تحليلات

إفريقيا في الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة: قراءة أولية في الأولويات والتحولات

قراءة أولية | 25 سبتمبر 2026

تتواصل في نيويورك أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط بيئة دولية تتسم بتصاعد النزاعات، وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، وارتفاع الضغوط الاقتصادية والمالية على الدول النامية، إلى جانب التحولات المتسارعة في مجالات المناخ والطاقة والتكنولوجيا.

وبدأت، مع توالي كلمات القادة الأفارقة، ملامح عدد من الأولويات المشتركة في الظهور. ومن المبكر الحديث عن «حصيلة إفريقية» نهائية، لأن المناقشة العامة مستمرة حتى 26 سبتمبر، قبل استكمالها في 28 سبتمبر. لكن الخطابات والتحركات الدبلوماسية التي ظهرت حتى الآن تسمح برسم قراءة أولية لموقع إفريقيا داخل النقاش العالمي الجاري.

ولا تبدو المشاركة الإفريقية محصورة في تقديم المشكلات التي تعاني منها القارة. فهناك تحول تدريجي نحو طرح أسئلة تتعلق بكيفية توزيع القوة داخل النظام الدولي، وشروط تمويل التنمية، وإدارة الأزمات الإفريقية، وموقع القارة داخل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية الجديدة.

ويمكن قراءة هذا الحضور من خلال خمس اتجاهات رئيسة، وهي:

إصلاح الحوكمة العالمية: لم تعد المسألة عدد المقاعد فقط

يظل إصلاح المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها مجلس الأمن، من أكثر القضايا وضوحًا في الخطاب الإفريقي. وتنطلق الحجة الإفريقية من مفارقة أساسية: القارة تضم أكثر من ربع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وتناقش مؤسسات المنظمة باستمرار أزمات وقضايا إفريقية، ومع ذلك لا تمتلك إفريقيا أي مقعد دائم في مجلس الأمن.

وقد وضع الاتحاد الإفريقي تعزيز حضور القارة في مؤسسات صنع القرار العالمي ضمن أولوياته خلال الدورة الحالية، بما في ذلك إصلاح مجلس الأمن وزيادة تمثيل إفريقيا في المؤسسات المالية الدولية. لكن التطور المهم يتمثل في انتقال النقاش تدريجيًا من التمثيل إلى الشرعية.

فالمسألة لم تعد فقط أن إفريقيا تستحق عددًا أكبر من المقاعد بسبب حجم سكانها أو عدد دولها، وإنما أن المؤسسات الدولية التي لا تعكس التوزيع المعاصر للسكان والقوة والمصالح تواجه مشكلة متزايدة في الشرعية والقدرة على الإقناع.

وهنا تظهر إحدى أهم الرسائل التي تحملها الدورة الحالية: النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية أصبح مطالبًا بالتعامل مع واقع دولي تغير بصورة كبيرة.

لكن هناك فجوة واضحة بين الاعتراف بهذه المشكلة وبين إصلاحها فعلًا. فقد أصبح دعم تمثيل إفريقي أكبر أمرًا متكررًا في الخطاب الدبلوماسي الدولي، بينما ظلت عملية تعديل بنية مجلس الأمن شديدة البطء والتعقيد.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي ليس عدد الدول التي تعلن دعمها لإفريقيا، بل ما إذا كان هذا الدعم سيتحول إلى ترتيبات مؤسسية محددة.

السلم والأمن: من إدارة الأزمات الإفريقية إلى المشاركة في صناعة الحلول

يأتي السلم والأمن في قلب الحضور الإفريقي للأمم المتحدة. فالحرب في السودان، وعدم الاستقرار في منطقة الساحل، والصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، والإرهاب والجريمة المنظمة وانتشار الأسلحة تمثل جميعها تحديات تتجاوز حدود الدول الوطنية.

غير أن الخطاب الإفريقي الحالي يحمل توجهًا مهمًا: رفض اختزال القارة في كونها موضوعًا للسياسات الأمنية الدولية، والمطالبة بدور أكبر للاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية في صياغة الحلول. وهذا التوجه ينسجم مع نقاش أوسع حول العلاقة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وخاصة في عمليات السلام وإدارة النزاعات وتمويل الاستجابات الأمنية الإفريقية.

وفي السياق نفسه، أعادت بعض الخطابات التأكيد على أن المعالجة العسكرية وحدها ليست كافية. فمواجهة الإرهاب، على سبيل المثال، ترتبط بتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة التمويل غير المشروع، والسيطرة على تدفقات الأسلحة، إلى جانب معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح للجماعات المسلحة بالتوسع.

وبذلك يتغير السؤال تدريجيًا من: كيف يمكن للمجتمع الدولي حل الأزمات الإفريقية؟  إلى: كيف يمكن بناء نظام أمني تشارك فيه المؤسسات الإفريقية فعليًا في تعريف المشكلة وصياغة الحل وتنفيذه؟

والفرق بين السؤالين كبير؛ لأن الأول ينظر إلى إفريقيا باعتبارها مساحة للتدخل، بينما يمنح الثاني المؤسسات الإفريقية دورًا أكبر في صناعة السياسة.

مع ذلك، ينبغي ألا يتحول هذا الطرح إلى إعفاء المؤسسات الوطنية والإقليمية من مسؤولياتها. فالملكية الإفريقية للحلول تحتاج بدورها إلى مؤسسات قادرة على التحرك، وتمويل مستدام، وتنسيق سياسي أكثر فاعلية بين الدول.

أزمة الديون والتمويل: إفريقيا تناقش قواعد النظام وليس حجم المساعدات فقط

ربما يكون التحول الأكثر وضوحًا في الخطاب الاقتصادي الإفريقي هو الابتعاد النسبي عن لغة «زيادة المساعدات» باتجاه مناقشة بنية النظام المالي الدولي نفسه. تعاني اقتصادات إفريقية عديدة من ارتفاع تكاليف الاقتراض وخدمة الدين، بينما تحتاج في الوقت نفسه إلى استثمارات كبيرة في البنية الأساسية والطاقة والتعليم والصحة والتحول المناخي.

وهذا يخلق معادلة صعبة: كلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين، تقلصت المساحة المالية التي تستطيع الحكومات استخدامها للاستثمار في التنمية.

ولهذا أصبح النقاش الإفريقي يتناول بصورة متزايدة قضايا مثل إصلاح معالجة الديون السيادية، وزيادة التمويل طويل الأجل، ومراجعة تكلفة رأس المال، وتحسين تمثيل الدول النامية داخل المؤسسات المالية الدولية.

وضع الاتحاد الإفريقي بالفعل مسألة إصلاح المؤسسات المالية والتمثيل الأكثر عدالة ضمن أولوياته في نيويورك. وهنا تظهر نقطة تحليلية مهمة: هناك فرق بين القول إن إفريقيا تعاني نقصًا في التمويل والقول إن إفريقيا تواجه مشكلة في كيفية عمل سوق التمويل العالمي.

الثاني سؤال أعمق، لأنه يتعلق بتقييم المخاطر، وأسعار الفائدة، والتصنيف الائتماني، وشروط الاقتراض، وآليات إعادة هيكلة الديون. ومع ذلك، لا ينبغي اختزال المشكلة في المؤسسات الدولية وحدها.

إذ لا يمكن لأي إصلاح عالمي أن يحل محل الحاجة إلى تحسين إدارة المالية العامة داخل الدول الإفريقية، وتعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، وتقليل التدفقات المالية غير المشروعة، وتطوير أسواق رأس المال المحلية، وتحسين جودة المؤسسات.

لذلك فإن معالجة أزمة التمويل الإفريقي تتطلب العمل في اتجاهين متوازيين: إصلاح قواعد التمويل الدولي من جهة، وتحسين الإدارة الاقتصادية والمؤسسات المحلية من جهة أخرى.

من المواد الخام إلى القيمة المضافة: إعادة تقديم إفريقيا اقتصاديًا

الاتجاه الرابع يتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى محاولة إعادة تعريف موقع إفريقيا في الاقتصاد العالمي.

فالقارة تمتلك موارد مهمة في الطاقة والمعادن والزراعة، إضافة إلى سوق سكانية متنامية وقوة عمل شابة، وتكتسب بعض هذه الموارد أهمية متزايدة مع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي. لكن التجربة التاريخية تظهر أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يؤدي تلقائيًا إلى التنمية.

فكثير من الاقتصادات الإفريقية ظل يعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد نسبة كبيرة من المنتجات المصنعة، وهو نموذج يحد من القيمة المضافة المحلية وفرص العمل ونقل التكنولوجيا.

لذلك فإن الأهم في الخطاب الاقتصادي الإفريقي ليس مجرد جذب مزيد من الاستثمارات، وإنما السؤال عن نوع الاستثمار وما إذا كان يساعد على التصنيع وبناء سلاسل قيمة محلية. وهنا تكتسب منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA أهمية خاصة.

فالمنطقة لا تهدف فقط إلى زيادة التجارة بين الدول الإفريقية، وإنما يمكن أن توفر سوقًا أكبر للصناعة والاستثمار، وتساعد على تقليل التجزؤ الذي عانت منه الأسواق الإفريقية تاريخيًا.

وتبرز في التحركات السنغالية خلال الدورة الحالية أمثلة عملية على هذا التوجه. ففي موازاة المشاركة السياسية في الجمعية العامة، شهدت نيويورك إعلان اتفاق يتعلق ببناء مصفاة جديدة وتحديث منشآت قائمة في السنغال، باستثمارات معلنة بمليارات الدولارات، مع التركيز على معالجة جزء أكبر من النفط محليًا بدل الاكتفاء بتصديره في صورته الخام.

وهذا المثال يعكس سؤالًا أوسع يواجه القارة: هل تستطيع إفريقيا الانتقال من تصدير الموارد إلى تصدير منتجات ذات قيمة مضافة أكبر؟

الإجابة عن هذا السؤال ستكون أكثر تأثيرًا في مستقبل الاقتصاد الإفريقي من حجم المساعدات الخارجية وحده.

ويتصل بذلك أيضًا الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. فالدول الإفريقية تواجه فرصة للاستفادة من التكنولوجيا لتحسين الخدمات والإنتاجية، لكنها تواجه في الوقت نفسه مخاطر اتساع الفجوة الرقمية إذا ظلت البنية التحتية والبيانات والحوسبة والمهارات التكنولوجية متركزة خارج القارة. وبذلك يصبح النقاش حول التكنولوجيا جزءًا من النقاش حول السيادة الاقتصادية والتنموية.

المقاعد الفارغة أثناء خطابات القادة الأفارقة: ماذا تعني فعلًا؟

أثارت الصور التي تظهر مقاعد كثيرة فارغة أثناء كلمات بعض القادة الأفارقة، ومنها خطاب الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، سؤالًا مشروعًا عن طبيعة الحضور والاهتمام الذي تحظى به الخطابات الإفريقية داخل الجمعية العامة. لكن ينبغي التعامل مع هذه الصور بحذر قبل بناء استنتاج سياسي عليها.

فالرئيس السنغالي ألقى كلمته يوم 24 سبتمبر 2026، وتشير المواد المصورة المتاحة إلى صعوده إلى المنصة قرابة 3:30 مساءً بتوقيت نيويورك. وهذا يقع في بداية الفترة المسائية تقريبًا، وليس في ساعة متأخرة يمكن وصفها بأنها توقيت غير مناسب.

كما أن الجلسات المسائية للمناقشة العامة تبدأ عادة عند الثالثة بعد الظهر، وبالتالي لا توجد في توقيت الكلمة نفسه قرينة واضحة على محاولة وضع الرئيس السنغالي في فترة هامشية.

أما ترتيب المتحدثين فلا تحدده جنسية الدولة وحدها. فالقواعد والممارسات المتبعة تأخذ في الاعتبار مستوى تمثيل الدولة، والتفضيلات التي تقدمها الوفود، والبروتوكول، والتوازن الجغرافي، والتقاليد التنظيمية، وفي بعض الحالات توقيت تقديم الطلب. وتُمنح الأولوية البروتوكولية عمومًا لرؤساء الدول ثم المستويات الأدنى من التمثيل.

ومن المهم أيضًا فهم طبيعة “الأسبوع رفيع المستوى”. ففي الوقت الذي يلقي فيه رئيس دولة خطابه داخل القاعة، قد يكون عشرات القادة الآخرين في اجتماعات ثنائية أو قمم مصغرة أو فعاليات جانبية في مبنى الأمم المتحدة وخارجه. ولهذا فإن القاعة لا تبقى ممتلئة طوال ساعات المناقشة العامة.

ولا تشترط قواعد الجمعية وجود جميع الدول الأعضاء لمواصلة النقاش؛ إذ يمكن افتتاح الاجتماع واستمرار المناقشة بحضور ثلث الأعضاء، بينما تتطلب القرارات أغلبية الأعضاء في الحالات التي تنطبق عليها قاعدة النصاب. ومن ثم فإن القاعة شبه الفارغة لا تعني تلقائيًا مقاطعة المتحدث أو التقليل الرسمي من شأن دولته. لكن الظاهرة لا تخلو من دلالة سياسية.

فالخطابات لا تحظى جميعها بالمستوى نفسه من الاهتمام. كلمات قادة القوى الكبرى، أو الدول المرتبطة بأزمة دولية ساخنة، عادة ما تجذب حضورًا دبلوماسيًا وإعلاميًا أكبر. أما خطابات دول أخرى فقد تلقى اهتمامًا أقل داخل القاعة، حتى عندما تكون القضايا التي تطرحها مهمة.

وهنا تظهر صورة مختلفة لعدم المساواة داخل النظام الدولي: جميع الدول متساوية رسميًا في حقها في اعتلاء المنصة، لكنها ليست متساوية في قدرتها على جذب الانتباه. وهذا التفاوت لا يتعلق بإفريقيا وحدها، لكنه يكتسب دلالة خاصة بالنسبة للقارة لأن إحدى رسائلها الرئيسة في الدورة الحالية تتعلق أصلًا بإعادة توزيع الصوت والنفوذ داخل النظام الدولي.

لذلك ينبغي ألا يكون السؤال فقط: لماذا كانت المقاعد فارغة أثناء خطاب رئيس إفريقي؟ بل: كيف تستطيع الدول الإفريقية تحويل خطابها في الأمم المتحدة من حضور بروتوكولي إلى نفوذ دبلوماسي يصعب تجاهله؟

وهذا يتطلب أكثر من خطاب جيد. فهو يرتبط ببناء التحالفات قبل انعقاد الجمعية، وتنسيق المواقف الإفريقية، واختيار عدد محدود من القضايا القابلة للتفاوض، والاستفادة من الكتلة التصويتية الإفريقية، وتحويل المبادرات السياسية إلى مقترحات مؤسسية محددة.

ماذا تقول لنا الدورة حتى الآن؟

تكشف الأيام الأولى من الدورة الـ 81 أن إفريقيا لا تدخل النقاش الدولي برسالة واحدة، كما أن مواقف الدول الإفريقية ليست متطابقة. ولذلك سيكون من الخطأ الحديث عن «صوت إفريقي موحد» في جميع القضايا.

لكن هناك قدرًا متزايدًا من التقاطع حول قضايا محددة: إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، تعزيز الدور الإفريقي في قضايا السلم والأمن، إصلاح تمويل التنمية، وزيادة القيمة المضافة الاقتصادية للقارة. والجامع بين هذه الملفات هو الرغبة في الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة القرار. غير أن هناك فجوة بين الطموح والقدرة.

فإفريقيا تمتلك 54 دولة وكتلة تصويتية كبيرة وموارد استراتيجية وسوقًا متنامية. لكن تحويل هذه العناصر إلى نفوذ يتطلب درجة أعلى من التنسيق، وتحديد أولويات تفاوضية مشتركة، وتقليل التشتت بين المبادرات الوطنية والإقليمية.

ومن هنا ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الدورة ليس ما قاله القادة الأفارقة على منصة الأمم المتحدة، وإنما: ما الذي تستطيع إفريقيا فعله بصورة جماعية بعد أن تنتهي الخطابات؟

فالتأثير الحقيقي في النظام الدولي لا يقاس بعدد الكلمات التي تُلقى في نيويورك، ولا بعدد المقاعد الممتلئة أثناء إلقائها، وإنما بقدرة الدول على تحويل مواقفها إلى تحالفات وقرارات وقواعد ومؤسسات.

وستظهر الإجابة بصورة أوضح بعد انتهاء المناقشة العامة واكتمال كلمات الدول الإفريقية، وهو ما يجعل هذه القراءة أولية بالضرورة، لكنها تكشف منذ الآن أن سؤال مكانة إفريقيا في النظام الدولي أصبح أكثر حضورًا من سؤال مشاركتها فيه فقط.

 

 

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى