هناك طريقة تقليدية لقراءة ما يجري في شرق أفريقيا؛ مصر وإثيوبيا تتنافسان على النيل، وكل طرف منهما يحاول تحسين موقعه في مواجهة الآخر[1]. لكن هذه القراءة، على أهميتها، لم تعد كافية لفهم المشهد، فإن ما يحدث اليوم أوسع من سد النهضة، وأبعد من الخلاف حول قواعد ملء وتشغيل السد؛ نحن أمام إعادة تشكيل تدريجية للبيئة الاستراتيجية المحيطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل، بحيث لم تعد الدولة الأقوى هي بالضرورة الدولة التي تمتلك أكبر الموارد، وإنما الدولة التي تستطيع التأثير في حركة الآخرين.
وهذا التحول في مفهوم القوة يقودنا إلى النظر في الحالة الإثيوبية تحديداً، التي جعلت من حبسها الجغرافي نقطة انطلاق لإعادة تعريف موقعها الإقليمي.
أولاً: إثيوبيا.. دولة حبيسة تبحث عن حركة سياسية
تُعد إثيوبيا واحدة من أكبر الدول الحبيسة في العالم، وهذه السمة في الحسابات الجغرافية التقليدية تُقرأ دائماً بوصفها نقطة ضعف، بل عائقاً استراتيجياً يحرم الدولة من منفذ مباشر على البحر، ويجعلها رهينة لجيرانها في حركة تجارتها ونفوذها، لكن إثيوبيا، ومنذ نحو عقدين تعمل على قلب هذه المعادلة؛ فهي لا تتعامل مع حبسها الجغرافي باعتباره قدراً محتماً، بل باعتباره مشكلة سياسية ينبغي حلها عبر أدوات النفوذ، لا عبر تغيير الخرائط[2].
وهكذا، لم يعد الوصول إلى البحر بالنسبة إلى أديس أبابا مجرد حاجة اقتصادية أو لوجستية، بل أصبح محوراً رئيسياً في تصورها لمكانتها في النظام الإقليمي. فالدولة التي لا تمتلك شاطئاً، تسعى اليوم إلى امتلاك مفاتيح التأثير فيمن يملكون الشواطئ، عبر التحالفات، والاستثمارات، والاتفاقيات الأمنية، والوجود في الموانئ الإقليمية بصيغ مختلفة[3].
لكن هذا الطموح الإقليمي، مهما بلغت جرأته، يصطدم بجدران داخلية بالغة الهشاشة. فإثيوبيا التي تسعى إلى منفذ بحري، هي نفسها التي تعاني، منذ سنوات، من حروب داخلية متعاقبة في إقليم تغراي، ثم في أمهرا، وأجزاء من أورومو، وهذه الصراعات تلتهم مواردها المالية والبشرية، وتشتت انتباه قادتها، وتُضعف تماسك جيشها وسياساتها. فهي دولة تبحث عن موقع في العالم، بينما هي تكافح للحفاظ على وحدتها الداخلية[4].
وهنا تبرز مفارقة مركزية، سنعود إليها بالتفصيل في القسم التالي: أن أقوى المشاريع الإقليمية تظل رهينة بدرجة كبيرة بتماسك الدولة نفسها؛ فالدولة التي لا تضبط حدودها الداخلية، يصعب عليها أن ترسم حدود نفوذها الخارجية. وإثيوبيا، رغم طموحاتها الكبيرة، تبقى أسيرة هذا التناقض، وهو ما يجعل مشروعها الإقليمي أقرب إلى طموح يصطدم بواقع، منه إلى استراتيجية محكمة البناء.
ثانياً: الهشاشة الداخلية كعائق للنفوذ الخارجي
هنا تكمن المفارقة: أقوى المشاريع الإقليمية تظل رهينة بدرجة كبيرة بتماسك الدولة نفسها، فالدولة التي لا تضبط حدودها الداخلية، يصعب عليها أن ترسم حدود نفوذها الخارجية[5].
وهذا القيد لا يقتصر على تقييد القدرات العسكرية أو الدبلوماسية فحسب، بل تمتد لتؤثر في قدرة الدولة على الدفاع عن مصالحها في المحافل القانونية والإقناعية؛ فكلما كانت الدولة منشغلة بحروبها الداخلية، أصبحت أكثر عرضة لفرض أطر قانونية لا تخدم مصالحها، كما جرى مع دخول “اتفاقية عنتيبي*” الإطارية حيز التنفيذ في تشرين الأول 2024، والتي حوّلت النيل من ساحة خلاف ثنائي حول سد إلى ساحة تنافس على الأطر المؤسسية بأكملها[6].
وهنا تحديداً ينبغي أن يتغير السؤال الجوهري؛ ليس السؤال: كيف نمنع إثيوبيا من الحصول على منفذ بحري؟ بل: كيف نمنع تحول النفوذ الإثيوبي المتزايد إلى قاعدة جديدة لإعادة ترتيب الإقليم؟ والفرق بين السؤالين كبير جداً، فالسؤال الأول يعالج نتيجة محتملة، بينما السؤال الثاني يعالج عملية سياسية مستمرة.
فالدول لا تصبح قوى إقليمية لأنها تمتلك ورقة واحدة، وإنما لأنها تستطيع تجميع أوراق متفرقة وتحويلها إلى شبكة نفوذ[7]. وهذا ما يجعل القرن الأفريقي شديد الحساسية؛ فالسودان ليس مجرد جار لإثيوبيا، والصومال ليس مجرد دولة تقع شرقها، والبحر الأحمر ليس مجرد ممر تجاري، والنيل ليس مجرد نهر.
وإذا كانت الهشاشة الداخلية تعيق النفوذ الخارجي، فإن السودان يقدم نموذجاً معقداً لهذه المعضلة، فهو ليس مجرد دولة هشة، بل لاعب إقليمي مؤثر رغم أزمته.
ثالثاً: السودان .. بين كونه لاعباً وساحةً للصراع؟
المُهمل في هذه المعادلة هو أن السودان ليس مجرد حقل تصادم، بل هو لاعب يمتلك أوراقاً إقليمية مؤثرة؛ بإمكانه نظرياً أن يمنح إثيوبيا منفذاً برياً عبر بورتسودان، أو أن يغلقه في وجهها، كما بإمكانه أن يتحالف مع مصر في ملف المياه أو ينقلب ضدها. لكن هذه “العصا السحرية” تظل محدودة الفعالية؛ فالسودان نفسه غارق في حرب أهلية شرسة جعلت قراره السيادي مرهوناً بتدخلات إقليمية ودولية (خليجية وغربية)، فضلاً عن تنازع الشرعية بين الجيش وقوات الدعم السريع، مما يحوله غالباً من لاعب فاعل إلى ساحة تتصارع عليها المشاريع الخارجية. ومع ذلك، لم يفقد السودان إرادته السياسية بالكامل؛ بل تحوّلت أزمته الداخلية ذاتها إلى أداة مساومة إقليمية، وهو ما يجعل أي حساب استراتيجي في القرن الأفريقي ناقصاً دون وضع الخرطوم كمتغير مستقل، لا كمجرد نتيجة[8].
لكن الحديث عن السودان لا يكتمل دون فهم الشبكة الجغرافية الأوسع التي يقع فيها؛ فالجغرافيا هنا ليست مجرد حدود، بل نسيج من المصالح المتشابكة التي تربط السودان بجيرانه، وهو ما سنستعرضه في القسم التالي.”
رابعاً: الترابط الجغرافي .. عندما تصبح الحدود نسيجاً واحداً
كل واحدة من هذه الجغرافيا تتقاطع مع الأخرى، ولهذا فإن أي تغير في السودان ينعكس على مصر وإثيوبيا، وأي تغير في الصومال يؤثر في الحسابات الإثيوبية والمصرية، وأي تحول في البحر الأحمر يضيف بعداً جديداً إلى معادلة الدول المطلة عليه والدول غير المطلة عليه.
لذلك، لم تعد الجغرافيا في هذا السياق مجرد خطوط فاصلة بين دول، بل تحولت إلى نسيج مترابط من المصالح والموارد والطرق التي تربط المناطق ببعضها[9]. وهذه ربما هي النقطة التي لم تنتبه إليها كثير من القراءات العربية بما يكفي، فنحن العرب قد اعتدنا النظر إلى الدول باعتبارها وحدات منفصلة؛ مصر في الشمال، السودان في الجنوب، إثيوبيا في الشرق، والصومال والبحر الأحمر في نطاق آخر، لكن القوى الإقليمية لا تفكر بهذه الطريقة، هي تنظر إلى المساحات باعتبارها مترابطة، وإلى الموانئ والحدود والطرق التجارية والممرات البحرية ومصادر الطاقة والمياه باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة.
ومن هذه الزاوية، يصبح السودان أكثر من مجرد أزمة داخلية، ويصبح البحر الأحمر أكثر من مجرد ممر ملاحي، ويصبح الصومال أكثر من ملف أمني، ويصبح النيل أكثر من قضية مياه، إنها جميعاً مفاتيح لإنتاج النفوذ.
هذا الترابط يضع المشروعين المصري والإثيوبي في سياق جديد، حيث لم تعد المنافسة ثنائية، بل أصبحت جزءاً من لعبة إقليمية أوسع. وفي القسم التالي، سنتتبع كيف تعامل كل من القاهرة وأديس أبابا مع هذا التحول.
خامساً: المشروعان المصري والإثيوبي .. من الثنائية إلى الإقليمية
هنا يمكن فهم جانب من التحرك المصري خلال السنوات الأخيرة باتجاه القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بالتوازي مع علاقاتها الأمنية مع الصومال وإريتريا والسودان. فالقاهرة تدرك، على ما يبدو، أن الاكتفاء بإدارة ملف السد من خلال التفاوض الفني لن يكون كافياً إذا تغيرت البيئة الاستراتيجية المحيطة بها[10]. وفي المقابل، فإن التحركات الإثيوبية في محيطها تؤكد أن أديس أبابا لم تعد تريد أن تُعرف فقط بوصفها دولة المنبع، بل كقوة مركزية في القرن الأفريقي[11].
لكن هناك أمراً آخر أكثر أهمية؛ ففي الأدبيات السياسية، لا تُقاس القوة الإقليمية بقدرة الدولة على فرض إرادتها، بل بقدرتها على جعل أي تجاهل لمصالحها مكلفاً للآخرين، سواء على مستوى التكاليف الأمنية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية. “وهذا المفهوم يتقاطع مع أدبيات الردع الاستراتيجي في العلاقات الدولية، حيث تُقاس قوة الدولة بقدرتها على تغيير حسابات التكلفة/الفائدة لدى خصومها دون حتمية استخدام العنف المباشر، كما طرحه كينيث والتز وغيره من المنظرين الواقعيين”[12].
إثيوبيا لا تحتاج إلى أن تصبح أقوى من مصر في كل المجالات حتى تحقق مكاسب استراتيجية، يكفي أن تصبح لاعباً يصعب تجاوزه في ملفات المياه والطاقة والقرن الأفريقي والبحر الأحمر والسودان. وبالمقابل، لا تحتاج مصر إلى السيطرة على القرن الأفريقي حتى تستعيد توازنها؛ تحتاج إلى امتلاك شبكة من العلاقات والأدوات تجعل أي مشروع إقليمي لا يأخذ مصالحها بالحسبان مشروعاً ناقصاً.
لكن هذه المنافسة بين القاهرة وأديس أبابا تجري في ساحة لم تعد مملوكة لهما فقط، إذ أصبحت قوى خارجية تعيد تشكيل قواعد اللعبة.
سادساً: الفاعلون الخارجيون .. مهندسو الجغرافيا السياسية
المنافسة بين البلدين أصبحت أقرب إلى صراع على القدرة في تشكيل البيئة وليس صراعاً مباشراً على الأرض، والأخطر أن هذه البيئة لم تعد تُصنع بواسطة الدول وحدها. (وهنا تكمن المفارقة الأعمق: فبينما تتشاغل القاهرة وأديس أبابا بموازنة بعضهما بعضاً، أصبحت قوى خارجية تمتلك المال والتكنولوجيا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، وهذه القوى تفرض وقائع جديدة عبر استثماراتها ومشاريعها، مما يجعل الدولتين المحليتين مضطرتين للتكيف معها)[13].
وليس الخليج هنا هو الفاعل الخارجي الوحيد، فالصين التي تمتلك قاعدة عسكرية في جيبوتي وتمول خطوط سكك حديدية تربط إثيوبيا بالبحر، وروسيا التي تعزز وجودها في إريتريا والسودان، والإمارات التي تدير موانئ متعددة على البحر الأحمر، كلها تتدخل اليوم بصفتها مهندسين للجغرافيا السياسية، وليس مجرد مستثمرين اقتصاديين، وهذه القوى لا تنتظر نتيجة الصراع المصري-الإثيوبي، بل هي تصنع وقائع جديدة على الأرض تجعل الدولتين المحليتين مضطرتين للتكيف معها، وليس العكس[14].
وهنا تظهر مشكلة أكبر من إثيوبيا ومصر معاً: فالمال يتيح حيازة مواقع استراتيجية، وهذه المواقع تمنح صاحبها نفوذاً تراكمياً، وهذا النفوذ يترجم في النهاية إلى قدرة على توجيه مسارات السياسة الإقليمية[15]. ولهذا فإن المنافسة القادمة في القرن الأفريقي لن تكون عسكرية بالضرورة، وقد لا تحتاج حتى إلى تحالفات معلنة. قد تكون على شكل ميناء، أو مشروع طاقة، أو طريق تجاري، أو استثمار زراعي، أو اتفاق أمني، أو شراكة سياسية، أو حضور دبلوماسي طويل الأمد[16].
لكن هذه المشاريع الخارجية لا تعمل في فراغ، فهي تصطدم بواقع السودان المتأزم، الذي يعيد نفسه كعامل حاسم في المعادلة.
سابعاً: السودان قلب المعادلة من جديد
المعركة أصبحت أصعب من أن تُقاس بعدد الجنود والطائرات، لأن السودان عاد من جديد ليقف في منتصف هذه المعادلة. فالحرب السودانية لم تعد أزمة داخلية محضة، بل تحولت إلى أزمة ذات آثار إقليمية عابرة للحدود، بينما تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والجغرافية لدول عديدة[17]. (وقد حذرت مجموعة الأزمات الدولية في تقاريرها الأخيرة من أن تداخل الأزمات في السودان وإثيوبيا والقرن الأفريقي يجعل المنطقة معرضة لمزيد من التصعيد والتشابك، مما يحول الخرطوم إلى ساحة تتصادم فيها المصالح الإقليمية لا مجرد دولة تعاني حرباً أهلية).
ولهذا فإن مستقبل العلاقة المصرية-الإثيوبية قد لا يُحسم في القاهرة أو أديس أبابا وحدهما، قد يُحسم جزء مهم منه في الخرطوم، ومقديشو، وأسمرة، وجيبوتي، وعلى سواحل البحر الأحمر[18].
وهذا التداخل المتزايد يكشف عن نقطة ضعف جوهرية في المشروعين المصري والإثيوبي معاً.
ثامناً: نقطة ضعف المشروعين .. الإفراط في التوسيع
كلما حاولت مصر معالجة إثيوبيا باعتبارها مشكلة ثنائية، ازدادت أهمية الإقليم كله في حساباتها، وكلما حاولت إثيوبيا توسيع مجال حركتها خارج حدودها، ازدادت احتمالات أن تتحول المنافسة معها إلى منافسة متعددة الأطراف. لذلك فإن الرهان الحقيقي أمام القاهرة ليس الدخول في سباق استنزاف مفتوح مع أديس أبابا، وإنما بناء سياسة إقليمية طويلة النفس، تجعل مصر حاضرة في صناعة التوازنات لا مجرد متلقية لها.
وفي المقابل، فإن على إثيوبيا أن تدرك أن التوسع الإقليمي لا يُبنى على دوائر الصراع، بل على استقرار الجوار؛ فالدولة التي ترهن مشروعها القومي بفتح خصومات متعددة، قد تجد نفسها محاصرة بردود فعل مضادة، كما تفترض “نظرية توازن التهديد*“.
وهنا تحديداً قد تكون نقطة ضعف المشروعين معاً؛ فمصر إذا بالغت في التعامل مع كل تحرك إثيوبي باعتباره تهديداً وجودياً، قد تجد نفسها في سباق استنزاف طويل، وإثيوبيا إذا تعاملت مع كل مساحة مجاورة باعتبارها مجالاً طبيعياً لنفوذها، فقد تنتج حولها ائتلافات مضادة، (وهذا يتسق مع نظرية توازن التهديد (Balance of Threat) كما صاغها ستيفن والت، التي تفترض أن الدول تميل إلى التحالف ضد القوى التي تبدو مهددة ومتوسعة، وهو ما ينطبق بوضوح على التحركات الإثيوبية في محيطها الإقليمي؛ فمصر لم تكتفِ بمواجهة أديس أبابا مباشرة، بل سعت إلى بناء شبكة تحالفات مع إريتريا والصومال وجنوب السودان، في محاولة واضحة لموازنة النفوذ الإثيوبي المتصاعد واحتوائه من محاور متعددة، تماماً كما تفترض النظرية)[19]. وبين هذين الخيارين تظهر قاعدة جيوسياسية قديمة ولكنها شديدة الصلاحية للمنطقة اليوم: الإفراط في توسيع النفوذ قد يولد ردود فعل مضادة، ويحفز الخصوم المتفرقين على تشكيل تحالفات لموازنة التهديد المشترك.
وانطلاقاً من هذه المعادلة المعقدة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمستقبل القريب، نعرضها في القسم التالي.
تاسعاً: سيناريوهات المستقبل القريب
وفق ما جاء في هذا الإطار النظري والواقعي المتشابك، يمكننا أن نضع تصوراً محتملاً لثلاث سيناريوهات رئيسية للمستقبل القريب في المنطقة، وهي ليست قطعية بقدر ما هي محاولة لاستشراف الاتجاهات الكبرى[20]:
السيناريو الأول (توازن هش): إما أن تنجح مصر في بناء شبكة علاقات توازن النفوذ الإثيوبي دون حرب، ويستمر الصراع كأزمة مدارة، لا محلولة.
السيناريو الثاني (الاختراق الإثيوبي): أو أن تحصل أديس أبابا على منفذ بحري عبر اتفاق مع إحدى دول الجوار، مقابل تنازلات أمنية أو اقتصادية، الأمر الذي يعيد تعريف مركز الثقل في المنطقة.
السيناريو الثالث (التدويل): قد تتفاقم الأزمات في السودان والصومال، مما يدفع القوى الكبرى (الصين/أميركا/روسيا) إلى فرض تسوية إقليمية شاملة يخرج فيها القرار من أيدي القاهرة وأديس أبابا معاً.
ومما يرجح السيناريو الأول في الأمد القريب، أن مصر نجحت بالفعل في بناء شبكة تحالفات مع إريتريا والصومال وجنوب السودان، بينما لم تحقق إثيوبيا بعد اختراقاً حاسماً في ملف المنفذ البحري، لكن بقاء السيناريو الثالث وارداً في حال انهيار الدولة السودانية بالكامل أو توسع التدخل الخارجي بشكل كبير. غير أن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يلغي السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الورقة.
الخاتمة:
من يعيد تعريف قواعد اللعبة؟
برأيي، أياً كان السيناريو الذي سيتحقق، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً أن القرن الأفريقي وحوض النيل لم يعودا مسرحاً لصراع ثنائي، بل أصبحا محطة تجميع لرهانات إقليمية ودولية متراكمة. والنصر الحقيقي، كما حاولت هذه الورقة بيانه، ليس لمن يملك الأرض أو السد، بل لمن يمتلك القدرة على إعادة تعريف القواعد التي تلعب بها الجميع.
لذلك لا أعتقد أن السؤال الأهم في السنوات المقبلة سيكون: من انتصر في أزمة سد النهضة؟ بل سيكون السؤال الأكثر أهمية هو: من استطاع أن يعيد تعريف قواعد الحركة في الإقليم؟
فإذا نجحت إثيوبيا في جعل نفسها مركزاً لا يمكن تجاوزه في القرن الأفريقي سواء عبر الحصول على منفذ بحري فعلي، أو عبر عقد تحالفات أمنية تجعل تجاهلها مكلفاً ستكون قد حققت تحولاً استراتيجياً حتى لو بقيت بعض ملفاتها مع مصر معلقة. وإذا نجحت مصر في بناء شبكة إقليمية متوازنة تجعل مصالحها حاضرة في النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، فإنها تكون قد أعادت إنتاج قوتها بطريقة مختلفة عن الماضي، ليس بالضرورة بالسيطرة، بل بجعل أي ترتيب إقليمي دون موافقتها غير مكتمل.
أما إذا بقي الطرفان أسرى للخطاب القديم (النيل ملك لنا / المنفذ حق طبيعي)، فسوف تستمر المنطقة في إنتاج أزمات جديدة تتصدر عناوينها بينما تتقدم قوى أخرى لتملأ الفراغ فعلياً على الأرض.
ففي السياسة الدولية، فقدان الدولة لموقعها التنافسي لا يأتي بالضرورة من تراجع قوتها المطلقة، بل من زيادة أهمية الآخرين على حسابها في المعادلة الإقليمية[21]. وهذه في تقديري، هي القضية الحقيقية التي تستحق أن تُناقش اليوم في حوض النيل والقرن الأفريقي.
المصادر والمراجع
- بدر حسن شافعي، مصر وإثيوبيا وصراع الهيمنة على حوض النيل: سد النهضة نموذجاً، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، تموز 2021.
- عبد القادر محمد علي، المطالبات الإثيوبية بميناء علي البحر الأحمر: الدوافع، والخلفيات، والتداعيات، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 26 كانون الأول 2023.
- محمد العرب، مستقبل إثيوبيا الحبيسة بين الفرص والمخاطر، منصة إيلاف، مقال نشر بتاريخ 18 تشرين الأول 2024، متاح على الرابط: https://elaph.com/Web/ElaphWriter/2024/10/1551026.html.
- ذو النون سليمان، تدخل جنوب السودان يعيد رسم الخرائط»، التقدم العربي، نشر بتاريخ 12 كانون الأول 2025، متاح على الرابط: https://bit.ly/3U4577d.
- اتفاقية عنتيبي: اتفاقية إطارية للتعاون بين دول حوض نهر النيل، تُعرف رسمياً بـاتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل (CFA)، وتهدف إلى إنشاء إطار قانوني ومؤسسي لتنظيم إدارة الموارد المائية لنهر النيل واستخدامها بصورة منصفة ومستدامة بين دول الحوض، جاءت الاتفاقية بعد مفاوضات استمرت لسنوات، وبدأ توقيعها عام 2010 من جانب عدد من دول المنبع، وفي مقدمتها إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وكينيا وبوروندي، ثم انضمت إليها جنوب السودان، وتمثل الاتفاقية تحولاً مهماً في النظام المائي لحوض النيل، كونها تسعى إلى تعزيز دور دول المنبع في إدارة الموارد المائية، في مقابل تحفظ مصر والسودان على بعض أحكامها، ولا سيما ما يرتبط بالحقوق والاستخدامات المائية القائمة، وقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ في تشرين الأول 2024، لتصبح أحد الأطر القانونية والمؤسسية المؤثرة في إدارة مياه النيل. للمزيد ينظر في: https://tinyurl.com/m8nwzxwd.
- إذاعة مونت كارلو الدولية، إثيوبيا تشعل فصلا جديدا من التوتر مع مصر: ما قصة اتفاقية عنتيبي؟، مقال نشر بتاريخ 19 آب 2026، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/mukmv6rt.
- سمير مرقص، هرم القوة الإقليمي في الشرق الأوسط، جريدة المصري اليوم (القاهرة)، ع. 8024، 3 حزيران 2026، متاح على الرابط: https://www.almasryalyoum.com/news/details/4283982.
- مركز رواق للأبحاث والدراسات، عسكرة بورتسودان.. رهانات طهران لخلخلة الضغط الدولي عبر ساحل البحر الأحمر، 6 شباط 2026، متاح على الرابط: https://rwaqcenter.net/articles/5072/.
- حمدي عبد الرحمن حسن، صراع النفوذ في القرن الإفريقي، مجلة آفاق استراتيجية، العدد (10)، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، القاهرة، 2025.
- محمد خيال، تحركات مصرية بملفات أفريقية.. وساطة بين أمريكا وإريتريا وتنسيق بشأن السودان، موقع الجزيرة، مقال نشر بتاريخ 20 تموز 2026، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/4aeusk3e.
- الجزيرة، هل بدأت إثيوبيا استغلال مياه النيل سياسياً، تقرير نشر بتاريخ 17 آب 2026، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/2mwevdc9.
- أوراد محمد مالك، إعادة تعريف الردع الاستراتيجي في عصر التعددية القطبية، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بغداد، 18 شباط 2026.
- موقع الجزيرة، أزمة الخليج امتدت إلى القرن الإفريقي، تقرير نشر بتاريخ 25 شباط 2018، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/4n7u27rc.
- عربي بوست، تحليل سيناريوهات الصراع في القرن الأفريقي: لعبة الجغرافيا السياسية بين مصر وإثيوبيا، تقرير نشر بتاريخ 17 تشرين الأول 2024، متاح على الرابط: https://bit.ly/4qBSrka.
- عزو محمد عبد القادر، عدم الاستقرار السياسي في القرن الإفريقي (الجزء الثالث)، الحوار المتمدن، مقال نشر بتاريخ 21 آب 2008، متاح على الرابط: https://m.ahewar.org/s.asp?aid=144482&r=0.
- موقع الجزيرة، القرن الأفريقي .. ساحة تنافس دولي حاد على النفوذ، تقرير نشر بتاريخ 13 شباط 2026، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/mr7b6na5.
- نبيل خالد مخلف، السودان: صراع السلاح وآفاق التحول المدني، مقال نشر على صفحة مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة الأنبار بتاريخ 1 أبريل 2025، متاح على الرابط: https://cstrategics.uoanbar.edu.iq/News_Details.php?ID=420.
- مصطفى عبد إبراهيم، في أصول العلاقات المصرية الأثيوبية، المركز الديمقراطي العربي، برلين، 6 آذار 2025، متاح على الرابط: https://democraticac.de/?p=103343.
- نظرية توازن التهديد (Balance of Threat): نظرية في العلاقات الدولية صاغها ستيفن والت، وترى أن الدول لا تتوازن ضد القوى الأعظم فقط، بل ضد الدول التي تبدو أكثر تهديداً من غيرها، ويعتمد مستوى التهديد على عوامل مثل القوة الإجمالية، والقرب الجغرافي، والقدرات الهجومية، والنوايا العدوانية. للمزيد ينظر في: https://jcopolicy.uobaghdad.edu.iq/index.php.
- شوقي عرجون، نظرية (ات) توازن القوى في العلاقات الدولية: قراءة في التفرعات النظرية، مجلة الباحث للدراسات الاكاديمية، المجلد 8 – العدد 3، جامعة باتنة 1 الحاج الأخضر، الجزائر، 2021.
- محمد مصطفى جامع، إقليم ابتلعته الجغرافيا السياسية.. كيف تحول القرن الأفريقي إلى مركز ثقل عالمي؟، نون بوست، مقال نشر بتاريخ 24 حزيران 2026، متاح على الرابط: https://www.noonpost.com/376915/amp/.
- أحمد يوسف عبد النبي، القوة الشاملة للدولة والعلاقات البينية والمعايير النسبية بين عناصرها، مجلة الأمن القومي والاستراتيجية، المجلد 1- العدد 2، أكاديمية ناصر العسكرية للدراسات العليا، القاهرة، 2023، ص ص.58-59.
[1] بدر حسن شافعي، مصر وإثيوبيا وصراع الهيمنة على حوض النيل: سد النهضة نموذجاً، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، تموز 2021، ص ص.142-143.
[2] عبد القادر محمد علي، المطالبات الإثيوبية بميناء علي البحر الأحمر: الدوافع، والخلفيات، والتداعيات، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 26 كانون الأول 2023، ص ص.1-3.
[3] محمد العرب، مستقبل إثيوبيا الحبيسة بين الفرص والمخاطر، منصة إيلاف، مقال نشر بتاريخ 18 تشرين الأول 2024، متاح على الرابط: https://elaph.com/Web/ElaphWriter/2024/10/1551026.html.
[4] عبد القادر محمد علي، المصدر السابق، ص.5.
[5] ذو النون سليمان، تدخل جنوب السودان يعيد رسم الخرائط»، التقدم العربي، نشر بتاريخ 12 كانون الأول 2025، متاح على الرابط: https://bit.ly/3U4577d.
* اتفاقية عنتيبي: اتفاقية إطارية للتعاون بين دول حوض نهر النيل، تُعرف رسمياً بـاتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل (CFA)، وتهدف إلى إنشاء إطار قانوني ومؤسسي لتنظيم إدارة الموارد المائية لنهر النيل واستخدامها بصورة منصفة ومستدامة بين دول الحوض، جاءت الاتفاقية بعد مفاوضات استمرت لسنوات، وبدأ توقيعها عام 2010 من جانب عدد من دول المنبع، وفي مقدمتها إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وكينيا وبوروندي، ثم انضمت إليها جنوب السودان، وتمثل الاتفاقية تحولاً مهماً في النظام المائي لحوض النيل، كونها تسعى إلى تعزيز دور دول المنبع في إدارة الموارد المائية، في مقابل تحفظ مصر والسودان على بعض أحكامها، ولا سيما ما يرتبط بالحقوق والاستخدامات المائية القائمة، وقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ في تشرين الأول 2024، لتصبح أحد الأطر القانونية والمؤسسية المؤثرة في إدارة مياه النيل. للمزيد ينظر في: https://tinyurl.com/m8nwzxwd.
[6] إذاعة مونت كارلو الدولية، إثيوبيا تشعل فصلا جديدا من التوتر مع مصر: ما قصة اتفاقية عنتيبي؟، مقال نشر بتاريخ 19 آب 2026، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/mukmv6rt.
[7] سمير مرقص، هرم القوة الإقليمي في الشرق الأوسط، جريدة المصري اليوم (القاهرة)، ع. 8024، 3 حزيران 2026، متاح على الرابط: https://www.almasryalyoum.com/news/details/4283982.
[8] مركز رواق للأبحاث والدراسات، عسكرة بورتسودان.. رهانات طهران لخلخلة الضغط الدولي عبر ساحل البحر الأحمر، 6 شباط 2026، متاح على الرابط: https://rwaqcenter.net/articles/5072/.
[9] حمدي عبد الرحمن حسن، صراع النفوذ في القرن الإفريقي، مجلة آفاق استراتيجية، العدد (10)، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، القاهرة، 2025، ص ص.142-143.
[10] محمد خيال، تحركات مصرية بملفات أفريقية.. وساطة بين أمريكا وإريتريا وتنسيق بشأن السودان، موقع الجزيرة، مقال نشر بتاريخ 20 تموز 2026، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/4aeusk3e.
[11] الجزيرة، هل بدأت إثيوبيا استغلال مياه النيل سياسياً، تقرير نشر بتاريخ 17 آب 2026، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/2mwevdc9.
[12] أوراد محمد مالك، إعادة تعريف الردع الاستراتيجي في عصر التعددية القطبية، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بغداد، 18 شباط 2026، ص ص.2-3.
[13] موقع الجزيرة، أزمة الخليج امتدت إلى القرن الإفريقي، تقرير نشر بتاريخ 25 شباط 2018، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/4n7u27rc.
[14] عربي بوست، تحليل سيناريوهات الصراع في القرن الأفريقي: لعبة الجغرافيا السياسية بين مصر وإثيوبيا، تقرير نشر بتاريخ 17 تشرين الأول 2024، متاح على الرابط: https://bit.ly/4qBSrka.
[15] عزو محمد عبد القادر، عدم الاستقرار السياسي في القرن الإفريقي (الجزء الثالث)، الحوار المتمدن، مقال نشر بتاريخ 21 آب 2008، متاح على الرابط: https://m.ahewar.org/s.asp?aid=144482&r=0.
[16] موقع الجزيرة، القرن الأفريقي .. ساحة تنافس دولي حاد على النفوذ، تقرير نشر بتاريخ 13 شباط 2026، متاح على الرابط: https://tinyurl.com/mr7b6na5.
[17] نبيل خالد مخلف، السودان: صراع السلاح وآفاق التحول المدني، مقال نشر على صفحة مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة الأنبار بتاريخ 1 أبريل 2025، متاح على الرابط: https://cstrategics.uoanbar.edu.iq/News_Details.php?ID=420.
[18] مصطفى عبد إبراهيم، في أصول العلاقات المصرية الأثيوبية، المركز الديمقراطي العربي، برلين، 6 آذار 2025، متاح على الرابط: https://democraticac.de/?p=103343.
* نظرية توازن التهديد (Balance of Threat): نظرية في العلاقات الدولية صاغها ستيفن والت، وترى أن الدول لا تتوازن ضد القوى الأعظم فقط، بل ضد الدول التي تبدو أكثر تهديداً من غيرها، ويعتمد مستوى التهديد على عوامل مثل القوة الإجمالية، والقرب الجغرافي، والقدرات الهجومية، والنوايا العدوانية. للمزيد ينظر في: https://jcopolicy.uobaghdad.edu.iq/index.php.
[19] شوقي عرجون، نظرية (ات) توازن القوى في العلاقات الدولية: قراءة في التفرعات النظرية، مجلة الباحث للدراسات الاكاديمية، المجلد 8 – العدد 3، جامعة باتنة 1 الحاج الأخضر، الجزائر، 2021، ص ص.775-776.
[20] محمد مصطفى جامع، إقليم ابتلعته الجغرافيا السياسية.. كيف تحول القرن الأفريقي إلى مركز ثقل عالمي؟، نون بوست، مقال نشر بتاريخ 24 حزيران 2026، متاح على الرابط: https://www.noonpost.com/376915/amp/.
[21] أحمد يوسف عبد النبي، القوة الشاملة للدولة والعلاقات البينية والمعايير النسبية بين عناصرها، مجلة الأمن القومي والاستراتيجية، المجلد 1- العدد 2، أكاديمية ناصر العسكرية للدراسات العليا، القاهرة، 2023، ص ص.58-59.



