تحليلات

تركيا والصومال: من شراكة النفوذ إلى ترسيخ الحضور الاستراتيجي

 مقدمة

تمكنت تركيا، خلال العقد ونصف العقد الماضيين، من بناء حضور لافت في الصومال، مستفيدة من مزيج من المساعدات الإنسانية، والاستثمارات الاقتصادية، والتعاون التنموي والأمني، والعلاقات السياسية المباشرة. وقد شكّلت زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى مقديشو عام 2011، في ذروة الأزمة الإنسانية التي شهدتها البلاد، نقطة تحول مهمة في مسار العلاقات الثنائية، وأسهمت في ترسيخ صورة تركيا بوصفها شريكاً حاضراً في لحظة كان فيها الصومال يبحث عن دعم دولي واسع.

ومنذ ذلك الوقت، تطور الحضور التركي من المجال الإنساني إلى قطاعات متعددة، شملت الصحة والتعليم والبنية التحتية والنقل والأمن والتدريب العسكري، إلى جانب الاستثمارات في الموانئ والطاقة وغيرها من المجالات ذات الطابع الاستراتيجي.

وقد أنتج هذا المسار رصيداً مهماً من الثقة لدى قطاعات من المجتمع الصومالي، غير أن اتساع المصالح التركية وتزايد انخراطها في الملفات الأمنية والسياسية يطرحان تحدياً موازياً يتعلق بكيفية الحفاظ على هذا الرصيد، خصوصاً في بيئة سياسية تتسم بتعدد مراكز النفوذ، وتغير التحالفات، وضعف المؤسسات المركزية مقارنة بحجم التحديات التي تواجه الدولة.

ومن ثم، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق بمستقبل الوجود التركي في الصومال بقدر ما يتعلق بطبيعة هذا الوجود، وحدود انخراطه في التوازنات الداخلية، وقدرته على الحفاظ على صورته كشريك للدولة والمجتمع معاً.

الرصيد التركي في الصومال وأسس بنائه

استند الحضور التركي في الصومال إلى مجموعة من العناصر المتداخلة. فقد بدأت العلاقة الحديثة بزخم إنساني واضح، ثم توسعت تدريجياً لتشمل التنمية والبنية التحتية والتعليم والصحة والأمن.

وقد أسهمت هذه المقاربة في تكوين صورة مختلفة نسبياً لتركيا مقارنة ببعض القوى الخارجية التي ارتبط حضورها في الصومال، في فترات مختلفة، بالملفات الأمنية أو السياسية أكثر من ارتباطه بالمجالات التنموية والمجتمعية. كما ساعد التواصل المباشر مع المجتمع الصومالي، والمنح التعليمية، والرحلات الجوية، والمشروعات الصحية والخدمية، في جعل الحضور التركي أكثر وضوحاً في الحياة اليومية للصوماليين.

وبذلك لم تتشكل العلاقة بين الطرفين من خلال الاتفاقيات الرسمية وحدها، وإنما من خلال تراكم طويل من التفاعل المباشر بين المؤسسات التركية والمجتمع الصومالي.

وهذه النقطة تحديداً تمثل أحد أهم عناصر القوة في السياسة التركية تجاه الصومال، لكنها في الوقت نفسه تجعل الحفاظ على الصورة الشعبية لتركيا جزءاً من إدارة مصالحها الاستراتيجية.

خصوصية البيئة السياسية الصومالية

تفرض طبيعة الدولة والمجتمع في الصومال على الشركاء الخارجيين مقاربة مختلفة عن تلك التي يمكن اعتمادها في الدول ذات المؤسسات المركزية المستقرة. فالمؤسسات الرسمية لا تمثل وحدها جميع مراكز التأثير، إذ تتداخل المؤسسات الحكومية مع الأقاليم والقيادات المحلية والبنى العشائرية والقوى السياسية وشبكات المصالح الاجتماعية.

ولا يعني ذلك أن المجتمع الصومالي محكوم بالبنية العشائرية وحدها، أو أن مؤسسات الدولة الحديثة غير ذات أهمية؛ وإنما يعني أن عملية صنع القرار السياسي تتأثر بمجموعة واسعة من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين.

ومن هنا، فإن قراءة الصومال من خلال مؤسسات الدولة المركزية وحدها قد تقود إلى تقديرات غير مكتملة لطبيعة موازين القوى.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى المستثمرين والشركاء الخارجيين الذين يرتبطون بعقود طويلة الأجل؛ إذ إن تغير الحكومات أو التحالفات السياسية لا يعني بالضرورة تغير الدولة والمجتمع بالاتجاه نفسه، كما أن الاتفاقات الموقعة مع سلطة قائمة قد تواجه تحديات سياسية عندما تتغير موازين القوى.

سيولة التحالفات وأثرها على الشراكات الخارجية

أنتجت سنوات الحرب الأهلية وضعف مؤسسات الدولة المركزية حالة من عدم الاستقرار في التحالفات السياسية والاجتماعية. فقد تتغير مواقع الفاعلين تبعاً لتحولات المصالح وموازين القوى، وقد ينتقل بعض الشخصيات أو القوى من موقع المعارضة إلى المشاركة في السلطة، أو العكس.

وهذه الديناميكية تجعل الرهان على طرف سياسي واحد أكثر مخاطرة بالنسبة إلى أي قوة خارجية لديها مصالح طويلة الأجل في البلاد.

ويبرز هذا التحدي بصورة أكبر في المناطق التي تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والعشائرية. فعلى سبيل المثال، فإن التحولات في مواقف بعض القوى المحلية تجاه الحكومة أو حركة الشباب يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في البيئة الأمنية المحيطة بالمشروعات الأجنبية، ولا سيما المشروعات ذات الطبيعة العسكرية أو الاستراتيجية.

ومن ثم، فإن تقييم المخاطر في الصومال لا ينبغي أن يقتصر على دراسة موقف الحكومة المركزية، وإنما يتطلب متابعة مستمرة للتفاعلات المحلية، وموازين القوى في الأقاليم، واتجاهات الرأي العام.

بين الحضور الأمني والحفاظ على القوة الناعمة

يشكل الانتقال التركي من الحضور الإنساني والتنموي إلى التعاون الأمني والعسكري أحد أبرز التحولات في طبيعة العلاقة مع الصومال.

ومن منظور أنقرة، يمكن النظر إلى دعم مؤسسات الدولة الأمنية باعتباره جزءاً من عملية بناء الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة الجماعات المسلحة. غير أن هذا الدور يحمل في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالصورة التي يمكن أن تتشكل لدى القوى السياسية والاجتماعية المختلفة. فكلما ارتبطت المعدات أو التدريب أو الدعم العسكري بمواجهة سياسية داخلية، يمكن أن يصبح الطرف الخارجي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءاً من النقاش السياسي الداخلي.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في السياسة التركية: الأدوات التي تعزز نفوذ الدولة التركية على المستوى الرسمي قد تؤثر، إذا أسيء استخدامها أو تفسيرها، في رصيدها على المستوى الشعبي.

ولذلك فإن الحفاظ على التوازن بين التعاون الأمني وبين تجنب الانخراط في الاستقطاب السياسي الداخلي يمثل تحدياً رئيسياً أمام السياسة التركية.

الاتهامات المتعلقة بالدور التركي في الصراع الداخلي

شهد الخطاب السياسي والإعلامي الصومالي اتهامات موجهة إلى تركيا، أو إلى بعض ممثليها، بالتدخل في الخلافات السياسية الداخلية، كما ظهرت اتهامات بشأن استخدام أسلحة ومعدات تركية في مواجهات مرتبطة بالتوترات السياسية والأمنية.

ومن المهم التعامل مع هذه الادعاءات بحذر، إذ إن بعضها صدر في سياق صراع سياسي، ولا يكفي تداوله إعلامياً لإثباته. كما أن إثبات استخدام معدات تركية في العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة أن القرار العملياتي صدر من الجانب التركي.

لكن أهمية هذه الاتهامات لا تنبع فقط من مدى صحتها، وإنما أيضاً من أثرها في تشكيل التصورات العامة تجاه تركيا. فحتى الادعاءات التي لا تثبت بصورة مستقلة يمكن أن تتحول إلى عنصر مؤثر في الخطاب السياسي إذا تكررت لفترة طويلة، خصوصاً في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب.

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية والاتصال السياسي والإعلامي، وتوضيح طبيعة المساعدة العسكرية وأطر استخدامها، بما يقلل مساحة التأويل ويحد من إمكانية توظيفها في الصراع السياسي الداخلي.

الدرس الأمريكي وحدود الانخراط الخارجي

لا يمكن مقارنة الحضور التركي في الصومال بصورة مباشرة بالتدخل العسكري الأمريكي في تسعينيات القرن الماضي، نظراً لاختلاف السياقات والأهداف وطبيعة الأدوات المستخدمة. ومع ذلك، تقدم التجربة الأمريكية درساً عاماً يتعلق بصعوبة العمل في البيئات السياسية والأمنية المركبة.

فالتجربة الصومالية أظهرت أن التدخل الخارجي، مهما كانت أهدافه المعلنة، يمكن أن يتحول تدريجياً إلى جزء من الصراع الداخلي إذا تجاوز حدود مهمته الأصلية أو أصبح مرتبطاً بأحد أطراف النزاع.

ومن هذه الزاوية، فإن التحدي أمام تركيا لا يتمثل في حجم حضورها فحسب، وإنما في كيفية إدارة هذا الحضور بحيث تظل قادرة على العمل مع الدولة من دون أن تتحول إلى طرف في التنافس بين القوى السياسية والاجتماعية.

الشراكة مع الدولة أم الارتباط بالسلطة؟

تفرض طبيعة الاستثمار التركي في الصومال، ولا سيما في المجالات طويلة الأجل، ضرورة الفصل بين الدولة والحكومة القائمة. فالحكومات تتغير، والتحالفات السياسية تتبدل، بينما تحتاج المشروعات الاستراتيجية إلى بيئة مستقرة لعقود.

ولهذا فإن بناء علاقات متوازنة مع مختلف المؤسسات السياسية والمجتمعية والإقليمية يمكن أن يوفر لتركيا شبكة أوسع من العلاقات، ويقلل من مخاطر ارتباط مصالحها بتوازن سياسي مؤقت.

ولا يعني ذلك التدخل في السياسة الداخلية أو بناء علاقات موازية للحكومة، وإنما يعني اعتماد مقاربة مؤسسية تقوم على التعامل مع الدولة ومؤسساتها ومجتمعها باعتبارها إطاراً مستداماً للعلاقة.

الرأي العام بوصفه عنصراً في الأمن الاستراتيجي

كان الرصيد الشعبي أحد أهم عناصر القوة في التجربة التركية بالصومال. ولذلك فإن أي تغير في التصورات العامة تجاه تركيا ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مسألة إعلامية ثانوية. فمشاهد الاحتجاج أو حرق العلم التركي، على سبيل المثال، لا يمكن تعميمها على المجتمع الصومالي كله، لكنها في الوقت ذاته تمثل مؤشراً يستحق الدراسة عندما تتكرر في سياقات سياسية مختلفة.

والأهم من التعامل مع هذه الظواهر باعتبارها مواقف عدائية، هو البحث في أسباب ظهورها، وما إذا كانت مرتبطة بتغير حقيقي في صورة تركيا لدى بعض الفئات، أو أنها مجرد تعبير عن خلافات سياسية آنية.

إن إدارة الرأي العام في هذه الحالة لا تعني الحملات الإعلامية، بقدر ما تعني الحفاظ على السياسات التي أنتجت الثقة أصلاً: التنمية، والشفافية، واحترام السيادة، والتواصل المجتمعي، وتجنب الظهور بوصفه طرفاً في الاستقطاب الداخلي.

التحديات أمام الاستثمارات التركية طويلة الأجل

تواجه المصالح التركية في الصومال مجموعة من المخاطر المتداخلة:

  • المخاطر السياسية: تغير الحكومات والتحالفات ومواقف القوى السياسية.
  • المخاطر الأمنية: استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتعدد مراكز القوة.
  • المخاطر الاجتماعية: حساسية التوازنات المحلية والعشائرية والإقليمية.
  • المخاطر المرتبطة بالصورة العامة: احتمال تراجع الثقة إذا ارتبط الحضور التركي بطرف سياسي محدد.
  • مخاطر الاستقطاب :تحول المشاريع الاستراتيجية إلى موضوعات في الصراع السياسي الداخلي.

ولا تعني هذه المخاطر أن البيئة الصومالية غير مناسبة للاستثمار أو الشراكة، وإنما تعني أن نجاح المشروعات طويلة الأجل يتطلب إدارة سياسية واجتماعية للمخاطر بالتوازي مع الإدارة الاقتصادية والأمنية.

نحو مقاربة تركية أكثر اتزاناً

يمكن لتركيا تعزيز استدامة حضورها في الصومال من خلال مجموعة من المبادئ:

أولاً، الحفاظ على مسافة واضحة من الاستقطاب السياسي الداخلي، قدر الإمكان.

ثانياً، توسيع قنوات التواصل لتشمل المؤسسات الرسمية والأقاليم والفاعلين الاجتماعيين، ضمن الأطر التي تسمح بها الدولة والقانون.

ثالثاً، تعزيز الشفافية بشأن طبيعة التعاون العسكري والأمني، بما يقلل من مساحة الشائعات والتأويلات السياسية.

رابعاً، الفصل بين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية وبين الأشخاص والحكومات المتعاقبة.

خامساً، الاستثمار في القوة الناعمة التي كانت أساساً مهماً في بناء صورة تركيا، وعدم السماح للحضور الأمني بأن يطغى عليها.

سادساً، تطوير آليات منتظمة لرصد اتجاهات الرأي العام الصومالي تجاه تركيا، باعتبارها أحد مؤشرات المخاطر الاستراتيجية.

خاتمة

تمثل العلاقة التركية–الصومالية نموذجاً مهماً لحضور قوة إقليمية استطاعت خلال فترة زمنية محدودة الانتقال من المساعدة الإنسانية إلى شراكة متعددة الأبعاد. غير أن نجاح المرحلة الأولى لا يضمن تلقائياً استدامة المرحلة التالية.

فكلما توسع الدور التركي في المجالات الأمنية والاستراتيجية، ازدادت الحاجة إلى إدارة دقيقة للعلاقة مع مختلف القوى الصومالية، وإلى الحفاظ على التمييز بين دعم مؤسسات الدولة وبين الانخراط في التنافس السياسي الداخلي. وتكمن المصلحة التركية طويلة الأجل في الحفاظ على المعادلة التي صنعت نجاحها الأول: أن تُرى تركيا في الصومال بوصفها شريكاً للدولة والمجتمع، لا طرفاً في الصراع بين القوى السياسية.

أما بالنسبة إلى الصومال، فإن استدامة الشراكة مع تركيا وغيرها من الشركاء الدوليين تتطلب بدورها بناء مؤسسات قادرة على استيعاب المصالح الخارجية ضمن إطار وطني واضح، بحيث لا تتحول الشراكات الاستراتيجية إلى أدوات في الصراعات الداخلية.

وفي النهاية، فإن مستقبل الحضور التركي في الصومال لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الاتفاقيات، وإنما بمدى قدرة الطرفين على تحويل هذه المصالح إلى شراكة مؤسسية مستقرة تتجاوز تغير الحكومات والتحالفات السياسية.

 

يحيي عبد الرحمن طحلو

باحث في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى