- ديزيريه أسوغ بافي
- خبير قانوني ومناصر لقضايا التنمية الدولية، مستشار المناصرة لشؤون أفريقيا في مؤسسات المجتمع المفتوح، تولى مناصب قيادية في منظمة “وان” وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة “أوكسفام” الدولية.
- 6 أكتوبر 2026
ما الذي يمكن أن تقدمه وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية (AfCRA) لتمويل التنمية، وما هي متطلبات نجاحها؟
يركز جزء مهم من عملي في مؤسسات المجتمع المفتوح (Open Society Foundations) على تمويل التنمية، وعلى تعاوننا مع المؤسسات الأفريقية المشتركة، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، وبنك التنمية الأفريقي، واللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة.
في سياق التنمية في أفريقيا، لا تقل تكلفة الأموال المقترضة أهميةً عن حجم الأموال المتاحة؛ ولهذا السبب، أتناول في هذا المقال التغييرات التي قد تحدثها وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية (AfCRA) في مجال تمويل التنمية، وما يلزم لتحقيق ذلك.
قبل ثلاثة أشهر، في أبيدجان، كانت وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية (AfCRA) مجرد خطة عُرضت على وزراء المالية والتنمية الاقتصادية والتجارة الأفارقة. أما هذا الأسبوع، في بورت لويس بموريشيوس، فقد أصبحت واقعاً ملموساً. وأنا أتابع هذا الإطلاق من بانكوك في تايلاند، حيث يجتمع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الأسبوع المقبل في إطار اجتماعاتهما السنوية لعام 2026، لمناقشة الأسئلة ذاتها التي تسعى هذه الوكالة الجديدة للإجابة عليها: ما مدى خطورة الاستثمار في أفريقيا؟
في يوم الأربعاء، 7 أكتوبر 2026، أطلق الاتحاد الأفريقي رسمياً وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية (AfCRA) في بورت لويس بموريشيوس، وذلك بعد ثماني سنوات من تبني القادة الأفارقة لهذه الفكرة في عام 2018. وبدعم من مؤسسات مثل البنك الأفريقي للاستيراد والتصدير (Afreximbank)، ستقوم الوكالة الجديدة بتصنيف الحكومات، والسلطات المحلية (كالمدن والأقاليم)، والمؤسسات المالية، والشركات الخاصة. ومن بين أهدافها الأولى تقديم تصنيفات ائتمانية للدول الأفريقية الثلاث والعشرين التي لا تغطيها حالياً وكالات التصنيف العالمية مثل “موديز” (Moody’s) و”ستاندرد آند بورز” (S&P) و”فيتش” (Fitch). إن الرهانات كبيرة؛ فقد بلغت تكلفة خدمة الديون الخارجية لأفريقيا 163 مليار دولار في عام 2024، وكل نقطة مئوية إضافية تدفعها أفريقيا كفوائد -تتجاوز ما تبرره مخاطرها الفعلية- تعني تقليص الموارد المتاحة للتنمية.
إن العديد من القضايا التي ستُناقش في بانكوك، مثل الديون وكيفية جذب الاستثمارات الخاصة لأجل التنمية، تعود في جوهرها إلى سؤال بسيط: ما مدى خطورة الإقراض لأفريقيا، وما هي التكلفة العادلة التي ينبغي أن تتحملها أفريقيا مقابل الاقتراض؟
يُعد إطلاق وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية (AfCRA) إنجازاً حقيقياً. طلبت مفوضية الاتحاد الأفريقي من “آلية مراجعة النظراء الأفريقية” (APRM) دراسة هذه الفكرة في عام 2017، ثم أقرها القادة الأفارقة في عام 2018. ومنذ ذلك الحين، خضعت الفكرة للنقاش وإعادة التصميم، كما واجهت تأجيلات متكررة. لكن تأسيس وكالة شيء، وخفض تكلفة الاقتراض بالنسبة لأفريقيا شيء آخر تماماً؛ فالأول سيتحقق هذا الأسبوع، أما الثاني فيعتمد على شروط لا تزال بعيدة كل البعد عن التحقق. وستعمل “الوكالة الأفريقية للتصنيف الائتماني” (AfCRA) على استكمال دور وكالات التصنيف الائتماني العالمية القائمة، من خلال تقديم منظور بديل يستند إلى البيانات والخبرات والواقع الخاص بالسياق الأفريقي.
تكلفة التصنيفات الائتمانية على أفريقيا
التصنيف الائتماني هو تقييم يوضح للمقرضين مدى احتمالية قيام المقترض بسداد ديونه. ويؤثر هذا التصنيف على الجهات التي يمكنها إقراض حكومة أو شركة ما، وكذلك على سعر الفائدة المطبق. فبعض المستثمرين، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين، لا يُسمح لهم في الغالب إلا بشراء السندات الحاصلة على تصنيف ائتماني.
وتواجه أفريقيا في هذا الصدد مشكلتين؛ الأولى هي أن جزءاً كبيراً من القارة يظل غير مرئي للمستثمرين؛ إذ لا تمتلك 23 دولة أفريقية أي تصنيف ائتماني على الإطلاق. وتشير “آلية مراجعة النظراء الأفريقية” (APRM) إلى أن قيمة الأسواق المالية في أفريقيا تبلغ نحو 4 تريليونات دولار، لكن أقل من 5% منها فقط يحظى بتصنيف ائتماني. وتقدر “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” (UNDP) أن توسيع نطاق التصنيف الائتماني ليشمل المزيد من الشركات والمدن قد يتيح فرصاً تجارية بقيمة تصل إلى 46 مليار دولار.
أما المشكلة الثانية، فهي أنه حتى في الحالات التي تتوفر فيها تصنيفات ائتمانية، ترى الحكومات الأفريقية أنها غالباً ما تستند إلى الانطباعات أكثر من استنادها إلى الحقائق. وقد قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن هذا الجانب غير العادل في التصنيفات قد يكلف الدول الأفريقية ما يصل إلى 74.5 مليار دولار، وذلك من خلال ارتفاع مدفوعات الفائدة أو فقدان فرص الحصول على قروض من الأساس. ورغم أن هذا الرقم محل جدل -حيث يُفضل اعتباره حداً أقصى محتملاً وليس تكلفة دقيقة- إلا أن المخاوف الكامنة وراءه حقيقية.
وهناك تكلفة أخرى تهم كلاً من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشكل مباشر؛ فخلال جائحة كوفيد-19، أتاحت مجموعة العشرين للدول الفقيرة فرصة لتعليق سداد ديونها. وعندما تقدمت بعض الدول -مثل إثيوبيا- بطلب للاستفادة من هذا الإجراء، حذرت وكالة “موديز” من أنها قد تخفض تصنيفها الائتماني، مما دفع دولاً أفريقية أخرى إلى الامتناع عن تقديم أي طلب. فإذا كان طلب المساعدة يؤدي إلى عقاب من الأسواق، فهذا يعني أن النظام لا يعمل كما ينبغي.
ما هي “وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية” (AfCRA)؟ وما هي طبيعة عملها؟
لن تحل “وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية” (AfCRA) محل وكالات التصنيف العالمية الكبرى الثلاث: “موديز” (Moody’s)، و”ستاندرد آند بورز” (S&P)، و”فيتش” (Fitch)، بل ستعمل إلى جانبها. وهي شركة خاصة يملكها أفارقة وتتخذ من موريشيوس مقراً لها، وقد أُسست لتكون مستقلة مالياً وتعتمد على مواردها الذاتية. وقد ساهمت “آلية مراجعة النظراء الأفريقية” (APRM) في تأسيسها، لكنها ستنسحب الآن من دورها التأسيسي.
في مرحلتها الأولى، ستقوم “AfCRA” بتصنيف الحكومات، والسلطات الإقليمية والمحلية (المدن)، وسندات الشركات، والبنوك، وغيرها من المؤسسات المالية، مع إيلاء اهتمام خاص للديون المقومة بالعملات المحلية الأفريقية. لا تُعد “أف سي آر إيه” (AfCRA) أول وكالة تصنيف ائتماني في أفريقيا؛ إذ تعمل في القارة وكالات أخرى، مثل “جي سي آر” (GCR)، و”أجوستو آند كو” (Agusto & Co)، و”بلومفيلد” (Bloomfield) . لكن ما تفتقر إليه أفريقيا هو وكالة تغطي القارة بأكملها، وتُقيّم الحكومات، وتحظى بتقدير جدي من قِبل المستثمرين في لندن ونيويورك، تماماً كما في لاغوس ونيروبي. وهذا هو الفراغ الذي تسعى “أف سي آر إيه” إلى ملئه.
لقد كانت “أف سي آر إيه” صريحة بشأن حدود قدراتها؛ فهي تؤكد أن التصنيف الأفريقي لا يمكن أن يغني عن توفير معلومات أفضل من قِبل الحكومات. وهذه رسالة صائبة؛ فوكالة التصنيف الائتماني تقيس المخاطر، لكنها لا تعمل على تقليلها.
ما تحتاجه “أف سي آر إيه” لتحقيق النجاح
هناك 5 شروط على الأقل ستحدد ما إذا كانت “أف سي آر إيه” ستصبح ذات فائدة حقيقية، أم سيتم تجاهلها بلباقة من قِبل المستثمرين:
أولاً: الاستقلالية الحقيقية. تأسست “أف سي آر إيه” بقرار من الاتحاد الأفريقي، وسيكون معظم عملائها الأوائل من الحكومات الأفريقية التي تدفع مقابل الحصول على تصنيف. ونظراً لأن الوكالات العالمية تتقاضى أيضاً أجوراً من الجهات التي تُقيّمها -مما يخلق تضارباً في المصالح- فإن “أف سي آر إيه” تواجه الخطر ذاته، مضافاً إليه مخاطر سياسية. لذا، يجب عليها إثبات -بشكل قاطع- أنه لا يمكن لأي رئيس أو وزير التأثير على قراراتها. وهذا يتطلب وجود أعضاء مجلس إدارة مستقلين، وقواعد معلنة بشأن تضارب المصالح، وضمان عدم التفاوض على التصنيفات مع الحكومات، والشفافية التامة فيما يخص الرسوم التي تتقاضاها.
ثانياً: الشجاعة في إعلان الأخبار السيئة. محقةٌ “أف سي آر إيه” في أن التوقيت وطريقة التواصل يُعدّان أمرين بالغَي الأهمية أثناء الأزمات؛ لكن إذا اعتقد المستثمرون أنها تؤخر إعلان الأخبار السيئة لحماية حكومة ما، فسيفقدون الثقة بها.
ثالثاً: منهجية واضحة وشفافة. تقول “أف سي آر إيه” إن منهجيتها تعكس الواقع الأفريقي؛ ولإقناع المستثمرين، عليها أن تنشر تفاصيل دقيقة حول آلية عملها: البيانات التي تستخدمها، ووزن كل عامل في عملية التقييم. كما ينبغي عليها، مع مرور الوقت، نشر دراسات توضح مدى دقة تصنيفاتها السابقة.
رابعاً: توفير بيانات أفضل من قِبل الحكومات. وهذا الأمر يعتمد على الحكومات لا على “أف سي آر إيه”. فوجود قروض خفية، وضمانات خارج الميزانية العامة، وديون غامضة للشركات المملوكة للدولة، قد ألحق بـ “الجدارة الائتمانية” لأفريقيا ضرراً أكبر مما تسببت به أي وكالة أجنبية. ولا يمكن لـ “أف سي آر إيه” تقييم ما تخفيه الحكومات؛ لذا، فإن الدول التي تطمح للحصول على تصنيفات أكثر إنصافاً عليها أن تفصح عن كامل ديونها، بما في ذلك القروض المضمونة بالنفط أو المعادن أو غيرها من الموارد. خامساً، الاعتراف الرسمي. تكتسب التصنيفات أهميتها القصوى عندما تفرض القواعد على الأطراف المعنية استخدامها. فإذا ما اعتمدت البنوك المركزية وهيئات تنظيم الأسواق في أفريقيا تصنيفات “أفريكا سي آر إيه” (AfCRA) بشكل رسمي، فسيصبح لزاماً على البنوك وصناديق الاستثمار المحلية أن تأخذ هذه التصنيفات في الحسبان. وبالفعل، يجري العمل على تحقيق ذلك بالتعاون مع رابطة البنوك المركزية الأفريقية واتحاد البورصات الأفريقية. أما الحصول على اعتراف من الهيئات التنظيمية في أوروبا والولايات المتحدة، فسيتطلب سنوات من العمل وبناء سجل حافل وموثوق؛ وهو هدف جيد، لكن لا ينبغي التعويل على تحقيقه في المدى القريب.
ما يمكن لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي القيام به
لا يسيطر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الوكالة الأفريقية للتصنيف الائتماني (AfCRA)، ولا ينبغي لهما محاولة ذلك. لكنهما يساهمان في تشكيل النظام الذي تعمل ضمنه هذه الوكالة، وبإمكانهما اتخاذ أربع خطوات عملية:
يمكنهما المساعدة في تحسين البيانات؛ فدعمُهما للدول في الإبلاغ عن كامل ديونها يتيح لجميع وكالات التصنيف الائتماني -سواء كانت أفريقية أو غير ذلك- الحصول على معلومات أدق وأفضل للعمل بناءً عليها.
يمكنهما الاستعانة بتصنيفات “AfCRA” حيثما كان ذلك منطقياً. فمؤسسات القطاع الخاص التابعة للبنك الدولي، مثل مؤسسة التمويل الدولية (IFC) والوكالة الدولية لضمان الاستثمار (MIGA)، إلى جانب بنوك التنمية الإقليمية، باتت تتوسع في تقديم القروض والضمانات بالعملات المحلية. وإذا ما أخذت هذه المؤسسات تصنيفات “AfCRA” في الاعتبار إلى جانب تصنيفات أخرى، فستكتسب الوكالة مستخدمين أوائل يتطلعون إلى معايير عالية الجودة.
يمكنهما إفساح المجال لها ضمن تحليلاتهما؛ إذ يعكف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حالياً على مراجعة الأداة التي يستخدمانها لتقييم مدى استدامة ديون الدول الفقيرة. وينبغي لهذه المراجعة أن توضح بدقة كيفية استخدام التصنيفات الائتمانية، مع إتاحة المجال لاعتماد التصنيفات الإقليمية الموثوقة كمرجع.
يمكنهما معالجة “مشكلة العقاب”؛ فما دامت الدول تخشى خفض تصنيفها الائتماني عند طلب تخفيف أعباء الديون، فإنها ستتجنب اللجوء إلى آليات مثل “الإطار المشترك” لمجموعة العشرين. وهنا، يمكن لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي الجمع بين وكالات التصنيف العالمية والأفريقية للاتفاق على كيفية التعامل مع تصنيفات الدول التي تسعى للحصول على تخفيف رسمي لديونها.
الاختبار الحقيقي
لقد استغرق تأسيس “AfCRA” وقتاً طويلاً، ويستحق إطلاقها الاحتفاء. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في “بورت لويس” هذا الأسبوع أو في “بانكوك” الأسبوع المقبل؛ بل سيظهر تدريجياً على مدى السنوات الخمس القادمة: في كل مرة يقرر فيها صندوق تقاعد أفريقي ما إذا كان سيشتري سندات صادرة عن مدينة ما، وفي كل مرة تضطر فيها “AfCRA” إلى إبلاغ حكومةٍ ما بأمرٍ لا ترغب في سماعه.




