تقدير موقف

قراءة في التحولات الإثيوبية ماذا يعني تحالف سبع فصائل لإسقاط الحكومة المركزية؟

 دخلت إثيوبيا في سبتمبر 2026 مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والأمني، مع إعلان سبع حركات مسلحة وسياسية تشكيل تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء، بهدف إزالة حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد وتهيئة الطريق أمام حكومة انتقالية وصفها التحالف بأنها “شاملة”. ويضم التحالف قوى من تغراي وأمهرا وأرومو وعفار وبني شنقول غوموز ومنطقة الصومال، بما يجعله من أكثر محاولات تجميع المعارضة المسلحة اتساعًا من حيث التنوع الجغرافي والسياسي.

وتكمن أهمية الخطوة في طبيعة القوى التي اجتمعت أكثر من عددها؛ إذ إن بعضها كان في مواجهات مباشرة خلال السنوات الماضية. فقد كانت جبهة تحرير تغراي وقوات فانو الأمهرية على طرفي الصراع خلال حرب 2020-2022، فيما يخوض جيش تحرير أورومو صراعًا مسلحًا مع الحكومة الفيدرالية منذ سنوات. ومن ثم، فإن انتقال هذه القوى من صراعات منفصلة إلى إطار مشترك ضد الحكومة يمثل تحولًا في طبيعة المعارضة الإثيوبية، وإن كان من المبكر اعتباره جبهة عسكرية موحدة.

من صراعات إقليمية إلى ضغط على المركز

واجهت الحكومة الإثيوبية خلال السنوات الماضية تعددًا في بؤر الصراع؛ من التغراي في الشمال إلى أمهرا وأورومو ومناطق أخرى تشهد مستويات مختلفة من التوتر المسلح والسياسي. وقد ساعد هذا التشتت الحكومة على التعامل مع كل جبهة بصورة منفصلة، والحد من قدرة المعارضة على تحويل الضغوط الإقليمية إلى تحدٍّ وطني متزامن.

أما التحالف الجديد فيسعى إلى تغيير هذه المعادلة من خلال وضع هذه الصراعات داخل إطار سياسي واحد، وتقديمها بوصفها انعكاسًا لأزمة أوسع في إدارة الدولة وعلاقة المركز بالأقاليم. وقد أعلن التحالف أن هدفه إزالة حكومة حزب الازدهار وإنشاء إدارة انتقالية شاملة.

لكن هذه الوحدة تظل محدودة بالهدف المشترك المتمثل في مواجهة الحكومة؛ إذ لا توجد بالضرورة رؤية موحدة بين الفصائل بشأن شكل الدولة أو توزيع السلطة أو قضايا الأرض والحدود والعلاقة بين المركز والأقاليم. وهذه التباينات قد تتحول إلى عامل حاسم في مستقبل التحالف، خصوصًا إذا انتقل من مرحلة المعارضة إلى محاولة صياغة ترتيبات سياسية بديلة.

خصوم الأمس أمام اختبار تحالف اليوم

يمثل اجتماع جبهة تحرير تغراي وفانو داخل إطار واحد أبرز مفارقات التحالف الجديد. فقد كانت فانو إلى جانب القوات الفيدرالية والإريترية خلال حرب تغراي، بينما كانت قوات تغراي في مواجهة الحكومة وحلفائها. أما اليوم، فتلتقي القوتان في معارضة حكومة أبي أحمد.

ويكشف هذا التحول عن تقدم الخلاف مع المركز على الخصومات التاريخية بين بعض القوى الإقليمية. لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا حول مدى قدرة هذا التقارب على الاستمرار، إذ إن الاتفاق على مواجهة خصم مشترك قد يكون أسهل من الاتفاق على ترتيبات الحكم وتقاسم الأراضي والسلطة بعد انتهاء المواجهة. ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي للتحالف لن يكون فقط في قدرته على الضغط على الحكومة، وإنما في قدرته على إدارة تناقضاته الداخلية.

تغراي تعود إلى قلب المعادلة

لا يمكن فصل التحالف عن التوتر المتصاعد بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تغراي، خصوصًا بعد تراجع أجزاء مهمة من الترتيبات التي أعقبت اتفاق بريتوريا لعام 2022. ففي مايو 2026 أعادت الجبهة تشكيل مؤسسات الحكم الإقليمية السابقة للحرب، وانتخبت دبرصيون جبرميكائيل رئيسًا للإقليم، وسط خلاف مع الحكومة بشأن تمديد ولاية الإدارة الانتقالية، قبل أن تتصاعد التوترات وتندلع اشتباكات خلال العام نفسه.

ويعني انضمام جبهة تحرير تغراي إلى التحالف أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمستقبل الإقليم، بل بمحاولة التأثير في شكل النظام السياسي الإثيوبي على المستوى الوطني. ومن هنا تزداد أهمية التحالف إذا ما اقترن التوتر في التغراي بتصعيد في أمهرا أو أورومو، بما قد يفتح المجال أمام تزامن عدة جبهات ضد المركز.

الانتخابات وفجوة الشرعية

جاء تشكيل التحالف بعد الانتخابات العامة التي جرت في يونيو 2026، والتي حقق فيها حزب الازدهار أغلبية كبيرة، بحصوله على 438 مقعدًا من أصل 501 في مجلس نواب الشعب وفق النتائج النهائية المعلنة. إلا أن الانتخابات لم تُجرَ في تغراي، كما تأثرت أجزاء من أمهرا وأورومو بالاضطرابات الأمنية، فيما غابت أو قاطعت قوى معارضة رئيسية.

وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة أساسية: فالحكومة تمتلك تفويضًا مؤسسيًا قويًا داخل المؤسسات المنتخبة، لكن مناطق وقوى رئيسية ما زالت خارج العملية السياسية أو غير مندمجة بصورة كاملة فيها. وفي المقابل، لا يعني وجود معارضة مسلحة امتلاكها تلقائيًا شرعية شعبية وطنية. وتبقى المشكلة الأساسية في الفجوة بين الشرعية الانتخابية للمركز وقدرته على دمج المناطق المتنازعة داخل النظام الفيدرالي.

هل أصبح التحالف جبهة عسكرية موحدة؟

ينبغي التعامل بحذر مع حجم التهديد الذي يمثله التحالف. فالإعلان السياسي لا يعني بالضرورة وجود قيادة عمليات مشتركة أو غرفة قيادة واحدة أو خطة عسكرية موحدة لإسقاط الحكومة. وتشير المعطيات الواردة في وثيقة التحالف إلى أن التوافق يتركز بدرجة أكبر على التنسيق السياسي والتنظيمي والهدف المشترك، بينما تظل قضايا القيادة والعمليات وترتيبات ما بعد إسقاط الحكومة غير محسومة بالكامل.

وعليه، يستطيع التحالف رفع مستوى الضغط على الحكومة عبر تنشيط جبهات متعددة وتشتيت الموارد العسكرية، لكن ذلك يختلف عن امتلاك القدرة على تنفيذ عملية عسكرية مركزية لإسقاط الحكومة. وتظل المسافة كبيرة بين إضعاف قدرة المركز على إدارة الأطراف وبين تغيير السلطة في أديس أبابا فعليًا.

اتساع رقعة التحدي أمام الحكومة

مع ذلك، فإن اتساع رقعة القوى المنضوية في التحالف يفرض على الحكومة معادلة أمنية أكثر تعقيدًا. فانتشار الفصائل في مناطق واسعة قد يتيح زيادة الضغط المتزامن على القوات الفيدرالية، وتشتيت الموارد، وتعطيل بعض خطوط النقل، وإرباك الإدارة الحكومية في أكثر من إقليم.

ويكتسب إقليم الأورومو أهمية خاصة بسبب موقعه وحجمه السكاني، بينما يمثل أمهرا وتغراي المجال الاستراتيجي في الشمال، وتضيف مشاركة قوى من عفار وبني شنقول-غوموز والصومال الإثيوبي أبعادًا جغرافية إضافية. ومن ثم، فإن التحدي لا يرتبط فقط بقوة كل فصيل منفردًا، وإنما بإمكانية تزامن الضغوط على عدة أطراف من الدولة.

إريتريا: البعد الإقليمي الأكثر حساسية

تزداد خطورة التطورات بسبب التوتر المتصاعد بين إثيوبيا وإريتريا. فقد اتهمت الحكومة الإثيوبية أسمرا بدعم التحالف، بينما نفت إريتريا هذه الاتهامات، في وقت تتداخل فيه الخلافات حول تغراي ومسألة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر.

ولا تكفي الاتهامات المتبادلة وحدها لإثبات طبيعة أو حجم أي دعم خارجي، لكن ثبوت دعم مباشر لأي من الفصائل يمكن أن ينقل الأزمة من صراع داخلي إلى مواجهة إقليمية أوسع. وتزداد حساسية المشهد مع التطورات الجديدة في العلاقات الأمريكية-الإريترية ورفع العقوبات الأمريكية عن الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية في إريتريا، وفق المعطيات الواردة في النص.

التداعيات على القرن الإفريقي

لن تبقى تداعيات أي تصعيد إثيوبي داخل الحدود. فإثيوبيا تتشارك حدودًا مع إريتريا والسودان وجنوب السودان وكينيا والصومال وجيبوتي، فيما تتقاطع أزمتها الداخلية مع ملفات إقليمية حساسة.

ويبرز السودان بصورة خاصة، إذ يمكن أن يؤدي تصاعد القتال في تغراي أو أمهرا إلى موجات نزوح جديدة أو انتقال مقاتلين وسلاح عبر الحدود. كما أن أي تصعيد إثيوبي إريتري ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن البحر الأحمر. وفي الصومال، قد تتداخل الأزمة مع الوجود العسكري الإثيوبي والعلاقات الأمنية بين البلدين، فضلًا عن التوترات المرتبطة بمسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.

السيناريوهات المحتملة

الأول: بقاء التحالف في إطار سياسي تنسيقي.
يظل التحالف منصة لتنسيق المواقف والضغط على الحكومة دون أن يتحول إلى قيادة عسكرية موحدة، وهو ما يسمح للحكومة بمواصلة التعامل مع الجبهات بصورة منفصلة.

الثاني: التحول إلى تنسيق عسكري فعلي مع اتساع نطاق الحرب
إذا نجحت الفصائل في تجاوز خلافاتها بشأن القيادة والأهداف العملياتية، فقد تتمكن من فتح جبهات متزامنة ورفع الضغط على القوات الفيدرالية، بما يزيد مخاطر اتساع الحرب. فضلا عن إشعال صراع واسع في تغراي، مع تداعيات محتملة على أمهرا وإريتريا والسودان.

الرابع: مسار تفاوضي وانتقالي. أضعف الاحتمالات
قد يتحول التحالف إلى ورقة ضغط لفتح حوار حول شكل الدولة والفيدرالية وتوزيع السلطة ووضع الأقاليم المتنازعة، شريطة أن يتجاوز هدف إسقاط الحكومة إلى صياغة ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار.

خلاصة تقدير الموقف

يمثل تحالف الفصائل السبع تحولًا مهمًا في طبيعة المعارضة الإثيوبية، لأنه يجمع قوى كانت تتحرك في ساحات منفصلة، وبعضها خاض مواجهات مباشرة مع بعضها الآخر، ضمن مشروع مشترك يستهدف الحكومة الفيدرالية. وتكمن أهميته الأساسية في إمكانية تحويل حالة التجزئة الأمنية إلى ضغط أكثر تنسيقًا على المركز.

لكن الإعلان لا يعني أن الحكومة باتت على وشك السقوط، ولا أن الفصائل السبع أصبحت قيادة عسكرية موحدة. فخلافاتها حول الأرض والسلطة والفيدرالية يمكن أن تحد من تماسكها، فيما يبقى الانتقال من تحالف لمواجهة الحكومة إلى مشروع سياسي قادر على إدارة دولة شديدة التنوع هو التحدي الأكبر أمامها.

وبناءً على ذلك، تبدو إثيوبيا أمام احتمال إعادة تشكيل للصراع، من حروب إقليمية متفرقة إلى استقطاب أوسع بين المركز وشبكة من القوى المسلحة الإقليمية. وإذا تزامن ذلك مع تصعيد في تغراي وتوتر مع إريتريا، فقد تمتد تداعيات الأزمة إلى السودان والبحر الأحمر والصومال وجيبوتي، بما يجعل مسار الصراع الإثيوبي عاملًا مؤثرًا في استقرار القرن الإفريقي بأكمله.

 

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى