ندوات

تقرير الندوة العلمية حول “الصراع السياسي في السنغال: قراءة في جدلية الشرعيتين الدستورية والشعبية وامتداداتها الإقليمية”

 إسطنبول، 26 سبتمبر 2026

نظّم المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) يوم السبت 26 سبتمبر 2026، في مقره بمدينة إسطنبول، ندوة علمية بعنوان “الصراع السياسي في السنغال: قراءة في جدلية الشرعيتين الدستورية والشعبية وامتداداتها الإقليمية”.

وشهدت الندوة حضوراً نوعياً ضمّ ممثلين عن عدد من السفارات والقنصليات المعتمدة في تركيا، وصحفيين وإعلاميين، وأساتذة جامعات وباحثين أكاديميين، وطلاباً في الدراسات العليا وسفراء سابقين من المهتمين، ومهتمين بالشأن الإفريقي. وجاء انعقادها في لحظة دقيقة تعيشها السنغال، بعد أن انتهت الشراكة التي حملت الرئيس باسيرو ديوماي فاي ورئيس وزرائه السابق عثمان سونكو إلى الحكم بقطيعة نقلت الخلاف من أروقة الحكومة إلى قلب المؤسسات الدستورية.

سؤال الشرعية في بلد الاستقرار

افتُتحت الندوة بكلمة المركز التي ألقاها الدكتور محمد صالح عمر، مدير المركز. رحّب فيها بالحضور، وأكد حرص أفروبوليسي على أن تكون أفريقيا حاضرة في النقاش العربي والتركي بقراءات معمّقة تتجاوز العناوين الإخبارية إلى فهم البنى والسياقات.

ثم تولّى الدكتور محمد زكريا، مدير الندوة، تقديم موضوعها. استهل حديثه بالتذكير بأن السنغال ظلت لعقود نموذجاً للاستقرار في غرب أفريقيا، ولم يعرف جيشها طريق القصر منذ الاستقلال. وفي ربيع 2024 كتبت فصلاً جديداً حين خرج رجلان شابان من السجن معاً، وبعد عشرة أيام حملهما الناخبون إلى الحكم، أحدهما رئيساً للجمهورية والآخر رئيساً للوزراء. غير أن الحكم، كما قال، امتحان يختلف عن النضال. فبعد عامين افترق الشريكان: أُقيل رئيس الوزراء في مايو 2026، وعاد بعد أيام أصبح رئيساً للجمعية الوطنية مستنداً إلى أغلبية حزبه، وأسس الرئيس ديوماي حزبه الخاص.

ومن هنا صاغ مدير الندوة إشكاليتها، وهي: هل ما تشهده السنغال خلاف بين رجلين، أم اختبار لبنية الشرعية في نظام شبه رئاسي تتوزع فيه الشرعية بين رئيس منتخب مباشرة يملك النص والمرسوم، وحزب يملك الأغلبية البرلمانية والشارع؟

واستعان بخريطة تفاعلية ليبيّن لماذا يعني ما يجري في داكار أكثر من السنغال وحدها. فهي بوابة القارة على الأطلسي، ومقر البنك المركزي لدول غرب أفريقيا، ودولة طاقة ناشئة منذ دخول حقولها النفطية والغازية مرحلة الإنتاج. وهي أيضاً جارة مباشرة لمنطقة الساحل المضطربة، وتترأس منذ يوليو 2026 المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس). وتمتد شبكة شراكاتها الدولية لتشمل حضوراً تركياً بارزاً في بنيتها التحتية.

الإطار النظري: حين يفترق النص عن الشارع

في المحور الأول، قدّم الأستاذ إيهاب العاشق، الباحث في أفروبوليسي، تأصيلاً مفاهيمياً للجدلية التي تحملها الندوة في عنوانها. انطلق من سؤال مؤسِّس: من أين تستمد السلطة حقها في الإلزام؟ ورأى أن المشكلة ليست في وجود شرعيتين، بل في لحظة افتراقهما، حين يتحول النص الدستوري وإرادة الشارع إلى مصدرين متنافسين للمشروعية.

فالشرعية الدستورية تستند إلى القواعد المسبقة والإجراءات والمؤسسات، وتمنح الحكم استقراراً وقدرة على تقييد السلطة، لكنها قد تنزلق إلى الجمود وتتحول إلى غطاء شكلي. أما الشرعية الشعبية فتستمد قوتها من الرضا الفعلي للمحكومين وتجدد صلة الحكم بالمجتمع، غير أنها مهددة بالشعبوية والتجييش وتجاوز الحقوق.

وتتبّع الباحث هذه الجدلية عبر التاريخ. بدأ بأثينا وقرطاج وروما، حيث وجد أرسطو في النظام القرطاجي مثالاً مبكراً على الدستور المختلط. ثم انتقل إلى نظريات العقد الاجتماعي لدى هوبز ولوك وروسو، ومنها إلى مفهوم «السلطة التأسيسية» الذي صاغه سييس إبان الثورات الحديثة. ثم عرض ثلاث إجابات معاصرة عن لحظة الصدام: كيلسن الذي يحتكم إلى القانون، وشميت الذي يرى السيادة في قرار الاستثناء، وهابرماس الذي يجد المخرج في الإجراءات التداولية.

واقترح نموذجاً تحليلياً يقرأ الأزمات عبر ثلاث متغيرات، هي القبول الشعبي وسلامة الإجراءات وقدرة الدولة على الإنجاز. فإذا انهار أحدها بحثت السلطة عن مصدر بديل للمشروعية، كما تكشف الحالة التونسية وتجارب الساحل.

وتوقف عند قرار المجلس الدستوري السنغالي في فبراير 2024 بإبطال تأجيل الانتخابات، مثالاً على قدرة القضاء الدستوري على تحويل ضغط الشارع إلى تصحيح قانوني داخل النظام. وخلص إلى أن السؤال الحقيقي ليس أي الشرعيتين تنتصر، بل كيف نمنع انفصالهما. فرهان الهندسة الدستورية، في رأيه، أن تصبح الشرعية الشعبية قوة دائمة الحضور داخل القانون، لا قوة لا تظهر إلا عند الانفجار.

من شراكة المحنة إلى صراع المؤسسات

وفي المحور الثاني، وهو المحور الرئيسي للندوة، قدّم الأكاديمي والباحث السنغالي الأستاذ عبد الرحمن كان قراءة من داخل التجربة السنغالية، تتبّع فيها مسار الشراكة بين الرجلين من الزنزانة إلى القصر ثم إلى القطيعة. وانطلق من فرضية مركزية مفادها أن تفسير الأزمة بخلاف شخصي لا يكفي. ففيها تتداخل أربعة مستويات: إعادة توزيع السلطة داخل المعسكر الحاكم، وتعارض مراكز الشرعية، والخلاف حول إدارة الدولة والاقتصاد، وإعادة بناء القواعد التنظيمية للحزب الحاكم. ويضاف إليها متغير خامس كثيراً ما تغفله التغطيات الإعلامية، هو الأزمة المالية.

وعاد الباحث إلى البدايات ليبيّن أن الشراكة وُلدت في المحنة لا في غرف التفاوض. فقد أُوقف فاي في أبريل 2023، ثم أُوقف سونكو في أواخر يوليو من العام نفسه وحُلّ حزب «باستيف». ومن السجن طلب سونكو تزكية فاي مرشحاً بديلاً، قبل أن يُفرج عنهما معاً في 14 مارس 2024، أي قبل الاقتراع بعشرة أيام فقط. ثم فاز فاي من الجولة الأولى بنسبة 54.28%، وكان تعيين سونكو رئيساً للوزراء أول قرار اتخذه بعد تنصيبه في 2 أبريل.

وكشف الباحث عن تفاصيل كثيراً ما تغيب عن الرواية المتداولة: لم يكن فاي الخيار الأول لسونكو. فقد قُدّم ثلاثة مرشحين تحسباً لإقصاء زعيم الحزب، وحصل أحدهم، حبيب سي، على تزكيات نواب «باستيف». أما فاي فاضطر إلى «النضال» للحصول على رعاية ناقصة، ودخل السباق برخصة حزب آخر بعد حل حزبه. واستشهد الباحث بشهادات من داخل الحملة تؤكد أن «ديوماي فرض ترشيحه بنفسه»، ليخلص إلى أن الشراكة لم تكن اختياراً متبادلاً خالصاً، بل شراكة فرضتها الظروف، وهو ما يفسر هشاشتها البنيوية لاحقاً.

وتوقف الباحث عند تنازل مبكر كان له أثر بعيد. فقد بادر سونكو إلى إبعاد ائتلاف «ديوماي رئيساً» عن الانتخابات التشريعية المبكرة في نوفمبر 2024، وخوضها تحت راية «باستيف» وحدها، ووافق الرئيس حرصاً على وحدة الصف. وحين حصد الحزب 130 مقعداً من أصل 165، ولدت بنية ثنائية المركز: رئيس يستند إلى تفويض انتخابي مباشر وسلطة التعيين والإقالة، وحزب يملك رئاسة الحكومة والأغلبية البرلمانية والقاعدة التنظيمية والقدرة على إنتاج خطاب مستقل عن الرئاسة. ولم يعد الحزب أداة للوصول إلى السلطة، بل صار شريكاً منافساً داخلها. وكانت عبارة سونكو للرئيس خلال الحملة، «راجع نفسك حين يبدأ أعداؤك بمدحك»، أول إشارة علنية إلى أن الشريك الحزبي يرى نفسه وصياً على بوصلة الرئاسة.

ثم رسم الباحث مسار التصعيد منذ صيف 2025. ففي يوليو خرج سونكو مرتين إلى العلن، ووجّه في الثانية انتقادات لاذعة للرئيس، مطالباً إياه بالحزم أو بأن «يتركه يحكم»، في اختراق صريح لمبدأ التضامن الحكومي. وبرز داخل المعسكر الحاكم خطاب يفصل بين «شرعية قانونية» للرئيس و«شرعية شعبية» لزعيم الحزب، وهو التأطير النظري لما سيأتي. وفي نوفمبر 2025 استعرض سونكو قوته الشعبية في تجمع حاشد بداكار، وأعلن فيه رفضه إعادة هيكلة الدين. وردّ الرئيس بإجراءات مؤسسية لا صدامية: أعاد هيكلة ائتلافه، وغيّر منسقته المقربة من سونكو، ورفض في الوقت نفسه الاستقالة من «باستيف».

ووصل الخلاف إلى ذروته في ربيع 2026. ففي مقابلة مطولة يوم 2 مايو، أعاد الرئيس تعريف العلاقة وفق المنطق الدستوري، مؤكداً أن رئيس الوزراء يستمد موقعه من ثقته ومرسومه، وأن لا «ميثاق» خفياً بينهما. وتزامن ذلك مع احتدام قضية الصناديق السياسية. فبينما دافع الرئيس عن ضرورتها لتمويل عمليات أمنية واستخباراتية حساسة، طالب سونكو بإخضاعها لرقابة البرلمان، مع أنه طلب تأجيل مقترح القانون الذي كان سيؤطرها برلمانياً، واعترف بامتلاكه صندوقاً سياسياً بنحو 1.77 مليار فرنك أفريقي.

وفي 22 مايو اجتمع المشهدان في يوم واحد. صباحاً ألقى سونكو أمام البرلمان خطاباً قال فيه إن الرئيس «أخطأ»، وإنه رئيس وزراء «يتخذ القرارات دون إذن». ومساءً صدر المرسوم الذي أنهى مهامه وحلّ الحكومة. وتتابعت الأحداث بعد ذلك بسرعة: استقالة رئيس الجمعية الوطنية، وتعيين الاقتصادي أحمد الأمين لو رئيساً للوزراء في 25 مايو، ثم انتخاب سونكو رئيساً للجمعية الوطنية في 26 مايو، وإعلان «باستيف» عدم المشاركة في الحكومة الجديدة.

وهكذا، كما أوضح الباحث، لم يخرج سونكو من السلطة، بل انتقل إلى موقع مواجهة أقوى. فصار الصراع يدور بين أربع حلقات: الرئاسة والحكومة والجمعية الوطنية والحزب.

ثم انتقل الصراع إلى الساحة الدستورية. ففي 29 يونيو 2026 أقرت الجمعية مقترح تعديل دستوري واسع قدمه نواب «باستيف»، ينشئ «محكمة دستورية» ويعدّل نحو ثلاثين مادة. فأحاله الرئيس إلى المجلس الدستوري، الذي قضى في 9 يوليو بعدم دستوريته، ومن حيثياته أن التعديل أحدث أعباء مالية جديدة دون موارد مقابلة. ورأى الباحث في هذا القرار درساً مركزياً: امتلاك الأغلبية البرلمانية لا يعني امتلاك سلطة دستورية مطلقة، والصراع لم يعد حول من يملك الأغلبية، بل حول حدود الأغلبية نفسها. وفي 25 يوليو اكتملت إعادة تشكيل المعسكر الرئاسي بتأسيس حزب «كيراي – الوطنيون الجمهوريون» برئاسة فاي، معلناً دمج 437 حزباً وحركة وفق أرقام منظميه. وهي خطوة وصفها الباحث بأنها مرحلة في إعادة بناء النظام الحزبي كله، لا مجرد ولادة حزب جديد.

وأدخل الباحث الاقتصاد في صلب تحليله، مستعرضاً الأرقام التي غيّرت طبيعة الصراع. فقد بلغ الدين العام، وفق تقييمات صندوق النقد، نحو 132% من الناتج المحلي نهاية 2024، مقابل 74% كان يعلنها النظام السابق. وتجاوزت الديون غير المعلنة 11 مليار دولار، ما أدى إلى تعليق برنامج سابق مع الصندوق بنحو 1.8 مليار دولار، قبل التوصل في سبتمبر 2026 إلى اتفاق فني على برنامج جديد بنحو 2.2 مليار دولار. وأشار إلى مفارقة النمو: سجل الاقتصاد 6.7% في 2025 مع دخول النفط مرحلة الإنتاج، لكن النمو خارج قطاع المحروقات لم يتجاوز 2.2%. وهي فجوة يشعر بها المواطن الذي انتخب «التغيير» ويقيس الأداء بفرص العمل والأسعار.

ومن هنا، كما خلص الباحث، تحوّل الخلاف من تنازع على الصلاحيات إلى تصورين لإدارة الدولة. الأول يقدّم الاستدامة المالية والتعاون مع المؤسسات الدولية وجذب الاستثمار. والثاني يقدّم السيادة ومراجعة العقود والتحذير من الكلفة الاجتماعية للإصلاح. وهو ما عكسه بيان السياسة العامة لرئيس الوزراء الجديد في 8 سبتمبر، الذي أكد استمرارية مشروع «السنغال 2050» مع تغيير في منهج الحكم.

وختم الباحث بنموذج تفسيري يربط الأزمة بخمسة متغيرات: الشرعية الانتخابية التي عززت الرئاسة، والتنظيم الحزبي والأغلبية البرلمانية اللذان عززا مركز سونكو، والاقتصاد والاستثمار اللذان أعادا تعريف ساحة الصراع نفسها. ودعا إلى الحذر المنهجي في استخدام مصطلح «الخيانة» الرائج إعلامياً. فالوقائع الموثقة، ومنها تعيين الرئيس شريكه رئيساً للوزراء في أول قراراته، وقبوله إبعاد ائتلافه، ورفضه الاستقالة من الحزب، وتحذيره العلني قبل الإقالة، تُفسَّر على نحو أدق بوصفها إعادة توزيع للسلطة داخل تحالف حاكم.

وخلص إلى أن الحالة السنغالية تكشف انتقالاً من منطق الحركة الموحدة إلى منطق التعدد المؤسسي للسلطة. فالرجلان فاعلان رئيسيان، لكنهما يتحركان داخل بنية أوسع لا يكفي البعد الشخصي وحده لتفسيرها.

السنغال بين «إيكواس» والساحل

وحظي البعد الإقليمي بحيّز مهم من أعمال الندوة. فقد افتتح الرئيس فاي علاقاته الساحلية مبكراً بزيارة باماكو وواغادوغو في مايو 2024، بعد أقل من شهرين على تنصيبه. ثم كلّفته «إيكواس» في يوليو من العام نفسه بتيسير الحوار مع تحالف دول الساحل. ولم تمنع هذه الجهود خروج مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المنظمة في يناير 2025، لكنها مهّدت لتعاون أمني عملي تجسّد في دوريات مشتركة على الحدود مع مالي. ثم أنهت السنغال الوجود العسكري الفرنسي الدائم على أراضيها في يوليو 2025، وتولى رئيسها الرئاسة الدورية لـ«إيكواس» في يوليو 2026، وكانت باماكو أولى وجهاته بعدها.

ولفت النقاش إلى أن جدلية الشرعيتين امتدت إلى الخارج في صورة نبرتين. الأولى مؤسسية قادتها الرئاسة عبر «إيكواس». والثانية سيادية أقرب إلى خطاب قادة الساحل، عبّرت عنها زيارة سونكو إلى واغادوغو في مايو 2025. وطُرح في هذا الإطار سؤال: من يمثّل السنغال في الإقليم حين يتحدث البلد بصوتين؟

واستُحضرت رسائل خطاب الرئيس فاي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر 2026. فقد وصف فيه الأزمة الدولية الراهنة بأنها أزمة ثقة، وحذّر من تمدد الإرهاب في الساحل، وطالب بإصلاح مجلس الأمن والهيكل المالي الدولي ومعالجة مستدامة للديون.

آفاق الأزمة

وفي الجلسة المشتركة، انتقل الحوار من التشخيص إلى الاستشراف. ورأى المتحدثون أن السيناريو الأرجح هو نجاح تدريجي تُستعاد فيه ثقة الشركاء الدوليين وينتعش الاستثمار، مع بقاء التوتر السياسي قائماً. ولم يستبعدا تصعيداً قد يعطّل بعض الإصلاحات ويؤجل الاستحقاقات. أما الحل التوافقي عبر حوار وطني شامل، فهو في تقديرهما أضعف الاحتمالات لكنه ليس مستحيلاً في بلد عرف تاريخياً كيف يحتوي أزماته.

وتوقف الحوار عند المؤشرات التي ستحدد اتجاه الأزمة. أولها مسار الاتفاق مع صندوق النقد ومعالجة الدين. وثانيها قدرة الحكومة على تمرير ميزانيتها أمام جمعية وطنية يرأسها خصمها. وثالثها الانتخابات المحلية المقبلة بوصفها أول اختبار انتخابي مباشر لميزان الشرعيتين. وتقاطعت المقاربتان النظرية والميدانية عند فكرة أن الحل لا يكمن في غلبة شرعية على أخرى، بل في قواعد مؤسسية أوضح تنظّم العلاقة بين رئاسة منتخبة وأغلبية برلمانية مستقلة عنها.

نقاش مفتوح

وأعقبت المحاور جلسة نقاش ثرية، أسهم فيها الحضور على اختلاف مواقعهم الدبلوماسية والأكاديمية والإعلامية، وكشفت تنوعاً لافتاً في قراءة الأزمة وتفسير أسبابها.

تساءلت مداخلات عدة عن طبيعة الأزمة نفسها: هل هي بداية تفكك للمشروع الذي حمله جيل «باستيف» إلى السلطة، أم مرحلة طبيعية في انتقال حركة احتجاجية إلى منطق الدولة؟ وقد رأى المتحدثون أن التجارب المقارنة تُظهر أن الحركات التي تصل إلى الحكم عبر التعبئة كثيراً ما تواجه لحظة إعادة تعريف مماثلة، وأن العبرة بقدرة المؤسسات على استيعاب هذا التحول دون أن تنكسر.

ومن هنا انفتح النقاش على جذور الخلاف ومحركاته العميقة، فبرزت قراءتان متقابلتان. قدّم الأولى الأكاديمي السنغالي الدكتور محمد بشير جوب، الذي رأى أن فهم الأزمة يقتضي العودة إلى جوهر مشروع «باستيف». فهذا المشروع، في تقديره، يسعى إلى التحرر من النزعة الاستعمارية وارتهان القرار الوطني، وإلى محاسبة المسؤولين عن سقوط الشباب قتلى في موجات الاحتجاج التي سبقت الانتخابات، إلى جانب مطالب أخرى في العدالة والسيادة. ويرى أن هذه هي المطالب الحقيقية التي يتبناها عثمان سونكو ويتمسك بها، وأن التباين حول وتيرة تحقيقها ومداه هو السبب الفعلي للخلافات بين الرجلين.

في المقابل، رأى الأستاذ عبد الرحمن كان، ومعه عدد من المتداخلين، أن أسباب الأزمة متعددة ومتشابكة، ولا يمكن ردّها إلى عامل واحد. وأبرز هذه الأسباب ما عرضته الورقة: البنية ثنائية المركز التي أفرزتها انتخابات 2024، وتعارض مصادر الشرعية، والخلاف حول إدارة الدولة والاقتصاد، وإعادة توزيع السلطة داخل المعسكر الحاكم. يضاف إلى ذلك، في تقديرهم، أخطاء استراتيجية ارتكبها قادة في الحزب وأطراف أخرى في إدارة العلاقة بين الحزب والرئاسة، وفي اختيار ساحات المواجهة وتوقيتها. وقد عكس هذا التباين، الذي دار في أجواء علمية هادئة، حيوية النقاش السنغالي نفسه حول مآلات المشروع الذي حمل الحكم الجديد إلى السلطة.

وتساءل بعض الحضور عن دور «الدولة العميقة» وشبكات النظام السابق في تغذية الصراع وتعميق الشرخ بين الشريكين، وعن دور الأطراف الخارجية في ذلك. وخصّوا بالذكر فرنسا، التي يرى هؤلاء أنها قد تسعى إلى حماية مصالحها ونفوذها التقليدي بأدوات مختلفة، سياسية واقتصادية وإعلامية، بعد أن رفع الحكم الجديد خطاب السيادة وأنهى الوجود العسكري الفرنسي الدائم على أرض السنغال. وقد فتح هذا السؤال نقاشاً حول حدود التأثير الخارجي في أزمة ذات جذور داخلية واضحة، وحول الكيفية التي تتقاطع بها الحسابات الخارجية مع الانقسامات الداخلية حين تنشأ.

واستأثر البعد الاقتصادي باهتمام واضح. طُرحت أسئلة عن أثر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على خطاب السيادة الذي رفعه الحكم الجديد، وعمّن يتحمل كلفة الإصلاح المالي، وعن احتمال أن يتحول ملف الدين إلى ورقة في التنافس الانتخابي. وفي هذا السياق أُكّد أن الخلاف بين الطرفين لا يدور حول تشخيص الأزمة المالية، إذ يقرّ الجميع بحجمها، بل حول طريقة معالجتها ومن يملك قرارها.

وحضر السؤال الإقليمي بقوة في مداخلات الدبلوماسيين والباحثين. فقد تساءل بعضهم عمّا إذا كانت رئاسة السنغال لـ «إيكواس» ستمنح الرئاسة رصيداً إضافياً في الداخل، أم ستفتح ساحة جديدة لتنازع الشرعيتين. وتساءل آخرون عن قدرة داكار على أداء دور الجسر مع دول الساحل وهي منشغلة بأزمتها الداخلية. ونبّه عدد من المتداخلين إلى أن استقرار السنغال لم يعد شأناً محلياً، بعد أن صار ممر داكار–باماكو شرياناً اقتصادياً وأمنياً لبلد حبيس يواجه تمدد الجماعات المسلحة مثل مالي.

وتناولت مداخلات أخرى دور القوى الاجتماعية التقليدية، وفي مقدمتها الطرق الصوفية ومنظمات المجتمع المدني، التي أدت في أزمات سابقة دور الوسيط وصمّام الأمان، وتساءلت عما إذا كان بإمكانها أن تؤدي الدور ذاته اليوم. كما طُرح سؤال عن موقف الشباب، القاعدة الأولى لـ«باستيف» والوقود الأساسي لتعبئته، من القطيعة بين الرجلين.

وامتد النقاش إلى المعالجة الإعلامية للأزمة، فجرى التأكيد على تجاوز ثنائية «البطل والخائن» التي طبعت كثيراً من التغطيات، والاحتكام إلى الوثائق والقرارات الرسمية قبل التصريحات. كما تساءل بعض الحضور عن الدور الممكن للشركاء الأتراك والعرب في دعم استقرار السنغال. وأُشير في هذا الصدد إلى أن الاستثمار في البنية التحتية والتعاون الاقتصادي يحتاجان إلى بيئة سياسية مستقرة، وأن أنسب مقاربة للشركاء هي التعامل مع المؤسسات الدستورية مجتمعة، دون الانحياز إلى أي من طرفي الخلاف.

خلاصات الندوة

وختمت الندوة أعمالها بعرض أبرز ما انتهى إليه النقاش. فالأزمة السنغالية، كما تبيّن، أعمق من خلاف شخصي بين رجلين. إنها تعبير عن بنية ثنائية المركز تتقابل فيها شرعية دستورية للرئاسة وشرعية حزبية شعبية للأغلبية البرلمانية، في نظام لم يضع بعد قواعد واضحة لتعايشهما.

وقد أظهر النقاش أن قراءة أسبابها ما تزال موضع اجتهاد. فبين من يرى جوهرها في الخلاف حول مطالب التحرر والسيادة والمحاسبة التي يحملها مشروع «باستيف»، ومن يردّها إلى أسباب بنيوية ومؤسسية واقتصادية متشابكة وأخطاء استراتيجية لدى الأطراف، تتسع مساحة البحث لقراءات أعمق مع تطور الأحداث.

وقد أثبتت المؤسسات السنغالية، وفي مقدمتها المجلس الدستوري، قدرتها على ضبط الخلاف داخل القواعد في أكثر لحظاته حدة. وهذا رصيد ثمين في إقليم كثيراً ما حُسمت فيه الخلافات بالقوة. غير أن الاقتصاد والدين باتا في صلب الصراع، وسيكون لمسارهما أثر حاسم في ميزان القوة خلال المرحلة المقبلة، كما سيظل سؤال التأثيرات الخارجية حاضراً في قراءة مآلات الأزمة.

وعلى الصعيد الإقليمي، تبقى السنغال استثناءً ديمقراطياً في محيط مضطرب. ورئاستها الحالية لـ«إيكواس» اختبار لقدرتها على تقديم نموذجها في لحظة يتراجع فيها التداول السلمي في جوارها.

ودعت الندوة إلى مأسسة قواعد التعايش بين الرئاسة والأغلبية البرلمانية، وإبعاد ملف الدين عن التنافس الانتخابي، وتعامل الشركاء الإقليميين والدوليين مع المؤسسات مجتمعة دون اصطفاف. كما دعت وسائل الإعلام ومراكز البحث إلى قراءة الأزمة في أبعادها البنيوية لا الشخصية.

وفي ختام اللقاء، شكر المركز المتحدثين والحضور على إسهامهم في نقاش أثرى فهم واحدة من أدق التحولات السياسية التي تشهدها غرب أفريقيا اليوم.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى