مقدمة
التأمت قمة الاتحاد الإفريقي التاسعة والثلاثون في لحظة تاريخية فارقة تمر بها القارة الإفريقية، حيث تتقاطع التحولات الداخلية مع اضطرابات النظام الدولي، في مشهد يتسم بتعقيد غير مسبوق. فالقمة التي تستضيفها أديس أبابا لا تأتي في سياق اعتيادي، بل في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتحديات تنموية وأمنية متشابكة تفرض على القادة الأفارقة إعادة ترتيب الأولويات وصياغة استجابات أكثر شمولًا وفاعلية، وانعقدت القمة تحت شعار” ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة صرف صحي آمنة لتحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة”
فعلى الصعيد الأمني، تشهد القارة تصاعدًا ملحوظًا في النزاعات المسلحة والانقلابات العسكرية، خاصة في منطقة الساحل والقرن الإفريقي، إضافة إلى استمرار الأزمات في السودان وشرق الكونغو الديمقراطية. هذه التطورات أعادت طرح أسئلة جوهرية حول فعالية منظومة السلم والأمن الإفريقية، وقدرة الآليات القارية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى منعها واستباقها.
اقتصاديًا، تواجه الدول الإفريقية ضغوطًا متزايدة نتيجة تداعيات الأزمات العالمية المتلاحقة، من جائحة كوفيد-19 إلى اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. كما تعاني العديد من الاقتصادات الإفريقية من أعباء الديون وتراجع الاستثمارات الأجنبية، ما يحدّ من قدرتها على تمويل خطط التنمية الطموحة المرتبطة بـ أجندة 2063. وفي هذا السياق، يكتسب تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أهمية مضاعفة باعتباره أداة لتعزيز التكامل الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الخارج.
كما تنعقد القمة أيضًا في ظل تحولات مناخية حادة تضرب القارة، حيث تتفاقم موجات الجفاف والفيضانات، وتتزايد الضغوط على الموارد المائية والزراعية، ما يجعل قضايا الأمن الغذائي والمائي في صدارة الاهتمام القاري. هذه التحديات البيئية لا تهدد فقط مسارات التنمية، بل ترتبط كذلك بارتفاع معدلات النزوح الداخلي والهجرة غير النظامية، الأمر الذي يضيف أبعادًا إنسانية وأمنية جديدة.
وعلى المستوى الدولي، تأتي القمة في مرحلة إعادة تشكل للنظام العالمي، مع احتدام التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في إفريقيا. فقد أصبحت القارة ساحة جذب للاستثمارات والشراكات الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته ميدانًا للتجاذبات الجيوسياسية. هذا الواقع يفرض على الاتحاد الإفريقي صياغة مقاربة جماعية تعزز استقلالية القرار الإفريقي وتحمي المصالح القارية ضمن بيئة دولية متغيرة.
قمة الاتحاد الإفريقي بين ثنائيات التحديات والفرص
يمكن القول بأنه تنعقد القمة الـ 39 في لحظة تتسم بثنائية التحدي والفرصة. فالتحديات الأمنية والاقتصادية والمناخية تضغط بقوة على الدول الأعضاء، لكنها في الوقت ذاته تخلق دافعًا لإعادة التفكير في نماذج الحوكمة والتكامل والعمل الجماعي. ومن ثم، فإن هذه القمة لا تمثل مجرد محطة دورية في مسار العمل القاري، بل تعكس اختبارًا حقيقيًا لقدرة إفريقيا على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات المتكررة إلى مرحلة بناء نظام إقليمي أكثر تماسكًا واستدامة.
انعقدت قمة الاتحاد الإفريقي العادية التاسعة والثلاثون في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في فبراير 2026، في سياق إقليمي ودولي معقد يتسم بتزايد النزاعات المسلحة، تفاقم أزمات المناخ، الضغوط الاقتصادية، وتصاعد التنافس الدولي على القارة. وقد حملت القمة بُعدًا استراتيجيًا واضحًا، إذ سعت إلى الربط بين التحديات الأمنية العاجلة وأولويات التنمية طويلة المدى ضمن إطار أجندة 2063
الأجندة الرسمية للقمة
- ضمان استدامة المياه والصرف الصحي
اختارت القمة شعارًا يتمحور حول تأمين المياه المستدامة وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063. ويعكس هذا الاختيار إدراكًا متزايدًا بأن أزمة المياه في إفريقيا لم تعد قضية خدمية فقط، بل مسألة أمن قومي وتنموي.
تعاني عدة دول إفريقية من:
- نقص حاد في مصادر المياه العذبة.
- هشاشة البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.
- تزايد النزاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية.
- تأثيرات التغير المناخي على الأنهار والمياه الجوفية.
تركيز القمة على هذا الملف يشير إلى محاولة تحويل المياه إلى مدخل تكاملي يجمع بين الصحة، الزراعة، الطاقة، والاستقرار المجتمعي.
- السلم والأمن: أولوية دائمة
رغم أن المياه كانت العنوان الرسمي، فإن قضايا الأمن تصدرت النقاشات العملية. تناولت القمة الأوضاع في:
- منطقة الساحل الإفريقي حيث تتصاعد الانقلابات والتهديدات الإرهابية.
- شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية مع استمرار المواجهات المسلحة.
- الأزمة المتفاقمة في السودان
- حالة الجمود السياسي في ليبيا
- هشاشة الاستقرار في القرن الإفريقي
ناقشت القمة إصلاح وتفعيل دور مجلس السلم والأمن الإفريقي، وتطوير آليات الإنذار المبكر، وتحسين تمويل عمليات حفظ السلام الإفريقية.
- التكامل الاقتصادي وتسريع التجارة القارية
ملف التكامل الاقتصادي ظل حاضرًا بقوة، خاصة فيما يتعلق بتفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، رغم دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، لا تزال التجارة البينية الإفريقية منخفضة مقارنة بمناطق أخرى من العالم. لذلك ركزت القمة على:
- إزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية.
- تطوير البنية التحتية العابرة للحدود.
- تسهيل حركة رؤوس الأموال والسلع.
- دعم التصنيع المحلي وسلاسل القيمة الإقليمية.
- الصحة والأمن الصحي
برزت قضايا الصحة في ضوء دروس جائحة كورونا، حيث تم التأكيد على دور المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها في تعزيز الاستعداد للأوبئة، وتطوير قدرات إنتاج اللقاحات محليًا، وتحسين التكامل بين الصحة والمياه والصرف الصحي.
- التمويل والتنمية المستدامة
شهدت القمة حضورًا مؤثرًا لمؤسسات مالية إقليمية ودولية، وعلى رأسها البنك الإفريقي للتنمية، الذي أكد التزامه بتمويل مشروعات البنية التحتية والمياه والطاقة.
كما ناقش القادة سبل تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي وتعزيز الموارد الذاتية للاتحاد، بما في ذلك إصلاح نظام مساهمات الدول الأعضاء.
ثانيًا: الأولويات الاستراتيجية للقمة
- الربط بين الأمن والتنمية
أبرز ما يميز قمة 2026 هو الاعتراف بأن التنمية المستدامة لا يمكن تحقيقها دون استقرار سياسي وأمني. فالنزاعات تعرقل الاستثمار، وتدمر البنية التحتية، وتزيد من الفقر والهجرة غير النظامية. وبالتالي، تسعى القمة إلى تبني مقاربة شاملة تربط بين:
- إدارة الموارد الطبيعية.
- العدالة الاجتماعية.
- الإصلاح المؤسسي.
- مكافحة التطرف.
- تعزيز السيادة الإفريقية في النظام الدولي
في ظل التحولات العالمية، تسعى إفريقيا إلى تعزيز تمثيلها في المؤسسات الدولية، خصوصًا في إطار التعاون مع الأمم المتحدة والمطالبة بإصلاح مجلس الأمن الدولي.
تعكس هذه الأولوية رغبة القارة في الانتقال من موقع التلقي إلى موقع التأثير في صناعة القرار العالمي.
- إدارة آثار التغير المناخي
القارة الإفريقية من أقل القارات مساهمة في الانبعاثات، لكنها من أكثرها تأثرًا بالتغير المناخي. لذلك شكلت:
- إدارة الجفاف.
- تمويل التكيف المناخي.
- دعم التحول نحو الطاقة المتجددة
محاور أساسية في مناقشات القمة.
- الشباب والتحول الديمغرافي
تضم إفريقيا أكبر نسبة شباب في العالم، ما يمثل فرصة تنموية كبرى إذا تم استثمارها عبر:
التعليم المهني.
- دعم ريادة الأعمال.
- خلق وظائف مستدامة.
لكنها قد تتحول إلى تحدٍ أمني إذا استمر ارتفاع معدلات البطالة والتهميش.
ثالثًا: التحديات التي تواجه تنفيذ مخرجات القمة
- 1. فجوة التنفيذ
تُعد فجوة التنفيذ المزمنة من أكبر التحديات التي تواجه الاتحاد الإفريقي. فالكثير من القرارات الطموحة لا تُترجم إلى سياسات وطنية فعالة بسبب:
* ضعف القدرات المؤسسية.
* نقص التمويل.
* غياب آليات المتابعة الصارمة.
- التمويل المستدام
لا يزال الاتحاد يعتمد جزئيًا على التمويل الخارجي، ما يحد من استقلالية قراراته. ويظل تحقيق الاكتفاء المالي الذاتي هدفًا بعيد المنال في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعانيها العديد من الدول الأعضاء.
- الانقسامات السياسية
تباين الرؤى بين الدول حول قضايا عديدة يُضعف أحيانًا وحدة الموقف الإفريقي مثل:
- التدخل في النزاعات الداخلية.
- التعامل مع الانقلابات العسكرية.
- المواقف من القوى الدولية الكبرى
- تصاعد التنافس الدولي
أصبحت إفريقيا ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية، ما قد يخلق ضغوطًا على صانع القرار الإفريقي ويؤثر على استقلالية السياسات.
- هشاشة بعض الدول
وجود دول هشة أو فاشلة مؤسساتيًا يُعقّد جهود التكامل القاري، إذ لا يمكن تحقيق سوق موحدة فعالة في ظل تفاوتات حادة في الاستقرار والحوكمة.
رابعًا: الدلالات السياسية للقمة
تعكس القمة الـ 39 عدة دلالات مهمة:
- تحول في تعريف الأمن: لم يعد مقتصرًا على الأمن العسكري، بل يشمل المياه، الغذاء، الصحة، والمناخ.
- محاولة مأسسة الاستجابة للأزمات بدل الاكتفاء بردود الفعل.
- الانتقال من الخطاب إلى التخطيط التنفيذي عبر ربط الأجندة القطاعية بإطار أجندة 2063.
لكن نجاح هذه الدلالات يعتمد على الإرادة السياسية الجماعية، وتماسك المؤسسات، وتوافر الموارد.
خامسًا: تقييم عام
يمكن القول إن قمة الاتحاد الإفريقي الـ 39 مثّلت محاولة لإعادة ترتيب الأولويات في لحظة حرجة من تاريخ القارة. فهي جمعت بين معالجة الأزمات الأمنية الفورية، والتخطيط لتحولات هيكلية بعيدة المدى.
إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الأجندات، بل في:
- تحويل الالتزامات إلى برامج قابلة للقياس.
- ضمان التنسيق بين الاتحاد والتجمعات الإقليمية.
- إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني.
- خلق شراكات دولية متوازنة تحفظ المصالح الإفريقية.
خاتمة
تشير مخرجات القمة الـ 39 إلى إدراك إفريقي متزايد بأن القارة تقف عند مفترق طرق. فإما أن تنجح في تحويل أزماتها إلى فرص لإعادة البناء والتكامل، أو تبقى رهينة التحديات الهيكلية المزمنة. إن التركيز على المياه، الأمن، التكامل الاقتصادي، والصحة يعكس رؤية شاملة، لكن التنفيذ سيظل معيار الحكم الحقيقي على نجاح هذه القمة. وفي ظل تعقيدات البيئة الإقليمية والدولية، فإن السنوات القليلة القادمة ستكون حاسمة في اختبار قدرة الاتحاد الإفريقي على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة المستقبل.
كما تمثل القمة التاسعة والثلاثون للاتحاد الأفريقي نقطة تحول حاسمة لأجندة القارة في عام 2026، إذ تُوازن بين الضرورات السياسية العاجلة (السلام والأمن) وأهداف التنمية طويلة الأجل (أجندة 2063) ، وتُعلي من شأن المياه والصرف الصحي باعتبارهما عنصرين أساسيين لازدهار أفريقيا واستقرارها في المستقبل. وسيعتمد نجاح القمة في نهاية المطاف على التنفيذ والتمويل والعمل المنسق من جانب الدول الأعضاء والهيئات الإقليمية والشركاء الدوليين.





