مقدمة
يشهد البحر الأحمر والقرن الإفريقي تحولًا متسارعًا في بيئتهما الأمنية، في ظل التطورات العسكرية الأخيرة على الساحل الغربي لليمن ووصول جماعة أنصار الله “الحوثيين” إلى مدينة المخا ومناطق قريبة من مضيق باب المندب، ثم السيطرة على جزيرة ميون، بالتزامن مع تحركات باتجاه جزر حنيش. وتمثل هذه التطورات نقطة تحول في طبيعة الصراع اليمني، لأنها تنقل مركز الثقل من التنافس على الأراضي والمدن إلى التنافس على الممرات البحرية والجزر والمنافذ الاستراتيجية. وقد وصفت تقارير حديثة وصول الحوثيين إلى ميون بأنه يعزز قبضتهم على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. هذا فضلا عن سيطرتهم على ساحل اليمن الغربي والجزر الرئيسية الواقعة بالقرب من باب المندب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية لأن باب المندب ليس مجرد مضيق جغرافي، وإنما يمثل الحلقة الجنوبية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، فيما تمثل قناة السويس حلقته الشمالية باتجاه البحر المتوسط. ومن ثم فإن أي اضطراب مستدام في أمنه لا يبقى محصورًا في اليمن، بل يمتد إلى أمن الطاقة والتجارة العالمية، وإلى مصر والسعودية ودول القرن الإفريقي، فضلًا عن القوى الدولية التي تعتمد على حرية الملاحة في هذا الممر. وتزداد خطورة الوضع في ظل التزامن بين اضطراب باب المندب والتراجع الحاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بما يخلق للمرة الأولى تقريبًا ضغطًا متزامنًا على الممرين البحريين الرئيسيين في المنطقة.
باب المندب: من ممر للملاحة إلى ورقة صراع استراتيجية
تمثل السيطرة الحوثية على ميون تحولًا نوعيًا، ليس لأنها تعني بالضرورة قدرة الجماعة على إغلاق باب المندب بصورة كاملة ودائمة، وإنما لأنها تمنحها موطئ قدم جغرافيًا داخل المضيق نفسه. فجزيرة ميون تقع في موقع يقسم باب المندب إلى ممرين، والسيطرة عليها، بالتزامن مع السيطرة على أجزاء واسعة من الساحل اليمني المقابل، توفر للحوثيين قدرة أكبر على المراقبة والتهديد ورفع تكلفة المرور البحري. ولهذا فإن التعبير الأدق عن الوضع الراهن هو انتقال الحوثيين من مجرد امتلاك قدرة على استهداف السفن إلى امتلاك قدرة أكبر على التأثير في بيئة الملاحة نفسها.
ويعني ذلك أن الخطر الأساسي لا يتمثل فقط في قرار حوثي بإغلاق المضيق، وإنما في إمكانية تحويله إلى منطقة ملاحة عالية المخاطر، بحيث تضطر شركات النقل إلى إعادة حساباتها بشأن التأمين والمسارات وتكاليف الرحلات. وهذه النقطة بالذات تمنح الحوثيين قدرة سياسية تتجاوز حجم قوتهم العسكرية؛ إذ يمكن أن تبدأ التداعيات الاقتصادية بمجرد ارتفاع مستوى المخاطر، حتى من دون توقف حركة الملاحة بصورة كاملة.
المكاسب الاستراتيجية للحوثيين
تمنح التطورات الأخيرة الحوثيين ثلاث مكاسب رئيسية. أولها المكسب الجغرافي المتمثل في الاقتراب من أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وثانيها المكسب العسكري عبر الجمع بين السيطرة الساحلية والجزُرية والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة. وثالثها المكسب السياسي والتفاوضي، إذ أصبح بإمكان الجماعة ربط الملف اليمني بالأمن البحري الإقليمي والدولي.
وتتمثل النقلة الأهم في قدرة الحوثيين على الانتقال من “تهديد الملاحة” إلى “إدارة مستوى التهديد”. فقد أعلنت الجماعة، وفق تقارير حديثة، أنها ستستهدف السفن المرتبطة بالسعودية، مع تأكيدها أن الملاحة العامة ستظل آمنة، لكن سجل الهجمات الحوثية السابقة أظهر أن نطاق الاستهداف يمكن أن يتوسع في ظروف معينة. وإذا امتلكت الجماعة مواقع أقرب إلى خطوط الملاحة، فإن قدرتها على تنفيذ هجمات قصيرة المدى أو فرض مناطق خطر سترتفع بصورة كبيرة.
ومن منظور استراتيجي، فإن هذا الوضع يمنح الحوثيين ورقة تفاوضية تتجاوز الحرب اليمنية نفسها، لأنهم يستطيعون ربط أي تسوية مستقبلية بالترتيبات الأمنية في البحر الأحمر، وتحويل باب المندب إلى أحد عناصر القوة التي يمكن استخدامها في مواجهة السعودية والولايات المتحدة والقوى البحرية الدولية.
المملكة العربية السعودية أمام معادلة أمنية جديدة
تواجه السعودية الآن معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد أمن حدودها الجنوبية. فالتقدم الحوثي نحو باب المندب يتزامن مع تصعيد في الهجمات على الأراضي السعودية، بما في ذلك هجمات صاروخية ومسيّرة استهدفت مواقع عسكرية ومدنًا ومنشآت ذات أهمية استراتيجية. وفي 15 سبتمبر، أفادت تقارير سعودية رسمية بأن حالة الخطر المباشر تراجعت في عدد من المدن، بينها ينبع، بعد موجة من الهجمات الحوثية.
وتكمن المعضلة السعودية في أن التعامل مع التهديد البحري قد يتطلب تحركًا عسكريًا، لكن توسيع الحرب داخل اليمن قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الاستنزاف الذي حاولت الرياض تجاوزه خلال السنوات الأخيرة. لذلك تبدو الرياض أمام خيار مركب يجمع بين الردع العسكري، ودعم القوى اليمنية المناوئة للحوثيين، وحماية منشآت الطاقة، وتفعيل التحالفات الإقليمية والدولية، مع إبقاء المسار السياسي مفتوحًا.
إيران والبعد الإقليمي للتقدم الحوثي
تمثل السيطرة الحوثية على مواقع استراتيجية في باب المندب مكسبًا لإيران، لأنها تضيف نقطة ضغط جديدة إلى منظومة الصراع الإقليمي الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر. وفي ظل اضطراب مضيق هرمز، تصبح القدرة الحوثية على التأثير في باب المندب أكثر أهمية بالنسبة إلى طهران، لأنها تسمح بزيادة الضغط على طرق الطاقة والتجارة من اتجاهين مختلفين.
لكن من الضروري في المقابل عدم اختزال الحوثيين في مجرد أداة إيرانية؛ فالجماعة تمتلك حساباتها اليمنية الخاصة، وتوظف الدعم الإيراني ضمن مشروعها السياسي والعسكري المحلي. ومع ذلك، فإن تقارير وتحليلات حديثة ترى أن التطورات الأخيرة يمكن أن تمنح إيران ورقة تفاوض إضافية في صراعاتها الإقليمية، خصوصًا إذا تمكن الحوثيون من تثبيت وجودهم في محيط باب المندب.
مصر وقناة السويس تحت ضغط الجبهة الجنوبية
تُعد مصر من أكثر الأطراف تعرضًا للتداعيات الاقتصادية لأي اضطراب طويل في باب المندب، لأن استقرار قناة السويس يرتبط بصورة مباشرة بأمن المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وكلما ارتفع مستوى المخاطر، زادت احتمالات تحويل السفن مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما يرفع زمن الرحلة وتكاليف الوقود والتأمين والشحن.
وتكمن خطورة الوضع في أن خسائر قناة السويس لا تحتاج إلى إغلاق باب المندب فعليًا؛ إذ إن استمرار المخاطر لفترة طويلة يمكن أن يدفع شركات النقل إلى اعتماد مسارات بديلة بصورة تدريجية. وبالتالي فإن التهديد الحوثي يمكن أن يتحول إلى ضغط اقتصادي طويل الأجل على مصر، حتى إذا بقي المضيق مفتوحًا من الناحية العملية.
القرن الإفريقي وإعادة الترتيب الأمني
يُعد القرن الإفريقي الطرف الجغرافي الأكثر التصاقًا بهذه التطورات:
جيبوتي
جيبوتي تقع مباشرة على الضفة الإفريقية المقابلة لباب المندب، وتستضيف بنية مينائية وعسكرية دولية تجعلها نقطة مركزية في أمن الملاحة. ومن شأن تصاعد التهديد الحوثي أن يزيد القيمة الاستراتيجية لجيبوتي، لكنه في الوقت نفسه يجعلها أكثر تعرضًا لأي توسع في الصراع.
أرتريا
أما إرتريا، فإن موقعها على الساحل الغربي للبحر الأحمر وموانئها، ولا سيما عصب ومصوع، يمكن أن يكتسب أهمية متزايدة في أي ترتيبات جديدة للمراقبة البحرية أو الإسناد اللوجستي. وهنا قد تتحول سواحل القرن الإفريقي تدريجيًا إلى امتداد أمني للجبهة اليمنية، بما يعيد رفع أهمية الموانئ والجزر والمواقع الساحلية في المنافسة الإقليمية.
الصومال
أما الصومال، فإن اتصال ساحله بخليج عدن يجعله عرضة لتداعيات اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التجارة، فضلًا عن احتمالات استغلال أي فراغ أمني من جانب شبكات القرصنة والتهريب والجريمة المنظمة. ومن ثم فإن أمن باب المندب وخليج عدن سيصبح أكثر ارتباطًا بأمن السواحل الصومالية.
السودان وبورتسودان في دائرة التأثير
رغم أن السودان ليس طرفًا مباشرًا في الصراع الحوثي، فإن موقعه على البحر الأحمر يجعل استقرار الملاحة عاملًا مهمًا في أمنه الاقتصادي والإنساني. ويكتسب ميناء بورتسودان أهمية استثنائية في ظل الحرب السودانية، باعتباره منفذًا رئيسيًا للتجارة والإمدادات والمساعدات الإنسانية.
ومن ثم فإن استمرار الاضطراب في باب المندب يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في تدفق السلع والمساعدات، بما يضيف ضغطًا جديدًا إلى بيئة سودانية تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وإنسانية. كما أن تصاعد المنافسة الدولية على البحر الأحمر قد يجعل الساحل السوداني أكثر أهمية في حسابات القوى الإقليمية والدولية.
الولايات المتحدة والقوى الدولية أمام معضلة الرد
تجد الولايات المتحدة والقوى البحرية الدولية نفسها أمام خيار صعب بين حماية حرية الملاحة وبين تجنب توسيع الحرب. فالتدخل العسكري المباشر يمكن أن يحد من قدرة الحوثيين على تهديد السفن، لكنه قد يحول باب المندب إلى جبهة جديدة في الحرب الإقليمية.
وفي المقابل، فإن عدم الرد قد يسمح للحوثيين بتثبيت واقع جديد تتحول فيه السيطرة على الساحل والجزر إلى أداة ردع وتفاوض. ولذلك فإن المسار المرجح يتمثل في تعزيز المراقبة البحرية، وحماية السفن، وتطوير القدرات الدفاعية، مع ممارسة ضغط عسكري محدود، بدل الانخراط الفوري في حرب برية واسعة داخل اليمن.
أوراق القوة في المعادلة الجديدة
الحوثيون: يملكون الآن السيطرة الجديدة على الساحل الغربي لليمن والجزر اليمنية بما فيها الجزر القريبة من باب المندب، ويملكون المسيرات والصواريخ والقدرة على تهديد الملاحة.
السعودية: تملك المملكة الربية السعودية العمق الاقتصادي وأمة الطاقة والنفوذ السياسي في الملف اليمني.
مصر: مصر تملك قناة السويس والموقع الجغرافي والقدرة البحرية والوزن السياسي.
إيران: إيران تملك النفوذ الإقليمي والقدرات الصاروخية، وموقع مضيق هرمز.
جيبوتي: تملك جيبوتي الموقع الاستراتيجي والموانئ والقواعد الأجنبية، والإشراف المباشر على مضيق باب المندب.
أرتريا: تملك حدودا ذات تماس مع باب المندب، وساحل بطول يزيد على الألف كلم وجزر قريبة من باب المندب والجزر اليمنية.
القوى الدولية: التفوق البحري والجوي والقدرات الاستخبارية وحماية التجارة الدولية
تداخل باب المندب وهرمز وخطر “الأزمة المزدوجة”
تزداد خطورة المشهد لأن أزمة باب المندب لا تجري بمعزل عن مضيق هرمز. فقد تراجعت حركة السفن في هرمز بصورة حادة، بينما انخفض عدد العبور في باب المندب من 28 إلى 21 عبورًا خلال يوم واحد وفق بيانات حديثة. وهذا التزامن يعني أن النظام البحري العالمي يواجه ضغوطًا متزامنة على اثنين من أهم الممرات التي تربط مصادر الطاقة والأسواق العالمية.
وإذا استمر هذا الوضع، فإن التأثير لن يكون محصورًا في أسعار النفط، بل يمكن أن يمتد إلى تكاليف التأمين والشحن وسلاسل الإمداد والتضخم وأسعار السلع. وقد انعكست المخاوف بالفعل على أسواق الطاقة، حيث تجاوز سعر خام برنت 107 دولارات للبرميل في 15 سبتمبر وسط تصاعد المخاطر الإقليمية.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: التهديد البحري المستمر دون إغلاق كامل.
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، إذ يمنح الحوثيين القدرة على استخدام باب المندب كورقة ضغط دون دفع القوى الدولية بالضرورة إلى حرب شاملة. ويمكن للجماعة رفع مستوى التهديد أو خفضه وفق تطورات الميدان والتفاوض.
السيناريو الثاني: الإغلاق الفعلي أو شبه الكامل للمضيق.
وهو السيناريو الأخطر، لأنه سيؤدي إلى إعادة توجيه جزء كبير من التجارة حول رأس الرجاء الصالح، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار الطاقة، وربما إطلاق عملية عسكرية دولية واسعة.
السيناريو الثالث: تدخل عسكري إقليمي ودولي.
قد تلجأ القوى المتضررة إلى عمليات بحرية وجوية مكثفة لاستعادة حرية الملاحة، لكن هذا الخيار يحمل خطر توسيع الحرب وتحويل باب المندب إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الحوثيين والقوى الدولية.
السيناريو الرابع: التسوية السياسية.
ويتمثل في تحويل السيطرة الحوثية على باب المندب إلى ورقة تفاوض ضمن تسوية أوسع تتناول مستقبل اليمن، والعلاقة السعودية-الحوثية، والدور الإيراني، وضمانات الملاحة الدولية.
التوصيات
- تحتاج دول البحر الأحمر والقرن الإفريقي إلى التعامل مع التطورات باعتبارها أزمة أمن إقليمي مشتركة وليس مجرد امتداد للحرب اليمنية. ويقتضي ذلك تعزيز آليات تبادل المعلومات والإنذار المبكر بين الدول الساحلية، وتطوير التعاون في مراقبة الممرات البحرية، ورفع جاهزية الموانئ والمنشآت الحيوية، خصوصًا في جيبوتي وإريتريا والسودان ومصر.
- كما ينبغي دعم ترتيبات إقليمية لحماية الملاحة لا تقتصر على القوى الدولية الكبرى، وإنما تشمل الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، بما يسمح بتحويل الأمن البحري إلى مسؤولية جماعية. وفي الوقت ذاته، ينبغي الحفاظ على قنوات سياسية مع مختلف الأطراف لتجنب تحول باب المندب إلى ساحة مواجهة دائمة.
- وعلى مصر والسودان ودول القرن الإفريقي، بصورة خاصة، إعداد خطط للتعامل مع استمرار اضطراب الملاحة، تشمل تنويع طرق الإمداد، وتأمين الموانئ، وتقدير انعكاسات ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، والاستعداد لاحتمالات تدفق لاجئين أو نازحين إضافيين من اليمن.
خلاصة تقدير الموقف
تكمن أهمية التطورات الأخيرة في أنها تنقل الأزمة من مجرد تهديد الحوثيين للملاحة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتمثل في امتلاكهم قدرة متزايدة على التأثير في بيئة الملاحة والتحكم في مستوى المخاطر المحيطة بها. والسيطرة على ميون والساحل الغربي لا تعني تلقائيًا امتلاك قدرة مضمونة على إغلاق باب المندب، لكنها تمنح الجماعة موقعًا استراتيجيًا جديدًا يمكنها من تحويل الجغرافيا البحرية إلى أداة ضغط سياسي وعسكري.
وبذلك، فإن الصراع المقبل لن يكون فقط حول السيطرة على الأراضي اليمنية، بل حول من يمتلك القدرة على التأثير في حركة البحر الأحمر وتحديد كلفة المرور عبر باب المندب. وإذا تمكن الحوثيون من تثبيت مواقعهم الجديدة، فإن القرن الإفريقي سيصبح بصورة متزايدة الجبهة الجنوبية لأمن البحر الأحمر، بينما سيتحول باب المندب إلى واحدة من أهم ساحات التنافس على النفوذ والطاقة والتجارة وقواعد الاشتباك في النظام الإقليمي الجديد.




