تحليلات

بين الميناء والمرتفعات: الجغرافيا التي شكلت إرتريا

الميناء الذي سبق الدولة:

كيف بدأت حكاية إرتريا الحديثة؟

قبل وقت طويل من حمل هذه الأرض اسم “إرتريا” — وقبل ترسيم حدودها كدولة ذات سيادة — كان لساحلها دور بارز في حسابات القوى الكبرى التي نظرت إلى البحر الأحمر باعتباره ممراً حيوياً ومجالاً للنفوذ. لم تكن مدينتا مصوع وعصب مجرد نقطتين على الخريطة، بل كانتا جزءاً لا يتجزأ من جغرافيا بحرية جعلت من هذا الشريط الساحلي ملتقىً للتجارة، ومسرحاً لتنافس الإمبراطوريات وتصادم المصالح. وهنا نلاحظ مفارقة في التاريخ الإرتري: فالأهمية الاستراتيجية للمنطقة سبقت قيام الدولة التي تشكلت عليها في نهاية المطاف. لم تظهر إرتريا بداية كدولة تحدد هويتها بموقعها الاستراتيجي؛ بل إن موقعها كان قد اكتسب قيمته قبل قرون من تبلور الدولة ذاتها. ولا يعني هذا أن البحر وحده هو من صنع إرتريا الحديثة؛ فقد تشكلت الدولة بفعل طبقات أكثر تعقيداً من التاريخ المحلي، والتدخلات الإقليمية، والمشاريع الاستعمارية، والتحولات السياسية، والصراعات الممتدة. ومع ذلك، ظل البحر خيطاً رابطاً وعنصراً جوهرياً لفهم تاريخ هذه المنطقة.

دخل العثمانيون مدينة مصوع في القرن السادس عشر وسط صراع أوسع نطاقاً للسيطرة على البحر الأحمر وممراته المائية. وفي وقت لاحق، أدت تحولات القرن التاسع عشر — وأبرزها افتتاح قناة السويس عام 1869 — إلى تعزيز القيمة الاستراتيجية للساحل؛ إذ تحول من جزء من شبكة نفوذ إقليمية إلى حيز تتقاطع فيه طرق التجارة والطموحات الإمبراطورية والمصالح الدولية. وعليه، فإن النظر إلى تاريخ إرتريا من منظور البحر لا يعني اختزال البلاد في ساحلها فحسب، بل يطرح تساؤلاً أعمق: كيف أصبح هذا الموقع — قبل وقت طويل من تحوله إلى دولة — جزءاً من ساحة جغرافية استقطبت صراعات القوى؟ قد لا يكون تاريخ الدولة بحد ذاتها قد بدأ عند الميناء، لكن قصة المكان الذي أقيمت عليه تلك الدولة بدأت، إلى حد كبير، من البحر.

حين أصبح البحر الأحمر حدودًا للإمبراطوريات

قبل القرن السادس عشر ما كان البحر الأحمر ممرًا مائيًا يفصل بين ضفتين فقط، بل كان سبيلا سالكا للتجارة والهجرة والحج، تقاطعت فيه السياسة والاقتصاد. لكن القرن السادس عشر أضاف إليه بُعدًا جديدًا؛ وهو التنافس الإمبراطوري على الملاحة والموانئ ومواقع النفوذ. في عام 1517، أصبح البحر الأحمر جزءًا من منظومة استراتيجية تمتد من مصر والحجاز إلى اليمن والمحيط الهندي، وذلك بعد ضم العثمانيين مصر إلى إمبراطوريتهم. وفي المقابل، كان حضور البرتغال البحري واسعا في المحيط الهندي، وبذلك لم تعد الموانئ الواقعة على البحر الأحمر مراكز تجارية فحسب؛ ولكنها صارت نقاط ارتكاز لحماية الملاحة وتأمين الإمدادات ومراقبة طرق العبور.

دخل ميناء مصوع ضمن هذه الشبكة  واكتسب أهمية تجاوزت حجمه الجغرافي. فقد كان موقعه  يربط بين المجالين المصري والحجازي من جهة، واليمن والقرن الأفريقي والمحيط الهندي من جهة أخرى. ولذلك لم يكن التنافس عليه نزاعًا حول ميناء منفرد، بل جزءًا من صراع أوسع على شبكة الموانئ والطرق البحرية التي جعلت البحر الأحمر مجالًا استراتيجيًا للإمبراطوريات.

التجربة العثمانية كشفت عن مفارقة ستتكرر في تاريخ إرتريا: الادراك السهل لأهمية الساحل لا يعني سهولة السيطرة على ما وراء الساحل. البحر يمنحك الوصول إلى الميناء، لكن الميناء وحده ليس كافيا لتبني نفوذ مستقر في المناطق الواقعة خلفه. ومن هنا بدأت مصوع تتجاوز تاريخها المحلي لتصبح نقطة التقاء بين جغرافية إرتريا وشبكة إقليمية أوسع؛ وهذه المفارقة ستظل حاضرة كلما دخلت قوة جديدة إلى هذا الساحل.

مصوع: المدينة التي عاشت أكثر من إمبراطورية

مصوع ربما هي المدينة التي تجسد التاريخ الحديث للساحل الإرتري. فمع تعاقب قوى وإمبراطوريات متعددة عليها، من العثمانيين والمصريين إلى البريطانيين والإيطاليين والإثيوبيين، حافظت على وظيفتها الجغرافية؛ إذ ظلت نقطة وصل بين البحر والبر، وبين الساحل الأفريقي وشبكات الملاحة الممتدة شمالاً وجنوباً.

قيمة مصوع التي تم اكتشافها تجاوزت مساحتها المحدودة وسكانها المعدودين، حيث صارت شبكة تصل البحر الأحمر بالمناطق الداخلية، وتربط التجارة بالحركة السياسية والعسكرية. وفي العهد العثماني دخلت ضمن المجال البحري الذي يصل مصر والحجاز واليمن والقرن الأفريقي والمحيط الهندي، فأضحت ركنا في فضاء أوسع للتجارة والملاحة والهجرات البشرية.

وتاريخها أيضا يكشف حدود القوة البحرية؛ فالإستحواذ على الميناء لا يعني امتلاك الأرض التي وراءه، وإخضاع الداخل لا يقارن بتأمين الساحل. والتحول الى نفوذ مستدام في موقع بحري ما، لا يتم الا من خلال ربط الساحل بالمناطق الداخلية. وهنا تبرز مفارقة أخرى في التاريخ الإرتري:  مصوع كانت بوابةً للبلاد، ولم تكن البلاد ذاتها؛ وكانت نافذةً على العالم، لكنها لم تستطع وحدها تحديد العلاقة بين الساحل والداخل. لهذا لم تستمد مصوع أهميتها من الإمبراطوريات التي حكمتها، بقدر ما أعادت تلك الإمبراطوريات اكتشاف أهمية موقعها كلما تغيرت موازين القوة وأُعيد رسم الخريطة.

العثمانيون لم يصنعوا إرتريا، لكنهم ساعدوا في كشف موقعها

عندما وصل العثمانيون إلى مصوع لم تكن إرتريا موجودة بحدودها الحالية وهويتها السياسية المعروفة الآن، ولم يكن لدى العثمانيين مشروعا يهدف إلى إنشاء كيان يشبه الدولة التي ستظهر بعد قرون. لذلك يمكن قراءة التجربة العثمانية على أنها أعادت إبراز قيمة الساحل ضمن منظومة جيوسياسية أوسع، ولم تكن مرحلة تأسيسية مباشرة للدولة الإرترية.  وبدخول مصوع في المجال العثماني، أصبحت جزءًا من شبكة تربط مصر بالحجاز واليمن والقرن الأفريقي والمحيط الهندي، ولم تعد مجرد نقطة على الهامش، بل موقعًا تتقاطع فيه التجارة والملاحة والأمن والتنافس الإمبراطوري.

حدود القوة البحرية للعثمانيين تم اكتشافه بسبب عدم تمكنهم من الولوج الى ما وراء الميناء، وبالتالي عدم امتلاكهم سلطة مستقرة في مناطق المرتفعات، التي كانت فضاءً له بنياته السياسية والاجتماعية الخاصة، واكتفو فقط بتأمين الميناء ومراقبة الملاحة. وكانت تلك اشارة الى مفارقة تكررت في السياق الارتري: السيطرة على الساحل لا تعني بالضرورة السيطرة على الداخل.

ومن ذلك يمكننا ان نخلص الى أن العثمانيين اكتشفوا أهمية الموقع لكن قوى لاحقة أعادت تشكيله. هم أدركوا قيمة مصوع في منظومة البحر الأحمر، لكنهم لم يفكرو في تحويل تلك القيمة إلى سيطرة في الداخل.  لكن جاءت بعدهم قوة أوروبية بمنظور مختلف: السيطرة على الميناء أولا ثم تحويله إلى قاعدة للتوسع في البر. وهنا ينتقل السؤال من: من يستطيع الوصول إلى الميناء؟ إلى: من يستطيع أن يجعل الميناء مدخلًا إلى الأرض؟

ثم جاء القرن التاسع عشر

جاء القرن التاسع عشر ليصبح نقطة تحول في طبيعة القوى المتنافسة على البحر الأحمر. ففيه تراجع النفوذ العثماني وصعد النفوذ الاروبي، واصبح الممر ذي أهمية عالمية ترتبط به مصالح التجارة الدولية والتوسع الاستعماري، بعد أن كان مجالا تتنافس فيه القوى الاقليمية باعتباره طريقا للحج والتجارة وموانئ محلية. ثم يأتي العام 1869 وتفتتح فيه قناة السويس، وياخذ ذلك التحول بعدا جديدا، اذ أصبح البحر الأحمر جزءا أساسيا من ممر يربط أروبا وأسيا وإفريقيا، وتزداد قيمته الاستراتيجية.

ذات الممر جعل ميناء عصب أكثر من مركز تجاري ساحلي، إذ أصبحت موطئ قدم لقوة أروبية تسعى لتثبيت وجودها في البحر الأحمر لتراقب الملاحة وتوسع نفوذها الى حضور على الارض ما وراء الميناء. لم يكن الميناء في حساباتها نهاية المطاف ولكنه كان بداية لإستعمار جديد.

وتوسع الاستعمار الايطالي للسواحل، الى أن احتل ميناء مصوع عام 1885، ثم أعلن في عام 1890 أن إرتريا مستعمرة إيطالية. لم تنشأ تلك الخطوات من فراغ وانما استندت الى ادراك قيمة الساحل، الذي ورثته من القوى السابقة، كذلك وجود الشبكات التجارية والبحرية المرتبطة بالبحر الأحمر منذ زمن بعيد. وبذلك حول المشروع الايطالي المنطقة الى كيان مستعمَر له حدود وادارة وقواعد عسكرية ومركز سياسي، بعد ان كان مجرد ساحة للتنافس على الموانئ.

وهكذا، طرأ تحوّل على العلاقة بين الساحل والداخل؛ إذ لم يعد مجرد السيطرة على الميناء أمراً كافياً، بل بات من الضروري تأمين المناطق الداخلية (الظهير) وربطها بمركز سياسي وإداري قادر على ترسيخ النفوذ في تلك المناطق. وفي ظل هذه المعطيات، بدأت ملامح إرتريا الحديثة تتشكل تدريجياً بناءً على علاقة جديدة بين الساحل والمرتفعات؛ حيث برزت أسمرة كمركز سياسي وإداري للكيان الاستعماري، بينما احتفظت مصوع بدورها كبوابة نحو البحر. ومن هذه الديناميكية نشأت واحدة من أكثر الثنائيات رسوخاً في التاريخ الإريتري: مصوع، بوابة البحر، وأسمرة، مركز المرتفعات.

من الهلال إلى الصليب الإيطالي

الهلال العثماني أكتشف قيمة الساحل الارتري، والصليب الايطالي حول تلك القيمة الى مشروع استعماري متكامل. عندما وصلت طلائع الايطاليين الى مصوع وعصب، وجدو ارضًا لها تاريخ متجذر؛ فقد كانت مصوع جزءًا من شبكات البحر الأحمر، وكانت عصب قد دخلت خلال القرن التاسع عشر في حسابات القوى الأوروبية. لكن مشروعهم الجديد لم يكن اكتشاف الميناء، بل تحويله إلى نقطة انطلاق للسيطرة على المجال الممتد وراءه. فانتقلو من مصوع الى أسمرا، لتكتسب العلاقة بين المدينتين دلالة سياسة تجاوزت الجغرافيا، حيث أصبحت مصوع تعطي المشروع منفذا الى البحر، بينما وفرت أسمرا العمق المطلوب للاستمرار. وهو ما يوضح ان الصراع على الداخل لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل كان جزءًا من جوهر التوسع الإيطالي.

لكن حوادث معينة مثل معركة دوقالي عام 1887 التي هُزمت فيها ايطاليا أمام قوات رأس ألولا، أوضحت ان السيطرة الساحلية لها حدود وأن امتلاك الميناء لا يعني امتلاك الأرض، وأن الطريق من الساحل إلى ما وراءه يمر عبر جغرافيا سياسية واجتماعية وعرة لا تختزل في السيطرة على المرافئ. لكن بمرور الوقت وترسخ الوجود الايطالي على الارض، ظهر كيان اقليمي جديد له حدود وادارة ومركز سياسي. وبذلك أصبحت مصوع جزءًا من منظومة استعمارية تمتد من الميناء إلى الداخل، بعد ان كانت مجرد مدينة ضمن شبكة البحر الأحمر.

لم يكن ذلك التحول الا بلورة لإحدى العلاقات الراسخة في تاريخ إرتريا، العلاقة بين الساحل والمرتفعات، وبين الميناء والعاصمة، وبين الانفتاح على البحر والعمق السياسي في الداخل. التحول الذي نقل مركز الثقل تدريجيًا من مصوع إلى أسمرا، ومن الميناء إلى المرتفعات.

من مصوع إلى أسمرا

بحكم موقعها على البحر الحمر وبكونها ميناءا، كانت تبدو مصوع انها الخيار الطبيعي لإدارة المستعمرة الجديدة. لكن منطق الجغرافيا أظهر محدودية هذا الخيار، فالمواني هي منافذ الى العالم الخارجي، لكنها لا توفر العمق اللازم للسيطرة على المناطق الداخلية وتثبيت الحكم. ومع توسع المشروع الإيطالي من الساحل نحو المرتفعات، أصبح واضحًا أن إرتريا لا يمكن اختزالها في شريطها الساحلي، وأن السيطرة على البحر تظل مرتبطة بالقدرة على الوصول إلى الداخل وإدارته.

وذلك ما أكسب أسمرا أهمية تفوق موقعها الجغرافي؛ موقعها في المرتفعات جعلها قاعدةً مثاليةً للإدارة والتوسع، فضلاً عن كونها مركزاً يربط بين أجزاء المستعمرة المختلفة. وفي عام 1900 ومع نقل العاصمة الإدارية إليها، ترسخت ثنائية جغرافية وسياسية ظلت سمةً ثابتةً في التاريخ الإرتري: مصوع بوصفها بوابةً نحو البحر، وأسمرا بوصفها مركزاً في المرتفعات. ولم يُلغِ صعودُ أسمرا دورَ مصوع، بل أعاد توزيع الأدوار بين الميناء ومقر الحكم؛ حيث تولى الأول ربط الإقليم بالعالم الخارجي، بينما وفّر الثاني للسلطات موطئ قدمٍ في المناطق الداخلية.

من خلال هذا التفاعل، بدأت تتشكل بنية إقليمية جديدة قوامها ميناء ساحلي، ومركز سياسي في المرتفع، وشبكة من الطرق تربط بينهما. وهكذا، وتحت ظل الإدارة الاستعمارية، تحولت المنطقة من مجرد مجموعة من الموانئ ومناطقها النائية الملاصقة إلى كيان جغرافي موحد يجمع الساحل والمرتفعات تحت سلطة واحدة. ومع ذلك، لم يستتبع هذا التوحيد المجالي بالضرورة توحيداً للمجتمع أو نشوء هوية سياسية مشتركة؛ إذ ظلت التباينات الجغرافية والاجتماعية والثقافية قائمة حتى بعد أن ربطت الإدارة الاستعمارية تلك المناطق ضمن إطار إقليمي واحد.

وهنا تبرز إحدى مفارقات التاريخ الإرتري: إذ ساهم المشروع الاستعماري -الذي أُقيم لخدمة المصالح الإيطالية- في تشكيل الإطار الجغرافي الذي تبلورت ضمنه لاحقاً قضايا الدولة والسيادة والاستقلال، وذلك من خلال ما أرساه من حدود وإدارة وشبكات طرق وبنية تحتية. ورغم أن هذه النتيجة لم تكن مقصودة من قِبَل الاستعمار، إلا أنها شكلت إحدى تداعياته التاريخية بعيدة المدى.

وهكذا، لم تكن الرحلة من مصوع إلى أسمرا مجرد نقلٍ للعاصمة من مدينة إلى أخرى؛ بل كانت تحولاً من منطق الميناء إلى منطق المناطق الداخلية — أي من مسألة السيطرة على الساحل إلى مسألة إدارة الأراضي الممتدة وراءه. وهنا تبرز قضية أعمق: إذا كان الكيان الإرتري قد تشكّل بفعل طبقات متعاقبة من الهيمنة الأجنبية، فإلى أي مدى أعادت القوى المحلية صياغة هذا الكيان بنفسها، وأضفت عليه دلالات سياسية تجاوزت المشاريع التي أوجدته في الأصل؟

الدولة التي خرجت من بين هذه الطبقات

لم تنشأ الدولة الإرترية الحديثة في لحظة واحدة، ولم تكن مجرد نتاج قرار اتخذته قوة خارجية وتكرّس بترسيم الحدود؛ بل تشكّلت المنطقة التي عُرفت لاحقاً باسم إرتريا عبر طبقات متعاقبة من السيطرة والتنافس والتحولات السياسية – بدءاً من العهدين العثماني والمصري، ومروراً بالحكم الإيطالي والبريطاني والإثيوبي، ووصولاً إلى الاستقلال. ومع ذلك، فإن اختزال هذا التاريخ في مجرد تعاقبٍ للقوى الحاكمة يحجب جانباً جوهرياً من القصة؛ إذ خلّفت كل حقبة وراءها مؤسسات وطرقاً ومدناً وموانئ، فضلاً عن إعادة تشكيل علاقة السكان بالأرض والسلطة والعالم الخارجي.

عقب انتهاء الحكم الإيطالي، دخلت إرتريا مرحلة من الإدارة البريطانية تلتها فترة اتحاد فيدرالي مع إثيوبيا؛ غير أن هذا الاتحاد أُلغي لاحقاً وضمت إثيوبيا إرتريا إليها، مما أشعل فتيل حرب طويلة الأمد توجت بإعلان الاستقلال عام 1993. ومع ذلك، لم يكن الاستقلال بداية لتاريخ جديد بقدر ما كان لحظة استعادت فيها إرتريا أرضاً صاغتها أحداث الماضي؛ فقد ورثت الدولة المستقلة حديثاً حدوداً ومدناً وموانئ وشبكات طرق وإرثاً إدارياً واستعمارياً، فضلاً عن موقع جغرافي ظل ثابتاً رغم تعاقب القوى وتغير الأعلام.

هنا تكمن حقيقة جوهرية لفهم نشأة الدولة الإرترية: لم تكن إريتريا “جديدة” حين أصبحت دولة؛ بل الجديد كان تحوّل تلك الرقعة الجغرافية —التي صاغتها طبقات متعاقبة من التاريخ— إلى دولة ذات سيادة. فقد وُجدت مدينتا مصوع وعصب قبل قيام الدولة، تماماً كما سبقت المرتفعات ومجتمعاتها عملية ترسيم الحدود الحديثة؛ إذ ربطت شبكات التجارة والتنقل بين الساحل والداخل والعالم الأوسع قبل وقت طويل من قيام الإدارة الاستعمارية بضمّها جميعاً في إطار إقليمي واحد. غير أن الصراع الذي تلا ذلك لم يتمحور فحسب حول الجهة التي تسيطر على هذه الأرض، بل حول من يملك الحق في تقرير مستقبلها السياسي.

وهكذا، لم يُنهِ الاستقلالُ المسألةَ التي جعلت من الساحلِ بؤرةَ اهتمامٍ للقوى الكبرى على مدى قرون؛ بل اقتصر الأمرُ على تغيّر الجهة المسيطرة. لقد تحوّلت الجغرافيا —التي كانت يوماً أصلاً استراتيجياً تنافست عليه الإمبراطوريات— بعد الاستقلال إلى مَوردٍ للدولة ذاتها؛ وأصبح البحر، بما يضمه من موانئ وممرات وموقع متميز، ركيزةً أساسية في حسابات الدولة الأمنية والاقتصادية والإقليمية.

وهنا تعود القصة إلى نقطة بدايتها: تبدلت الحدود وتغيرت الأعلام وتوالت القوى، غير أن البحر ظلّ في مكانه. ولم يعد السؤال: مَن يملك الميناء؟، بل أصبح: ماذا ستفعل دولةٌ مستقلةٌ بموقعٍ بحريٍّ كان —على مدى قرونٍ سبقت قيامَها— محورياً في حسابات القوى الكبرى؟

البحر الذي لم يتغير

على الرغم من تغير القوى الحاكمة في إرتريا، وتبدل الخرائط والأعلام ومراكز النفوذ، فقد حافظ البحر الأحمر على مكانته الاستراتيجية. ولم تتلاشَ العوامل التي جعلت من مدينتي “مصوع” و”عصب” محط أنظار القوى المتنافسة مع زوال الاستعمار وإعلان الاستقلال، بل تطورت أساليب استغلال هذه المواقع؛ ففي الماضي، كان الميناء بمثابة مسار تجاري وقاعدة للنفوذ وبوابة عسكرية، أما اليوم فقد أصبح جزءاً من منظومة أوسع تشمل التجارة العالمية، وسلاسل التوريد، والأمن البحري، والطاقة، والاتصالات، والبنية التحتية. ونتيجة لذلك، فإن أي اضطرابات في حركة الملاحة في البحر الأحمر قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد بكثير من شواطئه، لتطال أسواقاً ومسارات تجارية نائية.

في هذا السياق، تستعيد الموانئ الإرترية أهميتها التاريخية ضمن مشهد جديد؛ إذ تقع مدينتا “مصوع” و”عصب” على ساحل يطل على أحد أهم ممرات التجارة البحرية حيويةً في العالم. ومع ذلك، فإن الموقع وحده لا يترجم بالضرورة إلى قوة؛ ففي حين تمنح الجغرافيا الدولةَ إمكاناتٍ كامنة، فإنها لا تضمن تحويل تلك الإمكانات إلى واقع ملموس. وتعتمد قيمة الميناء على البنية التحتية، وفعالية الربط مع المناطق الداخلية (الظهير الجغرافي)، والقدرات الإدارية والاقتصادية، وشبكات التجارة والعلاقات الإقليمية القادرة على تحويل ذلك الموقع إلى أنشطة ومصالح مستدامة.

وهنا، تختلف دلالة البحر بالنسبة للدولة المستقلة عما كانت تعنيه للإمبراطوريات التي سبقتها؛ فبالنسبة لتلك القوى، كان الساحل مجرد جزء من حسابات نفوذ أوسع، أما بالنسبة للدولة، فهو جزء لا يتجزأ من سيادتها وبوابة نحو المجالات الاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية. ومن المفارقات أن الموقع ذاته الذي يمنح إرتريا هذه الإمكانات، يجعل ساحلها أيضاً نقطة جذب للقوى الخارجية كلما تزايدت الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر.

وعليه، لم يعد السؤال: “لماذا كان البحر مهماً لإرتريا؟” – فقد أجاب التاريخ عن ذلك قبل قرون – بل أصبح السؤال الجديد: كيف يمكن لدولة مستقلة أن تحوّل موقعها البحري من عامل جذب للقوى الخارجية إلى ركيزة تخدم مصالحها الوطنية؟

إن إرتريا اليوم تعود إلى البحر من منظور مختلف: ليس كمجرد ميناء تتنافس الإمبراطوريات للسيطرة عليه، بل كدولة مسؤولة عن تحديد دلالة هذا الموقع بالنسبة لأمنها واقتصادها وعلاقاتها الإقليمية. فالبحر بحد ذاته لم يتغير كثيراً، وإنما تغيرت دلالة امتلاكه.

التاريخ لا يعود، لكنه يعيد اكتشاف الممرات

لا يقتصر التاريخ على تكرار نفسه فحسب؛ فبينما تتبدل الإمبراطوريات والقوى وأدوار الموانئ، تظل حقائق جغرافية معينة ثابتة. وينطبق هذا بوضوح على البحر الأحمر، حيث حافظ موقع إرتريا على قيمته رغم تعاقب القوى وتغير مصالحها؛ فالموقع لا يختار القوى المتنافسة عليه، بل يفرض نفسه على حساباتها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، يمكن فهم تاريخ مدينتي “مصوع” و”عصب”؛ إذ تطورت وظائفهما بالتوازي مع تغير قيمة البحر عبر العصور، متحولةً من مراكز تجارية إلى ساحات للتنافس الإمبراطوري، وصولاً إلى موانئ مندمجة في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد. وهكذا، لا يكتفي التاريخ بتكرار نفسه، بل يعيد اكتشاف القيمة الاستراتيجية للموقع كلما تغيرت قواعد النظام الدولي.

غير أن الموقع الذي يمنح الدولة فرصة ما، قد يجعلها أيضاً أكثر عرضة للضغوط الخارجية. لذا، لا تكمن المسألة في الجغرافيا وحدها، بل في قدرة الدولة على إدارة موقعها وتحويله من ساحة للتنافس إلى مصدر للقوة.

وهنا، ينتقل التساؤل من التاريخ إلى الاستراتيجية: كيف يمكن لإرتريا أن تتحول من ساحة لتنافس القوى الكبرى إلى دولة قادرة على استثمار موقعها الاستراتيجي بفعالية؟ لقد بات الميناء -الذي يسبق وجود الدولة ذاتها- يتجاوز كونه مجرد شاهد على نشأتها، ليصبح محكاً حقيقياً لقدرة الدولة على توظيف جغرافيتها.

من الميناء إلى الدولة

على الرغم من أن الميناء سبق قيام الدولة في التاريخ الإرتري، إلا أن طبيعة المسألة تغيرت بعد الاستقلال؛ فلم يعد التساؤل يتمحور حول كيفية اكتشاف القوى الخارجية لقيمة الساحل، بل حول كيفية إدارة الدولة الإرترية لتلك القيمة التي ورثتها. لقد نشأت الدولة على ساحل يمتد بمحاذاة البحر الأحمر —ويضم موانئ وجزراً تاريخية— ويقع بالقرب من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. ومع ذلك، فقد ورثت الدولة في الوقت ذاته تاريخاً جعل من هذا الموقع مصدراً لاهتمام القوى الخارجية بقدر ما هو أصلٌ وطني.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين مجرد امتلاك الموقع وبين تحويله إلى مصدر للقوة؛ فالميناء لا يخلق اقتصاداً بمعزل عن محيطه، كما أن الساحل لا يولد نفوذاً سياسياً بشكل تلقائي. ولكي يصبح الموقع البحري ركيزة من ركائز قوة الدولة، لا بد من ربطه بظهيره الجغرافي وبشبكات النقل والإنتاج والتجارة، ودمجه في رؤية تتعامل مع البحر بوصفه مجالاً اقتصادياً واستراتيجياً، لا مجرد حدود بحرية. وحينها فقط، يمكن للموانئ أن تؤدي أدواراً تتجاوز مجرد العبور التجاري البسيط، لتسهم في تعزيز الإيرادات، وتوسيع نطاق العلاقات الإقليمية، وترسيخ مكانة الدولة ضمن ديناميكيات منطقة البحر الأحمر.

غير أن الموقع الاستراتيجي لا يقتصر على توفير الفرص فحسب، بل قد يولد ضغوطاً توازيها في الحجم والأثر؛ فكلما زادت قيمة الممر البحري، تعاظمت أهمية الدول والموانئ الواقعة على امتداده، واقترنت هذه الأهمية باحتمالية متزايدة للمنافسة بين القوى الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن الجغرافيا وحدها لا تحدد ما إذا كان الموقع سيشكل مصدر قوة أم مصدر ضغط؛ إذ تعتمد النتيجة إلى حد كبير على قدرة الدولة على تحديد مصالحها، وإدارة علاقاتها، ومواءمة أمنها البحري مع أهدافها الاقتصادية والسياسية.

وفي هذا السياق، تعود مدينتا “مصوع” و”عصب” لتتصدرا المشهد مجدداً، وإن كان ذلك في إطار يختلف جذرياً عما كان عليه الحال في الماضي. فلم يعد السؤال يتمحور حول أي قوة خارجية ستكتشف قيمة الميناء وتوظفها لخدمة غاياتها الخاصة، بل أصبح يتعلق بكيفية استثمار الدولة نفسها لموقع الميناء ضمن مشروع وطني شامل. فالأمر لا يتوقف عند مجرد وجود الميناء على الخريطة، بل يقتضي دمج الشريط الساحلي في شبكة أوسع تشمل البنية التحتية والاقتصاد والعلاقات الإقليمية والأمن البحري. وبذلك، يتحول البحر من حقيقة جغرافية ثابتة إلى حيز استراتيجي يمكن للدولة أن تصيغ خياراتها حوله، مع مراعاة أن هذه الخيارات تظل محكومة -حتماً- بموازين القوى السائدة في المشهدين الإقليمي والدولي.

هنا، يتغير مفهوم الجغرافيا ذاته؛ فالبحر الأحمر ليس قدراً سياسياً يفرض دوراً أحادياً على إرتريا، ولا هو مساحة محايدة يمكن للدولة التعامل معها بمعزل عن القوى المحيطة. إنه حيز يجمع بين الفرصة والقيد، والانفتاح والسيادة، والعائد الاقتصادي والمخاطرة الاستراتيجية. وعليه، فإن إدارة الساحل لا تنفصل عن إدارة التفاعل بين الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية.

وهكذا، لم يعد السؤال الذي ورثناه عن التاريخ هو “لماذا جاءت الإمبراطوريات إلى هذا الساحل؟” – فقد أجاب التاريخ عن ذلك بما يكفي – بل أصبح السؤال الذي يواجه الدولة الآن هو: “ماذا ستفعلين بهذا الساحل؟”

لقد تجاوز الميناء -الذي وُجد قبل قيام الدولة- كونه مجرد شاهد على تاريخها، ليصبح جزءاً من مسؤوليتها الاستراتيجية. وفي حين كشف التاريخ عن قيمة هذا الموقع، فإن الدولة وحدها هي التي تحدد كيفية استثمار تلك القيمة؛ أي في أي اتجاه ووفق أي شروط. وهنا تكتمل الدائرة: لم تعد الحكاية مجرد قصة ميناء سبق الدولة، بل قصة دولة ورثت موقعاً قائماً بالفعل، وعليها أن تقرر كيفية تحويله من أصل جغرافي قيّم إلى مصدر للقدرة الوطنية.

البحر الذي بدأ القصة

عند النظر إلى تاريخ إرتريا من منظور عام، قد يبدو أن القصة تبدأ مع الاستعمار الإيطالي، أو إعلان المستعمرة عام 1890، أو ربما مع الاستقلال عام 1993. غير أن إمعان النظر في المنطقة الساحلية يكشف عن سردية تاريخية تسبق كل هذه المحطات البارزة؛ فقبل وقت طويل من قيام دولة تحمل اسم “إرتريا”، كان للبحر دور محوري، إذ ارتبطت موانئ المنطقة ومساراتها البحرية ومدنها بالعالم الأوسع عبر البحر الأحمر. وقبل أن تصبح جزءاً من دولة قومية حديثة، كانت “مصوع” مدينة بحرية مندمجة بعمق في شبكات التجارة والهجرة والصراع والنفوذ. ورغم تعاقب صعود وسقوط الإمبراطوريات وتغير الأعلام والحدود، ظل هذا الموقع عنصراً ثابتاً في حسابات تلك القوى. ومع أن البحر لم يكن الصانع الوحيد للتاريخ -كما أن الجغرافيا وحدها لم تكن كافية لتأسيس الدولة- إلا أنه وفّر إطاراً لم يكن بوسع القوى المتعاقبة تجاهله.

ربما تُعد هذه إحدى السمات المميزة للتجربة الإرترية؛ فقد نشأت الدولة الحديثة في منطقة ارتبطت بالبحر الأحمر لقرون سبقت قيام الدولة ذاتها. ونتيجة لذلك، لا يمكن فهم تاريخها السياسي في إطار حدودها البرية فحسب، ولا استيعاب طبيعة ساحلها بمعزل عن القوى والشبكات التي عبرت ذلك البحر؛ إذ كان الساحل بمثابة بوابة للإمبراطوريات، ثم جزءاً من مشروع استعماري، وأخيراً مكوّناً من مكونات الدولة المستقلة. ومع أن وظائفه قد تبدلت بتغير الحقب الزمنية، إلا أن قيمة موقعه ظلت قابلة لإعادة الاكتشاف كلما طرأ تحول على موازين القوى وقواعد النظامين الإقليمي والدولي.

وهكذا، فإن قصة إرتريا ليست قصة بحرٍ أوجد دولة، ولا إمبراطورياتٍ صاغت أمةً من الخارج؛ بل هي حكاية تفاعلٍ ممتدٍ عبر الزمن بين المكان والسلطة والسكان والتاريخ؛ وبين الساحل والمرتفعات، والميناء والظهير، وبين القوى الوافدة والمجتمعات التي استوطنت الأرض قبلهم وبعدهم. إن الجغرافيا تضع الإمكانات وتحدد القيود، لكن التاريخ هو الذي يقرر كيف تتعامل المجتمعات والدول مع هذه المعطيات.

واليوم، وقد أصبحت إرتريا دولة مستقلة، لم يعد السؤال الجوهري يدور حول من اكتشف ساحلها أولاً أو أي إمبراطورية رفعت علمها يوماً فوق “مصوع”؛ بل تحول السؤال إلى: ماذا يعني هذا الشريط الساحلي لدولة تقع على واحد من أهم الممرات البحرية الحيوية للتجارة والأمن والتنافس الدولي؟

لقد ظل البحر الذي اجتذب الإمبراطوريات قديماً كما هو، ولم تفقد الموانئ التي سبقت قيام الدولة أهميتها الجغرافية؛ وإنما الذي تغير هو السلطة السيادية على هذا الساحل. وهنا تنتهي قصة الميناء كمحلٍ للتنازع الخارجي، لتفسح المجال لسردية الدولة حول إدارة الإرث الاستراتيجي للميناء. لا تفرض الجغرافيا مستقبلاً واحداً لإرتريا، لكنها تضمن بقاء موقع البلاد عاملاً ثابتاً في حساباتها.

لقد سبقت قصة الميناء قصة الدولة؛ أما قصة الدولة والميناء معاً، فلم تُكتب فصولها كلها بعد.

 

 

 

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى