من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي؛ ليكونوا “وكلاء نفوذ” يخدمون أجندتها من خلال الحرب المعلوماتية والسياسية (Krieg & Rickli, 2019).
إن هذا التنوع الهائل في طبيعة الوكلاء يعني أن الدولة الراعية تمتلك “صندوق أدوات” واسعًا يمكنها من خلاله ممارسة النفوذ عبر قنوات متعددة، عسكرية وغير عسكرية (شلش التميمي، 2024).
3.4. الركن الثالث: استقلالية الوكيل وديناميكيات “الانحراف”
أحد أهم التحولات في حروب الوكالة المعقدة هو تزايد استقلالية الوكيل عن راعيه بدرجة كبيرة. إن فكرة “السيطرة الكاملة” التي كانت ممكنة جزئيًا في حقبة الحرب الباردة أصبحت وهماً اليوم. هذه الاستقلالية، التي يمكن أن تؤدي إلى ما نسميه “الانحراف الوكيلي” – أي ابتعاد الوكيل عن أهداف راعيه أو حتى العمل ضدها – تنبع من عدة عوامل مترابطة:
- اقتصاديات الحرب المستقلة: إن قدرة الوكلاء على تمويل أنفسهم عبر السيطرة على الموارد (النفط، المناجم)، أو الانخراط في الجريمة المنظمة (التهريب، الابتزاز)، أو فرض الضرائب في مناطق سيطرتهم، تمنحهم استقلالاً ماليًا حاسمًا (Kaldor, 2012). فالوكيل الذي يمتلك جزءًا مقدراً من مصادر دخله الخاصة لم يعد مضطرًا للانصياع الكامل لأوامر راعيه (Collier, 2007).
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن ‘اقتصاديات الحرب العابرة للحدود’ (الفرضية السادسة للنظرية) لا يعني بأي حال من الأحوال إغفال أو نفي وجود ‘اقتصاديات حرب محلية ومستقلة’ يبنيها الوكيل لصالحه الخاص. بل إن هذه الأخيرة هي الوقود الجوهري الذي يغذي عملية ‘انحراف الوكيل’ Agency Drift؛ فبمجرد أن ينجح الوكيل في بناء قنوات تمويل ذاتية ومستقلة (عبر السيطرة على موارد محلية، أو تهريب السلع، أو فرض الجبايات)، فإنه يكتسب القدرة على التمرد على توجيهات الراعي الخارجي، الذي لم يعد يملك ميزة التحكم المالي المطلق في توجيه سلوكه الميداني.
- الشرعية المحلية والأيديولوجيا: الوكلاء الذين يمتلكون قاعدة دعم شعبية محلية أو يستندون إلى أيديولوجيا قوية (دينية أو قومية) يكتسبون شرعية خاصة بهم تجعلهم أقل اعتمادًا على الشرعية التي يمنحها لهم الراعي الخارجي. وتمنحهم هذه الشرعية القدرة على تحدي رعاتهم إذا تعارضت أوامرهم مع مصالح قاعدتهم الشعبية.
- تعقيد الشبكة: في بيئة متعددة الرعاة، يمكن للوكيل أن “ينحرف” نحو راعٍ آخر يقدم له شروطًا أفضل، أو أن يستخدم علاقته برعاته المختلفين كورقة ضغط ضدهم.
إن ظاهرة “الانحراف الوكيلي” تعد من أكبر التحديات التي تواجه الدول الراعية اليوم ؛ فهي تعني أن الحرب بالوكالة لعبة خطرة قد تخرج عن السيطرة، وقد ينقلب فيها الوكيل على راعيه، مما يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا لما كان مخططًا له.
4.4. الركن الرابع: الحرب المعلوماتية المدمجة
في النموذج الكلاسيكي للحرب بالوكالة، كانت الدعاية والحرب النفسية أدوات مساعدة، لكنها لم تكن في صلب الاستراتيجية. أما في “حروب الوكالة المعقدة”، فقد شهدنا تحولاً نوعيًا؛ حيث أصبحت الحرب المعلوماتية ليست مجرد أداة مرافقة، بل هي ركن أساسي ومدمج في بنية الصراع نفسه. فالسيطرة على السردية وتشكيل الوعي لا يقلان أهمية عن السيطرة على الأرض.
- التضليل الإعلامي كغطاء استراتيجي: تُستخدم حملات التضليل الإعلامي الممنهجة كغطاء استراتيجي لعمليات الحرب بالوكالة. والهدف هو تشويش المشهد، وإخفاء هوية الرعاة الحقيقيين، وتبرير أفعال الوكلاء. ويتم ذلك عبر:
- بناء سرديات زائفة: مثل تصوير تمرد ميليشياوي على أنه “صراع على السلطة بين جنرالين”، أو وصف التدخل الخارجي بأنه “دعم للديمقراطية”. تهدف هذه السرديات، التي يتم تضخيمها عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، إلى التأثير على الرأي العام المحلي والدولي، وشل قدرة المجتمع الدولي على اتخاذ موقف حاسم (Singer & Brooking, 2018).
- شيطنة الخصم: يتم تصوير الطرف المستهدف (غالبًا الدولة الوطنية وجيشها) على أنه “نظام قمعي” أو “فلول نظام سابق” أو “إرهابي”؛ لتبرير القتال ضده ونزع الشرعية عنه.
- الوكلاء المعلوماتيون: كما ذكرنا، لم يعد الوكلاء مجرد مقاتلين. تستخدم الدول الراعية شبكات من “الوكلاء المعلوماتيين” – من منصات إعلامية ممولة، إلى شركات علاقات عامة، إلى جيوش من الحسابات الوهمية Bots على وسائل التواصل الاجتماعي – لشن هذه الحرب على العقول.
- التكامل مع العمليات الميدانية: تتكامل الحرب المعلوماتية بشكل وثيق مع العمليات على الأرض. فقبل شن هجوم عسكري، قد يتم إطلاق حملة تضليل لزعزعة معنويات الخصم. وبعد ارتكاب مجزرة، يتم فورًا نشر رواية مضادة لإلقاء اللوم على الطرف الآخر.
هذا التكامل بين ما هو “حركي” وما هو “معلوماتي” هو سمة مميزة لحروب الوكالة المعقدة. إن إدراج الحرب المعلوماتية كركن أساسي في هذا النموذج يسمح لنا بفهم كيف أن هذه الصراعات لا تُخاض بالأسلحة فحسب، بل بالكلمات والصور والسرديات أيضًا، وكيف أن السيطرة على الفضاء المعرفي أصبحت شرطًا ضروريًا للنجاح في الفضاء المادي.
5. تطبيق النموذج: السودان كدراسة حالة لحرب الوكالة المعقدة
يقدم الصراع الدائر في السودان منذ 15 أبريل 2023 مختبرًا حيًا ومأساويًا لتطبيق نموذج “حروب الوكالة المعقدة” بأركانه الأربعة. إن تحليل الصراع من خلال هذا النموذج يكشف عن ديناميكيات أعمق بكثير من مجرد “صراع على السلطة”.
1.5. تعدد الرعاة في الساحة السودانية: الساحة السودانية ليست مسرحًا لراعٍ واحد، بل هي نقطة تقاطع لمصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، مما يجعلها مثالاً واضحًا على “تعدد الرعاة”.
- الدور الإماراتي: تشير الشواهد على الأرض والعديد من التقارير الأممية والاستخباراتية والتحقيقات الصحفية الموثوقة إلى أن الإمارات العربية المتحدة هي الراعي الرئيسي لميليشيا الدعم السريع، حيث تقدم لها دعمًا عسكريًا (خاصة عبر الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة)، وماليًا (عبر شبكات تجارة الذهب)، وسياسيًا (عبر الضغط في المحافل الدولية) (The Africa Report, 2023). وتبدو أهداف الإمارات متعددة، من السيطرة على موانئ البحر الأحمر، إلى تأمين مصالحها في تجارة الذهب، وصولاً إلى مواجهة نفوذ تيارات الإسلام السياسي التي ترى أنها قد تكون ممثلة في بعض مكونات الدولة السودانية (Reuters, 2024).
- الدور الروسي (مجموعة فاغنر سابقًا والفيلق الأفريقي حاليًا): تمثل فاغنر فاعلاً رئيسيًا في دعم الدعم السريع، خاصة في الجانب اللوجستي وتأمين طرق تهريب الذهب من السودان إلى جمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا ومن ثم إلى روسيا. يخدم هذا الدعم أهداف موسكو في الحصول على الموارد وتمويل حربها في أوكرانيا، وتوسيع نفوذها في أفريقيا. وهذا يحدث في الوقت الذي تدعم فيه روسيا الجيش السوداني سياسيًا ودبلوماسيًا.
- أدوار أخرى: هناك لاعبون آخرون لهم مصالح في الساحة السودانية، مثل مصر التي تدعم الجيش السوداني تقليديًا للحفاظ على استقرار جارتها الجنوبية وأمنها المائي، وإثيوبيا التي لها حساباتها الخاصة المتعلقة بسد النهضة والتوترات الحدودية، بالإضافة إلى القوى الغربية التي تتأرجح مواقفها بين دعم التمرد و”الانتقال الديمقراطي” ومخاوفها من انهيار الدولة.
هذا التعدد في الرعاة ومصالحهم المتضاربة هو ما يفسر جزئيًا استعصاء الأزمة على الحل؛ حيث إن أي تسوية يجب أن تأخذ في الاعتبار مصالح جميع هؤلاء اللاعبين الخارجيين.
2.5. تنوع الوكلاء: ما بعد الميليشيا لا يقتصر دور الوكالة في السودان على ميليشيا الدعم السريع وحدها، بل نجد منظومة متنوعة من الوكلاء:
- ميليشيا الدعم السريع (الوكيل العسكري الرئيسي): هي المثال الأبرز للوكيل العسكري الذي يمتلك قدرات شبه دولاتية.
- المرتزقة الأجانب: تشير الشواهد على الأرض وتقارير عديدة إلى وجود مرتزقة من دول الجوار (مثل تشاد والنيجر وجنوب السودان) يقاتلون في صفوف الدعم السريع، مما يضيف بعدًا إقليميًا للتركيبة البشرية للقوة المتمردة.
- الوكلاء السياسيون والإعلاميون: تدعم القوى الخارجية شبكة من السياسيين والناشطين والمنصات الإعلامية التي تروج لسردية الدعم السريع وتعمل كـ”واجهة مدنية” للمشروع العسكري، مما يضفي عليه شرعية زائفة ويهاجم مؤسسات الدولة من الداخل والخارج.
- القبائل المتحالفة: تستخدم ميليشيا الدعم السريع، التي تمتلك قاعدة قبلية عربية في دارفور، هذه الولاءات كأداة للتجنيد والتعبئة، محولة الصراع في بعض جوانبه إلى صراع ذي طابع إثني.
إن فهم هذا التنوع في الوكلاء ضروري لإدراك كيف أن الحرب لا تُخاض على الجبهات العسكرية فحسب، بل في الفضاءات السياسية، والإعلامية، والاجتماعية أيضًا.
3.5. استقلالية الوكيل السوداني: من أداة إلى مشروع مستقل
تعتبر حالة ميليشيا الدعم السريع في السودان مثالاً نموذجياً على ظاهرة “الانحراف الوكيلي”، وتطور الوكيل من مجرد أداة إلى لاعب شبه مستقل يمتلك مشروعه الخاص. إن قصة صعود هذه الميليشيا هي قصة وكيل تمرد على راعيه الأصلي (الدولة السودانية)، وبدأ في بناء إمبراطوريته الخاصة بدعم من رعاة جدد.
- الأصول كوكيل للدولة: نشأت ميليشيا الدعم السريع (في شكلها الأولي كـ “الجنجويد”) كوكيل للدولة السودانية نفسها في حرب دارفور. لقد استخدمها نظام البشير كأداة قمع غير نظامية لتنفيذ “العمل القذر” الذي لم يكن الجيش النظامي يرغب في القيام به، مما وفر للنظام إنكاراً معقولاً عن الفظائع المرتكبة (الطاهر، 2023).
- بناء الاستقلالية عبر اقتصاد الحرب: كانت نقطة التحول الحاسمة هي سيطرة الميليشيا على مناجم الذهب في دارفور. هذا لم يمنحها فقط مصدراً هائلاً ومستقلاً للتمويل، بل حولها إلى لاعب اقتصادي رئيسي يمتلك شبكات تجارية عابرة للحدود (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات, 2022). لقد بنت الميليشيا إمبراطورية اقتصادية موازية للدولة، مما سمح لها بتمويل تسليحها، ودفع رواتب مقاتليها، وشراء الولاءات، بمعزل شبه كامل عن ميزانية الدولة (Human Rights Watch, 2024). هذه الاستقلالية المالية هي التي مكنتها من التمرد لاحقاً.
- الانحراف نحو رعاة جدد: مع تزايد قوتها الاقتصادية والعسكرية، بدأت الميليشيا في بناء علاقات مباشرة مع قوى إقليمية، خاصة الإمارات العربية المتحدة وروسيا (عبر فاغنر). لقد تحولت من وكيل للدولة السودانية إلى وكيل لهذه القوى الخارجية، التي وجدت فيها أداة مثالية لتحقيق مصالحها في السودان والمنطقة. هذا “الانحراف” من راعٍ إلى آخر هو سمة مميزة لحروب الوكالة المعقدة.
- مشروع سياسي خاص: لم تعد ميليشيا الدعم السريع اليوم مجرد أداة، بل طورت مشروعاً سياسياً خاصاً بها (تحت مسمى “تحالف السودان التأسيسي”)، يهدف إلى السيطرة على الدولة السودانية نفسها وإعادة هيكلتها بما يخدم مصالح قيادتها وقاعدتها الاجتماعية. إن طموحها للاستيلاء على السلطة في 15 أبريل 2023 لم يكن قراراً من رعاتها الخارجيين فقط، بقدر ما كان – في مستوى من المستويات – تتويجاً لمشروعها الخاص الذي بُني على مدى سنوات.
إن حالة الدعم السريع تبرهن على أن الوكلاء في حروب اليوم ليسوا مجرد أدوات سلبية، بل هم فاعلون استراتيجيون يمتلكون القدرة على المناورة، وبناء القوة، وتحدي رعاتهم، والسعي لتحقيق أجنداتهم الخاصة، مما يجعل السيطرة عليهم أمراً شبه مستحيل (Aljazeera Studies, 2025).
4.5. الحرب المعلوماتية المدمجة في الصراع السوداني
ترافق الصراع العسكري في السودان منذ لحظته الأولى مع حرب معلوماتية شرسة وممنهجة، شكلت ركناً أساسياً في استراتيجية ميليشيا الدعم السريع ورعاتها. الهدف لم يكن فقط تحقيق انتصارات عسكرية، بل السيطرة على السردية وتشكيل الوعي المحلي والدولي.
- بناء سردية “الحرب الأهلية” و”صراع الجنرالين”: كانت السردية المركزية التي تم الترويج لها هي أن ما يحدث هو “صراع على السلطة بين جنرالين” أو “حرب أهلية” بين طرفين متساويين. هذه السردية، التي تبنتها العديد من وسائل الإعلام الدولية والإقليمية وشبكات من الناشطين والسياسيين، كانت تهدف إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية:
- نزع الشرعية عن الدولة: عبر مساواة الجيش السوداني، كمؤسسة دستورية، بالميليشيا المتمردة، يتم تقويض شرعية الدولة ومؤسساتها.
- إخفاء طبيعة التمرد والتدخل الخارجي: تحويل الصراع إلى “شأن داخلي” يخفي حقيقة أنه تمرد مسلح مدعوم من الخارج يهدف إلى تفكيك الدولة.
- توفير غطاء سياسي للرعاة: تسمح هذه السردية للدول الداعمة للميليشيا بالظهور بمظهر الوسيط المحايد الذي يسعى لـ “وقف الحرب الأهلية”، بدلاً من الظهور كطرف مباشر في الصراع.
- شيطنة الجيش الوطني: ترافق ذلك مع حملة ممنهجة لشيطنة الجيش السوداني وتصويره على أنه مجرد “جيش كيزان” أو “فلول نظام سابق”، بهدف تجريده من أي شرعية وطنية أو دعم شعبي. تم استخدام هذه السردية لتبرير القتال ضد الجيش وتصويره على أنه معركة من أجل “الديمقراطية” ضد “الإسلاميين”.
- استخدام الوكلاء المعلوماتيين: نُفذت هذه الحرب المعلوماتية عبر شبكة واسعة من الوكلاء؛ حيث قامت الدول الراعية، مثل الإمارات العربية المتحدة، بتمويل منصات إعلامية، وشركات علاقات عامة دولية، وشبكات من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، ومجموعات من السياسيين والناشطين السودانيين في الخارج (مثل تنسيقية “تقدم” سابقاً وتحالف “صمود” الآن)، والذين عملوا بشكل منسق لترويج هذه السرديات الزائفة وتضخيمها (الطاهر، 2024).
إن تحليل الحرب المعلوماتية في السودان يكشف كيف أن “حروب الوكالة المعقدة” لا تقتصر على الدعم العسكري، بل تشمل استثماراً ضخماً في بناء وتوجيه الرأي العام كجزء لا يتجزأ من استراتيجية الحرب. إن السيطرة على السردية في واشنطن ولندن ونيويورك لا تقل أهمية عن السيطرة على مدينة في دارفور.
بهذا التحليل، نكون قد أظهرنا كيف أن نموذج “حروب الوكالة المعقدة” بأركانه الأربعة يقدم تفسيراً شاملاً وعميقاً للصراع في السودان، يتجاوز بكثير التحليلات السطحية التي تركز فقط على الجانب العسكري أو السياسي.
6. تطبيق النموذج: سوريا كساحة عالمية لحروب الوكالة المعقدة
إذا كان الصراع السوداني يمثل نموذجاً حياً لتحول الدولة إلى ساحة، فإن الصراع السوري الذي اندلع عام 2011 يمثل النموذج الأكثر تطرفاً ونضجاً لـ”حروب الوكالة المعقدة”. لقد تحولت الجغرافيا السورية على مدى عقد من الزمان إلى ما يشبه “كأس عالم للحروب بالوكالة”؛ حيث شارك فيها لاعبون من كل القارات، ولكل منهم أهدافه وأدواته وتحالفاته المتغيرة (مجموعة مؤلفين، 2024). إن تحليل الحالة السورية من خلال عدسة نموذجنا الشبكي يكشف عن قصور كارثي في المقاربات التقليدية التي حاولت فهم الصراع كـ”ثورة” أو “حرب أهلية” فقط.
1.6. شبكة الرعاة: تدويل غير مسبوق للصراع
لم يشهد صراع حديث هذا الحجم من التدخل الخارجي المباشر وغير المباشر. كانت الساحة السورية نقطة تقاطع لشبكة معقدة من الرعاة ذوي المصالح المتضاربة، مما حول الصراع إلى حرب عالمية مصغرة.
- المحور الإيراني-الروسي (محور دعم النظام): كان هذا هو المحور الأكثر تماسكاً وفعالية.
- إيران: لم يكن دعمها مجرد مساعدة، بل كان تدخلاً وجودياً لإنقاذ النظام. قامت إيران بإرسال الآلاف من مستشاري الحرس الثوري، والأهم من ذلك، قامت ببناء وتوجيه شبكة واسعة من الوكلاء الشيعة العابرين للحدود (مثل حزب الله اللبناني، وفصائل عراقية، وأفغانية، وباكستانية)، مما جعلها الراعي اللوجستي والميداني الأول للنظام (Şimşek, 2025).
- روسيا: قدمت الغطاء السياسي والدبلوماسي في مجلس الأمن، ثم تدخلت عسكرياً بشكل مباشر في عام 2015 لقلب موازين القوى، مستخدمةً القوة الجوية ونخبة من القوات الخاصة والشركات العسكرية الخاصة (مثل فاغنر).
- المحور الغربي-العربي-التركي (محور دعم المعارضة): اتسم هذا المحور بالتعدد الكبير في الرعاة وتضارب أجنداتهم.
- الولايات المتحدة: ركزت استراتيجيتها على “تعهيد” الصراع لوكلاء محليين، فتأرجحت بين دعم فصائل المعارضة المعتدلة (برنامج CIA) ودعم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” لمحاربة داعش.
- تركيا: ركزت على أمنها القومي ومنع قيام كيان كردي، فدعمت فصائل الجيش الوطني السوري.
- دول الخليج (خاصة قطر والسعودية): قدمت دعماً مالياً وعسكرياً هائلاً لفصائل إسلامية ومعارضة مختلفة، وتنافست في كثير من الأحيان على النفوذ داخل هذه الفصائل.
2.6. تنوع الوكلاء: تشظي الساحة العسكرية
تجسد الحالة السورية “تنوع الوكلاء” بأقصى صوره؛ حيث لم تعد الساحة مقسمة بين جيش ومتمردين، بل بين مئات الفصائل والكيانات:
- الوكلاء الأيديولوجيون عابرو الحدود: مثل حزب الله والميليشيات الشيعية التي تقاتل بدوافع مذهبية وجيوسياسية تحت إشراف إيراني.
- الوكلاء القوميون: مثل وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) التي تعمل كوكيل للولايات المتحدة في محاربة الإرهاب، بينما تسعى لتحقيق مشروع حكم ذاتي.
- الشركات العسكرية الخاصة: مثل مجموعة “فاغنر” التي لعبت دوراً حاسماً في استعادة السيطرة على حقول النفط والغاز وتأمين المصالح الروسية.
- الوكلاء الجهاديون: حيث حاولت قوى إقليمية ودولية أحياناً استغلال جماعات متطرفة كأدوات “وكالة مؤقتة” ضد خصومها، مما أدى في النهاية إلى خروج هذه الجماعات عن السيطرة (مثل صعود داعش وجبهة النصرة).
3.6. استقلالية الوكيل ونشوء “أمراء الحرب”:
مع طول أمد الصراع، اكتسب الوكلاء في سوريا استقلالية متزايدة عبر بناء “اقتصاديات حرب” محلية بجانب “اقتصاديات الحرب العابرة” (فراج، 2024). إن السيطرة على آبار النفط في دير الزور، وسيطرة فصائل أخرى على المعابر الحدودية مع تركيا والأردن، وفرت لهم مصادر دخل هائلة مكنتهم من العمل باستقلالية نسبية عن رعاتهم الخارجيين، وأعطتهم مصلحة مباشرة في استمرار حالة الفوضى والحرب (كاسوحة، 2019).
4.6. الحرب المعلوماتية الشرسة على الساحة السورية
كانت الحرب في سوريا منذ يومها الأول حرب سرديات بامتياز؛ حيث حاول كل طرف فرض روايته على العالم:
- سردية النظام: “مؤامرة كونية” و”حرب ضد الإرهاب”. استخدم النظام هذه السردية لتبرير قمعه الوحشي، وتجريد كل أشكال المعارضة من شرعيتها، وحشد الدعم من حلفائه.
- سردية المعارضة: “ثورة من أجل الحرية والكرامة” ضد “نظام ديكتاتوري مجرم”. استخدمت هذه السردية لحشد الدعم الشعبي والدولي.
- سردية الجهاديين: “جهاد ضد نظام كافر” و”إقامة دولة إسلامية”. استخدمت هذه السردية لتجنيد آلاف المقاتلين من جميع أنحاء العالم.
تم خوض هذه الحرب المعلوماتية باستخدام كل الأدوات المتاحة: من القنوات الإخبارية الممولة من الدول، إلى جيوش الحسابات الوهمية على تويتر وفيسبوك، إلى إنتاج فيديوهات دعائية متقنة، وصولاً إلى التلاعب بالصور ونشر الأخبار الزائفة بشكل ممنهج. لقد كانت معركة لتشكيل الوعي لا تقل ضراوة عن المعارك على الأرض.
إن الحالة السورية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام نمط جديد تماماً من الصراعات، لا يمكن فهمه أو حله بالأدوات الدبلوماسية والسياسية التقليدية؛ فهو منظومة شبكية عالمية تتغذى على جراح الدولة الوطنية (مجموعة مؤلفين، 2023).
7. خاتمة:
ضرورة إعادة بناء المفهوم في عصر التعقيد
لقد سعت هذه المقالة البحثية إلى تحقيق هدف محوري: إثبات أن النموذج الكلاسيكي لـ”الحرب بالوكالة”، الموروث من حقبة الحرب الباردة، لم يعد كافياً لفهم الصراعات المعاصرة، وتقديم إطار نظري بديل أكثر قدرة على استيعاب تعقيدات أيامنا (الإسكوا، 2015). انطلقنا من الإشكالية المتمثلة في القصور التفسيري للأطر القائمة، وقمنا بتشريح النموذج الكلاسيكي القائم على العلاقة الثنائية بين الراعي والوكيل، مبرزين حدوده في عالم ناشئ متعدد الأقطاب والفاعلين.
كبديل، قدمنا مفهوم “حروب الوكالة المعقدة”، المستمد من “نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT) (الطاهر، 2026 ب). هذا المفهوم هو نموذج تحليلي ينظر إلى هذه الحروب كـ منظومة شبكية تتفاعل فيها أربعة أركان أساسية: تعدد الرعاة، وتنوع الوكلاء (بما في ذلك الفاعلون غير التقليديين مثل الشركات العسكرية الخاصة)، واستقلالية الوكيل المتزايدة (المدفوعة باقتصاديات الحرب المستقلة عن شبكة اقتصاديات الحرب العابرة) ، والحرب المعلوماتية المدمجة كبعد استراتيجي.
إن تطبيق هذا النموذج الرباعي على دراسات الحالة المعمقة في السودان وسوريا كان برهاناً عملياً على قوته التفسيرية. لقد كشف التحليل كيف أن هذه الأركان الأربعة تتفاعل لتنتج صراعات طويلة الأمد، ومستعصية على الحل، وتتجاوز بكثير التصنيفات المبسطة لـ”الحرب الأهلية”. في السودان، رأينا كيف أن دعم راعٍ إقليمي لوكيل عسكري يمتلك اقتصاد حرب خاصاً به، مدعوماً بحملة تضليل دولية، هو ما حول تمرداً داخلياً إلى حرب مدمرة تهدد بتفكيك الدولة. وفي سوريا، شاهدنا ذروة التعقيد، حيث تحولت الدولة إلى “ساحة” عالمية تتنافس فيها محاور دولية عبر فسيفساء من الوكلاء، من الميليشيات العقائدية إلى الشركات العسكرية الخاصة، مما خلق صراعاً متعدد الطبقات يصعب فك تشابكه (Felbab-Brown, 2024).
8. المساهمة المعرفية وآفاق البحث المستقبلية
تكمن المساهمة المعرفية الأساسية لهذه الدراسة في تقديمها إطاراً نظرياً جديداً ومنهجياً لتحليل إحدى أهم ظواهر الصراع المعاصر. إن الانتقال من النموذج الثنائي الخطي إلى النموذج الشبكي المعقد هو نقلة نوعية في فهم الحرب بالوكالة. هذه المقالة لا تدعي أنها الكلمة الأخيرة، بل هي دعوة مفتوحة للباحثين في حقل دراسات الصراع والعلاقات الدولية لتبني وتطوير هذا الإطار. يفتح هذا التحليل آفاقاً واسعة للبحث المستقبلي، نذكر منها:
- دراسات حالة مقارنة إضافية: تطبيق نموذج “حروب الوكالة المعقدة” على صراعات أخرى (مثل اليمن، أو الكونغو، أو حتى الصراع في ناغورنو كاراباخ) لاختبار مدى قابليته للتعميم وتحديد خصوصية كل ساحة.
- تحليل شبكات الوكالة: استخدام منهجيات تحليل الشبكات الاجتماعية لرسم خرائط دقيقة لشبكات الرعاة والوكلاء، وتحديد العقد المركزية، وقياس تدفق الدعم المالي والعسكري، مما يحول النموذج النظري إلى أداة قياس كمية.
- بناء المرونة المعرفية لمواجهة الحرب المعلوماتية: بدلاً من التركيز فقط على تفنيد الأخبار الكاذبة (وهو جهد تفاعلي)، يجب أن تركز الأبحاث المستقبلية على كيفية بناء “مرونة معرفية” لدى المجتمعات. يتضمن ذلك دراسة آليات التربية الإعلامية النقدية، وتعزيز الثقة في المؤسسات الإعلامية الوطنية الموثوقة، وتطوير استراتيجيات وطنية لـ”الدفاع السردي” قادرة على مواجهة الروايات المعادية بشكل استباقي. إن فهم كيفية تحصين المجتمعات ضد التلاعب النفسي لا يقل أهمية عن بناء الدفاعات العسكرية.
- تطوير “دبلوماسية شبكية” لإنهاء الصراعات: إن آليات حل النزاع التقليدية، التي تركز على التفاوض بين دولتين أو بين حكومة ومتمردين، أثبتت فشلها في حروب الوكالة المعقدة. هناك حاجة ماسة للبحث في نماذج دبلوماسية جديدة، “دبلوماسية شبكية”، قادرة على التعامل مع جميع أطراف المنظومة (الرعاة المتعددون، الوكلاء المتنوعون، والجهات الفاعلة المحلية). يتطلب ذلك بناء قنوات اتصال متعددة المستويات، وتصميم حوافز وضغوط معقدة تستهدف الشبكة بأكملها، لا أطرافها الفردية فقط، والبحث في إمكانية “تحييد” بعض الرعاة أو “تفكيك” بعض الروابط داخل الشبكة كخطوة نحو الحل.
في المحصلة النهائية، إن الفشل في تحديث مفاهيمنا التحليلية يعني الفشل في فهم عالمنا. إن التمسك بنماذج الحرب الباردة لتحليل صراعات القرن الحادي والعشرين هو أشبه بمحاولة استخدام خريطة من القرن التاسع عشر للإبحار في محيطات اليوم. تقدم “حروب الوكالة المعقدة”، كجزء من NIWT، خريطة أكثر دقة وواقعية، تمكننا ليس فقط من فهم أسباب استمرار هذه الصراعات، بل أيضاً من البدء في التفكير الجدي في سبل إنهائها.
قائمة المصادر والمراجع
المراجع العربية
- إبراهيم، ح. ت. (د.ت.). الفاعلون المسلحون من غير الدول: الوضع الراهن وآفاق: https://idsc.gov.eg/upload/DocumentLibrary/AttachmentA/6238/.
- الإسكوا. (2015). النزاعات المتمادية وأثرها على التنمية في المنطقة العربية: https://archive.unescwa.org/file/50848/download?token=_qFdA4fw.
- بشارة، ع. (2018). سوريا: درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
- الخروبي، ب. (2023). المنعطف التاريخي للبيئة-المخاطر البيئية وانعكاساتها على قضايا السلام في الزمن الراهن. مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية.
- رعد، أ. (2024). الحرب بالوكالة (تحديات العدالة الجنائية الدولية أنموذجا). مجلة جامعة بابل للعلوم الإنسانية.
- شلش التميمي، أ. د. (2024). مبدأ بوش وتداعياته على الوطن العربي (العراق انموذجاً 2005–2009). مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية.
- الطاهر، م. م. (2023). الجيوش غير النظامية في السودان: حالات من إقليم دارفور. دار المصورات للطباعة والنشر.
- الطاهر، م. م. (2024). حرب السودان 15 أبريل في الصحافة البريطانية (15 أبريل 2023 – 15 أبريل 2024). مجلة القلزم العلمية الدولية المحكمة، (40).
- الطاهر، م. م. (2026أ). بوابة إلى الحروب الدولية الجديدة: مفاهيم، أطر، ومنهجيات تحليل الصراع المعاصر. دار الريس للنشر والتوزيع والترجمة.
- الطاهر، م. م. (2026ب). فوق الركام: بناء ‘نظرية الحروب الدولية الجديدة’ لفهم عالم الحروب المعاصرة. دار الريس للنشر والتوزيع والترجمة.
- الطاهر، م. م. (2026ج). مرتزقة العصر الحديث: الشركات العسكرية والأمنية الخاصة كفاعلين في الحروب الدولية الجديدة. دار الريس للنشر والتوزيع والترجمة.
- الطاهر، م. م. (2026د). الحرب على العقول: التضليل الإعلامي والسرديات الزائفة في الحروب الدولية الجديدة. دار الريس للنشر والتوزيع والترجمة.
- عبد اللطيف، هـ. م. (د.ت.). المسئولية الدولية الجنائية للكيانات المسلحة من غير الدول. دار النهضة العربية.
- فراج، م. ع. ا. (2024). اقتصاديات الحروب وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية: https://jblna.co.il/article.php?ID=17266.
- كاسوحة، أ. (2019). اقتصاد الحرب في سورية. مركز حرمون للدراسات المعاصرة.
- جامعة لاغوات. (2025). الحرب بالوكالة في ظل العلاقات الدولية (مذكرة ماجستير): http://dspace.lagh-univ.dz/bitstreams/20f285fa-e536-40d6-91fd-5d94780d2142/download.
- مجموعة مؤلفين. (2023). الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة. جوجل كتب.
- مجموعة مؤلفين. (2024). فهم الصراعات العربية. جوجل كتب.
- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2022). الاستثمار في الدمار: اقتصاديات مناطق الصراعات: https://acpss.ahram.org.eg/News/17661.aspx.
- هاشم، ن. ج. (2020). الحرب بالوكالة: تحديات العدالة الجنائية الدولية. مجلة العلوم السياسية والقانون.
المراجع الأجنبية
- Ali, F., Khan, S. R., & Ullah, F. (2025). Hybrid warfare and non-state actors in the Middle East and South Asia: Emerging threats and strategic responses. Policy Journal of Social Science Review.
- Aljazeera Studies. (2025). Proxy wars and trans-border armed militias in Africa and the Sahel region [In Arabic]. https://studies.aljazeera.net.
- Bryjka, F. (2020). Operational control over non-state proxies. Security and Defence Quarterly.
- Byman, D. (2018). The 30-year war: The political science of proxy warfare. The Washington Quarterly, 41(1), 147-162.
- Collier, P. (2007). The bottom billion: Why the poorest countries are failing and what can be done about it. Oxford University Press.
- Costantini, I., & Donelli, F. (2022). Sponsor-proxy dynamics between decentered multipolarity and non-state actors: Evidence from the MENA region. Small Wars & Insurgencies.
- Deutsch, K. W. (1964). External involvement in internal war. In H. Eckstein (Ed.), Internal War: Problems and Approaches. Free Press.
- Ejazi, E. (2025). The role of artificial intelligence in the US military strategy. Journal of Advanced Military Studies.
- Faulkner, C. M. (2021). Revisiting the patron-proxy relationship: The case of the Wagner Group in Libya. Texas National Security Review, 4(3).
- Felbab-Brown, V. (2024). Nonstate armed actors in 2024: The Middle East and Africa.
- Groh, T. L. (2019). Proxy war: The least bad option. Stanford University Press.
- Human Rights Watch. (2024). “The Massalit Will Not Come Home”: Ethnic cleansing and crimes against humanity in El Geneina, West Darfur, Sudan. https://www.hrw.org/report/2024/05/09/massalit-will-not-come-home/.
- Irregular Warfare Center. (2024). The role of non-state actors as proxies in irregular warfare and malign state influence. https://irregularwarfarecenter.org.
- Kaldor, M. (2012). New and old wars: Organized violence in a global era (3rd ed.). Stanford University Press.
- Krieg, A., & Rickli, J. (2019). Surrogate warfare: The transformation of war in the twenty-first century. Georgetown University Press.
- Marten, K. (2019). Russia’s use of private military companies: The case of the Wagner Group. Post-Soviet Affairs, 35(3), 181-204.
- McFate, S. (2019). The new rules of war: Victory in the age of durable disorder. William Morrow.
- Moghadam, A., & Wyss, M. (2020). The political power of proxies: Why nonstate actors use local surrogates. International Security, 44(4), 119-152.
- Mumford, A. (2013a). Proxy warfare. Polity Press.
- Mumford, A. (2013b). Proxy warfare and the future of conflict. The RUSI Journal, 158(2), 40-46.
- Rauta, V. (2020). From ‘patron-client’ to ‘sponsorship’: The case of Russia’s ‘hybrid’ war in Ukraine. Europe-Asia Studies, 72(2), 306-322.
- Salehyan, I. (2020). The delegation of war to non-state actors. Journal of Strategic Studies, 43(1), 44-67.
- Schulz, M. C. (2024). State actors vis-à-vis non-state actors in the Middle East.
- Şimşek, H. F. (2025). Iran’s proxy war paradox: Strategic gains, control issues. Middle Eastern Studies.
- Singer, P. W. (2007). Corporate warriors: The rise of the privatized military industry. Cornell University Press.
- Singer, P. W., & Brooking, E. T. (2018). LikeWar: The weaponization of social media. Houghton Mifflin Harcourt.
- Smyth, P. (2015). The Shiite Jihad in Syria and its regional effects. The Washington Institute for Near East Policy.
- The Africa Report. (2023, June 14). Sudan: How Russia’s Wagner Group is fuelling the war. https://www.theafricareport.com.
- (2024, December 12). Dozens of UAE flights head to airstrip UN says supplies weapons to Sudan rebels.: https://www.reuters.com/world/uae-flights-flood-airstrip-un-says-supplies-weapons-sudan-rebels-2024-1
- Tira, R., & Guzansky, Y. (2018). The competition between Middle East powers: Expeditionary bases and non-state proxies. The Institute for National Strategic Studies INSS.
- Williams, G. A. (2021). Multi-patronage and proxy war. Small Wars & Insurgencies, 32(4-5), 714-735.




