تحليلات

الطريق إلى الحوار الوطني: خارطة عمل

إعداد: د. الفاضل فرح الشريشابي

أسهمت الثقافة السياسية السودانية في تعميق الانقسامات المجتمعية وإدخال البلد في انسداد للأفق السياسي.. هي ثقافة قائمة على ردود الأفعال والانغلاق ورفض الآخر المخالف جملة وتفصيلا في سلوك لا يمت الي السياسة القائم على التواصل..

وفي خِضَمِّ الصراع المسلَّح، جرت عدَّة محاولات للتوصُّل إلى حلٍّ سياسي فتم إطلاق حوار وطني ويهدف هذا الحوار إلى بناء توافق وطني، ومعالجة الانسداد السياسي، وصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن وحدة البلاد وتجاوز عقلية المحاصصة والعمل على توسيع دائرة المشاركة وتجاوز احتكار النخب السياسية للقرار، من خلال إشراك القوى المجتمعية وترسيخ مفهوم المواطنة: تأتي هذه المبادرات لمعالجة أزمة الهوية الوطنية وتفكيك القوانين والخطابات الإقصائية إعادة بناء الثقة والعمل على سد الفجوة العميقة وأزمة الثقة المتجذرة بين المواطنين

“الحوار الوطني” ليس آلية مستقلة قائمة بذاتها، بل جرى تضمينه في إطار إجراءات قانونية أوسع تتعلق بكشف الحقيقة ومحاكمة مرتكبي الجرائم وإنصاف الضحايا.. حوار لا يستثنى احدا وباب لا يغلق وفرصة لصناعة مستقبل أفضل.

أولاً: الرؤية

بناء حوار وطني شامل يقود إلى مصالحة وطنية مستدامة، وتعزيز وحدة الدولة والمجتمع، وإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمعية، ووضع مشروع وطني جامع يحدد أولويات السودان وحقوق مواطنيه وواجبات مؤسساته.

الحوار الوطني ليس صفقة لتقاسم السلطة أو المناصب، وإنما آلية وطنية لفهم الخلافات ومعالجتها، وإدارة التنوع، والاتفاق على الحد الأدنى من الثوابت والمصالح الوطنية.

ثانياً: الأهداف الاستراتيجية

  • وقف حالة الاستقطاب السياسي والمجتمعي والانتقال من الصراع إلى الحوار.
  • إعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمعية.
  • معالجة جذور النزاعات السياسية والاجتماعية والجهوية.
  • الاتفاق على الثوابت الوطنية التي لا تخضع للمساومة.
  • وضع معايير واضحة ومتفق عليها لإدارة السلطة والانتقال السياسي.
  • توسيع المشاركة السياسية والمجتمعية.
  • حماية الحقوق والحريات العامة.
  • وضع مشروع وطني جامع يمثل الحد الأدنى من التوافق الوطني.
  • دعم المصالحات المحلية والمبادرات الشعبية.
  • تحويل الحوار من مناسبة سياسية مؤقتة إلى ثقافة وآلية مستدامة لإدارة الخلاف.

ثالثاً: المبادئ الحاكمة للحوار

1.المصارحة والمكاشفة

لا يمكن بناء الثقة دون الاعتراف بالأخطاء ومعالجة آثارها، مهما كانت صعوبة ذلك.

2.المساواة بين أطراف الحوار

لا حوار ناجحاً إذا دخل طرف باعتباره مالكاً للحقيقة أو أحق بالحكم من الآخرين.

3.نبذ الإقصاء

الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى إقصاء أو تخوين أو تعبئة ضد الآخرين.

4.احترام الثوابت الوطنية

القضايا المرتبطة بوحدة البلاد وسيادتها وحقوق المواطنين والرموز الوطنية لا ينبغي أن تكون موضوعاً للمساومة السياسية.

5.الاحتكام إلى الديمقراطية

قبول نتائج الحوار والآليات الديمقراطية جزء من الالتزام بالحوار نفسه.

6.أولوية المصلحة الوطنية

تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والشخصية والجهوية.

7.المشاركة المجتمعية

الحوار الوطني لا ينبغي أن يقتصر على النخب السياسية، بل يجب أن يشمل المجتمع المدني والشباب والمرأة والإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية والمثقفين والمهنيين.

رابعاً: خارطة العمل التنفيذية

المرحلة الأولى: تهيئة المناخ وبناء الثقة

الإجراءات

  • تشكيل لجنة تحضيرية مستقلة وذات قبول واسع.
  • فتح قنوات اتصال مباشرة بين القوى السياسية والمجتمعية.
  • وقف خطاب التخوين والتحريض والكراهية.
  • إطلاق مبادرات للتهدئة وبناء الثقة.
  • حصر القضايا التي تعيق الحوار وتصنيفها إلى قضايا عاجلة وقضايا استراتيجية.
  • الاتفاق على قواعد أولية للسلوك السياسي والإعلامي.
  • تشجيع المصالحات المحلية في المناطق المتأثرة بالنزاعات.

المخرج

وثيقة مبادئ لبناء الثقة وتهيئة المناخ للحوار الوطني

المرحلة الثانية: المصارحة والمكاشفة الوطنية

محاور المصارحة

  • أسباب الأزمات السياسية المتراكمة.
  • مسؤولية القوى السياسية والمؤسسات والمجتمع عن الأزمات.
  • آثار الصراعات على المواطنين.
  • الانتهاكات والظلم والتهجير والنزوح.
  • أسباب انهيار الثقة بين القوى السياسية.
  • أثر الخطاب القبلي والجهوي في تفكيك المجتمع.
  • الأخطاء المتعلقة بإدارة الدولة والسلطة العامة.
  • الاعتراف بالممارسات التي ساهمت في إقصاء الآخرين.

المخرج

تقرير وطني للمصارحة والمكاشفة يحدد جذور الأزمة والدروس المستفادة.

المرحلة الثالثة: الحوار المجتمعي الواسع

بدلاً من انتظار المؤتمر القومي، يبدأ الحوار من القاعدة إلى القمة.

المسارات

المسار السياسي:

الأحزاب والقوى السياسية والحركات والتيارات المختلفة.

المسار المجتمعي:

الإدارات الأهلية، منظمات المجتمع المدني، الشباب، المرأة، النقابات والمهنيون.

المسار الأكاديمي والفكري:

الجامعات ومراكز البحوث والخبراء والمثقفون.

المسار المحلي:

حوار داخل الولايات والمحليات حول قضاياها الخاصة.

الأولوية

إعطاء مساحة أكبر للفئات والمناطق التي ظلت خارج مراكز صناعة القرار.

المخرج

تقارير حوار ولائية ومجتمعية تُرفع إلى المؤتمر الوطني الجامع.

المرحلة الرابعة: تحديد الأولويات الوطنية

يتم الانتقال من مناقشة الخلافات إلى تحديد الأولويات الوطنية الكبرى.

الأولويات المقترحة

  • وحدة الدولة وسيادتها.
  • القوات المسلحة السودانية الضامن الوحيد والمحتكرة للسلاح
  • السلام والأمن والاستقرار.
  • حماية المدنيين وعودة النازحين واللاجئين.
  • إعادة الإعمار.
  • إنعاش الاقتصاد وتحسين مستوى المعيشة.
  • إصلاح مؤسسات الدولة.
  • بناء نظام سياسي ديمقراطي مستقر.
  • إصلاح الخدمة المدنية.
  • تطوير التعليم والصحة.
  • معالجة قضايا التنمية غير المتوازنة.
  • إدارة التنوع الاجتماعي والثقافي.
  • حماية الحقوق والحريات العامة.

المخرج

وثيقة الأولويات الوطنية العشرية.

المرحلة الخامسة: الاتفاق على قضية السلطة

المطلوبات

  • الاتفاق على قواعد واضحة للوصول إلى السلطة.
  • تحديد معايير المشاركة السياسية.
  • ضمان التداول السلمي للسلطة.
  • احترام نتائج الانتخابات.
  • منع احتكار السلطة.
  • وضع ضوابط لتولي المناصب العامة.
  • اعتماد الكفاءة والنزاهة والخبرة معايير أساسية لشغل الوظائف العامة.
  • الفصل بين المصلحة الحزبية والمصلحة العامة

المرحلة السادسة: إعداد المشروع الوطني الجامع

يتم تجميع مخرجات المراحل السابقة في برنامج وطني جامع يمثل الحد الأدنى الذي يمكن أن تلتقي حوله القوى المختلفة. ويتضمن البرنامج

  • شكل الدولة ونظام الحكم.
  • الهوية الوطنية وإدارة التنوع.
  • الاقتصاد والتنمية.
  • الأمن والدفاع.
  • العدالة وسيادة القانون.
  • الحقوق والحريات.
  • التعليم والصحة.
  • التنمية المتوازنة بين الأقاليم.
  • العلاقات الخارجية.
  • إعادة الإعمار.
  • مكافحة الفساد.
  • إصلاح مؤسسات الدولة.

المخرج

  • المشروع الوطني الجامع للسودان.
  • المرحلة السابعة: الميثاق الوطني

بعد الاتفاق على المشروع الوطني، توقع القوى السياسية والمجتمعية على ميثاق وطني ملزم أخلاقياً وسياسياً.

ويتضمن الميثاق:

  • احترام وحدة السودان وسيادته.
  • الالتزام بالحوار.
  • نبذ العنف السياسي والتحريض.
  • احترام التنوع.
  • رفض الإقصاء.
  • الالتزام بالديمقراطية.
  • احترام نتائج الآليات الديمقراطية.
  • حماية الحقوق والحريات.
  • الالتزام بالمصلحة الوطنية.
  • عدم استخدام القبيلة أو الجهة أداة للصراع السياسي

المرحلة الثامنة: إنشاء التحالف الوطني للحوار

يتم إنشاء إطار سياسي ومجتمعي واسع لا يكون حزباً جديداً، وإنما منصة للتنسيق وتنفيذ مخرجات الحوار

ومهامه على النحو التالي:

  • متابعة تنفيذ الميثاق الوطني.
  • مراقبة الالتزام بمخرجات الحوار.
  • دعم المصالحات المحلية.
  • تنسيق المبادرات المجتمعية.
  • رفع التقارير الدورية للرأي العام.
  • التدخل المبكر عند ظهور أزمات أو خلافات تهدد السلم الاجتماعي.
  • المرحلة التاسعة: المؤتمر الوطني الجامع

بعد استكمال الحوارات المجتمعية والسياسية والولائية، يعقد المؤتمر الوطني الجامع.

يناقش المؤتمر القضايا التالية:

  • تقرير المصارحة والمكاشفة.
  • تقارير الولايات والمجتمعات.
  • الأولويات الوطنية.
  • قضية السلطة.
  • المشروع الوطني الجامع.
  • الميثاق الوطني.
  • آليات التنفيذ والمتابعة

المخرج النهائي

اتفاق وطني شامل قابل للتنفيذ، وليس مجرد توصيات أو إعلان سياسي.

المرحلة العاشرة: التنفيذ والمتابعة والتقييم

وهنا يتطلب إنشاء آلية مستقلة للمتابعة والتقييم. ومهامها

  • تحويل كل مخرج إلى برنامج زمني.
  • تحديد الجهة المسؤولة عن التنفيذ.
  • تحديد الموارد المطلوبة.
  • وضع مؤشرات قياس الأداء.
  • إصدار تقارير دورية للرأي العام.
  • مراجعة مستوى الالتزام.
  • اقتراح المعالجات عند حدوث تعثر.

خامساً: معالجة معوقات الحوار

المعوقات والإجراء المقترح لمعالجتها:

ــــ التعصب الحزبي والتنظيمي الإجراء المقترح للمعالجة هو إنشاء ميثاق للسلوك السياسي

ـــ الولاءات الإثنية والجهوية ويجب أن تعالج بتعزيز المواطنة والمشاركة المتوازنة

ـــ أسر الماضي واجترار المقرارات يجب أن يعالج بالتركيز علي المصارحة والمصالحة والعدالة

ــــ شخصنة الصراعات يقابل بتحويل النقاش من الأشخاص إلى السياسات

ــــ غياب الثقة يقابلها إجراءات عملية لبناء الثقة

ـــ الخلاف حول السلطة يجب معالجتها من خلال وضع معايير وقواعد متفق عليها

ــــ غياب المشروع الوطني بالمساهمة في إعداد مشروع وطني جامع

ــــ تسييس الإعلام يعالج عبر وضع ميثاق للإعلام المسؤول

ــــ ضعف الوعي السياسي عبر عقد برامج توعية وحوار مجتمعي

ــــ إقصاء بعض القوى يعالج غبر العمل بتوسيع قاعدة المشاركة

ــــ البحث عن المصالح الخاصة عبر صياغة قواعد للشفافية وتضارب المصالح

ــــ عدم الالتزام بالنتائج بإنشاء آلية متابعة وضمانات تنفيذ

الأولويات

  • المصالحات القبلية والمجتمعية.
  • معالجة آثار النزوح والتهجير.
  • إعادة دمج المجتمعات المتضررة.
  • معالجة قضايا الأراضي والموارد.
  • إعادة بناء الثقة بين المكونات المحلية.
  • دعم المبادرات الشعبية.
  • إشراك القيادات المجتمعية والدينية والثقافية

الدور المطلوب من الإعلام

الإعلام شريك في صناعة السلام، وليس مجرد ناقل لأخبار الحوار وعليه يقترح:

  • إنشاء منصة إعلامية للحوار الوطني.
  • توفير مساحات متساوية للآراء المختلفة.
  • مكافحة خطاب الكراهية والتحريض.
  • نشر المعلومات الموثوقة.
  • شرح مخرجات الحوار للمواطنين.
  • تحويل المواطن من متلقٍ إلى مشارك.
  • إنشاء برامج إذاعية وتلفزيونية ومجتمعية للحوار.

الرسالة السياسية

إن الطريق إلى الحوار الوطني لا يبدأ بالمؤتمر، وإنما بإرادة سياسية واجتماعية حقيقية تسبقه. ولا يمكن أن يكون الحوار ناجحاً إذا دخلته القوى السياسية وهي تسعى إلى تأكيد انتصارها على الآخرين، أو تثبيت مواقعها ومكاسبها، أو انتظار تسوية لتقاسم المناصب.

الحوار الحقيقي يبدأ عندما يدرك الجميع أن السودان أكبر من الأحزاب، وأن الوطن لا يُبنى بالإقصاء، وأن الاختلاف السياسي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير بالحوار والمؤسسات والقانون.

وعليه، فإن مسؤولية تفعيل المصالحة الوطنية تقع على عاتق جميع أطراف الأزمة، وعلى الجميع تجاوز الاستغراق في تفاصيل الخلافات، والابتعاد عن فرض الشروط المسبقة، والاستجابة للإرادة الشعبية الواسعة في السلام والاستقرار والعيش المشترك. الهدف النهائي ليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن ينتصر السودان.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى