تقدير موقف

رفع العقوبات الأمريكية عن إريتريا: كنافذة لإعادة تموضع العلاقات في البحر الأحمر

يمثل القرار الأخير القاضي برفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على إرتريا في العام 2021، بسبب اتهامات لأرتريا بالتدخل في حرب التقراي التي اندلعت في الرباع من أكتوبر 2020، تطوراً لافتاً في مسار العلاقات بين واشنطن وأسمرا، ليس بسبب الأثر المباشر لإزالة عدد من الكيانات والأفراد الإريتريين من قوائم العقوبات فقط، وإنما أيضاً بسبب التوقيت الإقليمي للخطوة. فقد جاءت في لحظة يشهد فيها البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب تصاعداً غير مسبوق في أهميتها الأمنية والاستراتيجية، بالتوازي مع توسع العمليات الحوثية في اليمن وازدياد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية.

ومن الناحية القانونية، من المهم التمييز بين القول إن الولايات المتحدة “رفعت العقوبات عن إريتريا” وبين حقيقة أن العقوبات المرتبطة بالأمر التنفيذي رقم 14046 انتهت مع انتهاء حالة الطوارئ الوطنية التي استندت إليها. فقد كان الأمر التنفيذي، الصادر في 17 سبتمبر/أيلول 2021، يستهدف الأشخاص والكيانات التي اعتبرتها واشنطن مساهمة في الأزمة الإثيوبية وحرب تغراي، ومن بينها قوات الدفاع الإريترية وحزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة وشركة البحر الأحمر التجارية وغيرها. وفي 18 سبتمبر/أيلول 2026 أزيلت هذه الإدراجات من قوائم العقوبات، بينما وصفت أسمرا الخطوة بأنها رفع للعقوبات الأمريكية المفروضة عليها .

ما هو أهمية التوقيت الآن؟

لا يمكن فصل التطور عن التحولات التي طرأت على البيئة الاستراتيجية للبحر الأحمر خلال عام 2026. فالممر البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس أصبح أكثر تعرضاً للمخاطر نتيجة الصراع في اليمن، فيما تزايدت المخاوف الدولية من امتداد التوترات إلى حركة التجارة والطاقة العالمية. وفي الأسبوعين الأخيرين وسعت جماعة أنصار الله الحوثي نطاق سيطرتها على الساحل الغربي والموانئ الغربية لليمن وأكملت سيطرتها على جزيرة ميون التي تتحكم في مدخل باب المندب الجنوبي، الأمر الذي رفع القيمة الجيوسياسية للدول المطلة على الضفة الإفريقية للبحر الأحمر.

وفي هذا السياق، تكتسب إريتريا أهمية خاصة بحكم موقعها الجغرافي وساحلها الطويل على البحر الأحمر، وامتلاكها ميناءي عصب ومصوع وأرخبيل دهلك. وهذا يعني أن الموقع الإريتري أصبح أكثر حضوراً في الحسابات المتعلقة بأمن الملاحة والبحر الأحمر. ومن ثم يمكن قراءة انتهاء العقوبات باعتباره جزءاً من إعادة تقييم أوسع لأهمية العلاقة مع أسمرا، خصوصاً أن واشنطن باتت تتعامل مع منطقة البحر الأحمر باعتبارها ساحة مترابطة أمنياً واقتصادياً مع الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.

هل انتهاء العقوبات يعني انتهاء الخلافات؟

على الرغم من الترحيب الإريتري بالخطوة، فإنها لا تعني أن جميع الملفات الخلافية بين البلدين قد اختفت. فالعقوبات الأمريكية التي فُرضت في 2021 كانت مرتبطة أساساً بالأزمة الإثيوبية، وقد قالت وزارة الخزانة الأمريكية عند فرضها إن وجود القوات الإريترية في شمال إثيوبيا كان أحد العوامل التي اعتبرتها واشنطن معرقلة لإنهاء الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية. وبالتالي فإن انتهاء الأساس القانوني لهذه العقوبات لا يلغي تلقائياً الملفات الأخرى التي شكلت مصدر توتر في العلاقات الأمريكية–الإريترية، وفي مقدمتها حقوق الإنسان والحريات السياسية والخدمة الوطنية والوضع الداخلي. كما أن إنهاء إطار عقوبات محدد لا يعني بالضرورة انتهاء جميع القيود أو السياسات الأمريكية الأخرى تجاه إريتريا.

وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة؛ إذ إن المؤشر الأكثر دلالة لن يكون مجرد إزالة الأسماء من القوائم، وإنما ما إذا كانت واشنطن ستنتقل إلى سياسة انخراط سياسي ودبلوماسي واقتصادي أكثر اتساعاً.

البحر الأحمر كبوابة محتملة لإعادة بناء العلاقة

يبدو أن الأمن البحري سيكون المجال الأكثر قابلية لأن يتحول إلى نقطة اتصال عملية بين واشنطن وأسمرا. فالتوترات المتصاعدة في باب المندب جعلت الدول الواقعة على الضفة الإفريقية للبحر الأحمر أكثر أهمية بالنسبة للحسابات الدولية. وتتمتع إريتريا بميزة جغرافية لا تتوافر لكثير من دول المنطقة؛ فهي تقع على مقربة من باب المندب، وتشرف على جزء حساس من خطوط الملاحة بين قناة السويس والمحيط الهندي. وفي ظل تصاعد المخاطر التي تواجه السفن التجارية، يمكن أن يصبح الحوار مع أسمرا بشأن المراقبة البحرية، أمن الملاحة، مكافحة التهريب، حماية الممرات البحرية وتبادل المعلومات أحد مداخل إعادة بناء العلاقة.

لكن من المهم عدم المبالغة في هذا الاحتمال. فالتعاون الأمني لا يعني بالضرورة تحالفاً عسكرياً، كما أن وجود مصالح أمريكية في المنطقة لا يعني تلقائياً إقامة منشآت عسكرية جديدة في إريتريا. فالولايات المتحدة لديها بالفعل وجود عسكري في جيبوتي، ما يجعل أي تعاون محتمل مع إريتريا قابلاً لأن يكون جزءاً من شبكة أوسع للأمن البحري وليس بديلاً مباشراً عن الوجود الأمريكي القائم.

أسمرا وفرص إعادة فتح القنوات مع واشنطن

بالنسبة لإرتريا، فالخطوة الأمريكية فرصة دبلوماسية مهمة بعد سنوات من التوتر. وقد رحبت أسمرا رسمياً بانتهاء العقوبات، معتبرة أنها كانت إجراءات أحادية الجانب أضرت بالبلاد. لكن السياسة الخارجية الإريترية تقوم تقليدياً على المحافظة على هامش واسع من الاستقلالية وعدم الارتهان لتحالف خارجي واحد. لذلك فإن أسمرا قد تسعى إلى استثمار الانفتاح الأمريكي دون أن يتحول ذلك إلى اصطفاف كامل مع واشنطن.

وهذا يعني أن إريتريا قد تستخدم التحسن في العلاقات مع الولايات المتحدة للحصول على مساحة أكبر للمناورة الدولية، خصوصاً في ظل علاقاتها مع دول الخليج وتركيا وروسيا والصين، وموقعها ضمن التنافس المتزايد على النفوذ في البحر الأحمر. ومن هذه الزاوية، فإن أهمية الخطوة بالنسبة إلى أسمرا لا تتعلق فقط بالعقوبات، بل بإعادة إدخال الولايات المتحدة بوصفها طرفاً يمكن التفاوض معه مباشرة في ملفات المنطقة.

إثيوبيا في الحسابات الأمريكية الإريترية

يصعب تصور إعادة بناء العلاقة بين واشنطن وأسمرا بمعزل عن إثيوبيا. فالعقوبات التي انتهت جذورها تعود إلى حرب تغراي، التي شاركت فيها القوات الإريترية إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية. وقد جعلت واشنطن هذا الدور أحد المبررات الرئيسية للعقوبات التي فرضتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

واليوم، وعلى الرغم من انتهاء الحرب رسمياً باتفاق بريتوريا في 2022، فإن التوترات في شمال إثيوبيا لم تختفِ بصورة كاملة، كما أن ملفات غرب تغراي والعلاقة بين أديس أبابا وأسمرا تظل من الملفات الحساسة في أمن القرن الإفريقي. وتزداد أهمية ذلك في ضوء استمرار التنافس والإصرار الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر، والتوترات المرتبطة بالعلاقات الإثيوبية الإريترية. ومن ثم، فإن أي انفتاح أمريكي على أسمرا سيكون بحاجة إلى إدارة دقيقة حتى لا يتحول إلى عنصر إضافي في التنافس بين إريتريا وإثيوبيا.

 البعد الأمني أكثر إلحاحا من البعد الاقتصادي

قد تفتح إزالة العقوبات المجال أمام إعادة تقييم القطاع الخاص الأمريكي للمخاطر المرتبطة بإريتريا، إلا أن انتقال ذلك إلى استثمارات واسعة لن يكون تلقائياً.

فالاقتصاد الإريتري ما زال يتمتع بدرجة مرتفعة من سيطرة الدولة، كما أن البيئة الاستثمارية والمؤسسية تظل أحد العوامل التي ستحدد قدرة البلاد على جذب رؤوس الأموال الخارجية. ولذلك فإن الأثر الاقتصادي الأول للخطوة قد يظهر في إعادة فتح قنوات الحوار التجاري والاستثماري قبل أن يتحول إلى تدفقات استثمارية كبيرة.

وفي هذا المجال، يمكن أن تصبح قطاعات مثل التعدين والطاقة والبنية التحتية والموانئ واللوجستيات ذات أهمية خاصة، لكن تطورها سيظل مرتبطاً بالبيئة التنظيمية والسياسية داخل إريتريا وبمدى استعداد واشنطن لتوسيع الانفتاح إلى ما يتجاوز العقوبات التي انتهت حالياً.

التنافس الدولي على البحر الأحمر يمنح إريتريا هامشاً أكبر للمناورة

تأتي إعادة الانفتاح الأمريكي على إريتريا في بيئة إقليمية تتنافس فيها قوى دولية وإقليمية متعددة على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فالصين لديها حضور اقتصادي وبحري واسع في المنطقة، وروسيا تسعى إلى تعزيز حضورها في البحر الأحمر، بينما تحتفظ دول الخليج وتركيا وإسرائيل بمصالح متفاوتة في موانئ المنطقة وأمنها. وفي هذا السياق، قد تصبح إريتريا أكثر قدرة على استخدام موقعها الجغرافي كورقة تفاوضية. فبدلاً من أن تكون أسمرا موضوعاً للعقوبات والضغط الخارجي، يمكن أن تتحول تدريجياً إلى طرف تتنافس القوى المختلفة على بناء علاقة معه.

لكن ذلك سيضع إريتريا أيضاً أمام اختبار دقيق: كيف تستفيد من التنافس الدولي من دون أن تتحول إلى ساحة لهذا التنافس؟ وهذه النقطة ستكون حاسمة، خصوصاً إذا ارتفعت قيمة الموانئ الإريترية في الحسابات الأمنية الدولية.

 ماذا يعني ذلك لمستقبل العلاقات؟

يمكن تصور مستقبل العلاقات الأمريكية الإريترية على ثلاثة مستويات مترابطة.

المستوى الدبلوماسي:

ويتمثل في زيادة الاتصالات والزيارات والحوار المباشر بعد سنوات من التوتر. ورفع مستوى الحضور الدبلوماسي المتبادل، ورفع القيود المتبادلة عن الدبلوماسيين والمسؤولين في البلدين.

المستوى الأمني والاستراتيجي

حيث يمكن أن يتركز التعاون المحتمل على أمن البحر الأحمر ومكافحة التهريب وحماية الملاحة والاستقرار الإقليمي. ما يدفع مستوى العلاقات بين الطرفين إلى مستوى استعادة الثقة.

 المستوى الاقتصادي

الذي قد يتحرك تدريجياً إذا توافرت بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والتجارة. وتخفيف الحكومة الإرترية من احتكارها للاقتصاد في البلاد مع تشريعات تطمئن رؤوس الأموال والمستثمرين.

لكن الانتقال من المستوى الأول إلى المستويين الثاني والثالث سيبقى مشروطاً بقدرة الطرفين على إدارة الملفات الخلافية، وليس فقط بالاعتبارات الاستراتيجية.

 خلاصة

في سياق تحليل القرار الأمريكي الأخير مهم تذكر أن ما حدث هو رفع عقوبات “جزئي حيث تم رفع العقوبات فقط التي فرضت بموجب الأمر التنفيذي رقم 14046 لعام 2021، ولا يعني ذلك أن جميع العقوبات الأمريكية على إريتريا قد ألغيت. هذا مهم لفهم السياق الصحيح لطبيعة القرار. ومن المرجح أن تدخل العلاقات الأمريكية الإريترية فترة “تعاون ذي طابع وظيفي ومحدود.

ولكن يمكن القول كذلك أن الخطوة الأمريكية الأخيرة ليست مجرد إجراء تقني يتعلق بقائمة العقوبات، لكنها في الوقت نفسه لا ترقى بعد إلى مستوى إعلان تحول كامل في السياسة الأمريكية تجاه إريتريا. والأدق النظر إليها باعتبارها نافذة لإعادة اختبار العلاقة في ظرف تغيرت فيه أهمية القرن الإفريقي والبحر الأحمر في الحسابات الأمريكية.

فبالنسبة لواشنطن، فقد أصبحت إريتريا أكثر أهمية بسبب موقعها البحري والاضطراب المتزايد في باب المندب والبحر الأحمر. وبالنسبة إلى أسمرا، يوفر انتهاء العقوبات فرصة للخروج من مرحلة الضغط المرتبط بحرب تغراي وفتح قنوات جديدة مع قوة دولية كبرى، مع الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي. ومن هنا، فإن المؤشرات الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة لن تكون مجرد بقاء العقوبات أو زوالها، وإنما مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتطور الاتصالات الأمنية، وطبيعة أي تعاون في البحر الأحمر، ومدى انفتاح الاقتصاد الإريتري، وموقف واشنطن من الملفات السياسية وحقوق الإنسان داخل إريتريا.

وعليه، فإن المسار المقبل للعلاقات الأمريكية الإريترية قد يتجه نحو انخراط براغماتي وانتقائي أكثر منه تحالفاً شاملاً؛ انخراط تحكمه بصورة متزايدة حسابات البحر الأحمر والقرن الإفريقي، لكن تحده في الوقت نفسه ملفات سياسية وحقوقية وإقليمية لم تُحسم بعد.

 

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى