مقدمة
لم تكن المقابلة التي أجراها رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد باللغة التقرينية، وبثتها هيئة الإذاعة والتلفزيون الإثيوبية في 19 أكتوبر 2026، مجرد حديث عن العلاقات مع إريتريا أو مستقبل إقليم تقراي، بل مثّلت محاولة لعرض رؤية الحكومة الإثيوبية للمرحلة الراهنة، وتحديد شروط التعامل مع الخصوم الداخليين والإقليميين. ففي الوقت الذي دعا فيه أسمرا إلى التخلي عن سياسات المواجهة والانخراط في شراكة تنموية مع أديس أبابا، وجّه إليها تحذيراً شديد اللهجة، مؤكداً أن تجاهل الدعوات الإثيوبية إلى السلام ستكون له «عواقب بالغة الخطورة». وفي الداخل، اتهم جبهة تحرير شعب تقراي بانتهاك اتفاق بريتوريا، ودعا الشباب المسلح إلى إلقاء السلاح والانصراف إلى إعادة بناء الإقليم.
تكتسب هذه الرسائل أهميتها من توقيتها؛ إذ تأتي بعد تجدد المواجهات في تقراي، ودخول القوات الاتحادية والقوات المتحالفة معها إلى مقلي في مطلع أكتوبر، وتشكيل إدارة انتقالية للإقليم، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وبذلك، تتجاوز المقابلة حدود الخطاب السياسي الداخلي لتلامس مستقبل التوازنات الأمنية في القرن الإفريقي، واحتمالات انتقال المواجهة من نزاع إثيوبي داخلي إلى صراع إقليمي أوسع.
وتتمثل الفرضية الأساسية لهذا المقال في أن أبي أحمد يحاول الجمع بين ثلاث مسارات متوازية: ردع إريتريا، وإعادة تشكيل المعادلة السياسية والأمنية في التقراي، وتقديم الحكومة الإثيوبية إلى المجتمعين الداخلي والدولي باعتبارها الطرف الذي يطرح السلام والتنمية، مع الاحتفاظ بخيار الضغط والتصعيد. غير أن نجاح هذه المقاربة يظل مرهوناً بمدى قدرتها على الانتقال من الرسائل الإعلامية إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للتنفيذ.
التهديد المشروط.. ردع إريتريا أم التمهيد لمواجهة محتملة؟
كان التحذير الموجه إلى القيادة الإريترية أبرز ما ورد في المقابلة وأكثره دلالة على اتجاه العلاقات بين البلدين. فقد حذّر أبي أحمد أسمرا من عواقب وصفها بالبالغة الخطورة إذا استمرت في تجاهل دعوات إثيوبيا إلى السلام، متهماً القيادة الإرترية بتحويل بلادها إلى قاعدة لقوى تسعى إلى زعزعة استقرار إثيوبيا، بدلاً من أن تكون شريكاً في التنمية الإقليمية.
وتتجاوز أهمية هذه اللغة حدود التراشق السياسي، إذ إنها تضع العلاقة الثنائية أمام معادلة ضغط واضحة: الاستجابة للدعوات الإثيوبية وفتح مسار للتعاون، أو مواجهة تداعيات استمرار الخصومة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن أديس أبابا حسمت قرارها باتجاه الحرب. فالتهديد قد يؤدي وظيفة ردعية تستهدف التأثير في حسابات أسمرا، أو تحسين شروط التفاوض، أو تحذيرها من التدخل في الصراع داخل التقراي والأمهرا.
مع ذلك، لا يمكن فصل التصريحات عن السياق الأمني المحيط بها. فقد تبادل البلدان الاتهامات بشأن التحركات العسكرية ودعم القوى المسلحة، وأعلنت إرتريا في الأول من أكتوبر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، وسط تصاعد الأزمة في شمال إثيوبيا. كما أوردت تقارير صحفية شهادات عن وجود جنود إريتريين داخل الأراضي الإثيوبية، وهي مزاعم لم تتمكن التقارير المستقلة من التحقق من جميع تفاصيلها، بينما رفضت أسمرا الرواية الإثيوبية بشأن مسؤوليتها عن زعزعة الاستقرار.
وعليه، فإن الرسالة الأولى الموجهة إلى إريتريا تتمثل في محاولة رفع كلفة استمرار المواجهة، وإفهام قيادتها أن أديس أبابا لن تتعامل مع ما تعتبره تدخلاً في أمنها بوصفه خلافاً سياسياً عابراً. لكن خطورة هذه الرسالة تكمن في أن التهديدات المتبادلة، إذا لم تقترن بقنوات اتصال وآليات لاحتواء الحوادث العسكرية، قد تؤدي إلى تصعيد غير مقصود، حتى إذا لم يكن أي من الطرفين قد اتخذ قراراً نهائياً بالحرب.
الشراكة الاقتصادية.. عرض للتقارب أم أداة للضغط السياسي؟
في مقابل التهديد، طرح أبي أحمد خطاباً يدعو إلى حسن الجوار والتعاون الاقتصادي، مستحضراً ما وصفه بالإمكانات الصناعية التي كانت تمتلكها إريتريا عندما كانت جزءاً من إثيوبيا. وأشار إلى أن إرتريا كانت تضم أكثر من 300 مصنع، قبل أن ينتقد ما اعتبره تراجعاً اقتصادياً وتنموياً خلال العقود التالية للاستقلال، رابطاً ذلك بأولويات القيادة الإريترية وسياساتها.
ولا ينبغي قراءة هذه المقارنة باعتبارها تقييماً اقتصادياً مستقلاً لأوضاع إريتريا، فهي جزء من خطاب سياسي إثيوبي يستهدف إظهار التناقض بين الإمكانات التي يراها أبي أحمد متاحة للبلدين وبين استمرار القطيعة والصراع. وتتمثل الرسالة الضمنية في أن إريتريا، وفق التصور الذي يطرحه رئيس الوزراء الإثيوبي، تخسر فرص التنمية بسبب تغليب الاعتبارات الأمنية والسياسية على التعاون الإقليمي.
وتحمل الدعوة إلى الشراكة بعداً تفاوضياً واضحاً، فحين يقترن عرض التعاون بتحذير شديد، يصبح التقارب المطروح مشروطاً بتغيير السلوك السياسي والأمني للطرف الآخر وفق التصور الإثيوبي. ومن هنا، تبدو الشراكة في المقابلة أقرب إلى عرض سياسي يراد من خلاله التأثير في خيارات أسمرا، منها إلى مبادرة اقتصادية متكاملة تتضمن مشاريع محددة وآليات تنفيذ وضمانات متبادلة.
ومع ذلك، فإن المصالح الاقتصادية المشتركة ليست مجرد غطاء خطابي. فإثيوبيا، بوصفها دولة غير ساحلية، تنظر إلى الموانئ والطرق التجارية باعتبارها عناصر أساسية في أمنها الاقتصادي والاستراتيجي، بينما تمتلك إرتريا موقعاً ساحلياً وموانئ يمكن أن تشكل جزءاً من أي صيغة مستقبلية للتكامل التجاري. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى شراكة يتطلب معالجة الخلافات الأمنية، واحترام السيادة، والتوصل إلى ترتيبات واضحة بشأن التجارة والعبور والموانئ.
وهنا تبرز مفارقة أساسية: يمكن أن يشكل التعاون الاقتصادي مدخلاً لتخفيف التوتر، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر إضافي للخلاف إذا ارتبط بتصورات متباينة بشأن النفوذ والسيادة. ولذلك، فإن المعيار الحقيقي لجدية عرض الشراكة لن يكون مستوى الخطاب، بل مدى استعداد الطرفين للدخول في مفاوضات واضحة، بعيداً عن التهديدات والاتهامات المتبادلة.
تقراي واتفاق بريتوريا.. إعادة تعريف شروط التسوية
احتلت جبهة تحرير شعب تقراي موقعاً مركزياً في المقابلة، إذ اتهمها أبي أحمد بانتهاك اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، والعودة إلى الاستعداد العسكري بدلاً من استكمال الترتيبات التي كان يفترض أن تنهي الحرب وتسمح بإعادة بناء الإقليم. ووفق الرواية الحكومية، فإن الجبهة واصلت السعي إلى الحصول على الأسلحة وتعبئة الشباب، بدلاً من تنفيذ التزامات نزع السلاح.
ويأتي هذا الخطاب بعد تحول ميداني وسياسي مهم، إذ دخلت القوات الاتحادية والقوات المتحالفة معها مقلي في مطلع أكتوبر، وانسحبت قوات الجبهة من العاصمة الإقليمية، قبل إعلان تشكيل إدارة انتقالية لمدة ستة أشهر تمهيداً لإجراء انتخابات إقليمية. وتكشف هذه التطورات عن سعي الحكومة إلى تثبيت وقائع جديدة في الإقليم، وإعادة تنظيم السلطة المحلية بما يقلص قدرة الجبهة على الاحتفاظ بنفوذها السياسي والعسكري السابق.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم دعوة أبي أحمد الشباب المسلح إلى تسليم أسلحتهم والعودة إلى الحياة المدنية باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لتفكيك البنية العسكرية التي يمكن أن تستند إليها الجبهة في استئناف المواجهة. كما أن ربط نزع السلاح بالزراعة والتعليم والأعمال والصناعة يهدف إلى تقديم بديل اجتماعي واقتصادي للشباب الذين استنزفتهم الحرب.
لكن هذه المقاربة تواجه تحدياً أساسياً: فإلقاء السلاح لا يعتمد على الدعوة السياسية وحدها، بل يتطلب ضمانات أمنية، وترتيبات موثوقة لإعادة الإدماج، وحماية من الانتقام، وتوفير فرص معيشية فعلية. وقد أظهرت التقارير عن تسجيل مقاتلين سابقين للانخراط في برامج العودة إلى الحياة المدنية وجود رغبة لدى بعضهم في تجنب العودة إلى القتال، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الإقليم دخل مرحلة استقرار مستدام.
كما أن تحميل قيادة الجبهة وحدها مسؤولية تعثر الاتفاق يظل جزءاً من الرواية الرسمية الإثيوبية، وليس حكماً مستقلاً على جميع أسباب انهيار الترتيبات السابقة. فاستدامة السلام تتطلب معالجة قضايا النازحين، واستعادة الخدمات، وإعادة بناء المؤسسات، وضمان مشاركة سياسية مقبولة لسكان الإقليم.
وبالتالي، فإن الرسالة إلى تقراي تتجاوز الدعوة إلى وقف القتال، فهي تعكس محاولة لإعادة تعريف شروط التسوية نفسها، بحيث لا تعود الجبهة إلى موقعها السابق بوصفها القوة المهيمنة على الإقليم، بل تنتقل السلطة إلى ترتيبات جديدة تقودها مؤسسات انتقالية تحت إشراف الحكومة الاتحادية.
من يخاطب أبي أحمد باللغة التقرينية؟
لا يقل اختيار اللغة التقرينية أهمية عن مضمون المقابلة. فالتواصل المباشر مع سكان الإقليم بلغتهم يتيح لرئيس الوزراء تجاوز الحواجز الإعلامية والسياسية، وتوجيه رسالته إلى الجمهور المحلي والمقاتلين والقيادات المجتمعية، بدلاً من الاقتصار على مخاطبة النخب السياسية باللغة الأمهرية أو الجمهور الوطني الأوسع.
وتتمثل الرسالة الأبرز هنا في محاولة الفصل بين المجتمع التقراوي وقيادة جبهة تحرير تقراي، بحيث لا يُقدَّم مستقبل الإقليم باعتباره مرتبطاً حصراً ببقاء الجبهة في السلطة أو باستمرار المواجهة المسلحة. وبهذا المعنى، يسعى أبي أحمد إلى مخاطبة المصالح اليومية للسكان، مثل الأمن وعودة النازحين واستعادة الخدمات والتعليم والعمل، وتقديم الحكومة الاتحادية بوصفها طرفاً يتيح طريقاً بديلاً عن الحرب. كما أن خطاب أبي أحمد باللغة التقرينية يمتد إلى الشعب الإرتري الذي يتحدث التقرينية، في غالبه، وهي رسائل ذات مغزى في اتجاه تبيين فشل القيادة الإرترية الحاكمة في خلق حياة كريمة للشعب الإرتري بل وذهب أبعد من ذلك بالقول بأن الوضع في فترة سيطرة إثيوبيا على إرتريا كانت الأوضاع أفضل بكثير مما عليه الآن.
ويحمل هذا الخطاب أيضاً بعداً سياسياً يتعلق بشرعية الإدارة الانتقالية. فالحكومة لا تحتاج فقط إلى السيطرة على المدن والمنشآت، وإنما إلى إقناع السكان بأن الترتيبات الجديدة قادرة على توفير الأمن والخدمات والتمثيل السياسي. ومن دون ذلك، قد تتحول السيطرة الميدانية إلى وضع هش، خصوصاً إذا احتفظت الجبهة بقدرة على إعادة تنظيم صفوفها في مناطق أخرى من الإقليم.
ومن ثم، فإن استخدام اللغة المحلية يمكن أن يكون أداة للتواصل وبناء الثقة، لكنه لا يمثل بديلاً عن المشاركة السياسية أو عن ضمانات التسوية. وستتحدد فاعليته بمدى قدرة الحكومة على ترجمة وعود السلام وإعادة الإعمار إلى نتائج ملموسة.
الرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج
يمكن تفكيك رسائل المقابلة إلى خمسة مستويات مترابطة:
- إلى القيادة الإرترية: الرسالة مفادها أن استمرار العداء، وفق الاتهامات الإثيوبية، سيؤدي إلى رفع كلفة المواجهة، بينما يظل التعاون الاقتصادي والسياسي متاحاً إذا تغيرت سياسات أسمرا. وهي رسالة ردع وضغط تفاوضي في آن واحد.
- إلى المجتمع التقراوي: يريد أبي أحمد التأكيد أن مستقبل السكان لا ينبغي أن يظل رهينة الصراع بين الحكومة الاتحادية والجبهة، وأن التنمية واستعادة الخدمات وعودة النازحين تمثل أولويات تتقدم على استمرار التعبئة العسكرية.
- إلى قيادة جبهة تحرير تقراي والمقاتلين: تقول الرسالة أن الحكومة تسعى إلى إنهاء قدرة الجبهة على إعادة بناء قوتها المسلحة، وتعرض نزع السلاح والعودة إلى الحياة المدنية بديلاً عن القتال. غير أن هذه الرسالة ستظل محدودة التأثير ما لم تقترن بضمانات موثوقة للمقاتلين والسكان.
- إلى الداخل الإثيوبي: تسعى المقابلة إلى تقديم الحكومة باعتبارها الطرف الذي يجمع بين الدفاع عن أمن الدولة والدعوة إلى السلام والتنمية، بينما يضع خطابها خصومها في موقع المسؤول عن استمرار المواجهة. ويساعد هذا التأطير على تعبئة الدعم الداخلي، لكنه قد يضيّق مساحة الاعتراف بتعقيدات الأزمة إذا تحول إلى رواية أحادية لا تترك مجالاً للتسوية.
- إلى القوى الإقليمية والدولية: يريد أبي أحمد إظهار أن أديس أبابا لا ترفض التعاون من حيث المبدأ، لكنها لن تقبل ما تعتبره تدخلاً خارجياً في أمنها. وفي المقابل، فإن التهديدات الموجهة إلى إريتريا قد تثير مخاوف من اندلاع حرب جديدة، وهو ما يفسر أهمية الدعوات الدولية إلى ضبط النفس والعودة إلى المسار الدبلوماسي.
الترابط بين التقراي وإرتريا.. هل تتجه المنطقة إلى معادلة أمنية جديدة؟
تكمن الدلالة الاستراتيجية الأعمق للمقابلة في الربط بين الملفين الإرتري والتقراوي. فإعادة ترتيب السلطة في تقراي ليست مسألة داخلية خالصة، لأن مستقبل الإقليم يتأثر بعلاقاته الحدودية وبحسابات القوى المحيطة به. وفي المقابل، فإن تدهور العلاقات مع إرتريا قد يخلق بيئة مواتية لتجدد التعبئة المسلحة، ويجعل أي تسوية داخلية أكثر هشاشة.
ويضع هذا الترابط أديس أبابا أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تريد الحكومة تثبيت ترتيبات جديدة في تقراي، وتقليص قدرة جبهة تحرير تقراي على استئناف الحرب. ومن جهة أخرى، فإن استمرار التوتر مع إرتريا قد يوسع نطاق المواجهة ويستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية، ويجعل استقرار شمال إثيوبيا مرتبطاً بتطورات تتجاوز قدرة الحكومة على التحكم فيها.
وتزداد حساسية المشهد مع ارتباط العلاقات الإثيوبية – الإرترية بمسألة الوصول إلى البحر الأحمر. فالمطلب الإثيوبي المتعلق بالوصول إلى البحر يتصل بالاقتصاد والتجارة والأمن القومي، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف بشأن السيادة الإرترية، خصوصاً في ظل تاريخ طويل من الصراع وانعدام الثقة. وقد أصبح هذا الملف أحد العوامل التي تغذي التوتر بين البلدين، إلى جانب الاتهامات المتبادلة بشأن التحركات العسكرية والتدخل في الصراع الإثيوبي الداخلي.
لكن من المهم عدم القفز من هذا الترابط إلى استنتاج أن الحرب باتت حتمية. فالتصعيد الخطابي قد يكون أداة ضغط، وقد يكون مؤشراً على تدهور خطير في العلاقات؛ والفصل بين الاحتمالين يتطلب متابعة التحركات العسكرية الفعلية، والقنوات الدبلوماسية، وأي مبادرات وساطة أو ترتيبات لاحتواء الحوادث الحدودية.
خاتمة
تكشف مقابلة أبي أحمد عن محاولة لإعادة صياغة شروط التعامل مع خصوم إثيوبيا الداخليين والإقليميين في مرحلة شديدة الحساسية. فهو يطرح الشراكة الاقتصادية مع إريتريا، لكنه يقترن بها بتهديد واضح، ويدعو الشباب التقراوي إلى نزع السلاح وإعادة الإعمار، بينما يتهم قيادة الجبهة بتقويض اتفاق بريتوريا ويسعى إلى تثبيت ترتيبات سياسية جديدة في الإقليم.
وتتوزع الرسائل بين الردع والاحتواء: إلى أسمرا، بأن استمرار الخصومة ستكون له كلفة؛ وإلى سكان تقراي، بأن الحكومة تعرض مساراً بديلاً عن الحرب، وإلى الداخل الإثيوبي، بأن القيادة تجمع بين حماية الدولة والدعوة إلى التنمية، وإلى الخارج، بأن أديس أبابا تريد إظهار نفسها مستعدة للتعاون، مع الاحتفاظ بحقها في مواجهة ما تعتبره تهديداً لأمنها.
غير أن الجمع بين التهديد والشراكة ينطوي على تناقض محتمل. فالشراكة تتطلب الثقة والاحترام المتبادل وضمانات السيادة، بينما قد يؤدي التهديد المستمر إلى تعميق المخاوف وإغلاق قنوات التفاوض. وبالمثل، فإن إنهاء سيطرة خصم سياسي على مدينة أو إقليم لا يعني بالضرورة إنهاء أسباب الصراع، ما لم تُعالج المظالم وتُستكمل ترتيبات السلام وتُضمن مشاركة سياسية مقبولة.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لخطاب أبي أحمد لن يكون في شدة التحذيرات أو قوة الدعوة إلى التنمية، بل في قدرة الحكومة الإثيوبية على تحويل الردع إلى سياسة منضبطة، والشراكة إلى مسار تفاوضي واضح، والتحولات الميدانية في التقراي إلى تسوية سياسية مستدامة. أما إذا ظلت الرسائل محكومة بمنطق الضغط من دون تفاهمات عملية، فقد تتحول المقابلة من محاولة لإدارة الأزمة إلى حلقة جديدة في تصعيدها، بما يحمله ذلك من مخاطر على إثيوبيا وإرتريا واستقرار القرن الإفريقي بأكمله.




