تقدير موقف

شرارة حرب جديدة في القرن الإفريقي هل تشعل معركة الأول من أغسطس حربا جديدة في إثيوبيا

تعد الاشتباكات التي اندلعت في الأول من أغسطس الجاري، في منطقة شريرينا في منطقة غرب تيغراي قرب الحدود مع السودان أخطر انتكاسات اتفاق بريتوريا للسلام منذ توقيعه في نوفمبر 2022 وإطلاق رصاصة الرحمة عليها. وتكتسب الجولة الحالية خطورتها من كونها تأتي بعد أشهر من إعادة انتشار وحشد القوات الفيدرالية وقوات تيغراي على خطوط التماس، ومن استمرار القضايا التي تركتها حرب 2020–2022 دون التوصل إلى تسوية نهائية، ولا سيما وضع المناطق المتنازع عليها ونزع سلاح قوات جبهة تحرير تقراي، ورفض الأخيرة أسلوب إدارة الإقليم المؤقتة والتي كان يرأسها “قيتاشو ردا” المستشار الحالي لرئيس الوزراء أبي أحمد والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والقيادة السياسية في تيغراي، وتشير التقديرات الأولية إلى أن احتمال تجدد الحرب الشاملة أصبح مرتفعًا، لكنه ليس حتميًا؛ إذ لا تزال هناك فرصة للعودة إلى مسار التهدئة إذا جرى احتواء الاشتباكات الحالية ومنع تحولها إلى عملية عسكرية واسعة.

ما الذي أدى إلى هذه النتيجة

لم تندلع المواجهات الأخيرة في تيغراي فجأة، وإنما جاءت بتطور وتراكم من التوترات السياسية والعسكرية أدت إلى إضعاف اتفاقية بريتوريا للسلام والموقعة في نوفمبر 2022. فقد بقيت قضايا جوهرية دون حل، وفي مقدمتها وضع غرب تيغراي وعودة النازحين والخلافات حول نزع السلاح، فضلًا عن الخلاف حول مستقبل السلطة السياسية في الإقليم. وبحلول 2025–2026 تعمقت الأزمة مع انقسام جبهة تحرير تقراي إلى تيارات متنافسة، وظهور تشكيلات مسلحة جديدة موالية للحكومة الفيدرالية، وبالتالي تدهور العلاقة بين حكومة أديس أبابا وقيادة جبهة تحرير تقراي. كما شهد عام 2026 مواجهات محدودة وحشودًا عسكرية على خطوط التماس، بما في ذلك اشتباكات في يناير الماضي، قبل أن تتزايد مؤشرات التعبئة خلال الأشهر التالية.

بالنتيجة تصاعدت التعبئة العسكرية داخل تقراي؛ إذ ظهرت تقارير عن تجنيد إجباري وتحركات لإعادة تنظيم القوات، ومنع مغادرة الشباب لأرض الإقليم، بينما اتهمت الحكومة الفيدرالية قيادة تقراي بالسعي إلى إعادة بناء قدرتها العسكرية. بالمقابل لم تكن الأزمة الداخلية في إثيوبيا منفصلة عن التوتر المتصاعد بين إثيوبيا وإرتريا، ولا عن استمرار الحرب في إقليم الأمهرا. فقد أصبح إقليم تقراي محاطا ببيئة أمنية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات الحكومة الفيدرالية مع مصالح القوى الأمهرية والإرترية، بينما زاد موقع غرب تيغراي المتاخم للسودان من حساسية المنطقة.

من أطلق الرصاصة الأولى

نستعير في هذا التقدير العبارة الشهيرة التي أطلقت بُعَيْد اندلاع الحرب في الخرطوم في 15 ابريل 2023 حول من أطلق الرصاصة الأولى، ولا نقصد هنا الطرف الذي بدأ الحرب أولا ولكن ما هي الأسباب الرئيسية التي قادت الأطراف إلى إطلاق الرصاصة الأخيرة على اتفاقية بريتوريا، واللجوء إلى البندقية من جديد. وما تؤكده المعطيات هو أن الحرب لم تكن حدثا عابرا أو منفردا، وإنما جاءت لتراكم عوامل عديدة منذ انتهاء الحرب الأولى في نوفمبر 2022، كأن الأطراف لجأت إلى توقيع الاتفاق من باب تأجيل فصل آخر من الحرب وليس بحثا عن حل نهائي لها:

  1. استمرار أسباب الحرب دون حل: يمكن القول إن اتفاقية بريتوريا أنهت الحرب بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير التقراي، إلا أن أغلب القضايا الرئيسية ظلت عالقة دون حل واضح، ما زعزع الثقة بين الأطراف ومن بينها المناطق المتنازع عليها مثل منطقة غرب التقراي وجنوبها، ومستقبل قوات التقراي والتي تقدرها بعض المصادر بأنها تفوق 300 ألف مقاتل، وقضايا عودة النازحين والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية وحكومة الإقليم، وشرعية جبهة تحرير التقراي.
  2. تحالفات جبهة تحرير التقراي (سمدو):مع تصاعد التوتر بين المركز والإقليم، شرعت جبهة تحرير التقراي في البحث عن تحالفات داخلية وخارجية، تعزز عبرها موقفها ضد حكومة أبي أحمد، فتمكنت من جمع عدد من الفصائل التي تمثل عدد من أقاليم إثيوبيا، منها الأمهرا وإقليم بني شنغول غموز، وبدرجة أقل جيش تحرير الأرومو، وبعضا من الإقليم الصومالي في إثيوبيا، وعلى المستوى الخارجي انفتحت الجبهة على إرتريا عدو الأمس وحليف اليوم والسودان الذي يتهم إثيوبيا بدعم التمرد الذي يقوده الدعم السريع والحركة الشعبية شمال ضد الحكومة، ما اعتبرته الحكومة الإثيوبية تدخلا سافرا في الشأن الإثيوبي، واختراق لأمنها الوطني، يزيدها توترا العلاقة المتوترة بين إثيوبي وإرتريا خلال السنتين الأخيرتين. كل هذا وغيره زاد الفجوة وعمل تعجيل اللحظة الراهنة.
  3. إقصاء حكومة قيتاشو وحصار الإقليم: تشير عدد من التقديرات أن أزمة قضية شرعية جبهة تحرير التقراي والخلاف حولها، دفع الجبهة لإقصاء حكومة قيتاشو المؤقتة، واستعادة برلمان ما قبل الحرب الأخيرة في الإقليم، ما دفع حكومة أبي أحمد لفرض حصار شبه كلي على الإقليم وقطع الموازنات المالية الخاصة به، وسوء الأحوال الإنسانية، أدى إلى أن تتحرك الأطراف في حشد الرأي العام، لصالح الرواية التي يعتقد بصوابها.
  4. العامل الإرتري:يزداد المشهد خطورة بارتباط الأزمة الإثيوبية، بالتوتر الذي شهدته العلاقة بين إرتريا وإثيوبيا، خاصة بعد تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، حول وجودية وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر ليس وصولا وفق القوانين الدولية، بل والتشكيك في شرعية استقلال إرتريا ما دفع التوتر إلى مستوى متقدم من التصعيد، وبالتالي ارتباط إرتريا بشكل أو بآخر بالتطورات التي قد تحدث مستقبلا، خاصة وأن إرتريا رعت شكلا من تطبيع العلاقات مع التقراي والجماعات المعارضة في إثيوبيا تطلق عليه محليا بـ ” سيمدو” ومعناها في اللغة التغرينية الاقتران أو الارتباط والدلالة السياسية تعني التحالف وهي أن الأطراف لا تنجح دون الطرف الآخر.

هل هي جولة اختبار محدودة أم حرب واسعة

تدل المؤشرات كلها على أن المعركة كانت عنيفة وشديدة، على الرغم من محدودية المكان والزمان، حيث تم استخدام المدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة، ويشير الخبراء بأن الجيش الإثيوبي استخدم قوة مفرطة، أولا لسحق الفيلق 70 التابع لجبهة تحرير التقراي، وثانيا لإيصال عدة رسائل لمن تعتقد أنهم يقفون خلفها في الإقليم.

وعلى الرغم من الهدنة الراهنة إلا أن المؤشرات وطبيعة الحشد والشحن الذي قامت به الأطراف في الفترة الماضية، لا يشير إلا إلى هدنة مؤقتة سرعان ما ستعود المواجهات الأكثر عنفا، وما زالت الأطراف تتبادل الاتهامات، وأن أسباب القتال ما زالت قائمة بل وتزداد يوما بعد آخر. كما أن الصراع ينطوي على خطر واضح يتمثل في جرّ جهات إقليمية فاعلة، مع وجود اتهامات وجهتها جبهة تحرير تقراي بانخراط قوات الدعم السريع في القتال ضدها إلى جانب الجيش الإثيوبي، ومخاوف بشأن تورط إريتريا، في ظل تبادل الاتهامات بدعم المعارضين هنا وهناك، وإصرا إثيوبيا على الوصول السيادي إلى البحر الأحمر. وكلها مؤشرات تدل على أننا أمام مرحلة فاصلة قد تكون أوسع مما شهدنا في غرة أغسطس.

البعد الإقليمي في الصراع

اندلعت المعرك في الأول من أغسطس في ظل بيئة معقدة إقليميا، ما يرفع احتمالات توسع الحرب إلى مستوى الحرب الإقليمية الأوسع:

التوترات والاتهامات المتبادلة بين إثيوبيا وإرتريا: منذ بداية 2025، تصاعد التوتر بين البلدين باتهام إثيوبيا لإرتريا بزعزعة الاستقرار فيها، واتهامها بإقامة علاقات مشبوهة مع جبهة تحرير التقراي، وهو ما تنفيه إرتريا باستمرار، تطورت إلى اتهام إثيوبيا لإرتريا بإيواء الجماعات المعارضة من عدة أقاليم إثيوبية، واتهام إرتريا لإثيوبيا بزعزعة استقرار الإقليم بالتحالف مع قوى إقليمية، وطموحها في الوصول السيادي للسواحل الإرترية، غض النظر عن القوانين الدولية التي تنظم ذلك. كل هذا دفع بالأطراف بتبني المعارضة للطرف الآخر.

الاتهامات المتبادلة بين السودان وإثيوبيا: منذ اندلاع الحرب الحالية في السودان ظلت هناك تلميحات سودانية، بوقوف إثيوبيا خلف الجماعات السياسية التي تعتبر الحاضنة  السياسية للدعم السريع، وقد حاولت إثيوبيا احتواء الموقف ولكن لم يحالفها النجاح في ظل اتهامها للسودان بدعم جبهة تحرير تقراي والتحالف معها ضد إثيوبيا، سرعان ما أصبحت الاتهامات المتبادلة علنية بين الطرفين بعد معركة الكرمك التي اتهم فيها السودان إثيوبيا بإقامة قاعدة عسكرية للدعم السريع في إقليم بني شنغول غموز، إضافة إلى اتهامه لإثيوبيا باستخدام مطارات إقليم الأمهرا في اطلاق المسيرات التي استهدفت السودان عدة مرات. هذه أبرز ملامح البعد الإقليمي للمشهد الإثيوبي الذي يقف على برميل من البارود، يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

السيناريوهات المحتملة للصراع

أثارت المعركة الأخيرة مخاوف حقيقية وقلق كبيرين، من عودة حرب واسعة في ظل بيئة استراتيجية في الإقليم تتسم بالتعقيد والتداخل، فما هي السيناريوهات الأكثر احتمالا وفقا لقراءة السياق الذي جرت فيه معركة الأول من أغسطس:

السيناريو الأول:

حرب إقليمية أوسع: وهو السيناريو الأخطر ويتضمن تورطًا مباشرًا لأطراف إقليمية متعددة، مما قد يحول الصراع إلى ما وصفه بعض المحللين بـ”الحرب الإقليمية الكبرى” في ظل اتهامات السودان لإثيوبيا ومخاوف من استخدام قوات الدعم السريع للأراضي الإثيوبية لشن حرب أخرى وفتح جبهات أخرى، واتهام إثيوبيا للسودان بفتح حدوده للمعارضة الإثيوبية المسلحة، واتهامات إرتريا لإثيوبيا بنيتها استخدام القوة للسيطرة على ميناء عصب، قد يجذب هذا قوى إقليمية أخرى والانخراط بطرق غير مباشرة في أي حرب قد تندلع.

السيناريو الثاني

الهدوء الهش وإحياء المفاوضات: وهو السيناريو الأضعف، وعلى الرغم من أن اتفاقية بريتوريا ما تزال هي المرجعية للصراع الحالي وإن الاتحاد الإفريقي ما زال لديه مبعوث سلام مكلف بالأزمة وهو الرئيس النيجيري الأسبق أوليسيغون أوباسانجو، إلا أن مستوى التعقيد وتصعيد الخلافات بلغت مستوى يصعب معه عودة الأطراف إلى الاتفاقية، لأنها تتطلب تنازلات فات أوانها رغم دعوات المجتمع الدولي للعودة إلى الخارطة التي وضعتها اتفاقية بريتوريا.

السيناريو الثالث

حرب محدودة لكنها طويلة: ويعتبر السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة الحالية، ويشير المحللون أن هذا السيناريو يعني أن ذلك يعني عمليات عسكرية محدودة في المناطق المتنازع عليها، مع استخدام متزايد للمسيّرات والمدفعية، دون انتقال مباشر إلى حرب شاملة، وهو ما بدا واضحا من طبيعة الرد الذي قامت به جبهة تحرير التقراي باستخدام المسيرات ضد الجيش الإثيوبي حسب آخر التقارير الميدانية، وفي حال استمرار الحرب سيدفع هذا السيناريو إلى الانزلاق نحو السيناريو الأول والأخطر، وهو الحرب الإقليمية الأوسع، وهو الانتقال الفعلي إلى وضع أكثر تعقيدا على مستوى الإقليم.

خاتمة

في الختام، بعد اشتباك الأول من أغسطس، تقف إثيوبيا على مفترق طرق خطير. فما حدث لم يكن مجرد خرق عابر للاتفاقية، بل كان إنذاراً واضحاً بأن اتفاق بريتوريا الهش آيل للانهيار، وأن لغة القوة تغلب لغة الحوار. السيناريوهات المتوقعة، قد تجر إريتريا والسودان وقوى إقليمية أخرى، إلى تصعيد محدود ولكن مدمر، كلها تحمل في طياتها معاناة إنسانية كبيرة لمنطقة لم تتعافَ بعد من ويلات الحرب الأخيرة. وعلى الرغم من توقف القتال حالياً، إلا أن الأسباب الجذرية للصراع لا تزال قائمة، والمنطقة أشبه بـ”قنبلة موقوتة”. الخيار الوحيد لتجنب السيناريو الأسوأ يبقى في تدخل دولي جاد وفوري لإحياء المفاوضات، وإلزام الأطراف بتنفيذ ما تبقى من اتفاق السلام. فاستمرار الجمود وغياب الحلول السياسية لا يشكل تهديد لإثيوبيا فحسب، بل هو خطر يهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله، وقد يتحول ما هو قتال محدود اليوم إلى حرب لا تعرف حدوداً غداً.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى