- بينيديكت إرفورث:باحث أول في المعهد الألماني للتنمية والاستدامة (IDOS) ومدير مشروع “Megatrends Afrika”.
- لينا غوتهايل: باحث أول في المعهد الألماني للتنمية والاستدامة (IDOS) ومشارك في مشروع “ميجاتريندز أفريكا” (Megatrends Afrika).
- المعهد الإفريقي للدراسات الأمنية
- 10 سبتمبر 2026
ينبغي لشراكة الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي أن تستوعب التعددية القائمة داخل كلا الاتحادين، وأن تتسم بالشفافية بشأن المصالح، وأن تتيح تعاوناً عملياً بين تحالفات من الدول الراغبة في ذلك، مما يساعد في تقريب الطموحات المعلنة من الممارسات الفعلية.
لا تفتقر العلاقة بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي إلى الطموح؛ ففي كل قمة تجمع بينهما، يتكرر مشهد مألوف: إذ يتحدث القادة في البيانات المشتركة عن شراكة قائمة على الاحترام المتبادل والازدهار المشترك والقيم المشتركة. وقد استُهل البيان الأحدث -الذي صدر في القمة السابعة للاتحادين في لواندا في نوفمبر 2025- بالإشادة بـ “شراكة فريدة واستراتيجية تعمقت باطراد من حيث النطاق والطموح والأهمية السياسية”.
ولا يعني الطابع الروتيني لهذه القمم وبياناتها أنها عديمة القيمة؛ فهي تجمع الأطراف الفاعلة ذات وجهات النظر والمصالح المتباينة حول طاولة واحدة وتخلق لغة مشتركة للتعاون. وكما قال ديفيد موس: “ربما تكون السياسة الجيدة غير قابلة للتنفيذ” – مشيراً بذلك إلى الطريقة التي تتجاوز بها وثائق السياسات بحذرٍ الخلافات التي تبدو عصية على الحل. وفي الواقع، تحتاج جميع السياسات إلى تفكيك وفهم في سياقها الصحيح قبل الشروع في تنفيذها.
لقد أصبحت الفجوة بين الشراكة كما هي معلنة والشراكة كما هي مطبقة فعلياً إحدى السمات الأكثر رسوخاً في العلاقات بين الاتحادين؛ إذ تعود التفاوتات الهيكلية للظهور مجدداً في الفترات الفاصلة بين القمم: سواء في المفاوضات المتعلقة بالهجرة، أو العلاقات التجارية، أو في تحديد شروط الاستثمار والجهات التي تقبلها. ورغم تحسن التنسيق على مر السنين، إلا أن مستوى التنفيذ ظل متأخراً. وقبيل قمة لواندا لعام 2025، أصدر الاتحادان تقريراً مشتركاً للمتابعة لتقييم التقدم المحرز نحو “الرؤية المشتركة لعام 2030″، غير أن هذه العملية لم تقدم إطاراً واضحاً للأهداف ولا تقييماً شاملاً للتنفيذ، بل ركزت فقط على مشاريع مختارة ضمن مجالات ذات أولوية.
ومن ثم، فإن ما تفتقر إليه شراكة الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي هو عملية منظمة تترجم وحدتها المعلنة إلى تحالفات مركزية وقابلة للإدارة بين أطراف ذات مصالح مشتركة، مما يتيح إقامة شراكات تنفيذية عملية ومتمايزة. وهذا يتطلب الإقرار بالتعددية، والإفصاح عن المصالح بشفافية، وإبداء الاستعداد للتركيز وتحديد الأولويات والالتزام.
الإقرار بالتعددية
إن الميل إلى التقليل من شأن التعددية القائمة بين المجموعتين، والتعامل مع الاتحاد الأوروبي أو الاتحاد الأفريقي كفاعل موحد، يولد توقعات غير واقعية ويحجب المصالح والأولويات والقيود المتنوعة التي تشكل عملية صنع القرار لدى الجانبين.
تتباين سياسات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشكل كبير في تعاملها مع الدول الأفريقية. فعلى سبيل المثال، اختلفت استجابة الدول الأعضاء لموجة الانقلابات العسكرية الأخيرة في منطقة الساحل من حيث الانخراط الدبلوماسي، والمساعدات الإنسانية، وتحقيق الاستقرار الإقليمي، أو الانسحاب وفك الارتباط. وتلعب الاختلافات الجغرافية وموروثات الإمبراطورية والاستعمار والهيمنة الخارجية دوراً في تشكيل المواقف المتعلقة بالهجرة والأمن والدبلوماسية والتعاون الإنمائي. وتُعد التجارة استثناءً بارزاً في هذا الصدد، نظراً لاختصاص الاتحاد الأوروبي الحصري في هذا المجال.
وبالمثل، ورغم أن الاتحاد الأفريقي يوفر إطاراً قارياً مهماً، إلا أنه لا يلغي تنوع المصالح والقدرات والرؤى الاستراتيجية بين الدول الأعضاء فيه. والواقع أن مؤسسات الاتحاد ظلت ضعيفة نسبياً عن عمد؛ نظراً لتردد الدول الأعضاء في نقل صلاحيات جوهرية إليه، مما جعل المنظمة رهينة للإرادة السياسية للحكومات الوطنية. فبينما تفضل بعض الحكومات إقامة شراكة أقوى بين القارتين مع الاتحاد الأوروبي، تظل حكومات أخرى مهتمة في المقام الأول بإعادة تشكيل علاقة لا تزال تنظر إليها من منظور الموروثات الاستعمارية. كما أن الدول الأفريقية تتعامل مع الاتحاد الأوروبي من منطلقات اقتصادية وسياسية متباينة للغاية، ويمكنها الاستعانة بمجموعة متزايدة التنوع من الشركاء الخارجيين، بمن فيهم الصين ودول الخليج؛ وينعكس هذا التنوع في خيارات السياسة الخارجية للدول الأفريقية.
تتطلب الشراكة العملية بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي تغييراً في العقلية يأخذ في الاعتبار التعددية الداخلية لكلا المنطقتين، مع الإقرار بتفاوت مستويات التكامل والسلطة والقدرات المؤسسية لدى المنظمات فوق الوطنية التابعة لكل منهما. ورغم أن تعميق التكامل الإقليمي يظل أمراً ضرورياً ومرغوباً فيه، إلا أنه لا ينبغي ربط التعاون المشترك بمدى التقدم المحرز في هذا المسار.
إضفاء الشفافية على المصالح
ثمة حاجة إلى تحول ثانٍ نحو مزيد من الشفافية بشأن المصالح. تظل القيم ركيزةً مهمة لتحديد ما يُعد مشروعاً ولتشكيل كيفية السعي لتحقيق الأهداف السياسية، غير أن المصالح ذاتها تتطلب تسميتها بوضوح أكبر وبناء التعاون على أساسها.
لطالما تشكلت العلاقات الأفريقية الأوروبية بناءً على المصالح، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية. وتكمن المشكلة -خلافاً لما تشير إليه بعض الدراسات النقدية- ليس في وجود هذه المصالح، بل في عدم الاعتراف بها لفترة طويلة. ومن منظور معين، تُعد الشفافية شرطاً مسبقاً ضرورياً لمعالجة التفاوتات الهيكلية في الثروة والسلطة والنفوذ بين الطرفين. فعلى مدى سنوات، قُدِّم الانخراط الأوروبي في الغالب بمصطلحات تتسم بالإيثار أو الالتزام بالمعايير والقيم، بينما كان يُتوقع من الحكومات الأفريقية أن تتماشى مع هذا السرد، رغم أنها كانت تسعى لتحقيق أهدافها الاستراتيجية الخاصة. وقد عزز كلا الجانبين تصوراً خيالياً بات يتعارض بشكل متزايد مع الحقائق التي يفرضها نظام دولي متغير. ومع تزايد وضوح المصالح الاستراتيجية لأوروبا على أرض الواقع، أصبح من الصعب دحض الاتهامات المتكررة بازدواجية المعايير والنفاق ووجود أجندات خفية.
إن زيادة الشفافية تجعل المفاوضات أكثر إنصافاً؛ فالاعتراف المتبادل بمصلحة أوروبا في تأمين سلاسل التوريد والمواد الخام الحيوية أو إدارة ملف الهجرة يتيح للحكومات الأفريقية التفاوض من موقع مطلع، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لتوقعات ضمنية تغلفها خطابات معيارية. ومنذ إطلاق مبادرة “البوابة العالمية” (Global Gateway)، أصبح الاتحاد الأوروبي أكثر صراحة بشأن مصالحه الاستراتيجية؛ ويتجلى ذلك في مشاريع مثل “ممر لوبيتو” (Lobito Corridor)، الذي صِيغ بوضوح حول هدف تأمين المواد الخام الحيوية للصناعة الأوروبية بدلاً من التركيز على مخرجات التنمية. وتُعد هذه الخطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن المزيد من الصراحة بشأن المصالح يستلزم أيضاً تنسيقاً استراتيجياً أكثر شمولاً وتحديداً للأولويات داخل الاتحاد الأوروبي. وبالمثل، وفي ظل تنافس القوى الأجنبية لكسب النفوذ في أفريقيا، باتت الحكومات الأفريقية تعبّر بشكل متزايد عن مصالحها الخاصة المتمثلة في التصنيع، وإضافة القيمة، وتنويع الشركاء، والسيادة الاقتصادية، بدلاً من الاعتماد على المساعدات. ومن ثم، تتيح الشفافية للطرفين تقييم مواضع التقارب والتباعد في المصالح، وتحديد المجالات التي تتيح التوصل إلى تسويات تعود بالنفع المتبادل. وفي نهاية المطاف، تعمل الشفافية على تعزيز -وليس إضعاف- الأسس المعيارية للشراكة بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي.
التركيز والالتزام
تحتاج الشراكة أيضاً إلى تبني نهج أكثر واقعية وعملية فيما يتعلق بمجالات تركيزها. لطالما اتسمت الشراكة بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي بأجندة تتوسع باستمرار، حيث تُضاف مبادرات جديدة بانتظام دون بذل جهود موازية لتحديد الأولويات أو دمج المبادرات القائمة. وقد رصد كارلوس لوبيز، الممثل السامي السابق للاتحاد الأفريقي للشراكات مع أوروبا، ما لا يقل عن 52 مبادرة أطلقتها المفوضية الأوروبية وحدها بين عامي 1972 و2020 بهدف تعزيز العلاقات مع أفريقيا. وكانت النتيجة عبارة عن خليط مشتت من الأطر المتداخلة التي تفتقر إلى توجيه استراتيجي واضح وتعاني من تفاوت في مستوى التنفيذ
تُعد مبادرة “البوابة العالمية” (Global Gateway) مثالاً يجسد طموح الاتحاد الأوروبي لمعالجة هذا التحدي، وفي الوقت نفسه يبرز صعوبة التغلب عليه. ورغم أن المبادرة صُممت لتقدم عرضاً أكثر استراتيجية ويركز على الاستثمار للدول الشريكة، إلا أنها أثارت مخاوف تتعلق بالشفافية والحوكمة ومبدأ الملكية (أي تولي الشركاء زمام المبادرة)، فضلاً عن الحاجة إلى نهج يستجيب بشكل أكبر للاحتياجات الفعلية لتلك الدول. وتتمثل العبرة الأوسع في حقيقة بسيطة: لا تعتمد المصداقية على الإعلان عن شراكات جديدة بقدر ما تعتمد على التنفيذ الفعلي والمستمر للشراكات القائمة.
لقد ساعد نهج “فريق أوروبا” (Team Europe) -الذي يجمع بين المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء ومؤسسات التمويل التنموي التابعة لها- في تنسيق جهود هذه المجموعة المتنوعة من الأطراف الفاعلة. ومع ذلك، فإن التنسيق وحده لا يضمن بالضرورة تحقيق اتساق استراتيجي. ومع تصاعد حدة المنافسة الجيوسياسية، يمكن لـ “فريق أوروبا” أن يتطور ليصبح إطاراً سياسياً أكثر فاعلية لتحديد الأولويات المشتركة والاستفادة من نقاط القوة الأوروبية المتكاملة.
وتتمثل إحدى سبل المضي قدماً في تطوير تعاون أكثر تركيزاً حول مجالات محددة ذات اهتمام مشترك، بحيث تتولى قيادتها جهات رائدة متخصصة (أو ما يُعرف بـ “أبطال المبادرات الموضوعية”). فبدلاً من توقع اتفاق جميع الدول الأعضاء في الاتحادين الأفريقي والأوروبي على كل قضية، يمكن للشراكات العملية أن تجمع الأطراف الراغبة والقادرة على التعاون في مجال معين. ومن شأن ذلك أن يتيح الحفاظ على علاقة سياسية شاملة، مع توجيه الاهتمام السياسي والموارد نحو المجالات التي تتوفر فيها فرص واقعية للتنفيذ. كما يستجيب هذا النهج للمخاوف التي أبداها مسؤولون أفارقة شككوا في جدوى الشراكات الشاملة التي قد تصبح واسعة النطاق لدرجة تعيق تحقيق نتائج ملموسة.
نحو شراكات عملية
إن التطلع إلى شراكة موحدة تحركها في المقام الأول قيم الإيثار والالتزام بمصالح عامة مجردة هو أمر غير واقعي. وبدلاً من ذلك، يتعين على العلاقة بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي أن تتكيف للعمل في عالم لا مفر فيه من المصالح الاستراتيجية، والمنافسة الجيوسياسية، وحسابات “الربح والخسارة المطلقة” (حيث يكون مكسب طرف ما خسارة محققة للطرف الآخر) في بعض الأحيان. ومع ذلك، فإن هذا لا يحول دون تحقيق تعاون مثمر؛ إذ تواصل المنطقتان تقاسم مجالات هامة ذات اهتمام مشترك، بدءاً من التحول الاقتصادي والعمل المناخي ووصولاً إلى السلام والأمن والتنمية البشرية.
وعليه، فإن التحدي لا يكمن في الاختيار بين المثالية والنهج القائم على تبادل المصالح (البراغماتية النفعية)، بل في تطوير شكل أكثر عملية وواقعية للشراكة: شراكة تقر بالتعددية، وتتسم بالشفافية بشأن المصالح، وتوجه الاهتمام السياسي نحو نقاط التقاء تلك المصالح، وتقبل حقيقة أن التقدم سيكون متفاوت الوتيرة عبر مختلف مجالات السياسات.
وإذا كان كل من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي لا يمثلان كياناً أحادياً متجانساً، فإن الشراكة الفعالة بين المنطقتين لا ينبغي أن تشترط التوصل إلى اتفاق شامل بين جميع الأطراف الفاعلة كشرط مسبق للتعاون. بل ينبغي أن تتيح المجال لتحالفات متنوعة من الأطراف الفاعلة للتعاون في المجالات التي تتداخل فيها المصالح والقدرات.
وبناءً على ذلك، قد لا يعتمد مستقبل العلاقات بين الاتحادين الأفريقي والأوروبي على التوصل إلى اتفاق بشأن كل شيء، بقدر ما يعتمد على تعلم كيفية “الاتفاق على الاختلاف” مع الاستمرار في التعاون في القضايا الجوهرية. ولن تحل هذه الشراكات العملية محل العلاقة الأوسع نطاقاً بين الاتحادين، بل ستضفي عليها مزيداً من المصداقية من خلال ربط الخطاب السياسي الطموح بمجالات تمتلك فيها الأطراف الفاعلة كلاً من المصلحة والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة.




